فـخ الـزواج كـاملة
فـخ الـزواج كـاملة
مكالمة نص الليل.. الهروب من الفخ"
المكالمة مكملتش ٥ ثواني.. بس كانت كفيلة تهد حياة كاملة كنت برسمها.
خطيبي، ياسين، كلمني "فيديو كول" وهو عند أهله، بيسألني: "يا حبيبتي، مفارش الترابيزات في القاعة تبقى لونها كشمير ولا أبيض؟" الفرح كان بكره، والشقة كانت عبارة عن كراتين في كل حتة.. شمع، كروت دعوة، أكياس "بونبوني" صغيرة ولادي ساعدوني نربطها بشرايط ستان… بقلم مني السيد
قلت له بابتسامة رغم الهلك والضغط: "خليها كشمير يا ياسين، هتمشي أكتر مع الورد."
قال لي: "تمام يا قلبي، ثواني بس ماما بتنادي عليا."
الشاشة اسودت، بس هو مقفلش السكة. أنا افتكرت إنه هيرجع يكمل معايا، فسندت الموبايل على فازة ورد وكملت تطبيق الفوط والمناديل.
فجأة، سمعت صوت.. مش وش في الخلفية، لأ، ده كلام واضح جداً وقريب من الموبايل. المكالمة لسه مفتوحة!
سمعت صوت والدته، الحاجة صفاء، بتقول له بحدة: "ها يا ياسين، خليتها تمضي؟"
ياسين ضحك ببرود وقال لها: "قربت خلاص.. هي بس بتقلق من كتر الورق، بس بعد الفرح هتمضي على أي حاجة أقولها لها، هي ما صدقت لقت حد يلمها."
إيدي اتجمدت مكانها. وقفت أبص للشاشة السودة وهي بتنطق غدر.
دخل أخوه هاني في الكلام وهو بيضحك: "خصوصاً إن معاها عيلين، هي هتموت على استقرار وتتجوز وخلاص، والفرصة دي بالنسبة لها طوق نجاة."
ياسين كمل وبصوت واثق ومستفز: "بالظبط.. عيلين من راجل تاني، ومطلقة، ومعندهاش حد.. أكيد هتمسك في أي حد يعمل لها بيت."
معدتي قلبت. ولادي، ياسين الصغير وليلي، كانوا نايمين في الأوضة
اللي جنبنا، كان عندهم حماس مش طبيعي لبكره.. لبسوا الهدوم اللي هيحضروا بيها وجهزوا الورد اللي هيرشوه في الزفة. ياسين كان راسم عليهم دور الأب الحنين، ووعدهم إننا هنبقى عيلة واحدة بجد.
صوت الحاجة صفاء بقى أحدّ: "والشقة يا ابني؟ أبوك بيقول لك أوعى تتجوزها من غير ما تضمن حقك في العقد. مش هنسيبها تشاركك في شقا عمرك."
ياسين رد بهدوء: "يا أمي ارتاحي، أنا مرتب كل حاجة مع المحامي. الورق اللي مجهزينه يخلي أي حاجة معاها تبقى ملكي، لكن اللي باسمي يفضل باسمي.. ولو فكرت تمشي في يوم، تخرج زي ما دخلت، بشنطة هدومها بس."
هاني كمل بخبث: "وموضوع المصاريف؟ أوعى تلبس في مصاريف عيال مش عيالك."
ياسين نفخ بضيق: "لا طبعاً، هخليها تمضي على إقرار إن ماليش دعوة بمصاريفهم بعد الجواز. حتى التأمين الصحي بتاعي هسجلهم فيه فترة وأشيلهم وقت ما تعجبنيش، عشان تفضل محتاجالي."
الخنقة اللي جت لي في زوري كانت هتموتني. كتمت نفسي بإيدي عشان ميسمعوش أي صوت.
الحاجة صفاء قالت: "كويس.. وأول ما تتجوزوا، تنسى بقى موضوع 'الحساب البنكي المشترك' ده. الفلوس في إيدك إنت، والكلمة كلمتك."
ياسين رد: "هي أصلاً بدأت تقتنع.. عمالة تسألني أسيب الشغل بعد الجواز عشان أتفرغ للبيت والعيال؟ وأنا سايبها تفتكر إن ده قرارها هي."
ضحكوا.. ضحكوا كأن حياتي وحياة ولادي مجرد سبوبة أو لعبة كسبوها.
رجعت لورا بعيد عن الموبايل وكأنه قنبلة. كل ذكرى حلوة لياسين وهو بيذاكر لليلي، أو بيلعب كورة مع ياسين الصغير، اتقلبوا في عيني لمشاهد تمثيل. مكنش حب.. كان
تخطيط. بقلم مني السيد
الجملة اللي قطعت آخر خيط أمل عندي كانت من أمه: "المهم الفرح يتم بكره. بعد ما تبقى في بيتك، هنعرف نكسر مناخيرها ونعلمها الأدب لو فكرت تتنمر، وساعتها هنفكرها إن ملهياش حتة تانية تروحها."
قلبي كان بيدق بقوة خفت يسمعوها من السماعة.
ياسين قال بثقة: "مش هتمشي.. معاها عيال، وهي محتاجاني."
بصيت لأوضة ولادي.. وفي اللحظة دي، الغشاوة راحت.
هم مش محتاجينه.. هم محتاجين "أنا".
مسكت الموبايل بإيد بتترعش وقفلت السكة. وقفت دقيقة أحاول أتنفس وسط وجع قلبي، وبصيت لكراتين الفرح كأنها أدلة جريمة.
بدأت أتحرك.. بهدوء، بسرعة، وبقرار ملوش رجعة.
مدمعتش. دخلت أوضتي وطلعت شنطتين كبار. لميت هدوم ولادي، عرايسهم اللي بيحبوها، شهادات ميلادهم، اللابتوب بتاعي، وظرف فيه "قرشين" كنت شايلاهم للزمن بعيد عن عينه.. كان دايماً يتريق عليا ويقول لي إني "شكاكة".
الساعة ٢:١٣ الصبح، فتحت باب الشقة وخرجت في سكات. إيدي كانت ثابتة جداً.
لأن بكره مكنش يوم فرحي.. بكره كان يوم "نجاتي".
وأنا بقفل سوستة الشنطة، الموبايل نور برسالة من ياسين:
"حبيبتي، بعت لك ورقة على الإيميل، ممكن تمضيها؟ دي مجرد إجراءات روتينية لما بعد الجواز."
بصيت للشاشة وابتسمت بوجع.. لأني أخيراً عرفت الفخ اللي كنت هقع فيه، والحمد لله، هربت منه في آخر ثانية… بقلم مني السيد
بدل ما أرد، بعتّ "الإيميل" لنفسي وفتحته من اللابتوب. متوفرة على روايات و اقتباسات العنوان كان يبان بريء جداً: "آخر حاجة قبل بكره يا حبيبتي :)".. والمرفق كان ملف (PDF) مليان لغة قانونية
معقدة، من النوع اللي يخلي أي حد يزهق ويمضي وخلاص عشان يخلص.
بس بعد اللي سمعته، كل كلمة كانت عبارة عن تهديد صريح.
أول صفحة كانت "اتفاق ما بعد الزواج". الصفحة التانية فيها كلام عن الأملاك، الدخل، وحاجة مسمينها "توقعات المساهمة الطوعية". وهناك شفت البند اللي الحاجة صفاء كانت مستنية تمضيني عليه.. كلام منمق بس هدفه سجن: "لو الزوجة سابت شغلها باتفاق الطرفين، تعتبر معالة اختيارياً، وتتنازل عن أي حقوق مادية أو تعويضات مقابل دعم الزوج، فيما عدا مصاريف المعيشة الأساسية."
يعني بالعربي: لو سبت شغلي عشان العيال زي ما هو بيزن عليا، أبقى رميت نفسي في الشارع ومليش حق أطالب بمليم لو غدر بيا.
ومش بس كدة.. كان فيه جزء عن "إدارة شؤون المنزل" بيديله هو لوحده الحق في القرارات المالية ومكان السكن. وفيه سطر عن "الموافقة على الانتقال" يخليني مقدرش أتحرك بولادي من غير إذن كتابي منه!
واللي جمد الدم في عروقي: بند بيقول إنه في حالة الانفصال، من حقه يطالب باسترداد "أي مصاريف صرفها على أبناء الزوجة"!
ولادي مكنوش "أعباء".. دول ولادي. والورقة دي كانت بتتعامل معاهم كأنهم ديون.
الساعة ٣:٠٧ الصبح، كلمت أختي مريم.. كانت ساكنة بعيد عني بـ ٤٠ دقيقة. قلت لها بهمس: "مريم، أنا محتاجاكي.. دلوقتي حالاً."
مسألتش ولا سؤال، حست بصوتي وقالت: "أنا جاية."
على ما مريم وصلت، كنت جهزت الشنط في العربية، وصحيت ولادي ولبستهم وهما لسه في عز النوم. ياسين الصغير فرك عينه وقال: "هو الفرح جه يا ماما؟"
بلعت ريقي بصعوبة: "لا يا حبيبي، إحنا طالعين رحلة صغيرة الأول."
ليلى شفتها اترعشت: "هو عمو ياسين زعلان مني؟"
بست راسها وقلت لها: "لا يا حبيبتي، مفيش حاجة من دي غلطتك أبداً."
وإحنا خارجين، شفت فستان الفرح متعلق في الدولاب من إزاز الباب.. للحظة قلبي اتعصر كنت عايزة البيت ده أوي، كنت عايزة الاستقرار، وعيلة مفيهاش نهايات حزينة.
بس افتكرت صوت ياسين: "هي محتاجالي."
لا.. هو اللي كان محتاج يسيطر.
مريم كانت بتسوق وأنا في الكرسي اللي جنبها، بصور كل حاجة على الموبايل.. الإيميل، المحادثات، أسماء الناس اللي سمعتهم: الحاجة صفاء، هاني، المحامي بتاعهم، وصاحبه اللي في الموارد البشرية (HR).
فتحت حسابي البنكي، وشفت الكارثة.. ياسين ضاف نفسه "مستخدم مفوض" على كارت ائتمان كنت نادراً ما بستخدمه.. حركة أنا معملتهاش!
مريم بصت لي: "احكي لي سمعتي إيه بالظبط."
حكيت لها كل كلمة.. حرفياً. في الآخر كانت ضاغطة على الدريكسيون لدرجة إن صوابعها ابيضت. "ده كان هيدفنك بالحيا يا ياسمين.. هو وأهله كانوا مخططين ليكي تمثيلية كبيرة."
وصلنا بيت بابا وماما، متوفرة على روايات و اقتباسات لقيت النور قايد كأنهم كانوا مستنيين اليوم الأسود ده. ماما خدتني في حضنها من غير ولا كلمة، وبابا شال ياسين الصغير ودخله جوه في صمت. بقلم مني السيد
الصبح، وأنا شايفة ولادي بيفطروا وبيتفرجوا على الكرتون كأن مفيش حاجة حصلت، كلمت محامية. مكنتش عايزة أعمل حرب، كنت عايزة أحمي ولادي بس.
الأستاذة نهال سمعتني بهدوء، وقالت لي كلمة واحدة: "أوعي تمضي، وأوعي تقابليه لوحدك، وسجلي كل رسالة." وقالت لي جملة ريحتني: "إنك هربتي قبل ما تمضي
العقد.. دي أنضف خروجة ممكن تحصلي عليها في حياتك."
الساعة ١٠:١٨ الصبح، ياسين اتصل. شفت اسمه على الشاشة وقلبي دقاته اتغيرت.. مكنش خوف، كان غضب.
رديت وفتحت الـ (Speaker) ومريم جنبي.
"إنتي فين؟" ياسين كان بيزعق، "منظمة الفرح مش عارفة توصل لك، وأمي هتموت من القلق!"
قلت له ببرود: "أنا في أمان."
"يعني إيه في أمان؟" نطقها بحدة، "ارجعي البيت حالاً.. دلوقتي!"
كنت هضحك من طريقته الآمرة.. قلت له الحقيقة: "أنا سمعت مكالمتك إمبارح يا ياسين."
سكت.. سكوت طويل ومرعب، كنت سامعة تروس عقله وهي بتلف.
"إنتي.. إنتي كنتي لسه على الخط؟" قالها أخيراً بصوت واطي ومكسور.
"أيوة.. سمعت كل حاجة.. عن ولادي، عن الفلوس، وعن الورق اللي كنت عايز تمضيني عليه بعد الفرح."
حاول يلبس قناع الحنية تاني: "يا حبيبتي إنتي فهمتي غلط! دي أمي بس كانت خايفة عليا وبتقول أي كلام.."
مأكلتش من الكلام ده: "والإيميل اللي بعته الساعة ٢ الصبح؟ اتفاق ما بعد الجواز ده برضه كلام أمك؟"
صوته اتحول لحدة: "إنتي بتكبري الموضوع، ده إجراء روتيني!"
مريم متمالكتش نفسها وردت: "ده إنتي اللي بتصغّر الموضوع يا أستاذ.. إنت المفروض تحمد ربنا إنها مابلغتش البوليس."
ياسين نفض لمريم وقال لي بصوت ناعم: "ياسمين، ارجعي ونقعد نتفاهم.. أنا بحبك وبحب الولاد."
الكلمات اللي كانت بتدوبني زمان، دلوقت بقت زي السم.
قلت له: "اللي بيحب حد، مبيقولش عليه إنه 'ملهوش حتة تانية يروحها'."
هنا فقد أعصابه تماماً: "خلاص! إنتي حرة! لو مظهرتيش في الفرح إنتي بتفضحيني قدام الناس، وهتندمي على اللي بتعمليه
ده!"
الفضيحة.. دي كانت همه الوحيد. مكنش همه قلبي اللي اتكسر.
قفلت السكة.
وفي ثواني، سيل رسائل نزل عليا.. منه، ومن الحاجة صفاء، ومن أرقام غريبة. شوية شتيمة وشوية توسل. الحاجة صفاء بعتت: "هتخربي بيت ابني وتدمري مستقبله!".. وهاني بعت: "وريني مين هيبص في وشك وانتي معاكي عيلين!"
سجلت كل حاجة.
بعد الضهر، واحدة صاحبة مريم شغالة في القاعة بعتت لها رسالة: "لازم تعرفوا.. أم ياسين جت القاعة دلوقتي وبتطلب ترجع العربون لحساب ابنها عشان الفرح اتلغى."
هنا عرفت إن "المشكلة الكبيرة" مكنتش مجرد تحكم نفسي.. كانت مادية بامتياز.
هما مكنوش بيخططوا لجواز.. كانوا بيخططوا لعملية "نصب وتملك".
بسبب إن ياسين "نسي" يقفل السكة، جالي التحذير الإلهي قبل ما الفخ يقفل عليا.
يوم الفرح اللي كان المفروض يبقى يوم عمري، قضيته في هدوء في أوضة الضيوف عند أهلي. مفيش كوافير، مفيش ورد، مفيش توتر. بس صوت دفاية وصوت ولادي بيلعبوا بالعربيات على السجادة.
ياسين الصغير بنى بيت بالمكعبات وسألني: "هو إحنا مش هناكل تورتة؟"
السؤال ده وجعني.. قعدت جنبه وقلت له: "مش التورتة دي يا حبيبي.. بس هنجيب أحلى تورتة لينا إحنا وبس."
ليلى قعدت في حجري وهمست: "هو عمو ياسين مابقاش يحبنا؟"
بلعت غصتي وقلت لها: "يا روحي، الموضوع ملوش علاقة بيكم.. ياسين اختار اختيارات مش آمنة لعيلتنا."
بدأت أغير كل كلمات السر، لغيت وصوله لأي أبلكيشن مشترك، والأستاذة نهال بعتت له إنذارات رسمية: ممنوع الاتصال بمكان شغلي، أو مدرسة الولاد، والتواصل يبقى بالإيميل
وللضرورة القصوى بس.
ياسين مجاش بالذوق.. جه تحت بيت أهلي بعدها بيومين، وقف بعربيته يزعق وينادي باسمي. بابا خرج له بكل هدوء وبالموبايل في إيده وقال له: "هطلب لك البوليس." ياسين جري بعربيته كأنه عيل صغير بيتنطط من الغيظ.
بالليل بعت إيميل "اعتذار" فيه جملة: "أنا ممكن أسامحك على رد فعلك المبالغ فيه لو رجعتي وعملنا فرح صغير ودارينا على الفضيحة."
"أسامحك".. كأنه هو المجني عليه!
بعد أسبوع، الصدمة الأكبر كملت. صاحبة مريم في القاعة كلمتها تاني وقالت: "تصدقي إن أم ياسين كانت دافعة جزء من الفلوس بفيزا مرتبطة بحساب شركة؟ وكانت بتقول للمحاسب إنها هتسترد الفلوس دي بعد الجواز من ياسمين!"
يعني حتى مصاريف الفرح كانوا ناويين يلبسوها لي!
الأستاذة نهال وضحت لي الصورة: "ده مش مجرد اتفاق قبل الجواز، ده نمط سيطرة مالية كاملة. كان عايز يربطك من كل ناحية."
دلوقتي، بعد ٣ شهور، أنا أجرت شقة صغيرة قريبة من مدرسة الولاد. أول ليلة نمنا فيها، ياسين الصغير قال: "ماما، الدنيا هنا هدوء أوي." وليلى ردت: "الهدوء حلو يا ياسين."
الهدوء فعلاً حلو.
كنت فاكرة إن الحب لازم يبقى صاخب، وعود كبيرة وفرح أسطوري.
دلوقتي عرفت إن الحب الحقيقي صوته "احترام".. و"أمان".. وإن حد يتكلم عنك بالخير وأنت مش موجود.
المكالمة دي مأنقذتنيش من جوازة فاشلة بس.. دي أنقذتني من حياة كان ولادي هيبقوا فيها مجرد "كروت ضغط"، وثقتي في الناس هتبقى نقطة ضعفي.
لو القصة دي لمستك، قولي لي: لو سمعتي شريك حياتك بيتكلم عنك كأنك "مشكلة لازم يسيطر عليها"، هتعملي إيه؟ هتواجيه، ولا هتمشي فوراً، ولا هتجمعي أدلة الأول؟
النهاية


تعليقات
إرسال تعليق