وجدتُ أمًّا مربوطةً إلى شجرة… وأفعوين عملاقتين تتقدمان نحو طفلها!
وجدتُ أمًّا مربوطةً إلى شجرة… وأفعوين عملاقتين تتقدمان نحو طفلها!
لم أكن لأبقى مكتوف اليدين كان علي أن أكتشف من يقف وراء تلك الخطة القاسية.
لو أنني تابعت سيري كما ظللت أكرر لنفسي طوال ثلاث سنوات لما عرف أحد ما جرى في ذلك المساء على الممر الترابي في أواكساكا.
لا أحد سوى أم مربوطة إلى شجرة
وأفعوين عظيمتين تهبطان عند الغروب.
كنت عائدا من الحقل حين كانت الشمس تتكسر على قمم التلال.
كانت الأرض لا تزال حارة.
كان ريلامباغو يتقدم ببطء وتينتو يسير إلى جانبي عجوزا لكنه يقظا.
ستة كيلومترات حتى المزرعة.
ستة كيلومترات كي لا أفكر.
منذ أن ماتت تيريسا تعلمت أن أعيش بلا شعور زائد.
كانت المزرعة سقفا لا أكثر.
كنت أقول لنفسي إن من يعيش في الجبال ينجو إذا نظر إلى الأمام لا إلى الجانبين.
ومن يتدخل فيما لا يعنيه ينتهي تحت التراب.
هكذا كنت أقنع نفسي.
إلى أن تغير الصمت.
سكتت الحشرات فجأة.
شد ريلامباغو عنقه.
وأطلق تينتو زمجرة خافتة كأن شيئا خفيا أثار وبره.
ثم رأيتها.
عند سفح شجرة عتيقة شيء داكن لا ينبغي أن يكون هناك.
فكرت ألا أنظر.
فكرت أن أتابع الطريق.
ما لا تراه لا يلزمك بالفعل.
لكنني تقدمت.
وحين اقتربت بما يكفي شعرت بأن العالم يميل تحت قدمي.
كانت امرأة شابة مربوطة إلى الجذع.
حبال غليظة انغرست في جلدها.
فمها جاف وعيناها مفتوحتان على رعب خالص.
ساعدني همست.
ثم سمعت البكاء.
على بعد خطوات في سلة من سعف كان رضيع حديث الولادة يبكي بذلك الصوت الهش
الذي يكاد ينكسر مع كل نفس.
أدارت المرأة رأسها نحو الجبل.
الأفاعي تأتي دائما عند الغروب
تبعت نظرتها.
وكانتا هناك.
أفعوانان عظيمان ينسابان بين الشجيرات.
ببطء.
بيقين.
كأنهما تعلمان أنه لا مهرب.
أحدهم تركها هناك.
أحدهم وضع الرضيع على الأرض.
أحدهم يعرف تماما الساعة التي تنزل فيها تلك الأفاعي.
وذلك الشخص أرادها أن تشاهد ابنها يموت وهي عاجزة.
اهتزت المرأة بقوة تفوق طاقتها.
ابني! أرجوك!
كانت الأفاعي على بعد أمتار.
لم تكن معي بندقية.
ولا ساطور كبير.
فقط العصا التي أسوق بها الماشية
وذكرى تيريسا وهي تحمل طفلا لم يكتب له أن يتنفس.
تلك الذكرى اخترقتني.
لثانية طويلة كالأبد فكرت في الفرار.
قلت لنفسي ليس شأنك.
قلت هناك رجال أسوأ من الأفاعي يقفون خلف هذا.
لكن الرضيع بكى مجددا.
ولم أعد أستطيع.
اندفعت.
إلى هنا! صرخت وأنا أضرب الأرض.
انطلق تينتو كأن السنوات لم تمر.
نبح بشراسة جعلت صدري يضيق.
رفعت الأفعى الأولى رأسها حتى مستوى وجهي.
كانت عيناها سوداوين خاليتين من الكراهية.
جوع فقط.
أما الثانية فحاولت الالتفاف نحو السلة.
لا!
اعترضت طريقها.
رميت الحجارة.
وضربت الأرض.
اندفعت الأفعى بحركة خاطفة وشعرت بالهواء يقطع وجهي.
تراجعت متعثرا.
قفز تينتو نحو رأسها على بعد أنفاس من أنيابها.
تينتو!
للحظة قصيرة استدارت الأفعى نحوه.
وفي تلك الثانية هويت بالعصا على ظهرها بكل ما أوتيت من قوة.
دوى الارتطام.
تلوت الأفعى.
فتحت فمها.
رأيت موتي واضحا هناك باردا.
لكن تينتو لم يتراجع.
ظل ينبح متحديا.
لا أدري كم دام ذلك.
في ذاكرتي هو نفس واحد ممتد مليء بالغبار والصراخ.
حتى بدأت الأولى تتراجع.
وترددت الثانية ثم لحقتها إلى الجبل.
عاد الصمت.
لكنه لم يكن الصمت ذاته.
ركضت نحو المرأة وقطعت الحبال.
كانت العقد محكمة.
عقد من يربط الماشية كل يوم.
من فعل بك هذا سألت.
ابتلعت ريقها.
إفراين والد الطفل. وأخوه. قال إنني إن تركته سينتزع مني الشيء الوحيد الذي أملك.
الطريقة التي نطقت بها اسمه قالت كل شيء.
لم يكن غضبا عابرا.
كان عقابا.
هل سيعود
أومأت.
عند حلول الظلام. ليتأكد.
نظرت إلى الشمس.
كانت تغوص في الأفق.
لم يكن لدينا وقت.
ساعدتها على الصعود إلى ريلامباغو.
الرضيع ما يزال حيا.
وذلك كان يكفي.
ما اسمك
مارينا. وهو دييغو.
تحركنا بسرعة.
لكن الجبل لا ينسى.
توقف تينتو أولا.
سمعت أنا بعده صوت محرك.
أضواء خلفنا.
انزلي همست.
تسللنا بين الشجيرات.
شدت مارينا دييغو إلى صدرها.
توقفت الشاحنة.
أبواب تفتح.
أصوات.
هنا آثار أقدام.
عرفت الصوت قبل أن أراه.
غليظ.
هادئ.
من تلك الأصوات التي تبتسم وهي تضرب.
جال مصباح يدوي بين الأشجار.
مر الضوء على بعد سنتيمترات من وجه مارينا.
كتم دييغو بكاءه كأنه يفهم.
لا شيء. ذهبوا إلى الأمام.
انطلقت الشاحنة.
نحو مزرعتي.
نظرت إلي مارينا وعاد الرعب إلى
عينيها.
سينتظرونك هناك.
وفي تلك اللحظة أدركت شيئا أخطر من الأفاعي.
الأفاعي تهاجم بدافع الجوع.
أما رجال مثل إفراين فيهاجمون بدافع الكبرياء.
لكن ما لم نكن نعلمه بعد
أن تلك الليلة لن يكون الجبل هو الأخطر.
الأخطر كان ينتظرنا بالفعل.
وفهمت.
لم تعد بيتي ملاذا.
لم يعد ذلك الباب الخشبي الذي كنت أغلقه خلفي كل مساء يعني أمانا.
صار يعني شيئا آخر
فخا.
المكان الذي سيجلسون فيه منتظرين بصبر بارد وبعيون لا تعرف الرحمة.
بيت أعرف زواياه نعم.
لكنهم يعرفون أنه بيتي وهذا وحده يجعلني ضعيفا.
لأن من يملك عنوانك يملك نصفك.
نظرت إلى مارينا.
كانت تضغط دييغو إلى صدرها كأنها تستطيع أن تخبئه داخل ضلوعها.
لم تكن تبكي لكنها كانت ترتجف كأن الهواء نفسه يتحول إلى سكاكين حولها.
وأنا على الرغم من كل ما تعلمته عن الهرب أدركت أن الهرب وحده لن ينقذنا.
كان علينا أن نختفي لكن على طريقتي.
تذكرت الكوخ المهجور قرب الجدول.
سقف مائل من صفائح صدئة وجدران طينية متشققة وباب لا يغلق إلا إذا أقنعته أن يفعل.
لم يقترب منه أحد منذ أن مات العامل العجوز فيه ليلة برد قاسية ليلة قالوا بعدها في القرية من يدخل ذلك المكان يعود منه ناقصا.
سنذهب إلى هناك قلت.
لم تكن خطة جيدة.
لم تكن حتى خطة.
كانت الغريزة وهي أصدق شيء حين يضيق الوقت.
سرنا بين الشجيرات والأشواك.
كانت الليلة تهبط كثيفة كأنها تلقى علينا عمدا لتعمي العيون.
كانت الريح تحمل رائحة تراب رطب ورائحة نباتات جافة ورائحة خوف خفيف لا يراه أحد لكنه يشبه العرق البارد.
تعثرت مارينا مرة. رفعتها.
لم أتذمر. لم أقل شيئا.
لكنني شعرت
بعظامها ترتجف تحت يدي كما لو كانت قطعة خشب مبتلة.
تعثرت ثانية.
وكاد الرضيع يفلت من بين ذراعيها.
مددت يدي تلقائيا والتقطته قبل أن يمس الأرض.
كان دييغو دافئا.
صغيرا إلى درجة تخيفني.
يتنفس بسرعة كأن جسده لا يثق بأن الهواء سيبقى في العالم طويلا.
كان صغيرا أكثر مما يحتمل كل ذلك الحقد.
وأنا أعرف الحقد
لقد رأيته في وجوه رجال يبتسمون وهم يقررون مصير غيرهم.
وصلنا إلى الكوخ.
دفعت الباب.
صر صريرا حادا كأنه يصرخ لماذا عدتم
أمسكته بسرعة وهدأته بيدي ثم دخلنا.
في الداخل رائحة رطوبة قديمة
رائحة زمن لم يأت أحد لينهيه.
رائحة جدران تتذكر ما مر عليها وأرض لم تطأها قدم منذ زمن.
استريحي قلت.
لم يكن في صوتي حنان كبير.
كان حذرا.
فالحنان في مثل هذه الليالي قد يتحول إلى غفلة.
أنا لم أجلس.
بقيت عند المدخل والسكين في يدي.
لا سلاح لدي سوى تلك النصل الصغيرة
وسوى تينتو.
كان تينتو إلى جواري من دون أن يغلق عينيه.
لم يكن ينبح.
كان يسمع.
كانت أذناه تتحركان مع كل ذبذبة في الهواء كأنه يقرأ الليل.
لم يكن الجبل صامتا.
كان ينتظر.
وكنت أعرف هذا النوع من الصمت
الصمت الذي يسبق الكارثة.
لم أنم.
كنت أسمع أنفاس مارينا وهي تحاول أن تخفي ارتجافها كي لا يوقظ دييغو.
وأسمع خفقان قلبي مثل مطرقة تضرب باب صدري.
وأسمع شيئا آخر
شيئا بعيدا غير واضح مثل زمجرة تختبر نفسها قبل أن تصبح صرخة.
عند
الفجر مزقت أصوات المحركات الهواء.
هذه المرة لم تكن شاحنة واحدة.
كانت عدة سيارات.
صوتها لم يكن مثل صوت أي مركبة تمر في الطريق صدفة.
كان صوتا يبحث.
صوتا يعرف أنه قريب من الهدف.
وقف تينتو دون نباح فقط شد جسده.
ثبتت أظافره في الأرض كأنه يقول جاءوا.
وجدونا همست مارينا.
كانت همستها مثل سكين صغيرة في ظهري.
في تلك اللحظة أدركت أمرا واضحا
لم يأتوا من أجل الطفل.
جاؤوا من أجلي.
لأنني كسرت خطتهم.
لأنني قلت لا حيث أرادوا الجميع أن يصمتوا.
ولأن من يفعل ذلك في عالمهم يجب أن يدفع الثمن.
من الخارج اخترق صوت إفراين جدران الطين.
روخيليو!
لا تتدخل فيما لا يعنيك.
قالها بهدوء يكاد يكون لطيفا.
وهذا ما جعلها أكثر رعبا.
ذلك النوع من الرجال لا يرفع صوته حين يثق أنه سيكسب.
لا يشتم حين يضمن النهاية.
يتكلم كما لو أنه يقرأ فاتورة
وأنت البند فيها.
نظرت إلى الحطب الجاف في الزاوية.
إلى السقف الهش.
إلى مارينا و دييغو وعيناها لا تطرفان.
في لحظة كهذه لا تفكر في البطولة.
تفكر في الطريق الأسرع للنجاة.
لست فخورا بما فعلت.
لكن هناك لحظات يتوقف فيها المرء عن سؤال نفسه هل هذا صحيح
ويبدأ بسؤال هل هذا ضروري
كدست الحطب عند الجدار الأمامي.
لم يكن كثيرا لكنه كان كافيا.
كافيا ليخلق فوضى وكافيا ليجعلهم ينسون للحظة أنهم يبحثون عني.
أشعلته.
ارتفع اللهب سريعا جائعا كأنه كان ينتظر شرارة
واحدة ليبتلع كل شيء.
أضاء الكوخ من الداخل وأظهر التشققات في الجدار كأنها ندوب في وجه قديم.
في الخارج تعالت الصرخات.
إنه يحترق!
سمعت خطوات تركض نحو الباب.
أصواتا تتداخل.
أوامر قصيرة.
شتائم مكتومة.
ركلت الجزء الخلفي من الجدار وفتحت ممرا.
لم يكن الممر جميلا.
كان ثقبا قاسيا في طين هش.
لكنه كان بابا للحياة.
اركضي نحو الجدول قلت لمارينا اتبعيه دون أن تخرجي من مجراه حتى تري مزرعة بسياج أبيض. لا تلتفتي.
نظرت إلي مارينا.
شفاهها ارتجفت.
سيقتلونك
نظرت إليها بثبات.
لم أقل شيئا يشبه الشجاعة.
قلت الحقيقة
إن لحقوا بي تنجين أنت.
لم يكن وقت لوداع طويل.
وداع طويل يعني ترددا والتردد يعني موتا.
تردد تينتو لحظة بيني وبينها.
أحسست بذلك التردد في عينيه.
اذهب أمرته.
فأطاع.
وذلك آلمني أكثر من النار.
لأن تينتو لم يكن مجرد كلب.
كان الشيء الوحيد الذي بقي معي حين فقدت كل شيء.
كان رفيق السنوات القاسية.
وحين أرسلته معها كنت كأنني أرسل جزءا من نفسي.
خرجت من الأمام والنيران تلتهم الباب.
الدخان دخل صدري مثل حجر ساخن.
سعلت حتى كاد رأسي ينفجر.
ثم صرخت
أنا هنا!
طلقتان.
ثم طلقات.
تناثرت الأرض عند قدمي.
رأيت التراب يتفجر كأنه يغلي.
وشعرت برصاصة تخدش ذراعي كأن أحدا مرر سكينا حارة على جلدي.
ركضت كما لم أركض منذ دفنت تيريسا.
ركضت لا لأنني شجاع بل لأنني لا أملك خيارا آخر.
تدحرجت
في منحدر صخري.
انفلق جبيني بحجر.
صار العالم أحمر وغبارا ورأسي يدور كأنه فقد اتجاهاته.
سمعت صوت إفراين فوقي.
لن يذهب بعيدا. إنه مصاب.
لم يصرخ.
لم يشتم.
فقط قالها.
وذلك جعله أشد خطرا.
لأن الكلمات الهادئة حين تأتي من فم قاتل
تكون مثل حكم مسبق.
زحفت نحو صخور قرب الجدول وبقيت ساكنا.
الدم ينزل على وجهي.
وعيناي تحترقان.
وقلبي يضرب كأنه يريد الهرب وحده.
كنت أسمع خطواتهم أحيانا
ثم تتلاشى
ثم تعود
كأنهم يضيقون الدائرة حولي شيئا فشيئا.
لا أدري كم مضى من الوقت.
ثم عاد الجبل إلى صمته.
لكن هذه المرة
كان الصمت علامة نجاة مؤقتة لا أمانا.
حين تجرأت على الحركة تبعت الجدول مترنحا.
كانت قدماي ثقيلتين كأنهما من حجر.
وكل خطوة كانت مقامرة
خطوة قد تنقذك أو تسلمك لهم.
حتى رأيت دخان مطبخ يرتفع.
بيت صغير.
بابه مفتوح قليلا.
وشجرة ليمون أمامه.
ووعاء ماء قرب العتبة.
خرجت امرأة مسنة تحمل مسدسا بثبات.
لم تكن ترتجف.
كأنها عاشت ما يكفي لتعرف أن الخوف وحده لا يحمي أحدا.
من أنت
حاولت أن أقول جملة كاملة لكن الهواء خانني.
روخيليو قلت قبل أن أسقط على ركبتي أحتاج إلى مساعدة.
ثبتت نظرها في طويلا.
كانت عينان حادتان لكن فيهما رحمة لا تقال بسهولة.
ادخل. أنا دونيا لوبيتا. وإن أرادوك ميتا فقد أخطأوا.
أدخلتني.
أغلقت الباب.
ووضعت المسدس على الطاولة كأنه كوب شاي.
نظفت جراحي.
خاطتها دون أن ترتجف.
وأعطتني قهوة سوداء قوية.
كانت القهوة تلسع حلقي لكنها أعادتني إلى جسدي.
أعادتني إلى الواقع.
في القرية الأب توماس قالت إن وصلت الفتاة فسيعلم.
لم أنم تلك
الليلة.
كنت أسمع الخارج.
أبحث عن أي صوت يدل على أنهم عادوا.
وأتخيل مارينا تركض في الجدول
وأتخيل تينتو يقودها كأنه يعرف الطريق منذ ولادته.
مع الفجر ذهبت إلى الكنيسة.
كان الأب ينتظر عند الباب كأنه يعلم.
بعض الرجال في القرى يعرفون الأخبار قبل أن تصل.
أنت الذي أخرجتها من الجبل
لم أجب.
في الحقيقة كنت أخاف الإجابة.
لأن الإجابة تعني أن كل ما فعلته صار حقيقة نهائية لا رجعة فيها.
هل هي حية سألت.
شعرت أن كلمة لا إن قيلت ستكسر شيئا في داخلي إلى الأبد.
شيئا حاولت حمايته ثلاث سنوات بأن أكون ظلا.
ابتسم الأب ببطء.
حية. هي والطفل. والشرطة
قبضت على إفراين وأخيه. لم تكن المرة الأولى. نساء أخريات تكلمن.
خذلتني ساقاي.
لا من ضعف.
بل من ارتياح.
ذلك النوع من الارتياح الذي يجعل الجسد ينهار لأنه لم يعد مضطرا أن يقاوم.
أخذني إلى بيت الرعية.
كانت مارينا جالسة قرب نافذة.
تبدو أصغر من عمرها.
لكن عينيها تحملان عمرا كاملا من الرعب.
دييغو نائم على صدرها بسلام.
ولأول مرة رأيت الرضيع لا يبكي.
كأنه يصدق أن العالم ليس كله فخاخا.
حين رأتني نهضت كأنني من أهلها.
ثم سمعت خدشا خفيفا على الأرض.
تينتو.
كان مستلقيا على بطانية قديمة.
عيناه نصف مفتوحتين.
وحين رآني حرك ذيله قليلا كأنه يقول
تأخرت.
هناك بكيت.
لا خوفا.
ولا ألما.
ولا من أجل النار.
بل من أجل تيريسا.
ومن أجل الطفل الذي لم يتنفس.
ومن أجل السنوات التي اخترت فيها ألا أشعر كي لا أنهار.
اقتربت مارينا.
لا أعرف كيف أشكرك.
هززت رأسي.
لا تشكريني. فقط عيشي. دعي ابنك يكبر بلا خوف. هذا يكفي.
عرض علي الأب عملا في القرية ريثما أرتب أمر المزرعة.
ولم يقلها كصدقة بل كحل.
وبختني دونيا لوبيتا حين حاولت أن أدفع لها.
حين يفعل المرء الصواب قالت عليه أيضا أن يتعلم كيف يقبل العون. وإلا فما جدوى وجودنا
كلماتها كانت ثقيلة لكنها صحيحة.
تلك الليلة جلست في الساحة وتينتو عند قدمي
وأضواء القرية تتلألأ بعيدة كأنها نجوم قريبة.
وفهمت أمرا احتجت ثلاث سنوات لأقبله
يمكن للمرء أن يتحول إلى ظل كي لا يتألم.
لكن الظلال لا تنقذ أحدا.
في ذلك المساء كان أمامي طريقان
أن أتابع المسير
أو أن أتوقف.
اخترت أن أتوقف.
اخترت أن أواجه الأفاعي والرجال الأسوأ من الأفاعي.
ومن دون أن أقصد حين أنقذت دييغو
أنقذت أيضا آخر ما كان حيا في داخلي.
فأحيانا لا يعيد الله إليك ما فقدته.
بل يرسل لك شيئا مختلفا
ليختبر إن كنت هذه المرة ستجرؤ على ألا تمر مرور الكرام.
ولأنني تجرأت
عاد داخلي شيء ظننته مات مع تيريسا
الإحساس بأن للحياة معنى
وأن الإنسان قد يخلق مرة ثانية
حين يختار أن يفعل الصواب ولو كان ثمنه النار.


تعليقات
إرسال تعليق