القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

كانت تطلب مني ملحًا كل يوم… حتى اكتشفت السبب الذي أبكاني

 كانت تطلب مني ملحًا كل يوم… حتى اكتشفت السبب الذي أبكاني



كانت تطلب مني ملحًا كل يوم… حتى اكتشفت السبب الذي أبكاني

 

لم تكن الأمومة المنفردة في الثامنة والعشرين من عمري ضمن خططي.

لكن الحياة في حيّ دوكتورِس لا تسأل إن كنتِ مستعدة.


المبنى الذي كنا نعيش فيه كان يئنّ كلما مرّ المترو تحت الأرض. كانت الجدران متشققة، والممر تفوح منه رائحة رطوبةٍ قديمة وحساءٍ أُعيد تسخينه. ومع ذلك، كان الجيران ما يزالون يتبادلون “صباح الخير” على الدرج، كأن تلك العبارة تكفي لإبقاء العالم ثابتًا في مكانه.


عندما رحل خوليان، تاركًا إياي في شهري السادس من الحمل ووعدًا مكسورًا، أدركت معنى أن يرتجف الإنسان من الداخل دون أن يكون هناك زلزال.


ثم وُلدت فاليريا.


وكان بكاؤها أقوى من خوفي.


كانت ضحكتها تشبه صوت الملاعق وهي تصطدم بالأكواب في الصباح. خصلات شعرها المجعدة بدت وكأن لها إرادةً خاصة. وعندما كانت تنظر إليّ، كنت أعلم أنني لا أستطيع أن أنهار.


كان روتيننا دقيقًا.

منبّه في الخامسة والنصف.

قهوة تغلي على النار.

زيّ الروضة.

ثلاثة شوارع نمشيها ويدها الصغيرة في يدي.

مترو مزدحم.

ثماني ساعات في مكتبٍ رمادي لا يعلم أحد فيه أنني أبكي أحيانًا في الحمام.

عودة إلى المنزل.

فاصولياء.

حساء بسيط.

حمام.

قصة.

إرهاق.


كنا نعيش لننجو.


إلى أن بدأت الطَّرقات.


طرق.

طرق.

طرق.


دائمًا في الساعة نفسها.


فتحت الباب في المرة الأولى، فرأيت


امرأةً مسنّة تلفّ نفسها بشالٍ رماديٍّ باهت.

— مساء الخير يا ابنتي… هل لديكِ قليلٌ من الملح؟


ومن الذي يبخل بالملح؟


أعطيتها فنجانًا صغيرًا ممتلئًا.


عادت في اليوم التالي.

وفي الذي يليه.

وفي الذي بعده.


طرق.

طرق.

طرق.


كنت أشتري أكياسًا جديدة من البقالة، فتختفي كما لو كانت ماءً بين الأصابع.


حاولت أن أُنهي الأمر بأن أعطيها كيسًا كاملًا.


بعد يومين عادت.


طرق.


في تلك الأسبوع خفّضوا ساعات عملي. لم يعد المال يكفي كما كان. استيقظت فاليريا بحمى، وكانت أعصابي مشدودة كخيطٍ على وشك الانقطاع.


ثم جاء الصوت مجددًا.


طرق.

طرق.

طرق.


فتحت الباب.


— أعلم! ملحٌ مرةً أخرى! — صرخت قبل أن أفكر — ماذا تفعلين به؟ بالكاد يكفيني لابنتي!


كان الصمت ثقيلًا.


اختبأت فاليريا خلف ساقي.


أنزلت السيدة كارميلا عينيها.


— سامحيني يا ابنتي…


كنت أعلم في داخلي أنني تجاوزت حدًّا، لكن كبريائي كان ما يزال مشتعلًا.


— ليس الملح لي… — قالت بصوتٍ خافت.


خمد غضبي فجأة.


— هو لابني… ماتيو.


ظل الاسم معلقًا في الهواء.


— يعاني من مرضٍ في كليتيه منذ سنوات. لم يعد يعمل. أُعدّ له الحساء… والأرز… ما أستطيع. يقول إن قليلًا من الملح يجعل كل شيءٍ ألذّ، لأنه يذكّره بأيام طفولته حين كان يعود من المدرسة.


كانت يداها ترتجفان.


— لا أنزل بدافع الرغبة. أحيانًا تخونني قواي… وطرق بابك يجعلني أشعر أنني ما زلت موجودة في حياة أحد.


تلك العبارة كسرتني.


لأنني أنا أيضًا كنت أعرف معنى أن أشعر بأنني غير مرئية.


في تلك الليلة لم أنم.


فكرت في ماتيو مستلقيًا في شقةٍ فوق شقتي. فكرت في أمٍّ تشيخ وهي ترى ابنها يخبو أمامها. فكرت في خوفي أنا من المستقبل.


في اليوم التالي أعددت حساء دجاج بالخضار. ساعدتني فاليريا بملعقةٍ بلاستيكية صغيرة.


صعدنا.


طرق.


لكن هذه المرة كنت أنا الطارقة.


كان ماتيو أصغر مما تخيلت. نحيلًا. شاحبًا. لكن عينيه كانتا حيّتين.


— إذًا أنتِ الجارة المشهورة — قال مازحًا.


— الجارة الصاخبة، على الأصح.


وضحكنا.


على مدى أسابيع تقاسمنا الطعام والحكايات وأغنياتٍ قديمة لخوسيه ألفريدو خيمينيث تتحدث عن حبٍّ موجعٍ لا يُنسى.


وسط المرض، وُلد شيء يشبه العائلة.


لكن المودّة لا تنتصر دائمًا.


في فجرٍ باردٍ ذات ليلة…


طرق.


فتحت الباب قبل الضربة الثانية.


كانت عينا السيدة كارميلا فارغتين.


— رحل يا ابنتي. ماتيو رحل وهو نائم.


شعرت بأن المبنى كله يفقد الهواء.


ثم مدّت يدها.


في راحة كفّها كيسٌ صغير من الملح.


— آخر ما استخدمه — همست — قال إنه كان الأطيب… لأنه كان بطعم الامتنان.


لم أكن أعلم أن ذلك الكيس الصغير


سيغيّر حياتي إلى الأبد.

في الممر الطويل الضيق، حيث كانت رائحة الرطوبة تمتزج برائحة الطلاء القديم، وحيث اعتادت أقدامنا أن تتقاطع في صعودٍ ونزولٍ يوميٍّ عابر. لم تكن هناك صرخات، ولا انهيارات درامية كما يحدث في الأفلام. كان هناك بكاءٌ مكتوم، ثقيل، من ذلك النوع الذي لا يخرج من الحلق، بل من المعدة، من الصدر، من أماكن بعيدة في الروح تراكم فيها التعب لسنوات.


كنت أشعر بارتجافها  ، كأنها ورقةٌ خفيفة في مهب ريحٍ باردة. ولم أكن أعلم هل  لأحميها، أم  نفسي لأحتمي بها من فكرة أن الفقد يمكن أن يزورنا مرتين بالطريقة نفسها.


بدا المبنى كله وكأنه يصغي. حتى صدى المترو الذي اعتدنا أن يهز الأرض تحت أقدامنا مرّ تلك الليلة أخفّ، وكأن المدينة نفسها خفّضت صوتها احترامًا لوداعٍ صغير يحدث في شقةٍ متواضعة لا يعرف عنها أحد.


كان العزاء بسيطًا. زهور متواضعة جلبها الجيران من بسطات الشارع. نساء يهمسن بآياتٍ ودعوات. رجال يقفون بصمتٍ ثقيل لا يعرفون ماذا يقولون. أغنية قديمة تنبعث بخفوت من هاتفٍ محمول، لأن ماتيو كان يحبها. لم تكن هناك فخامة، ولا كلمات رسمية، لكن كان هناك شيء أعمق من كل ذلك: حضور.


في مدينةٍ يركض فيها الجميع خلف أعمالهم، خلف قطاراتهم، خلف أحلامهم المتعبة، لم يكن ماتيو وحده.


وهذا وحده كان معجزة.

بعد ذلك اليوم، تغيّر صوت المبنى بالنسبة لي.


لم تعد تُسمع الطرقات الثلاث.


طرق.

طرق.

طرق.


اختفى الإيقاع الذي صار جزءًا من حياتي دون أن أدرك.



 

وفي غيابه، شعرت بفراغٍ غريب، كأن شيئًا كان يزعجني كل يوم، لكنه في الحقيقة كان يذكّرني بأنني لست وحدي.


أصبحت أنا من يصعد الدرج.


كل يوم.


في البداية كنت أحمل الطعام كما اعتدت. حساءً، أرزًا، قطع خبز. كنت أطرق بابها بخفّة، وأدخل دون حاجةٍ إلى الكثير من الكلمات. كانت تجلس قرب النافذة، الشال الرمادي على كتفيها، تحدّق في الشارع كما لو كانت تنتظر شخصًا لن يعود.


ثم بدأت أحمل أشياء أخرى.


قهوةً طازجة تعبق برائحة البيت.

خبزًا حلوًا دافئًا ملفوفًا في مناديل بيضاء.

وأحيانًا كنت أحمل وقتي فقط.


كنا نجلس ساعاتٍ دون حديث. أحيانًا تتحدث عن ماتيو حين تقوى على ذلك. تخبرني كيف كان يركض في الممر وهو صغير، كيف كان يسرق قطع السكر من المطبخ، كيف كان يحلم بأن يملك مطبعةً صغيرة باسمه.


وأحيانًا كنا نصمت.


نراقب ضوء العصر وهو يتسلّل عبر النافذة، فيصبغ الجدران المتشققة بلونٍ برتقاليٍّ حالم، وكأن الشمس تحاول أن تخفي العيوب بشيءٍ من الدفء.


كبرت فاليريا وهي تسمع تلك القصص. صارت تعرف اسم ماتيو كما لو كان فردًا من العائلة. تحفظ أغنيات خوسيه ألفريدو، وترددها بصوتٍ طفولي، دون أن تفهم تمامًا معنى الكلمات، لكنها تشعر بما فيها من شوقٍ وحنين.


عندما دخلت فاليريا المدرسة الابتدائية، أصرت السيدة كارميلا على حضور مهرجانها الأول. كانت تتحدث عن ذلك اليوم قبل أسابيع، وكأنه موعد تنتظره منذ سنوات. أخرجت من خزانتها فستانًا داكن اللون، مكويًا بعناية، يبدو كأنه محفوظ لمناسبة لا تتكرر كثيرًا. صففت شعرها ببطء، وثبّتت الشال الرمادي على كتفيها كما لو كان جزءًا من هيبتها.


جلست في الصف الأول، ظهرها مستقيم رغم ألم مفاصلها، ويداها على حجرها بوقارٍ


لا يخلو من ارتجافٍ خفيف. وحين صعدت فاليريا إلى المنصة، تبحث بعينيها بين الوجوه، كانت أول من لمحته.

رفعت السيدة كارميلا يدها ولوّحت لها، وعيناها تلمعان بفخرٍ لا يمكن إخفاؤه. صفّقت بحرارة، أكثر من أي أحد آخر، حتى احمرّت كفّاها.


— إنها كحفيدي — كانت تقول لكل من يجلس إلى جوارها، بصوتٍ ممتلئٍ اعتزازًا، وكأنها تقدّمها للعالم.


كنت أراقبهما معًا، وأدرك أن الحياة، رغم قسوتها، تعرف أحيانًا كيف تعيد ترتيب القلوب. قد تسلبك شيئًا عزيزًا، لكنها تضع في طريقك شيئًا آخر لا يقل دفئًا.


مرّت السنوات، وتحسّنت ظروفي شيئًا فشيئًا. حصلت على وظيفة أفضل، براتبٍ أكثر استقرارًا. اشترينا ثلاجة جديدة بدل القديمة التي كانت تئنّ كلما فتحنا بابها، كأنها تشاركنا تعبنا. دهنت غرفة الجلوس بلونٍ فاتح، فصار الضوء يتسلل إليها برفقٍ أكبر، وكأن الجدران نفسها تنفّست بعد اختناقٍ طويل.


الحياة لم تعد مجرد محاولة يومية للبقاء. صرنا نخطط لأشياء صغيرة: نزهة في الحديقة، كتاب جديد، حذاء لعيد الميلاد.


لكن في الوقت نفسه، كانت السيدة كارميلا تنكمش ببطء.


صارت أهدأ. كلماتها أقل. ضحكاتها أقصر. كانت الجمل تتخللها فواصل طويلة، كأن الهواء بين الكلمات صار أثقل. أحيانًا كانت تحدّق في الفراغ لحظاتٍ قبل أن تتابع الحديث، وكأنها تعود من مكانٍ بعيد لا نراه.


كنت ألاحظ أن خطواتها على الدرج أصبحت أبطأ. وأن الشال الرمادي صار أكبر عليها، أو لعلها هي التي صارت أصغر داخله.


في إحدى الأمسيات الهادئة، صعدت كعادتي أحمل كوبين من القهوة. طرقت الباب برفق، ولم يصلني جواب. انتظرت لحظة. ثم طرقت مرة أخرى، أخفّ.


لا شيء.


دفعت الباب قليلًا، فوجدته غير موصد.


دخلت ببطء، أناديها


بصوتٍ خافت.

كانت جالسة على كرسيها قرب النافذة، حيث اعتادت الجلوس. الشال الرمادي على كتفيها كما دائمًا. في يدها صورة لماتيو، وفي حضنها رسمٌ قديم رسمته فاليريا: ثلاث شخصيات تمسك بأيدي بعضها، وفوقهم شمسٌ كبيرة مبتسمة.


بدت نائمة.


ابتسمتُ وقلت بهدوء:

“جئتُ بالقهوة.”


لم تجب.


اقتربت.


لمست يدها.


كانت ساكنة.


لا دفء فيها. لا حركة.


رحلت كما رحل ابنها.


من دون ضجيج.

من دون أن تزعج أحدًا.

من دون أن تطلب شيئًا في اللحظة الأخيرة.


وقفتُ لحظاتٍ لا أعرف كم امتدت. شعرتُ بأن الصمت يملأ الغرفة، لكنه لم يكن صمتًا مخيفًا. كان صمتًا يشبه الراحة، كأنها أخيرًا وجدت المكان الذي لم يعد فيه ألمٌ ولا انتظار.


أنزلت الصورة برفق من يدها، ووضعت الشال بإحكامٍ أكبر حول كتفيها، كأنني ما زلت أستطيع حمايتها من البرد.


في وصيتها لم تترك أشياء مادية كثيرة. بعض الأغراض البسيطة: أوانٍ قديمة، كتب متآكلة الأطراف، صندوق خشبي صغير فيه أزرار وخيوط. لا شيء ذا قيمة في نظر الآخرين.


لكنها تركت لي ورقةً مطوية بعناية.


خطّها كان مرتجفًا، لكنه واضح:


“شكرًا على الملح.

لم يكن للطعام.

كان كي لا أشعر بالوحدة.

لقد أعاد إليّ الحياة.”


قرأت الكلمات مرارًا، كأنني أخشى أن تختفي إن أغمضت عينيّ.


جلست في مطبخي، والضوء الخافت ينساب على الطاولة. كان وعاء الملح أمامي. الوعاء نفسه الذي أعطيتها منه أول مرة، وأنا متبرّمة.


تأملت حباته الصغيرة البيضاء. كم تبدو عادية. كم تبدو بلا معنى.


فتحته.


أخذت قليلًا بين أصابعي.


تذكرت طرقاتها الأولى. ضجري. كلماتي القاسية. ارتباكها. ارتجاف يديها وهي تمسك بالفنجان الصغير. وتذكرت كيف تغيّر كل شيء بكلمةٍ صادقة، باعترافٍ بسيطٍ


بالألم.

أدركت أنني لم أكن أقدّم لها ملحًا فقط. كنت أقدّم لها بابًا مفتوحًا.


وبكيت.


بكيت على قسوتي الأولى. على خوفها. على وحدتها. على ماتيو. على نفسي حين كنت أظن أنني وحدي في هذا العالم.


اليوم أبلغ الأربعين. أعيش في حيٍّ آخر، في شقةٍ أوسع قليلًا، بنوافذ تدخل منها الشمس بسخاء أكبر. ابنتي تكاد تصبح امرأة. لها أحلامها، وأصدقاؤها، وأسرارها الصغيرة التي لم تعد تخبرني بها كلها. أراها أحيانًا تنظر إليّ بالطريقة نفسها التي كنت أنظر بها إلى السيدة كارميلا: بخليطٍ من حبٍّ واستقلالٍ ورغبةٍ في أن تجد طريقها.


لكنني ما زلت أحتفظ بوعاء الملح القديم.


لم أستبدله. رغم أنني اشتريت أوعية أجمل، وأدوات مطبخ أحدث. ذلك الوعاء بقي في مكانه، كذكرى دائمة بأن أبسط الأشياء قد تحمل أعمق المعاني.


وفي كل مرة يطرق أحدٌ بابي…


أفتح.


حتى لو كنت متعبة.

حتى لو كان اليوم طويلًا.

حتى لو لم أكن في مزاجٍ للكلام.

حتى لو كنت أخشى أن يُطلب مني ما لا أستطيع إعطاءه.


أفتح.


لأنني فهمت شيئًا لم تعلّمني إياه المدرسة، ولا المكتب، ولا كتب تطوير الذات التي كانت تعدني بالنجاح والسعادة.


فهمت أن الطلبات الصغيرة ليست دائمًا صغيرة.


ليس الملح وحده ما يطلبه الناس.


أحيانًا يطلبون اعترافًا بوجودهم.

أحيانًا يطلبون أن يسمعهم أحد دون استعجال.

أحيانًا يطلبون أن يشعروا بأنهم ما زالوا مرئيين في عالمٍ يمرّ بهم كأنهم هواء.

وأحيانًا يكون ذلك آخر طريقٍ يجدونه ليقولوا، دون أن يقولوا صراحة:


“هل يمكنك أن تراني؟”


وفتح الباب…


ليس فعلًا عاديًا.


قد يكون وعدًا بأنك لن تترك أحدًا يختفي في صمت.

قد يكون يدًا ممدودة فوق هاويةٍ من الوحدة.

قد يكون الملح الذي يعيد للطعام


طعمه… وللأيام معناها.

قد يكون لحظةً صغيرة تغيّر مسار حياةٍ كاملة.

قد يكون الفارق

بين أن يشعر الإنسان بأنه غير مرئي

وبين أن يشعر بأنه حيّ حقًا.


تمت 

 

تعليقات

التنقل السريع
    close