طرقت بابًا تطلب لقمة… فعرض عليها أن تكون أمًا لـ11 طفلًا وقلب حياتها للأبد
طرقت بابًا تطلب لقمة… فعرض عليها أن تكون أمًا لـ11 طفلًا وقلب حياتها للأ
ذهبت تطلب لقمة تسد بها جوعها فأجابها كوني أما لأولادي الأحد عشر ولن تعرفي الجوع بعد اليوم. كانت هيلينا سانتوس ترتجف من الوهن وهي تمسك بآخر خيط من كرامتها. كانت قد مشت كيلومترات طويلة على طرق ترابية في ريف ولاية ميناس جيرايس وبطنها فارغ منذ ثلاثة أيام وقدماها تدميان داخل حذاء بال.
حين لمحت بيتا بسيطا من خشب فاتح اتجهت نحو الباب الأمامي. ارتجفت يداها وهي تطرق الخشب وحين سمعت خطوات تقترب ابتلعت كبرياءها الذي لازمها طوال عمرها. قالت حين فتح الباب وظهر رجل طويل يرتدي قبعة داكنة
أرجوك يا سيدي أريد فقط قطعة خبز أي شيء لم آكل منذ أيام.
تأملها جواو مينديس بصمت. لم تكن تبدو أكبر من خمس وعشرين سنة. شعر بني مرفوع في كعكة بسيطة وفستان أزرق باهت لكنه نظيف. وفي عينيها رأى اليأس نفسه الذي كان يراه في المرآة كل صباح. قال وهو يبتعد عن الباب
ادخلي.
ترددت هيلينا ثم لمحت من خلفه وجوه أطفال يراقبون من النوافذ بفضول. أطفال كثيرون. قالت وهي تدخل البيت المتواضع
لديك عائلة كبيرة.
أجاب جواو وهو يخلع قبعته ويمرر يده في شعره الداكن
أحد عشر طفلا فقدنا أمهم قبل أربعة أشهر.
كان الصمت بعدها ثقيلا. نظرت هيلينا حولها فرأت الفوضى تملأ كل زاوية ملابس مكدسة على الكراسي أطباق متسخة
على الطاولة وألعاب متناثرة على الأرض. أشار جواو إلى كرسي وقال
اجلسي سأحضر لك طعاما.
اتجه إلى المطبخ فبدأ الأطفال يقتربون. كانت الكبرى وتبدو في نحو الخامسة عشرة تنظر إلى هيلينا بارتياب. أما الصغاروخاصة صبي صغير بشعر مجعد لا يتجاوز الثالثةفكانوا يختبئون خلف إخوتهم.
عاد جواو وهو يحمل طبقا من الأرز والفاصولياء وقطعة لحم. ما إن شمت هيلينا الرائحة حتى كادت تغمى عليها من شدة الجوع. تمتمت
شكرا
وبدأت تأكل ببطء محاولة الحفاظ على وقارها.
سألها جواو وهو يجلس قبالتها
ما اسمك
قالت هيلينا سانتوس.
فقال أنا جواو مينديس وهؤلاء أطفالي. وأخذ يشير إلى كل واحد منهم وهو يذكر اسمه مارسيا الكبرى ثم كارلوس وآنا وبيدرو ولويسا وميغيل وصوفيا وغابرييل وبياتريس وأنطونيو وهذا الصغير دافي صاحب الشعر المجعد.
أكملت هيلينا طعامها وهي تشعر بعيون الأطفال كلها مسلطة عليها. وحين انتهت قامت لتأخذ الطبق إلى المطبخ. قال جواو
دعيه أنا أحمله.
فأجابت لا حاجة يا سيدي لقد أحسنت إلي كثيرا.
في المطبخ رأت هيلينا كومة الأواني المتسخة ومن غير أن تستأذن فتحت الصنبور وبدأت تغسل. ظهر جواو خلفها وقال
لا حاجة لأن تفعلي هذا.
فأجابت وهي تواصل العمل
هذا أقل ما يمكنني فعله لأرد جميلك.
ظل يراقبها. كان في طريقة تحريك يديها وفي رفقها
مع كل طبق شيء أعاده إلى ذكرى زوجته الراحلة ماريا. قال فجأة
هل أستطيع أن أسألك سؤالا غريبا
توقفت هيلينا والتفتت إليه تفضل.
سألها هل لديك مكان تذهبين إليه
كان السؤال كلكمة في معدتها. خفضت عينيها وقالت لا.
قال وأهلك
أجابت بصوت خافت لم يعد لدي أحد.
تنفس جواو بعمق وكأنه يعلم أنه على وشك أن يغير حياتين إلى الأبد. قال
هيلينا أعلم أن الأمر سيبدو جنونا لكن هل تقبلين أن تبقي هنا وتعتني بهؤلاء الأطفال كأم لهم
تركت هيلينا الطبق الذي كانت تمسكه فسقط في الماء محدثا رشة.
ماذا تقول يا سيدي
قال أقول إن قبلت أن تكوني أما لأولادي الأحد عشر فلن تعرفي الجوع بعد اليوم. سيكون لك بيت وطعام وملابس وعائلة.
شعرت هيلينا أن ساقيها لا تحملانها. اتكأت على حافة المغسلة وهي تحاول أن تستوعب. قالت
لكنني لا أعرفك ولا أعرف أطفالك.
فأجاب ولا أنا أعرفك لكن انظري حولك. وأشار إلى البيت الغارق في الفوضى. هم بحاجة إلى أم وأنت بحاجة إلى مأوى. أليس هذا واضحا
سألته بتردد وهل سيكون هذا زواجا حقيقيا
تردد جواو لحظة ثم قال
سيكون ما تريدينه أن يكون. أنا لا أطلب منك أن تكوني زوجتي أطلب منك أن تكوني أما لأولادي.
نظرت هيلينا من نافذة المطبخ فرأت الأطفال يلعبون في الفناء. كان دافي قد تعثر وبكى وكان الإخوة الكبار يحاولون مواساته بلا نجاح. قالت هيلينا
هل يمكنني أن أفكر قليلا
قال بالطبع. ابقي الليلة هنا ونامي على الأمر.
في تلك الليلة نامت هيلينا على فراش مرتجل في غرفة الجلوس وهي تسمع أصوات البيت يستقر للنوم. انحدرت دموع صامتة على وجهها وهي تفكر في العرض الغريب. هي التي فقدت كل شيء ورأت عائلتها تتفتت كالرمل بين الأصابع.
في الصباح أيقظها ضجيج الأطفال وهم يركضون في البيت. قامت فرأت جواو يحاول إعداد الفطور وهو يحمل دافي على ذراعه. كانت بقية الأطفال متناثرين في المطبخ بعضهم بملابس النوم وبعضهم جاهز للمدرسة. قالت وهي تدخل
صباح الخير.
قال جواو صباح الخير يا هيلينا هل نمت جيدا
قالت نعم شكرا.
راقبت المشهد الفوضوي مارسيا تحاول تمشيط شعر أخواتها الصغيرات وجواو يحرك شيئا على الموقد تفوح منه رائحة احتراق. قالت هيلينا
هل أساعد
جاء صوت مارسيا باردا لا حاجة نحن نعرف كيف ندبر أمرنا وحدنا.
لاحظت هيلينا عداءها لكنها لم تعلق. اقتربت من جواو وقالت
فكرت في عرضك وأوافق لكن بشرط.
التفت إليها باهتمام ما هو
قالت أريد أن تقبلني بناتك أولا. لا فائدة من بقائي هنا إن كن لا يردنني.
نظر جواو إلى مارسيا التي توقفت عن تمشيط شعر أخواتها وصارت تراقب.
قال جواو مارسيا تعالي هنا.
اقتربت بتثاقل. قال هيلينا ستبقى معنا فترة لتساعد في الاعتناء بكم.
ردت مارسيا وهي تعقد ذراعيها لا نحتاج مساعدة.
هم جواو أن يتكلم لكن هيلينا سبقته وقالت وهي تنظر إلى مارسيا مباشرة
هي على حق أنتم دبرتم أموركم وحدكم حتى الآن. أنا التي أحتاجكم لا العكس.
بدت مارسيا مصدومة كيف يعني
قالت هيلينا لا مكان لدي أذهب إليه يا مارسيا أبوك عرض علي بيتا وهذا أكثر مما توقعت. لكن الأمر لن ينجح إن لم تقبلوني. إن لم تريدوني سأفهم.
نظرت مارسيا إلى أبيها ثم إلى إخوتها الصغار الذين يراقبون دون فهم كامل. سألت
وإلى متى
قالت هيلينا إلى المدة التي تريدونها أن أبقى.
فكرت مارسيا طويلا ثم قالت
حسنا لكن لي شروط أيضا.
قالت هيلينا ما هي
قالت مارسيا أولا لا تأمريني. وثانيا لا تحاولي أن تحلي محل أمنا.
أومأت هيلينا أوافق.
في تلك اللحظة أفلت دافي من ذراعي أبيه وركض إلى هيلينا باسطا ذراعيه الصغيرتين. حملته هيلينا وشعرت بقلبها ينقبض من سهولة قبوله لها. ابتسمت لأول مرة منذ دخلت ذلك البيت وقالت
يبدو أن بعض هؤلاء الأطفال قد قبلوني بالفعل.
بدأت الأيام الأولى في بيت آل مينديس كدوامة من المشاعر. كانت هيلينا تستيقظ قبل الفجر لا لأن أحدا ألزمها بل لأنها لم تستطع النوم جيدا وهي تعرف أن أحد عشر طفلا ينتظرون رعاية. وفي الأسبوع الأول اكتشفت أن جواو يخرج مبكرا للعمل في المزرعة المجاورة ولا يعود إلا آخر النهار. وهذا يعني أنها تقضي النهار وحدها مع الأطفال مسؤولية تخيفها وتحرك شيئا دافئا في قلبها في الوقت ذاته.
صرخ كارلوس ابن الاثني عشر عاما من باب الغرفة
أين قميصي الأزرق
قالت هيلينا وهي تحاول إقناع صوفيا ذات الست سنوات أن تفطر
ربما على الحبل.
قال بإصرار ليس هناك.
تنهدت هيلينا تركت صوفيا ممسكة بالملعقة وذهبت تبحث. وجدته ضمن كومة ملابس نظيفة لم يطوها أحد.
قالت وهي تعطيه القميص ها هو.
تمتم شكرا دون أن ينظر في عينيها.
كان ذلك حال معظمهم مهذبين لكن بعيدين باستثناء دافي الذي كان يتبعها في البيت كجرو ضائع وغابرييل ذو الثماني سنوات الذي بدأ يطلب مساعدتها في واجبات المدرسة.
أما التحدي الحقيقي فكان مارسيا. كانت حريصة على أن تشعر هيلينا أنها دخيلة مؤقتة. إذا نظمت هيلينا البيت بعثرت مارسيا ما رتبت وقالت هكذا كان دائما. وإذا طبخت هيلينا اشتكت مارسيا أنه ليس مثل طبخ أمي.
وفي الأسبوع الثالث دفعت مارسيا طبق المعكرونة الذي أعدته هيلينا وقالت
أمنا كانت تطبخ أفضل.
أجابت هيلينا بهدوء أنا متأكدة من ذلك هل تعلمينني كيف كانت تصنعه
فوجئت مارسيا. تمتمت أنا لا أعرف الطبخ.
قالت هيلينا إذن لنتعلم معا ما رأيك
كان ذلك أول شرخ في درع مارسيا. للحظة بدت مجرد مراهقة خائفة تحاول حماية ذكرى أمها.
في تلك الليلة بعدما نام الأطفال كانت هيلينا تغسل الصحون حين دخل جواو البيت. بدا أكثر إرهاقا من المعتاد. قال وهو يخلع حذاءه الموحل عند المدخل
كيف كان يومك
قالت جيد الأطفال يعتادون علي شيئا فشيئا.
اقترب من المطبخ ونظر إلى النظافة والترتيب
أنت تقومين بعمل مذهل يا هيلينا.
قالت شكرا إنهم أطفال طيبون لكنهم يفتقدون أمهم.
سكت جواو لحظة ثم قال بصوت مثقل
ماريا ماتت في حادث منزلي كانت تنظف النوافذ فسقطت من السلم لم أكن في البيت.
توقفت هيلينا والتفتت إليه أشعر بالحزن لأجلها
قال جواو كمن يعاقب نفسه أحيانا أظن لو كنت هنا
قاطعته هيلينا لا تلم نفسك يا جواو الحوادث تقع.
نظر إليها قليلا ولاحظ كم نحلت أكثر رغم أنها أصبحت تأكل بانتظام. كأن ثقل المسؤولية يلتهم قوتها أيضا.
قال جواو هيلينا يجب أن أخبرك بشيء.
قالت ماذا
قال قبل أن تأتي حاولت أن أستأجر نساء من المنطقة ليساعدنني مع الأطفال كلهن رفضن.
لم تتفاجأ هيلينا أحد عشر طفلا مسؤولية كبيرة.
قال ليس هذا فقط الوضع المالي هنا ليس سهلا. علاج ماريا كلفني كثيرا لدي ديون.
شعرت هيلينا بانقباض في صدرها أي ديون
قال رهنت العقار لأدفع للأطباء. إن لم أسدد خلال شهرين سيأخذون البيت.
قالت بقلق لماذا لم تخبرني من قبل
أجاب بصراحة مؤلمة لأنني كنت أعلم أنك سترحلين إن عرفت.
اتكأت هيلينا على المغسلة كم المبلغ
قال خمسة عشر ألف ريال برازيلي.
كانت تعلم أنه مبلغ يكاد يكون مستحيلا لعامل ريفي. ثم سألته ولا قريب يساعدك
قال والدا ماريا قطعا علاقتهما بنا حين تزوجتني قالا إنني لست كفئا لها. وأما عائلتي فلا أحد لدي.
تأملت هيلينا يديه المجلدتين وتخيلت كم ساعة يعمل يوميا ليطعم هذا البيت.
قالت بهدوء وأنا أيضا يجب أن أخبرك شيئا.
قال ماذا
قالت لم أكن فقط جائعة حين جئت كنت أهرب.
رفع رأسه بتركيز ممن
قالت من ماض خسرت كل شيء في قصة معقدة. كانت لدي ورثة صغيرة من جدتي لكنني خدعت من أشخاص وثقت بهم.
قال كيف
تنفست بعمق. كانت تلك أول مرة تحكي منذ غادرت بيلو هوريزونتي
كنت متزوجة. أقنعني زوجي أن أستثمر كل مالي في مشروع قال إنه مضمون. ثم اكتشفت أنه كان يستخدم المال لإعالة أسرة أخرى. وحين واجهته اختفى وترك لي كل الديون. خسرت البيت والأثاث وكل شيء وصرت في الشارع. عشت أسابيع بلا مأوى حتى وصلت هنا.
ظل جواو صامتا يستوعب. ثم قال
إذن أنت تفهمين معنى أن تفقدي كل شيء.
قالت أفهم وأفهم معنى أن تبدأ من الصفر.
وقفا في المطبخ شخصين بالغين كسرتهما خسارات قاسية ويحاولان صناعة طريقة للمضي قدما.
قال جواو هيلينا يجب أن أكون صريحا. حين عرضت عليك البقاء لم يكن فقط لأن الأطفال بحاجة إلى رعاية أنا أيضا بحاجة إلى
عون. أنا أغرق.
رأت هيلينا هشاشته التي لم تكن تظهر عادة في ملامحه.
قالت سنحل الأمر معا بطريقة ما.
وفي صباح اليوم التالي استيقظت هيلينا ومعها خطة أن تفهم الوضع المالي بدقة وأن تكسب ثقة الأطفال تماما وأن تجد مصدر دخل إضافي.
بدأت بمارسيا. وجدتها في الفناء تنشر الغسيل. قالت لها
أحتاج مساعدتك.
سألت مارسيا بفتور في ماذا
قالت أريد أن أنظم البيت لكنني لا أعرف أين كانت أمك تضع الأشياء المهمة الوثائق والأوراق
ترددت مارسيا لماذا
قالت هيلينا بصدق أبوك أخبرني عن الديون. أريد أن أرى إن كنت أستطيع المساعدة.
سألتها مارسيا هل لديك مال
قالت لا لكن لدي خبرة. قبل زواجي كنت أعمل في الإدارة. ربما أجد حلا.
راقبتها مارسيا طويلا ثم قالت الأوراق في غرفة أبي في صندوق تحت السرير.
قالت هيلينا هل تريني
قادتها مارسيا إلى الغرفة. كانت بسيطة سرير مزدوج خزانة قديمة وخزانة أدراج. وتحت السرير صندوق أحذية ممتلئ بأوراق.
جلست هيلينا على السرير وبدأت تتفحص عقود قروض فواتير متأخرة رسائل مطالبة وصور عائلية. رفعت صورة وقالت
هذه أمك
قالت مارسيا وقد لان صوتها نعم
قالت هيلينا كانت جميلة.
قالت مارسيا وكأنها تخرج ألما مكبوتا وكانت تطبخ أفضل من أي أحد وكانت تحسن الغناء. كل ليلة كانت تغني لنا لننام.
لاحظت هيلينا أن عيني مارسيا امتلأتا بالدمع. سألتها هل تتذكرين الأغاني
قالت نعم.
قالت هيلينا هل تعلمين الصغار سيشعرون أنها قريبة منهم.
رفعت مارسيا عينيها بدهشة ألن تنزعجي إن تذكرنا أمي
قالت هيلينا بحزم رقيق مارسيا أمك ستبقى أمك دائما. لن أحاول أخذ مكانها في قلوبكم أنا فقط أريد أن أرعاكم ما دمتم بحاجة إلي.
كانت تلك أول مرة تبتسم فيها مارسيا لهيلينا. ثم بدأت تغني بصوت خافت أغنية مهد بسيطة. ابتسمت هيلينا وقالت جميلة ما رأيك أن نغنيها لدافي الليلة
تابعت هيلينا تفحص الأوراق فوجدت أن الوضع أسوأ مما وصف جواو ليس هناك رهن البيت فقط بل قروض شخصية وديون لموردين محليين. بلغ المجموع قرابة عشرين ألف ريال. سألت هيلينا
هل لأبيك حساب بنكي
قالت مارسيا نعم لكنه يستخدمه فقط لاستلام راتبه. أمي كانت تدير هذه الأمور.
رأت هيلينا كشوف الحسابات وأدركت أن دخل جواو ضئيل جدا. كان أشبه بمعجزة أنه استطاع إطعام الجميع حتى الآن.
سألت وهل لدى أبيك مهارة خاصة غير العمل في المزرعة
قالت مارسيا هو يصلح تقريبا أي شيء آلات سيارات معدات. وأحيانا يجلب الجيران أشياءهم ليصلحها.
سألت هيلينا وهل يأخذ أجرا
قالت مارسيا لا يفعلها مجانا دائما.
شعرت هيلينا بشرارة أمل أظنني وجدت طريقة للمساعدة.
عندما عاد جواو بعد الظهر وجدها تنتظره في المطبخ وقد رتبت الأوراق على الطاولة. قالت
علينا أن نتحدث.
تنهد جواو لقد رأيت كل شيء أليس كذلك
قالت نعم ولدي اقتراح.
سأل أي اقتراح
قالت ستفتح ورشة تصليح هنا في الفناء.
ضحك جواو ضحكة بلا فرح لا مال لدي لورشة.
قالت لا تحتاج إلى كثير. تحتاج إلى تنظيم ودعاية. أنت تصلح للناس مجانا حان وقت أخذ أجر.
اعترض أنا لا أفعل إلا إصلاحات بسيطة.
قالت في منطقة ريفية مثل هذه من يصلح الآلات والمعدات قيمته كبيرة. المشكلة أن الناس لا يعرفون أنك تقدم هذه الخدمة.
قدمت له ورقة فيها حسابات إن أصلحت آلة واحدة في الأسبوع بأجر عادل ستكسب في شهر أكثر مما تكسب في المزرعة.
تأمل جواو الأرقام أتظنين أنه سينجح
قالت واثقة لكن أحتاج إذنك لأرتب كل شيء.
سأل وماذا ستنظمين
قالت سأكتب قائمة بما تحتاجه للبدء وسأزور المنطقة لأعرض خدماتك وسأتولى الإدارة.
قال ومقابل ماذا
ترددت لحظة ثم قالت مقابل أن تكون لي عائلة.
نظر إليها ورأى صدقا صافيا حسنا فلنجرب.
في الأسبوع التالي بدأت هيلينا التنفيذ. جعلت جواو يكتب ما يملكه من أدوات وما يحتاجه. ثم زارت المزارع في محيط عشرة كيلومترات تعرض خدمات التصليح. كان الاستقبال أفضل مما توقعت. كثيرون لديهم معدات معطلة يضطرون لنقلها إلى المدينة فتضيع أيام ومال.
جاء جار بجرار فيه خلل بنظام النقل. سأل كم تأخذون
نظر جواو إلى هيلينا. فأجابت قبل أن يتكلم مئتا ريال.
وافق الرجل فورا فعمل جواو يومين حتى أصلحه. وعند التسليم كانت هيلينا جاهزة بإيصال مكتوب يدويا ودفتر تسجل فيه الخدمات. قالت مئتا ريال وإن حدث خلل خلال ستة أشهر فالصيانة مجانا.
بعد انصراف الرجل قال جواو بدهشة كيف عرفت السعر
قالت اتصلت بورش المدينة وسألت الأسعار. نحن نأخذ نصف السعر تقريبا لكن العميل لا يدفع نقلا ولا يفقد معدته أياما هذا عادل.
خلال أسبوعين صار لدى جواو عمل أكثر مما يستطيع في وقت الفراغ. قالت هيلينا
لا أطلب منك ترك عملك بل تفاوض. اعمل ثلاثة أيام في المزرعة ويومين هنا.
فعل ذلك ووجد أن صاحب المزرعة نفسه يحتاج لمهارته. اتفقا نصف دوام بالمزرعة ونصفه في التصليح مع أولوية لصيانة معدات المزرعة.
في شهر تضاعف دخل الأسرة. نظمت هيلينا السجلات وأنشأت نظاما لمراقبة الداخل والخارج. قالت لجواو وهي تعرض تقديرا
بهذا سنسدد الديون خلال ستة أشهر.
قال جواو لا أعلم كيف أشكرك.
قالت لا تشكرني نحن عائلة الآن.
بدأ الأطفال يقتربون منها تدريجيا. دافي صار يناديها ماما هيلينا وينام أفضل حين تغني له الأغاني التي علمتها مارسيا. وغابرييل يطلب مساعدتها دائما. والبنات يحببن حين تمشط شعرهن.
لكن كارلوس هو من منحها العلامة الأوضح على قبولها. جاء يوما من المدرسة وأنفه ينزف. قالت هيلينا مذعورة ماذا حدث
قال أولاد في المدرسة قالوا إنك طماعة وأنك هنا لأجل مال أبي.
شعرت هيلينا بالغثيان. سألت وماذا قلت لهم
قال قلت إنهم أغبياء. لم يكن لدينا مال أصلا. لكن منذ جئت صار لدينا طعام طيب كل يوم والبيت نظيف وأبي لم يعد يبكي سرا.
امتلأت عيناها بالدمع. سألته ولهذا تشاجرت
قال نعم لا أحد يتكلم على عائلتي.
عانقته بقوة شكرا لأنك دافعت عنا.
قال وأنت ستدافعين عنا أيضا أليس كذلك
قالت دائما.
في تلك الليلة كانت تغسل الصحون حين سمعت أصواتا مرتفعة خارج البيت. نظرت من النافذة فرأت جواو يتحدث إلى امرأة لا تعرفها. جففت يديها وخرجت.
كانت المرأة تقول هذا ليس عادلا للأطفال يحتاجون استقرارا لا غريبة قد ترحل في أي لحظة.
قالت هيلينا وهي تقترب مساء الخير.
التفتت المرأة. كانت شقراء في نحو الخامسة والثلاثين أنيقة وبنبرة متعالية. قالت
أنت لا بد أنك هيلينا المشهورة.
سألتها هيلينا بهدوء وأنت
قالت فيرونيكا موريرا صديقة قديمة للعائلة.
كان جواو متوترا فيرونيكا لا أظن أن هذا الحديث مناسب.
قالت فيرونيكا بل مناسب جدا. المنطقة كلها تتحدث عن هذه الحالة امرأة تظهر من العدم وبعد أيام تعيش مع أسرة من اثني عشر شخصا.
سألت هيلينا وما المشكلة
قالت فيرونيكا المشكلة أن هذا غير طبيعي. الناس المحترمون لا يبرمون ترتيبات كهذه.
حافظت هيلينا على هدوئها وما الترتيب الطبيعي في رأيك
قالت فيرونيكا عائلة كهذه تحتاج امرأة حقيقية معروفة محترمة ولها مرجعيات في المجتمع.
تدخل جواو فيرونيكا الأفضل أن تذهبي.
قالت أنا أحاول المساعدة وأنت تعرف أنني كنت دائما أهتم بك وبالأطفال.
راقبت هيلينا تفاعلهما وفهمت فيرونيكا ليست مجرد صديقة قديمة. كان في الأمر شيء أعمق.
قالت هيلينا أفهم قلقك لكن الأطفال بخير رعاية طعام وهدوء. ماذا يهم غير ذلك
قالت فيرونيكا يهم الأخلاق يهم ما سيقوله الناس يهم المثال الذي يتربون عليه.
قالت هيلينا وأي مثال أفضل من أن الإنسان يستطيع البدء من جديد حين يظن أن كل شيء انتهى وأن الأسرة تبنى بالحنان لا بالدم وحده وأن المساعدة ممكنة دون انتظار مقابل
لم تتوقع فيرونيكا هذا الرد. قالت بنبرة حادة
أنت لا تفهمين هناك أمور لا يفهمها الغريب مثل أنك وجواو كان بينكما شيء في الماضي.
أربكت الجملة الاثنين. احمر وجه فيرونيكا وخفض جواو عينيه. قالت فيرونيكا بسرعة هذا لا يهم.
قالت هيلينا بل يهم. أنت لست قلقة على الأطفال أنت تغارين لأن جواو وجد من يساعده حين لم تكوني أنت هنا.
ارتفع صوتها كيف تجرؤين!
قالت هيلينا بحزم لا أعرف تفاصيل قصتكما لكنني هنا لأن هؤلاء الأطفال يحتاجونني وسأبقى ما داموا يحتاجونني.
نظرت فيرونيكا إلى جواو تنتظر أن يدافع عنها. فقال أخيرا
هيلينا على حق. لقد أنقذت هذه الأسرة يا فيرونيكا ولن أسمح لأحد أن يهينها.
صمتت فيرونيكا مصدومة ثم قالت ستندم يا جواو هذه المرأة ستدمر كل ما بنيته.
قال ما بنيته كان ينهار قبل مجيئها والآن يعاد بناؤه.
انصرفت فيرونيكا وهي تغلي غضبا. قالت هيلينا لجواو بعد أن بقيا وحدهما
أخشى أن تسبب لنا مشكلات.
سأل أي مشكلات
قالت إشاعات أو إقناع الناس بعدم التعامل معك أشياء كهذه.
قال جواو بقلق وماذا نفعل
قالت نظهر أن أسرتنا ناجحة وأن الأطفال سعداء ومصانون ولا نعيش على كلام الناس.
لكنها كانت تدرك أن الأمر لن يكون بهذه السهولة.
في الأسبوع التالي بدأت المشكلات بالفعل ألغى عميلان خدمات كانت مجدولة دون تفسير. وصارت هيلينا تلاحظ نظرات مختلفة في السوق. والأسوأ كان حين عادت مارسيا من المدرسة باكية. قالت هيلينا وهي تضمها ماذا حدث
قالت مارسيا المعلمة قالت إن الأفضل ألا أشارك في عرض حفلة المدرسة لأن بعض الأمهات اشتكين. قالوا إن عائلتنا ليست مثالا جيدا.
اختلط الغضب بالحزن في قلب هيلينا. قالت لمارسيا وهي تمسك وجهها برفق
انظري إلي عائلتنا مثال جيد. نحن مثال على أن الناس يمكنهم تجاوز الألم معا وأن الحب يمكنه بناء بيت جديد وأن العائلة ليست بالدم فقط.
قالت مارسيا لكنهم لا يفهمون.
قالت هيلينا بعض الناس لا يفهمون لكن هذا لا يعني أننا مخطئون.
تلك الليلة قالت هيلينا لجواو ربما الأفضل أن أرحل لا أريد أن يعاني الأطفال بسببي.
قال جواو بحزم لا تقولي هذا. الأطفال يحبونك وأنا لا أريد أن نخسر ما بنيناه.
قالت لكن إن توقف الناس عن التعامل معك
قال سنجد طريقة أخرى للرزق لكننا لن نتفرق.
وفي تلك اللحظة أدركت هيلينا أن كلماته بدأت تتحول من أنت وأنا إلى نحن.
مع الأيام بدأت مشاعر جديدة تنمو بينهما. لم تعد مجرد امتنان أو صحبة بل شيئا أعمق. لكنهما كانا يحملان ذنبا هي تشعر بالذنب لأنها تحب رجلا ما زال في حداد وهو يشعر بالذنب لأنه يظن أنه ينسى ماريا بسرعة. صار التوتر بينهما ملموسا في ليالي الهدوء بعد نوم الأطفال. أحاديث قصيرة تمتد ساعات وعيون تطول أكثر مما ينبغي لكن بلا خطوة حاسمة.
وكان دافيالصغير ذو الثلاث سنواتهو من دفع الأمور إلى لحظة فاصلة. في صباح سبت كانت هيلينا تنشر الغسيل حين سمعت صراخا في الفناء. ركضت فوجدت دافي على الأرض يبكي وركبته مخدوشة. قال غابرييل سقط من الشجرة كان يحاول أن يقطف مانجو.
حملت هيلينا دافي إلى الداخل. ظهر جواو في المطبخ ومد ذراعيه دعيني أنا أتولى.
لكن دافي تشبث بهيلينا وقال ببكاء لا أريد ماما هيلينا.
ضربت الكلمة جواو في قلبه. كان دافي ينادي ماريا ماما طوال عمره والآن يقولها لهيلينا. رأت هيلينا ألما على وجه جواو وحاولت أن تسلم الطفل له اذهب إلى
أبيك يا دافي.
صرخ لا أريدك.
نظرت هيلينا إلى جواو حائرة. فقال بصوت مبحوح اعتني به إنه محق. أنت أمه الآن.
خرج جواو من المطبخ تاركا هيلينا قلقة. عالجت ركبة دافي وقبلتها وهدأته حتى نام. وبعد وقت وجدته جالسا وحده على الشرفة ينظر إلى الأفق. قالت هل أجلس
قال نعم.
سكتا دقائق ثم قالت هل يزعجك أن دافي يناديني أمي
قال ليس الأمر هكذا لكنني أرى كيف ينظرون إليك وكأنهم ينسون ماريا.
قالت هيلينا لن ينسوها هي في قلوبهم. لكنهم يشفون يتعلمون أن يكونوا سعداء ثانية.
سألها جواو هل تظنين أن ماريا كانت ستفرح لرؤيتهم هكذا
قالت بالتأكيد. أي أم تفرح حين ترى أبناءها محبوبين ومصانين.
قال بصوت مكسور أحيانا أشعر أنني أخون ذكراها.
قالت هيلينا الحب من جديد لا يعني النسيان يعني أن قلبك يتسع لحب آخر.
قال هكذا ترين الأمر
قالت نعم وأظن أن ماريا سترى الأمر كذلك.
ثم قال جواو كمن ينتزع اعترافا هيلينا يجب أن أعترف بشيء.
قالت ماذا
قال وهو ينظر في عينيها لم أعد أحارب فقط كأب بل كإنسان. أشعر بشيء لا ينبغي أن أشعر به بهذه السرعة تجاهك.
قالت هيلينا لا تعتذر.
قال أيمكنك أن تنسي ما قلت
قالت يمكنني لكنني لن أستطيع. لأنني أشعر بالمثل.
صمت جواو ثم قال الأمر معقد. إن بدأنا شيئا ثم لم ينجح لن تتأذى قلوبنا فقط بل أحد عشر طفلا فقدوا أمهم مرة.
قالت هيلينا إذن نسير ببطء دون استعجال.
لكنهما كانا يعرفان أن ما ولد بينهما تجاوز فكرة البطء منذ زمن.
في تلك الليلة وبينما كانت هيلينا تنيم دافي سألها فجأة ماما هيلينا هل ستتزوجين أبي
احمر وجهها ولماذا تسأل
قال غابرييل قال إذا عاش رجل وامرأة في بيت واحد واعتنيا بالأطفال فهما متزوجان.
سألته وأنت ماذا ترى
قال أرى أنه سيكون جميلا فتكونين أمي حقا.
قالت هيلينا وهي تقبل جبينه أنا أمك حقا يا دافي الزواج ورقة المهم الحب.
قال إذن أنت تحبينني
قالت أحبك كثيرا وأحب إخوتك ثم ترددت وهمست وأحب أباك أيضا.
ابتسم دافي ونام مطمئنا.
وكان جواو خلف الباب قد سمع الحوار كله وابتسم ابتسامة صغيرة.
بعد ذلك سمحا لأنفسهما بإشارات حنان صغيرة لمس يد عند تمرير الملح قبلة على الجبهة عند العودة متعبين نظرة أطول حين لا يراهما الأطفال. وكان الأطفال وكأنهم يشعرون بهذا التغير ويقبلونه. مارسيا توقفت عن التشكيك. كارلوس صار محامي الأسرة في المدرسة. البنات يتنافسن على اهتمام هيلينا والأولاد يأتون إليها ليتحدثوا عن أشياء لا يستطيعون قولها لأبيهم.
لكن في يوم ماطر من أبريل تغير كل شيء. كانت هيلينا وحدها مع الصغار حين طرق الباب. فتحت فوجدت رجلا ببدلة لا تعرفه. قال السيدة هيلينا سانتوس
قالت نعم.
قال أنا الدكتور روبيرتو سيلفا محام. أحتاج أن أتحدث معك بشأن ميراث.
ارتجفت ساقاها. طلبت من مارسيا أن تعتني بالأطفال وتحدثت مع المحامي في الشرفة. قال
عمتك أميليا سانتوس توفيت الشهر الماضي في ساو باولو. أنت الوريثة الوحيدة. لقد بحثت عنك أشهرا ولم تجدك فتركت وصية بأن نبحث عنك بعد وفاتها.
قدم لها ملفا الميراث يشمل شقة في وسط ساو باولو وحسابا مصرفيا فيه ثمانون ألف ريال وبعض مجوهرات عائلية.
لم تستطع هيلينا استيعاب الرقم. ثمانون ألفا! كان مبلغا يكفي لسداد ديون جواو وأكثر. قال المحامي يجب أن تذهبي إلى ساو باولو لتوقيع الأوراق واستلام الحقوق.
حين عاد جواو مساء لاحظ صمتها. قالت يجب أن أخبرك شيئا وروت له زيارة المحامي والميراث. سمع جواو بصمت. قال أخيرا
ثمانون ألفا هذا يحل كل مشكلاتنا المالية.
قالت مشكلاتنا نعم.
لكن جواو تراجع فجأة هيلينا هذه مشكلتي أنا لا مشكلتك. أنت الآن لديك فرصة لتعيشي حياة أفضل في المدينة بيت وراحة
شعرت هيلينا أنه يبتعد عنها. قالت هل تريدني أن أرحل
قال أريدك أن تفعلي ما هو الأفضل لك وربما الأفضل أن تستفيدي من الفرصة.
قالت وماذا عن الأطفال
قال سيفهمون وسيفرحون لأنك بخير.
قالت وماذا عنك
تردد سأكون بخير.
كانت ترى في عينيه أنه يكذب.
قالت سأذهب إلى ساو باولو لإنهاء الإجراءات لكن هذا لا يعني أنني سأرحل للأبد. هل تعتقد حقا أنني بعد كل ما عشته هنا سأختفي ربما أكتشف أن عالمي هناك وربما أكتشف أن عالمي هنا.
اجتمع الأطفال في الصباح. قالت لهم سأسافر إلى ساو باولو بضعة أسابيع لأجل أوراق ووثائق.
سألت صوفيا لماذا
قالت أمور رسمية.
تعلق دافي بساقها سترجعين
قالت سأرجع يا حبيبي.
قال تعدين
نظرت إلى جواو الذي كان يراقب بصمت وقالت أعدكم أنني لن أتخلى عنكم.
بعد يومين أوصلها جواو إلى محطة الحافلات. بكى الأطفال جميعا إلا مارسيا التي حاولت التماسك وعيناها حمراوان. قالت هيلينا لمارسيا اعتني بهم.
قالت مارسيا وأنت اعتني بنفسك سننتظرك.
حمل جواو حقيبتها الصغيرة وقال شهران من البعد قد يكونان جيدين لنفكر.
قالت أتظن
قال ربما نخلط الامتنان بشيء آخر.
نظرت إليه أنا أعرف الفرق بين الامتنان والحب.
قال وأنا أيضا ولهذا تحتاجين هذه المسافة.
قالت وماذا إن عدت وقد غيرت رأيك
قال وماذا إن عدت وقد غيرت رأيك
صعدت هيلينا إلى الحافلة دون جواب. ولوحت من النافذة حتى اختفى في غبار الطريق.
كانت رحلة ساو باولو طويلة مليئة بالتفكير. وصلت ونزلت في نزل متواضع قرب المركز رغم قدرتها على أكثر. كانت الإجراءات
مرهقة دائرة السجل البنك مكتب المحامي. الشقة الموروثة في مبنى قديم لكنه محفوظ. والمجوهرات ذات قيمة معنوية أكثر من مالية.
وفي الأسبوع الثالث جاء الاتصال الذي قلب كل شيء كانت مارسيا تبكي. قالت هيلينا إنه أبي. في المستشفى.
اهتز العالم تحت قدميها ماذا حدث
قالت أغمي عليه في العمل يقولون إنه إرهاق لكنه لا يأكل ولا ينام.
قالت هيلينا فورا سأعود اليوم.
قالت مارسيا بدهشة ممزوجة بالراحة حقا
قالت حقا. اعتني بالصغار حتى أصل.
ألغت هيلينا كل المواعيد وأخذت أول حافلة وسافرت ليلا وهي تتخيل جواو وحيدا في المستشفى. وصلت صباحا وذهبت مباشرة. وجدته شاحبا لكنه واع. قال
هيلينا ماذا تفعلين هنا
قالت مارسيا اتصلت.
قال لم يكن عليك العودة مجرد تعب.
اقتربت وأمسكت يده انظر إلي لماذا لا تعتني بنفسك
تهرب بنظره أعتني
قالت مارسيا قالت إنك لا تأكل ولا تنام.
قال بصوت منخفض يصعب النوم حين يصير البيت هادئا جدا.
قالت هادئا كيف
قال من دون غنائك لدافي من دون حديثك مع البنات من دونك التي تجعل البيت بيتا.
قالت هيلينا وهي تكاد تبكي إذن لماذا شجعتني على الذهاب
قال لأنني ظننت أنه الأفضل لك ثم أدركت أنني كنت أحاول حماية نفسي من ألم أكبر. إن رحلت بإرادتك كان سهلا أن أقول إنني فعلت الصواب لكن الحقيقة أنني لا أريدك أن ترحلي.
جلست قربه وقالت سأطرح سؤالا لو كنت غنية جدا هل كنت ستتزوجني
نظر إليها بدهشة ماذا
قالت أجبني.
قال لو كنت مليونيرة وأنا أفقر مما أنا عليه لطلبت يدك اليوم. لأنني أحبك وأحب كيف تحبين أولادي. وأحب كيف حولت بيتنا إلى بيت حي.
بكت هيلينا وقالت وأنا أحبك لأنك أعطيتني عائلة حين لم أملك شيئا لأنك وثقت بي حين لم يثق أحد
قال جواو إذن لماذا نعقد الأمر
قالت لأننا جرحان يخافان أن يجرحا ثانية.
حاول أن ينهض فمنعته ابق الطبيب قال راحة.
ثم قال جواو فجأة وبوضوح هيلينا تزوجيني.
تجمدت للحظة. قال تزوجيني بصدق لا كترتيب ولا كحاجة بل حبا.
قالت وماذا عن مال الميراث
قال افعلي به ما تشائين. إن أردت سداد الديون أشكر لك. وإن أردت حفظه لمستقبلك أفهم ما يهم أن تبقي.
انحنت هيلينا وقبلت جبينه نعم أتزوجك.
قال متأكدة
قالت متأكدة.
في ذلك اليوم عاد جواو إلى البيت بتوصية راحة وعادت هيلينا معه. ما إن دخلت حتى انفجر البيت بصراخ فرح. ركض دافي إليها ماما هيلينا! ثم صوفيا وبقية الأطفال يتدافعون. قالت وهي تضحك وتبكي اهدؤوا لن أذهب أبدا.
سأل غابرييل أبدا حقا
نظرت إلى جواو وقالت أبدا.
ثم قالت لدينا خبر لكم.
سألت مارسيا ما هو
قالت هيلينا أبوك طلب يدي للزواج.
دام الصمت ثلاث ثوان ثم انفجر الجميع فرحا. صاح كارلوس كنت أعلم!
سألت بياتريس إذن ستكونين أمنا حقا
قالت هيلينا أنا أمكم حقا والزواج فقط لتأكيد ذلك.
جلس جواو وهيلينا ليلا يتحدثان. قالت أريد أن أسدد ديونك من مال الميراث.
قال لكنه مالك.
قالت إنه مال عائلتنا الآن. ولا أريد أن يبدأ زواجنا وفي أعناقنا ديون.
ثم قررت بيع شقة ساو باولو ليذهب جزء كبير منه لتعليم الأطفال جامعة دورات مستقبل. وبعد أسبوع عادت إلى ساو باولو لإتمام الإجراءات وهذه المرة اصطحبت مارسيا معها. سألتها مارسيا في الحافلة لماذا أخذتني
قالت هيلينا لأنك الكبرى وأريدك في القرارات المهمة.
ابتسمت مارسيا هل أختار الخواتم مثلا
قالت هيلينا نعم لك ذوق جميل.
اختارت مارسيا مع هيلينا خواتم بسيطة وأنيقة. وفي أثناء غداء سريع سألتها مارسيا ألم تريدي أطفالا من صلبك
فكرت هيلينا ثم قالت حين جئتكم كنت محطمة وأنتم منحتموني فرصة أن أعرف نفسي. أنتم أولادي أولادي من القلب. وربما في المستقبل يرزقنا الله طفلا وربما لا. لكن هذا لن يغير شيئا أنتم الأحد عشر أولادي.
قالت مارسيا شكرا.
سألتها هيلينا لماذا
قالت لأنك لم تستسلمي حين كنت صعبة.
قالت هيلينا أنت لم تكوني صعبة كنت تحمين عائلتك.
تم الزواج في مكتب السجل في المدينة صباح جمعة. لبست هيلينا فستانا أزرق بسيطا ولبس جواو بدلة مستعارة من أخ أكبر لماريا. كان الأطفال الأحد عشر شهودا بملابس العيد وابتسامات عريضة. كانت المراسم قصيرة لكنها مؤثرة. حين سئلا إن كانا يقبلان بعضهما زوجين قالا نعم بصوتين ثابتين وعيون دامعة. وقبلا بعضهما قبلة ختمت اتحادا لم يكن تقليديا لكنه كان صادقا.
كانت حفلة البيت فوضوية كما توقعت مارسيا صاخبة ومثالية. حضر جيران يدعمونهم وجلبوا أطباقا بسيطة وهدايا متواضعة. وحتى بعض عملاء ورشة جواو جاؤوا لتهنئتهما. صاحت الأطفال خطاب! خطاب! فتكلمت هيلينا أخيرا
قبل أشهر طرقت هذا الباب أطلب قطعة خبز فأعطيتموني أكثر من ذلك عائلة وغاية ومستقبل. أعدكم أن أكون أفضل أم أستطيع لهؤلاء الأطفال وأفضل زوجة لهذا الرجل الذي أنقذني حين كنت في أضعف حالاتي.
ثم تكلم جواو وقال
هي علمتنا أن العائلة ليست دما فقط العائلة اختيار. أن تستيقظ كل يوم وتقرر أن تحب. وأن تبني شيئا جميلا ولو بدأ من لا شيء تقريبا.
امتدت الحفلة حتى وقت متأخر. نام الصغار على أكتاف الكبار. وعاد البيت الذي كان ذات يوم غارقا في اليأس يمتلئ بالحياة من جديد.
مرت الأشهر الأولى بهدوء لم يعرفاه من قبل. ازدهرت ورشة جواو بعد أن استثمرت هيلينا جزءا من المال في معدات جديدة وتسويق محلي. وأصبح لدى جواو متدرب يساعده فتوسع العمل. ازدهر الأطفال أيضا مارسيا صارت تتحدث مع هيلينا بثقة وكارلوس برع في الرياضيات والبنات تعلمن الطبخ معها ودافي صار مرتبطا بها تماما.
في الخريف جاءت زيارة غير متوقعة. عادت مارسيا من المدينة وهي تركض ماما هيلينا هناك سيدة تسأل عنا في السوق!
سألت هيلينا بقلق كيف تبدو
قالت
كبيرة سنا أنيقة تسأل عن أبي وعنك.
ذهب جواو وهيلينا إلى مركز البلدة. وجدا السيدة جالسة في ساحة عامة كأنها تنتظر. كانت في نحو الستين شعرها رمادي مرتب وملابسها راقية بهدوء. قامت حين اقترب جواو وقالت
جواو مينديس
قال نعم.
قالت أنا إيرين كوستا كنت زوجة أخ لماريا أخت روبيرتو.
شعرت هيلينا بقشعريرة. أسرة ماريا كانت قد قطعت العلاقة سابقا. قالت إيرين لا نريد أخذ الأطفال جئنا باقتراح.
شرحت إيرين أن روبيرتو ورث مؤخرا مزرعة كبيرة في غوياس أكثر من ألف هكتار. ويريد شريكا موثوقا يدير العمليات. عرضت أن تنتقل العائلة كلها راتب جيد جدا نسبة من الأرباح بيت واسع في المزرعة مدرسة للأطفال نقل وتأمين صحي.
سأل جواو بريبة لماذا تعرضون هذا
قالت إيرين لأن روبيرتو تزوج ثانية وزوجته لا تريد أطفالا ورأى كيف صرتم عائلة حقيقية فأعاد التفكير. يريد أن يرى أولاد أخته والندم يأكله.
في البيت ناقشوا الأمر مع الأطفال. اتفقوا على قرار جماعي بعد نقاش طويل. وفي النهاية كان القرار بالإجماع يزورون المزرعة أولا فإن أعجبتهم انتقلوا.
سافروا خمس ساعات. كانت المزرعة أجمل مما توقعوا بيت كبير بغرف كافية حظيرة إسطبل ورشة مجهزة ومجرى ماء طبيعي. كان روبيرتو ينتظر في الشرفة. رجل أربعيني يشبه ماريا في الملامح. حين رأى الأطفال اغرورقت عيناه بالدمع. ركع أمام الصغار وقال هل تعرفون من أنا
قالت صوفيا الخال روبيرتو كانت أمي تتحدث عنك.
تلعثم روبيرتو وهو يحبس دموعه اشتقت لكم كثيرا.
سأله غابرييل ببراءة لماذا لم تزرنا
قال لأن الخال كان أحمق تشاجر مع أبيكم بسبب شيء تافه والآن أريد أن أعوض كل ما فات.
شعر جواو أن الرجل تغير. وقالت هيلينا البيت ليس مكانا البيت حيث من نحب.
وفي صباح اليوم التالي وافقوا على الانتقال.
حزمت هيلينا بعض الأشياء الخاصة بماريا صورا وغطاء محبوكا. سألت بياتريس لماذا نأخذ أشياء أمي
قالت هيلينا لأنها جزء من حكاية عائلتنا والحكاية نأخذها في القلب وفي بعض الأشياء التي تحفظ الذكرى.
في يوم الرحيل جاء الجيران يودعونهم وجاء بعض الزبائن بهدايا بسيطة. وظهرت فيرونيكا أيضا على غير المتوقع. قالت لهيلينا جئت لأعتذر كنت قاسية وظالمة. الآن أرى كيف صرتم عائلة موحدة أنت فعلت ما لم أستطع فعله.
وقالت لها نصيحة ستواجهون في غوياس أحكاما مثل التي واجهتموها هنا لكن لديكم الآن ما لم يكن لديكم سابقا يقين أنكم عائلة حقيقية وهذا لا يستطيع أحد أن ينتزعه منكم.
انطلقت القافلة نحو الحياة الجديدة. كان في القلب خوف حلو خوف البداية.
نجح الانتقال أكثر مما حلموا. تأقلم الأطفال مع المدرسة. برع جواو في إدارة المزرعة ونمت مهاراته بدراسة مستمرة. أسست هيلينا حديقة مجتمعية تخدم أسرا عديدة. صار روبيرتو جزءا حقيقيا من العائلة وحتى زوجته كلاريسالتي كانت متحفظة في البدايةاندمجت تدريجيا أمام طاقة الأطفال وفرحهم.
بعد ثلاث سنوات اكتشفت هيلينا أنها حامل. كان الأمر مفاجئا لها. قالت لجواو أنا سعيدة وخائفة البنات كبرن تقريبا هل سيبدو الأمر غريبا
قال أو ربما سيكون الطفل هدية تكمل الحكاية.
ولد الطفل صباحا مشمسا في سبتمبر. كان صبيا سمي جواو دافي مينديس جواو باسم الأب ودافي باسم الأخ الأكثر حنانا. حملته هيلينا ورأت حولها اثني عشر وجها يحبونها بلا شرط. همست للوليد أهلا بك في أكثر عائلة مجنونة ورائعة في العالم.
كبر الطفل وسط حضن جماعي. كانت هيلينا تؤكد دائما الحب لا ينقسم الحب يتضاعف.
ثم جاءت رسالة من محام في بيلو هوريزونتي تم العثور على زوجها السابق وستسترد مبالغ كبيرة من المال المسروق. قرأت هيلينا الرسالة وقالت لجواو
الكون يعيد لي ما فقدت لكنني الآن أعرف أن الأهم ليس المال.
سأل ما الأهم
قالت العائلة التي بنيناها الحياة التي صنعناها معا.
بعد سنوات عادوا لزيارة المكان الذي بدأت منه الحكاية في ميناس جيرايس. وقفت هيلينا تحمل الطفل في حضنها وتحدق في البيت الخشبي القديم. قال جواو ماذا تشعرين
قالت امتنان لأنني تعلمت هنا أن فقدان كل شيء قد يكون الطريق الوحيد لاكتشاف ما يستحق فعلا.
وفي الطريق إلى السيارة اقترب منها دافيالذي صار أكبروقال ماما هيلينا شكرا.
قالت شكرا على ماذا يا حبيبي
قال لأنك قبلت أن تكوني أمنا يوم كنت جائعة.
اغرورقت عيناها بالدمع وقالت وأنا أشكركم لأنكم قبلتم ابنة ضائعة كانت تبحث عن عائلة.
ضحك غابرييل نحن كنا عائلة دائما كنا فقط ننتظرك لتصلي.
وقالت آنا كنت القطعة التي كانت تنقص.
في مساء هادئ جلست هيلينا على الشرفة تنظر إلى الأطفال يملأون المكان ضحكا ولعبا. صاروا أربعة عشر فردا مع طفلين جديدين جواو دافي ثم ماريا هيلينا تكريما لماريا الأولى وهيلينا الثانية. صارت المزرعة بيتا واسعا والورشة شركة صيانة زراعية تمتد لثلاث ولايات.
سألها جواو هل لديك ندم
فكرت ثم قالت لا شيء حتى الألم كان جزءا من الطريق.
وفي لحظة جاءت ماريا هيلينا الصغيرة تركض وتشتكي ماما جواو دافي لا يريد أن يجعلني ألعب الكرة!
ضحكت هيلينا وقالت هل لا يريد أم أنك صغيرة قليلا
قالت الطفلة بعناد أنا كبيرة!
حملها جواو وقال إذن سنعلمك كيف تركلين جيدا ثم تلعبين معهم.
كانت الشمس تغيب والسماء تشتعل بألوان برتقالية وردية. رفعت هيلينا دعاء امتنان صامتا للقدر الذي جعلها يوما تقف على عتبة بيت تطلب كسرة خبز ثم جعلها أما وأسرة وحياة كاملة.
وفي الليل اجتمعوا كعادتهم على الشرفة لسرد القصص. قالت ماريا هيلينا الصغيرة من سيحكي اليوم
قال دافي اليوم دور ماما هيلينا هي تحكي أجمل القصص.
سألتهم هيلينا أي قصة تريدون
قال غابرييل احكي مرة أخرى كيف وصلت إلينا.
ضحكوا لن نمل أبدا!
ابتسمت هيلينا ونظرت إلى الوجوه المتلهفة وبدأت
كان يا ما كان امرأة فقدت كل شيء وسارت في الطرق بلا وجهة
وحين انتهت كان الصغار قد ناموا في أحضان الكبار. بقيت هيلينا دقائق تسمع أصوات البيت خطوات في الممر ماء في الحمام همسات تصبحون على خير صرير الأسرة القديمة أصوات أسرة حقيقية حية.
وقبل أن تدخل همست لنفسها شكرا.
وعرفت أن هذه الكلمة وحدها تختصر كل ما عاشته وكل ما ستعيشه مع العائلة التي اختارتها واختارتها هي أيضا.


تعليقات
إرسال تعليق