بابا وماما سحبوا من ورايا 85 ألف جنيه من “الفيزا بتاعتي
٨٥ الف جنيه
بابا وماما سحبوا من ورايا 85 ألف جنيه من “الفيزا بتاعتي عشان يفسحوا أختي في شرم الشيخ. ولما أمي كلمتني في الآخر، كانت بتضحك من قلبها وقالتلي: “خلصنا لك الرصيد يا حبيبتي.. ما إنتي كنتي مخبية القرشين دول عننا، اعتبري ده قرصة ودن عشان تبطلي بخيله.” قلت لها بمنتهى الهدوء: “هتندمي يا ماما على اللي عملتيه ده.” فضلت تضحك وقامت قافلة السكة في وشي. بس لما رجعوا من السفر…اتصدمو
أنا اسمي ليلى منير. عندي 30 سنة، وكنت فاكرة إني خلاص بقيت ست نفسي ومسيطرة على حياتي. شغالة مديرة مشاريع في شركة برمجة في المعادي، وعايشة لوحدي في شقة بسيطة على قدي، وبحاول أحوش كل مليم بعرقي بعد سنين ضاعت وأنا بلم ورا أبويا وأمي وبطلعهم من ديون ومشاكل مالية مابتخلصش. هما ساكنين في طنطا، وكنت بزورهم كتير، وكنت فاكرة إني أخيراً حطيت حدود وما حدش هيقدر يستغلني تاني.
طلعت واهمة.
أختي الصغيرة شيري، عندها 26 سنة، ومش فالحـة في حاجة.. تروح شغل وتتطرد منه وتغيره بغيره. والدي ووالدتي دايماً يقولوا عليها “رقيقة” و”نفسيتها متتحملش الشغل”، وده كان معناه ببساطة إني أنا اللي أشيل الليلة. تصليح عربيتها، قسط التأمين، طلبات البيت.. لو شيري احتاجت “شراب” كان المفروض أنا اللي أدفع. وكل ما كنت أحاول أقول “لا”، كانت أمي تقعد تعيط وتولول في التليفون لحد ما قلبي يحن وأوافق.
أنا اللي سمحت بده من الأول، وفي الآخر النتيجة جت فوق دماغي.
في يوم تلات العصر، وأنا قاعدة في اجتماع مهم في الشركة، لقيت تلات مكالمات فايتة من رقم غريب، ومكالمة تانية من البنك. قلبي وقع في رجلي. أول ما الاجتماع خلص، طلعت بره وكلمت البنك فوراً.
الموظفة قالتلي بصوت هادي: “يا آنسة ليلى، إحنا محتاجين نأكد مع حضرتك عمليات سحب ومشتريات كبيرة تمت من الفيزا جولد بتاعتك في الـ 48 ساعة الأخيرة.. المبلغ الإجمالي 85 ألف جنيه.”
جسمي كله اتلج.
رديت وأنا مش مصدقة: “مستحيل! الكارت معايا في المحفظة ومستخدتوش خالص.”
بدأت تقرأ لي لستة المشتريات: تذاكر طيران “بيزنس كلاس”، حجز في أوتيل 5 نجوم، مشتريات من براندات غالية، وعشا في مطاعم فاخرة.. وكل ده فين؟ في شرم الشيخ.
مش محتاجة أذكي عشان أعرف مين.
شيري.
وطالما شيري في الموضوع، يبقى أكيد أبويا وأمي هما اللي خططوا.
قبل ما أستوعب الصدمة، تليفوني رن تاني.. كانت أمي.
صوتها كان كأنها طايرة من الفرحة.
“أيوة يا ليلى يا حبيبتي!” قالتها بدلع. “مش هصدق شرم الشيخ بقت جميلة إزاي! شيري فرحانة ومبسوطة ع الآخر.. البحر والريزورت هنا خيال يا بنتي!”
سندت على سور الشركة عشان مأقعش.
“ماما.. أنتي استخدمتي الفيزا بتاعتي؟”
ضحكت.. مش ضحكة واحدة خايفة ولا بتعتذر، لأ.. دي كانت ضحكة انتصار.
“خلصنا لك اللي فيها! ما إنتي شايلة فلوسك ومنعمة نفسك وسايبانا.. اعتبري ده درس صغير عشان تتعلمي متكونيش بخيلة على أهلك.”
درس؟
قالتها بمنتهى البرود، كأنها مخرّبتش بيتي وضيعت تعب سنين، كأن الموضوع مجرد “هزار”.
أخدت نفس طويل وحاولت أخلي صوتي متهزهزش.
قلت لها بهدوء مرعب: “يا ماما.. أنتي هتندمي على اللي عملتيه ده.”
ردت عليا بـ “تؤ” استهزاء وقالت: “بلاش دراما بقى.”
وقامت قافلة السكة.و
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
الهدوء الذي يسبق العاصفة
بعد أن أغلقت أمي السكة في وجهي، لم أبكِ. الغريب أنني شعرت ببرود شديد يسري في جسدي، كأن المشاعر التي كانت تربطني بهم تبخرت مع آخر ضحكة مستهزئة من أمي. نظرت إلى شاشة هاتفي، ثم إلى كارت الفيزا “الجولد” الذي لا يزال في محفظتي.. وهنا تذكرت.
أنا لم أعطِ الكارت لأحد، لكن شيري كانت قد قضت ليلة عندي منذ أسبوعين، ومن المؤكد أنها صورت بيانات الكارت وربطته بتطبيق الدفع الإلكتروني على هاتفها. لقد خططوا لكل شيء بدم بارد.
الخطوة الأولى: القانون لا يحمي “المستهزئين”
لم أتصل بالبنك لإلغاء العمليات، بل ذهبت فوراً إلى قسم الشرطة.
* المحضر: حررت محضراً رسمياً بـ “سرقة بيانات بنكية واستخدامها في عمليات شراء غير مشروعة”.
* التفاصيل: لم أذكر أسماءهم في البداية، قلت إنني لا أعرف من فعل ذلك، لكنني طلبت تتبع المواقع التي تمت فيها العمليات.
* الهدف: كنت أعلم أن الفندق والمطاعم في شرم الشيخ لديهم كاميرات مراقبة، وأن الفواتير ستصدر باسم الشخص الذي وقع أو استخدم الهاتف.
المواجهة الصامتة
مرت أربعة أيام. كانت الصور تصلني عبر “إنستجرام” و”فيسبوك”: شيري بفستان جديد غالي الثمن، أبي يضحك على طاولة عشاء فاخرة، وأمي تستجم أمام حمام السباحة. لم أرسل رسالة واحدة، ولم أرد على مكالمات أمي المستفزة التي كانت تهدف فقط لسماع صوت انكساري.
في اليوم الخامس، عادوا.
وصلوا إلى بيتهم في طنطا محملين بالشنط والهدايا التي اشتريتُها أنا بدمي وعرقي. دخلت عليهم البيت بعد وصولهم بساعتين. كانت الصالة مليئة بأكياس “البراندات”.
لحظة الصدمة
أمي أول ما شافتني، قالت بضحكة صفراء: “أهلاً يا ليلى! جيتي تشوفي الهدايا اللي جبناهالك بفلوسك؟ متزعليش بقى، ما إنتي اللي خبيتي علينا إن معاكي مبالغ زي دي.”
أما شيري، فكانت تضع نظارة شمسية جديدة وقالت ببرود: “يا بنتي فكي بقى، الـ 85 ألف دول تعوضيهم في شهرين شغل.. إحنا أولى بيهم من الغرب.”
قلت لهما بمنتهى الهدوء: “أنا مبعتلكوش هدايا.. أنا جيت أقولكم إن البنك بلغ النيابة، والمباحث دلوقتِ في طريقها للفندق في شرم الشيخ وللمحلات اللي اشتريتوا منها عشان يفرغوا الكاميرات.”
وقع الخبر عليهم كالصاعقة. بهت وجه أمي، وسقطت النظارة من يد شيري.
قال أبي بصوت مرتعش: “نيابة إيه يا ليلى؟ أنتي بتهزري؟ دي فلوسنا.. إحنا أهلك!”
رددت عليه: “لأ يا بابا.. دي فلوسي أنا. والقانون مبيعرفش (أهلي). المحضر اتقيد ضد مجهول استخدم بياناتي، وبما إن شيري هي اللي استخدمت تليفونها، فهي دلوقتِ المتهمة الأولى بتهمة (قرصنة إلكترونية وسرقة).”
الانهيار
بدأت أمي في الصراخ والعويل كالعادة: “عايزة تسجني أختك عشان شوية فلوس؟ يا جبروتك يا شيخة!”
لكنني هذه المرة لم يحن قلبي. وقفت ونظرت في ساعتي وقلت:
“قدامكم 24 ساعة.. الـ 85 ألف جنيه يرجعوا في حسابي، مليم مليم.. يا إما هكمل في المحضر، وساعتها شيري مش بس هتتطرد من شغلها، دي هتقضي كام سنة ورا القضبان بتهمة سرقة وتزوير.”
تركتهم في ذهول تام وخرجت.. لكنني كنت أعرف سراً لم أخبرهم به بعد، سر سيجعلهم يندمون فعلاً على اليوم الذي فكروا فيه في استغلالي.
اللعب على المكشوف
بعد أن غادرت منزلهم في طنطا، تركتهم في حالة من الهلع. لم تمر ساعتين حتى بدأ هاتفي ينفجر بالمكالمات. لم أرد على أحد. كنت أجلس في شقتي بالمعادي، أحتسي قهوتي بهدوء، وأنا أراجع “مفاجأتي الكبرى” التي كنت أدخرها لهذه اللحظة.
ليلة الانهيار في طنطا
علمت من “خالتي” (التي كانت دائمًا في صف والدي وتكره استقلالي) أن البيت انقلب لساحة معركة. شيري كانت تصرخ وتتهم أمي بأنها هي من شجعتها على استخدام بيانات الكارت، وأمي كانت تلوم أبي لأنه لم يمنعهما، وأبي كان يحاول البحث عن أي طريقة لتدبير المبلغ قبل فوات الأوان.
في صباح اليوم التالي، اتصلت بي أمي. لم تكن تضحك هذه المرة. كان صوتها منكسراً، مليئاً بالمرارة:
* “يا ليلى.. حرام عليكي اللي بتعمليه فينا. إحنا بعنا دهب شيري ودهبي، واستلفنا الباقي من خالك عشان نلم لك الـ 85 ألف جنيه. اتقي الله فينا، دي أختك كانت هتروح في داهية!”
قلت ببرود: “الفلوس تدخل الحساب الأول، وبعدين نتكلم في (التقوى) يا ماما.”
المفاجأة التي لم يتوقعوها
بالفعل، وقبل نهاية الـ 24 ساعة، وصلني إشعار من البنك بإيداع المبلغ كاملاً. لكنهم ظنوا أن القصة انتهت هنا.. لم يعرفوا أنني كنت قد بدأت “الخطة ب”.
توجهت إلى البنك، ليس لسحب المال، بل لإلغاء التوكيل العام الذي كنت قد عملته لوالدي منذ سنوات “للطوارئ”، والذي اكتشفت مؤخراً أنه كان يستخدمه للسحب من حساب ادخار قديم لي دون علمي (بمبالغ صغيرة حتى لا ألاحظ).
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد.
المواجهة الكبرى
ذهبت إليهم مرة أخرى، ولكن هذه المرة ومعي محامي.
أول ما رأوني، صرخت شيري: “أدي فلوسك أهي يا ستي، غوري بقى من وشنا، مش عايزين نعرفك تاني!”
ابتسمتُ وقلت للمحامي: “تفضل يا أستاذ.”
أخرج المحامي أوراقاً رسمية ووضعها على الطاولة أمام أبي.
* “دي إيه دي كمان؟” سأل أبي بوجه شاحب.
قلت له: “دي دعوى (استرداد مبالغ دون وجه حق). الـ 85 ألف جنيه دول كانوا حق شرم الشيخ، لكن الورق اللي قدامك ده بيثبت إنك سحبت على مدار سنتين أكتر من 200 ألف جنيه من حسابي القديم بالتوكيل اللي لغيته النهاردة.”
ساد صمت مميت في الغرفة. أمي بدأت تلطم على وجهها: “إنتي جاية تحبسي أبوكي يا ليلى؟”
السهم الأخير
قلت لها: “لأ يا ماما.. أنا مش هحبس حد. أنا بس حطيت (الحجز التحفظي) على الشقة اللي أنتم قاعدين فيها.. الشقة اللي نصها لسه مكتوب باسمي من ورث جدتي، واللي أنتم كنتم ناويين تبيعوها عشان تجوزوا شيري وتخرجوني من المولد بلا حمص.”
هنا، تحول وجه شيري من الغرور إلى الرعب الحقيقي. كانت تعتمد على بيع هذه الشقة لتأمين مستقبلها، والآن، بـ “قرصة ودن” واحدة مني، أصبحت الشقة تحت سيطرتي القانونية.
نظرت لأمي وقلت: “ضحكتك في التليفون كانت غالية قوي يا ماما.. كلفتك سكنك، وراحتك، وفلوسك. دلوقتِ بس نقدر نقول إننا بقينا (خالصين).”
خرجتُ من البيت وأنا أشعر لأول مرة منذ سنوات أنني أتنفس هواءً نقياً. لكن، هل سيسكتون؟ وهل ستستسلم شيري بهذه السهولة وهي ترى أحلامها في الزواج والثراء تتبخر؟
ماذا ستفعل شيري للانتقام من ليلى
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
رقصة المذبوح
بعد خروجي من البيت بـ 24 ساعة، بدأت المرحلة الثانية من الحرب، لكنها لم تكن حرباً قانونية، بل كانت “حرب سمعة”.
السلاح القذر
استيقظت على رسائل من زملاء قدامى وأقارب لم أحدثهم منذ سنوات. شيري قامت بنشر “بوست” طويل على فيسبوك وتيك توك، تظهر فيه باكية وهي تقول:
> “أختي الكبيرة، اللي كانت سندي، رفعت قضية حجز على بيت أبويا وأمي الغلابة عشان شوية فلوس صرفناها في لحظة صفاء عائلي. ليلى منير، مديرة المشاريع الناجحة، عايزة ترمي أهلها في الشارع عشان تزيد رصيدها في البنك.. اتقوا شر القوي.”
تحولتُ في نظر العائلة والمجتمع المحيط إلى “الابنة العاقة”. بدأت الاتصالات تنهال عليّ: “يا بنتي عيب.. دول أهلك”، “القرش بيجي ويروح بس الأهل مبيتوضوش”.
المواجهة في العمل
لم تكتفِ شيري بذلك، بل تجرأت وجاءت إلى مقر شركتي في المعادي. دخلت المكتب وهي تصرخ وتدعي الانهيار، تحاول إحراجي أمام الموظفين والمديرين.
قالت بصوت عالٍ ليسمع الجميع: “اطلعي يا ليلى! هاتي الفلوس اللي خدتيها من دهبنا! سيبي البيت لأبوكي وأمي يم*وتوا فيه بكرامتهم!”
أمن الشركة تدخل لإخراجها، لكن الضرر كان قد وقع. نظرات زملائي كانت مزيجاً من الشفقة والاتهام. دخلت مكتبي وأغلقت الباب، وقلبي يدق بعنف. هل سأضعف؟ هل سأتنازل؟
الرد الصادم
اتصلتُ بالمحامي وقلت له جملة واحدة: “نفذ المرحلة التانية فوراً.”
في المساء، ذهبت إلى منزلهم مرة أخرى. لم يكن معي محامٍ هذه المرة، بل كان معي “مشتري”.
دخلت عليهم الصالة، كانوا جالسين يخططون للخطوة التالية من حملة التشويه.
قلت لهم ببرود: “ده الأستاذ إبراهيم، مستثمر عقاري. أنا بعت له (حصتي) في الشقة دي النهاردة بعقد ابتدائي موثق.”
سقط الهاتف من يد شيري. صرخ أبي: “تبيعي نص الشقة لغريب وإحنا قاعدين فيها؟ أنتي اتجننتي؟”
رددتُ عليه بمنتهى الثبات:
“مش أنتم بتقولوا للناس إني عايزة الفلوس؟ أديني خدت فلوس حصتي. الأستاذ إبراهيم من حقه من بكرة يجي يسكن في أوضتين من الشقة، أو يهد الحيطان اللي تخص مساحته، أو يرفع قضية (ريع) ويطالبكم بإيجار شهري عن النص بتاعي اللي أنتم مستغلينه.”
الانهيار الحقيقي
هنا سقط القناع عن شيري. بدأت تسب وتلعن وتقول: “يا مفترية! أنا كان المفروض أتجوز في الشقة دي! الخطوبة كانت الأسبوع الجاي!”
ضحكتُ بسخرية: “تتجوزي؟ بفلوسي؟ وفي شقتي؟ وعايزة تشوهي سمعتي كمان؟ المشتري الجديد معاه نسخة من المفاتيح، وهيستلم بكرة الصبح.”
أمي ارتمت تحت قدمي وهي تبكي فعلاً هذه المرة: “بلاش يا ليلى، ده إحنا ملناش غير بعض، ابوس ايدك الغي البيعة دي، هنرجعلك كل مليم خده أبوكي من وراكي، بس بلاش يدخل وسطنا غريب.”
نظرتُ إليها وقلت: “الغريب هو اللي بيسرق تعب سنين ويضحك ويقول (قرصة ودن). الغريب هو اللي بيصور أخته وهي منهارة عشان يلم لايكات على فيسبوك. أنتم اللي اخترتم الغربة يا ماما.”
تركتهم والنار تأكل ما تبقى من أثاث البيت الذي بنيته بمالي، لكنني كنت أعرف أن شيري لديها “كرت” أخير.. كرت سيفجر مفاجأة لم تكن في الحسبان تخص “خطيبها” المجهول الذي كانت تخفي هويته عني.
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
خيانة من نوع آخر
بينما كنت أهم بركوب سيارتي، ركضت شيري خلفي وهي تصرخ:
“انتي فاكرة إنك كسبتي؟ والله يا ليلى لندمك.. خالد مش هيسيب حقنا، وهيعرف يربيكي كويس!”
تسمرت في مكاني.
* خالد؟
* خالد زميلي في الشركة؟
* خالد الذي كان “مشروع” قصة حب بدأت تلوح في الأفق منذ شهور؟
الحقيقة المرة
عدتُ بظهري ونظرت إليها بذهول: “خالد مين يا شيري؟”
ضحكت بمرارة وهي تمسح دموعها: “خالد (….)، مدير الحسابات اللي معاكي في الشركة. اللي كان بيحكي لي عن كل مليم بيدخل حسابك، واللي قالي إنك مأمنة على حياتك بمبلغ ضخم والمستفيد هو (أهلك) لو حصلك حاجة.”
شعرت وكأن الأرض تدور بي. خالد، الشخص الذي كنت أثق فيه، كان هو “الجاسوس” داخل حساباتي، وهو الذي خطط مع شيري لسرقة الفيزا، بل وكان ينتظر اللحظة التي أنكسر فيها ليعرض عليّ “الزواج” ويضع يده على ما تبقى من ثروتي.
المواجهة في “عرين الأسد”
لم أذهب إلى البيت. توجهت فوراً إلى كافيه هادئ واتصلت بخالد.
* “أيوة يا ليلى، قلقتينا عليكي.. شيري كلمتني وهي منهارة، ينفع اللي عملتيه ده؟” قالها بصوت ناعم، يقطر عسلاً مزيفاً.
قلت له بهدوء: “خالد، أنا محتاجة أشوفك دلوقتِ في المكان بتاعنا.. الموضوع كبر وعايزة حد يسندني.”
جاء يهرول، يظن أن الفريسة سقطت أخيراً. جلس أمامي وبدأ يمثل دور الحنون: “يا حبيبتي، الأهل ملهومش غير بعض، وشيري لسه صغيرة، والـ 85 ألف دول ولا حاجة جنب حبنا ومستقبلنا..”
قاطعته ببرود: “ومستقبلي أنا؟ ولا التأمين على حياتي اللي حكيت لشيري عنه؟”
سقوط القناع
تغير لون وجهه للرمادي. حاول الإنكار، لكنني أخرجت هاتفي:
“أنا سجلت كل كلمة شيري قالتها عند البيت. وبما إنك مدير حسابات في الشركة، فدخولك على بياناتي الشخصية وتسريبها لغيري دي جناية (إفشاء أسرار مهنية) وجريمة (تخابر مالي). رفدك من الشركة ده أقل حاجة هتحصلك بكرة الصبح.”
بدأ يتلعثم: “ليلى.. أنا كنت عايز نجمع قرشين عشان نتجوز بسرعة، شيري قالت لي إنك بخيلة ومعاكي كتير..”
قلت له: “أنا مش بخيلة، أنا حرثت في الصخر عشان أعمل نفسي. والقرشين اللي كنت عايز تجمعهم، هيدفعوك تمنهم غالي قوي.”
الض*ربة القاضية
لم أكتفِ بطرده من حياتي. في صباح اليوم التالي، كنت في مكتب “المدير التنفيذي” للشركة. قدمت له كل الأدلة التي تثبت تلاعب خالد وتسريبه لبيانات الموظفين.
* النتيجة: تم فصل خالد “فصل تأديبي” دون مستحقات، مع منعه من العمل في أي جهة تابعة لنقابة البرمجيات بسبب خيانة الأمانة.
أما شيري، فقد وجدت نفسها فجأة بلا “خالد” الذي كان سيمول زفافها، وبلا “شقة” لأن المشتري (الذي كان في الحقيقة صديقاً مقرباً لي يمثل الدور) بدأ يطالبها بإخلاء “نصيبه” من العفش.
الانهيار الكامل
في المساء، وجدت رسالة من أبي: “ليلى.. شيري انتـ,ـحرت.. إلحقينا في المستشفى.”
تجمدت يدي على الهاتف.
تسمرت في مكاني لدقائق. قلبي يخبرني أنها خدعة، وعقلي يصرخ بأنني ربما قسوتُ أكثر من اللازم. هل أصبحتُ “قاتلة” في سبيل استرداد مالي؟
ركبت سيارتي وقدتُ بجنون نحو المستشفى في طنطا. طوال الطريق كنت أتخيل منظر شيري وهي تصارع الم*وت، وصورة أمي وهي تصرخ في وجهي: “انتي السبب!”.
الجزء السادس: غيبوبة الخداع
وصلتُ إلى المستشفى وأنا ألهث. وجدت أبي جالساً على مقعد خشبي، رأسه بين يديه، وأمي تلطم بخفة وهي تنوح بصوت مكتوم. أول ما رأتني، هجمت عليّ كالمجنونة:
* “ارتحتي يا ليلى؟ أختك ضاعت! شربت شريطين برشام عشان تخلص من الفضيحة والفقر اللي حطيتينا فيه!”
الحقيقة في عيون الممرضة
دخلتُ غاضبة إلى غرفة العناية المركزة، لكن الأمن منعي. وقفتُ خلف الزجاج.. رأيت شيري ممددة، وحولها أجهزة كثيرة، ووجهها شاحب كالمو*ت. كاد قلبي أن ينفطر، حتى مرت ممرضة شابة كانت تعرفني لأنني كنت أدفع فواتير علاج والدي سابقاً في نفس المستشفى.
سحبتها جانباً وسألتها بصوت مرتعش: “حالتها إيه يا إيمان؟ هتعيش؟”
نظرت إليّ الممرضة نظرة غريبة، ثم همست: “يا آنسة ليلى، أختك كويسة.. هي فعلاً خدت برشام، بس مش شريطين ولا حاجة، ده كان منوم خفيف ومفعوله بدأ يروح.. والدك طلب من الدكتور يبالغ في التقرير عشان (يلم الشمل) زي ما قال.”
البرود القاتل
شعرتُ بغثيان. حتى الم*وت يتاجرون به؟ حتى الانتـ,ـحار أصبح مسرحية لاستنزاف مشاعري؟
مسحتُ دموعي التي سقطتْ ظلماً، وعدتُ إلى الممر حيث يجلس والدي.
قلتُ لهما بمنتهى الجمود: “الدكتور طمني.. قال إنها (تمثيلية) لطيفة، وإن البرشام اللي خدته ميم*وتش كتكوت.”
ارتبك أبي، وتوقفت أمي عن العويل فجأة.
* “إيه الكلام ده يا ليلى؟ أنتي قلبك بقى حجر؟ البنت كانت بتم*وت!” صاحت أمي.
رددتُ عليها: “لأ يا ماما.. قلبي مابقاش حجر، قلبي بقى (محاسب قانوني). المستشفى دي غالية، ودقيقة العناية فيها بالشيء الفلاني.. وبما إنكم اللي دخلتوها، فأنتم اللي هتدفعوا الحساب من بقية الـ 85 ألف اللي معاكم.”
القنبلة الموقوتة
بينما نحن نتجادل، رن هاتف والدي. كان المتصل هو “خالد”. فتحتُ الخط بسرعة ووضعتُه على مكبر الصوت (Spiaker).
صوت خالد كان هائجاً: “يا حاج منير! شيري فين؟ المحامي بتاعي قالي إن ليلى بلغت عني في النيابة الإدارية، وإني لو متنازلتش عن كل اللي سجلته ضدها، هيحبسوني بتهمة الاختلاس! قول لبنتك تلم الدور بدل ما أحرق لكم الشقة باللي فيها!”
نظرتُ إلى والدي الذي سقط منه الهاتف من فرط الرعب.
خالد لم يعد “الخاطب الحبيب”، بل أصبح “المجرم المطارد” الذي يريد جر الجميع معه إلى القاع.
الخيار الأخير
قلتُ لوالدي وأمي وأنا أغادر المستشفى:
“شيري هتفوق بكرة.. والديون اللي عليكم للمستشفى ولخالد وللمستثمر اللي اشترى نص الشقة، دي تخصكم أنتم. أنا دلوقتِ رايحة أعمل حاجة واحدة بس..”
* “هتعملي إيه تاني؟” صرخ أبي بيأس.
قلت له: “رايحة أغير اسمي في السجلات.. أنا من النهاردة ماليش أهل. وخلوا خالد ينفعكم، لأنه أول واحد هيشهد ضد شيري في قضية السرقة الإلكترونية عشان يحمي نفسه.”
خرجتُ من المستشفى، والليل يلف المدينة، لكنني شعرتُ بخوف غريب.. خالد ليس لديه ما يخسره، وشيري عندما تكتشف أن تمثيليتها فشلت، ربما تفعل شيئاً “حقيقياً” هذه المرة، ليس بدافع الندم، بل بدافع الانتقام الأسود.
ماذا سيفعل خالد في لحظة جنونه الأخيرة؟
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
كان الصمت الذي لفّ سيارتي وأنا في طريق العودة إلى القاهرة أشد وطأة من كل الصرخات التي سمعتها. بدأت أدرك أن المعركة لم تعد على المال، بل أصبحت صراعاً على “البقاء”. خالد الآن وحش جريح، وأهلي مجرد أدوات في يده.
الجزء السابع: اللعبة الانتـ,ـحارية
وصلتُ إلى منزلي في المعادي في ساعة متأخرة، لكنني لم أنم. كنت أراقب كاميرات المراقبة أمام شقتي عبر هاتفي. وفي تمام الساعة الثالثة فجراً، رأيت ما جعل الدماء تجمد في عروقي.
الزيارة الغادرة
سيارة خالد كانت تقف بعيداً، وشخص يخرج منها ملثماً يتجه نحو باب العمارة. لم يكن يريد السرقة، بل كان يحمل “جالون” بلاستيكياً.
بسرعة البرق، اتصلتُ بحارس العقار وبالشرطة. وبفضل يقظتي، تم القبض على الشخص قبل أن يشعل عود ثقاب واحد. الصدمة؟ لم يكن خالد هو من يحمل الجالون.. كان ابن خالي، الذي أقنعه خالد بأنني “الفاجرة” التي سرقت أموال العائلة وتريد رمي خالي في الشارع.
خالد كان يحرك الخيوط من بعيد، ليظل هو نظيف اليدين.
المواجهة في النيابة
في الصباح، كنت في النيابة العامة. ابن خالي منهار ويعترف بكل شيء. وبناءً على تسجيلات المكالمات التي أخذتها من هاتف والدي في المستشفى، وتفريغ محادثات “واتساب” بين خالد وشيري، صدر أمر ضبط وإحضار لـ خالد منير (الخاطب) وشيري منير (الأخت) بتهمة التحريض على الق*ل والحرق العمد.
في المستشفى.. مرة أخرى
ذهبتُ إلى المستشفى مع قوة من الشرطة. كانت شيري قد “أفاقت” من تمثيليتها، وكانت تأكل بنهم وهي تضحك مع أمي، يخططون لكيفية الضغط عليّ فور خروجها.
دخلتُ الغرفة، ولم تكن نظراتي تحمل عتاباً، بل كانت تحمل “نهاية”.
* “ليلى! جيتي تصالحيني؟” قالت شيري بسخرية وهي تمسح فمها.
قلتُ لها: “لأ يا شيري.. جيت أودعك.”
دخل الضابط خلفي: “آنسة شيرين منير؟ مطلوب القبض عليكِ بتهمة التحريض على جناية حرق عمد والسرقة الإلكترونية.”
الانهيار الأخير
سقطت صينية الطعام من يدها. صرخت أمي: “انتي بتسلمي أختك للشرطة يا ليلى؟ يا فاجرة! يا اللي معندكيش أصل!”
نظرتُ إلى أمي وقلت: “الأصل هو اللي بيحمي البيت، مش اللي بيجيب ناس تولع فيه. أنتم بعتم حياتي عشان فسحة في شرم الشيخ، وأنا دلوقتِ بشتري حياتي بحبسكم.”
التفتتُ إلى أبي الذي كان واجماً: “الشقة اللي بعت نصها؟ المحامي كسب قضية (طرد) لكل اللي فيها لأنها أصبحت (سكن غير آمن) بسبب النزاعات القضائية. قدامكم 48 ساعة تخلوا المكان.. شوفوا بقى خالد أو ابن خالي يسكنوكم فين.”
الض*ربة القاضية لخالد
بينما كان يتم اقتياد شيري، وصلني اتصال من المحامي: “خالد اتمسك وهو بيحاول يهرب عن طريق المطار، ومعاه لاب توب الشركة اللي كان سارق عليه بيانات العملاء عشان يبتزهم.”
انتهى كل شيء. خالد خلف القضبان، شيري في طريقها للحجز، وأبويا وأمي بلا مأوى.
جلستُ على رصيف المستشفى، وحيدة تماماً، أملك 85 ألف جنيه وأضعافهم في البنك، لكنني لا أملك “عنواناً” أعود إليه وأنا أشعر بالدفيء.
رفعتُ رأسي للسماء وقلت: “يا رب، أنا مكنتش عايزة كدة، بس هما اللي مسبوليش خيار تاني.”
غداً..
مر عام كامل على تلك الليلة التي وقفت فيها على رصيف المستشفى، وحيدة أمام حطام عائلتي. عام تغير فيه كل شيء، من اسمي على باب مكتبي، وصولاً إلى الهدوء الذي يلف جدران شقتي الجديدة.
ثمن الحرية
لم أتراجع. في مجتمعنا، يُقال إن “البنت مالهاش غير أهلها”، لكنني اكتشفت أن “البنت مالهاش غير كرامتها وشقاها”.
المصير المحتوم
* خالد وشيري: صدر ضدهما حكم بالسجن لثلاث سنوات بتهمة التحريض على الحرق العمد والسرقة الإلكترونية. خالد فقد مستقبله المهني تماماً، وشيري سقط عنها قناع “الرقة” خلف القضبان، حيث واجهت واقعاً لم تكن تتخيله وهي تطلب “تذاكر البيزنس كلاس” بفلوسي.
* أبويا وأمي: انتقلا للعيش في شقة إيجار بسيطة جداً في أطراف طنطا. لم أرمِهما في الشارع كما ادعت أمي؛ خصصت لهما مبلغاً شهرياً “للكفاف” يصلهما عن طريق المحامي، دون أن يروا وجهي أو أسمع صوتهم. أديتُ واجبي كابنة، لكنني استرددتُ حقي كإنسانة.
اللقاء الأخير
قبل شهر، طلبت أمي رؤيتي “للمرة الأخيرة”. ذهبتُ إليها، لم أجد المرأة المتسلطة التي تضحك بانتصار وهي تسرقني، وجدت امرأة عجوزاً مكسورة، تجلس في غرفة ضيقة.
قالت لي بدموع حقيقية هذه المرة: “سامحينا يا ليلى.. الفقر والغيرة عموا قلوبنا. كنا فاكرين إنك (بنك) مش بني آدمة بتحس.”
نظرتُ إليها وقلت بمنتهى الهدوء:
> “أنا سامحتكم بيني وبين ربنا عشان أعرف أعيش ونفسي تصفى.. لكن الرجوع مستحيل. الثقة زي كارت الفيزا يا ماما، لما بيتكسر مبيصلحش، والبيانات اللي اتسرقت كانت (محبتي لكم)، ودي مفيش بنك في الدنيا يقدر يرجعها.”
>
ليلى الجديدة
أنا الآن أعيش في “كومباوند” هادئ، بعيداً عن صخب المعادي وذكريات طنطا. ترقيتُ في عملي وأصبحتُ شريكة في شركة برمجيات ناشئة. لم أعد أخبي “القرشين”، بل أستثمرهم في نفسي وفي مستقبلي.
تعلمتُ درساً قاسياً: إن التضحية للأهل فضيلة، لكن التضحية بالنفس لأهل لا يقدرون هي “خطيئة”.
الخاتمة
أحياناً، عندما أجلس في شرفتي وأشرب قهوتي، أتذكر ضحكة أمي في التليفون وهي تقول: “خلصنا لك الرصيد يا حبيبتي”. أبتسمُ الآن وأقول في سري:
“فعلاً يا ماما، الرصيد خلص.. بس مش رصيد البنك، ده رصيد الصبر والتحمل. والنهاردة، أنا اللي بدأت حساب جديد، والفايدة فيه هي (رايحة بالي).”
تمت.


تعليقات
إرسال تعليق