دخلتُ زفاف ابني بفستان قديم… لكن ما فعلته العروس أمام الجميع جعل الكنيسة تبكي
دخلتُ زفاف ابني بفستان قديم… لكن ما فعلته العروس أمام الجميع جعل الكنيسة تبكي
اقترب ماركو مني وعانقني بقوة.
شعرتُ بصدره يرتجف ملاصقًا لصدري.
ابني الطفل نفسه الذي كنت ألفّه بالأغطية عندما يمرض في الشتاء، كان يبكي الآن كبالغٍ أدرك فجأة مقدار الحب الذي حمله طوال حياته دون أن يستطيع أن يقيسه حقًّا.
همس بالقرب من أذني
سامحيني يا أمي سامحيني لأنني لم ألاحظ أنكِ كنتِ قلقة.
ربّتُّ على شعره كما كنت أفعل عندما كان صغيرًا.
قلت له
ليس لديك ما تعتذر عنه يا بني. اليوم يومك.
لكن لارا هزّت رأسها وأمسكت بيدي مرة أخرى.
قالت بصوت ما زال مكسورًا من التأثر
لا اليوم يومها أيضًا.
ثم التفتت إلى الكاهن وقالت
يا أبتي، قبل أن نكمل هل تسمح لي أن أفعل شيئًا آخر؟
كان للكاهن
عينان دامعتان مثل نصف القاعة، فابتسم وأومأ موافقًا.
عندها انحنت لارا قليلًا، ورفعت طرف فستانها الأبيض برفق، ثم فتحت بحذر مشبكًا صغيرًا كان مخفيًا في خياطة الفستان من الداخل.
كانت زهرة صغيرة مصنوعة من القماش الأخضر نفسه الذي كنت أرتديه.
أمسكت بها بين أصابعها.
ثم نظرت إلى ابني.
قالت
ماركو، عندما أريتني صورة أمك وهي ترتدي هذا الفستان، فهمت شيئًا. حفلات الزفاف لا ينبغي أن تبدأ بالبذخ بل بالامتنان.
ثم نظرت إليّ.
ولم أستطع أن أقف أمام هذا المذبح دون أن أحمل معي شيئًا من المرأة التي صنعت الرجل الذي أحبه.
اقتربت مني حتى استطعت أن أرى ارتجاف رموشها.
وأمام الجميع ثبّتت تلك الزهرة
الخضراء الصغيرة على صدري، فوق التطريز البسيط الذي كنت قد أصلحته بيدي قبل سنوات.
همست
الآن اكتمل كل شيء.
لم أستطع أن أتمالك نفسي.
بكيت دون خجل.
بكيت من أجل الفتاة التي كنتها يومًا، ومن أجل الأم التي تعلّمت أن تحمل الأكياس الثقيلة قبل أن تتعلم أن تحمل أحزانها، ومن أجل الليالي التي شككت فيها إن كنت سأستطيع إطعام ابني في اليوم التالي، ومن أجل المرات التي ظننت فيها أن ملابسي ويديّ وحياتي المتواضعة ستكون وصمة في احتفال لا يخصني.
وبكيت، قبل كل شيء، لأنني أدركت في تلك اللحظة أن لارا لم تكن تنقذني من الإحراج.
بل كانت تعيد إليّ مكاني.
ارتفعت التصفيقات مرة أخرى. لكنها لم تكن هذه
المرة تصفيقات مهذبة أو مفاجئة. كانت عميقة وصادقة، وكأن كل من في تلك الكنيسة يحاول بيديه أن يصحح الحكم الصامت الذي نظروا به إليّ عندما دخلت.
ثم حدث شيء أكثر مفاجأة.
وقفت والدة لارا تلك الطبيبة الأنيقة التي كنت أراها دائمًا امرأة من عالم آخر من مقعدها في الصف الأول. مسحت عينيها بمنديل وسارت نحونا.
للحظة ظننت أن الأمر ربما أصبح كثيرًا، وأنها ستطلب متابعة المراسم وإنهاء هذا المشهد.
لكنها لم تفعل.
توقفت أمامي.
وبتواضع لم أعهده فيها، أمسكت يديّ الخشنتين بين يديها.
قالت
دونيا تيريزا، لقد درستُ سنوات طويلة لإنقاذ الأرواح. لكنكِ فعلتِ شيئًا أصعب بكثير وهبتِ حياتك كاملة لتبني
حياة أخرى.
لم أعرف ماذا أقول.
ابتسمت بين
دموعها وقالت
شكرًا لكِ لأنكِ ربيتِ الرجل الذي يتزوج ابنتي اليوم.
في تلك اللحظة لم تعد تلك القاعة ولا تلك الكنيسة ولا تلك الزهور البيضاء ولا تلك الوجوه الأنيقة تخيفني.
لأنني لأول مرة لم أشعر بأنني امرأة السوق التي دخلت خطأً إلى حفلة فاخرة.
شعرت بأنني ما أنا عليه حقًّا.
أم العريس.
تنحنح الكاهن متأثرًا وقال مبتسمًا
والآن، إن سمحتم جميعًا، أظن أننا نستطيع متابعة هذه المراسم رغم أنني أشك أن أحدًا سينسى مرة أخرى المعنى الحقيقي لكلمة الأناقة.
ضحك الناس ضحكة خفيفة ما زالت ممزوجة بالدموع.
حاولت أن أعود إلى المقعد الخلفي، لكن لارا لم تسمح لي.
قالت
لا يا أمي تيريزا وهذه أول مرة تناديني بها
هكذا أمام الجميع. لن تختبئي خلف أحد.
أمسكت بذراعي برفق وقادتني إلى الصف الأول، بجوار والديها مباشرة.
لم يعترض أحد.
ولم يهمس أحد.
بل إن بعض الحاضرين خفضوا رؤوسهم خجلًا من أنفسهم.
استمرت المراسم.
لم أسمع إلا جزءًا منها. كانت الكلمات تختلط بذكرياتي ماركو يركض حافي القدمين في ساحة البيت الترابية، ماركو ينجز واجباته تحت مصباح أصفر، ماركو نائمًا على ركبتي عندما كان طفلًا، ماركو يعدني في السابعة عشرة أنه سيخرجني يومًا من بيع الخضار.
والآن كان يقف هناك.
أمام المذبح.
يمسك بيدي امرأة لا تحبه فحسب، بل استطاعت أن ترى القصة كلها التي أوصلته إليها.
عندما جاء وقت العهود، نظر ماركو إلى لارا وعيناه
لا تزالان رطبتين.
قال
كنت أظن أنني آتي اليوم لأتزوج امرأة حياتي. لكنكِ علمتني الآن أن الحب لا يُثبت فقط بالنظر إلى الأمام بل أيضًا بتكريم كل ما جاء قبلنا.
ابتسمت لارا وهي تبكي.
وقالت
وأنا أعدك أنني لن أنسى أبدًا أنني، حين أتزوجك، فإنني أستقبل أيضًا قصة المرأة التي جعلتك ممكنًا.
ارتجّت الكنيسة مرة أخرى بصمتٍ مؤثر.
وضعت يدي على فمي حتى لا أبكي بصوت مرتفع.
وعندما أُعلنا أخيرًا زوجًا وزوجة، بدا قبلهما أكبر من مجرد زفاف. بدا كأنه وعد بين جيلين جسرًا بين سوقي الصغير وذلك المكان المليء بالناس المهمين.تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
بعد المراسم أقيمت الحفلة في حديقة كبيرة، فيها طاولات طويلة وأضواء دافئة وموسيقى هادئة.
كنت أفكر أن أبقى قليلًا فقط ثم أغادر بهدوء. فقد عشت في ذلك اليوم مشاعر كثيرة تكفي لعمر كامل.
لكنهم لم يسمحوا لي بالمغادرة.
ما إن جلست على طاولة جانبية مع كأس من شراب الكركديه حتى بدأ الناس يقتربون مني.
أولًا جاءت قريبة بعيدة من عائلة لارا، ترتدي عقد لؤلؤ وأنفها محمر من كثرة البكاء.
سألتني
هل أنتِ من طرز هذا الفستان؟
أومأت.
منذ سنوات طويلة.
ابتسمت وقالت
إنه جميل.
ثم جاءت صديقة للعائلة مع ابنتها المراهقة.
قالت
أردت أن أعرّفك بابنتي. لقد حصلت للتو على منحة دراسية، وأتمنى أن تسمع قصة امرأة شجاعة.
كدت أختبئ خلف مفرش الطاولة.
لم أكن معتادة على هذا.
أن ينظر إليّ الناس بإعجاب بدل الشفقة
أو الحكم.
لكن المفاجأة الكبرى جاءت عندما
اقترب والد لارا وهو يحمل صندوقًا طويلًا ملفوفًا بورق كريمي اللون.
قال
دونيا تيريزا، زوجتي وأنا أردنا أن نعطيك هذا، لكن بعد ما حدث في الكنيسة فهمنا أن اليوم هو اليوم المناسب لتسليمه.
ارتبكت وقلت
لا يا سيدي، لا أستطيع قبول هدايا غالية
ابتسم وقال
افتحيه أولًا.
كان في الداخل شال.
ليس شالًا متكلفًا أو مليئًا بالأحجار. بل شال أخضر عميق اللون، أنيق وناعم كالماء، وعلى حوافه تطريز دقيق جدًا.
بنفس لون فستاني.
شعرت بالدموع تعود إلى عيني.
قال
زوجتي اختارته منذ أسابيع. لقد حدثتنا لارا عنك منذ اليوم الأول. كنا نعلم أنها تريد تكريمك بطريقة ما، لكننا لم نتخيل إلى أي حد.
لم أستطع إلا أن أقول شكرًا.
وفي خضم كل ذلك فهمت شيئًا جعلني أسكن أكثر لارا كانت تراني منذ زمن. كانت تراقبني
وتفهم أشياء لم يلاحظها حتى ابني في حماسه.
لاحقًا، عندما أضاءت أنوار الحديقة وارتفعت الموسيقى، اقترب ماركو من طاولتي.
قال
أمي، تعالي.
إلى أين؟
لترقصي معي.
ضحكت وسط دموعي.
لا يا بني، أنا لا أعرف هذه الرقصات.
صنع تلك الملامح العنيدة نفسها التي كان يصنعها وهو طفل عندما يريد شيئًا.
قال
إذن ستتعلمين اليوم.
قادني إلى وسط الحديقة. خفَتَت الموسيقى قليلًا. وأمام الجميع عانقني ابني وبدأ يتحرك ببطء معي، كما كان يفعل صغيرًا عندما يقف على قدمي ليرقص معي في المطبخ.
صفق الناس.
وبكى بعضهم.
أسندت رأسي على كتفه، وللحظة لم أرَ الرجل المتزوج ولا المهني الناجح ولا صاحب الحياة الأفضل.
رأيت الطفل الذي ربيته بالطماطم والسهر والعناد.
سألني في أذني
هل أنتِ سعيدة؟
فكرت لحظة واحدة فقط.
قلت
نعم.
لأنك جعلتني اليوم أشعر أن كل شيء كان يستحق.
ابتعد قليلًا لينظر إليّ.
قال
كان يستحق دائمًا يا أمي. فقط اليوم فهم الجميع ذلك.
في نهاية الحفلة، عندما بدأ الضيوف بالمغادرة وكان العروسان يودعان الناس تحت الأضواء والعناق، جاءت لارا تبحث عني مرة أخرى.
نزعت إحدى دبابيس شعرها وأسقطت خصلة صغيرة، ثم جلست بجانبي كابنة متعبة بعد يوم طويل.تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
سألتني بهدوء
هل أزعجك أنني ناديتك أمي؟
نظرت إليها.
كانت عيناها حمراوين، لكن هادئتين.
أمسكت بيدها.
قلت
لا يا ابنتي. لقد شفيتِ شيئًا في داخلي لم أكن أعلم أنه مجروح.
ابتسمت وقالت
إذن دعيني أستمر في ذلك.
ثم عانقتني.
ليس ككنّة.
بل كابنة.
في تلك الليلة عدت إلى بيتي وفستاني الأخضر مطوي بعناية على ركبتي. كان التطريز ما زال بسيطًا، والقماش ما زال مهترئًا.
لم يتغير فيه شيء حقًا.
ومع ذلك لم يعد الفستان نفسه.
لأنه الآن، إضافة إلى أنه شهد ولادة ابني وتخرجه، كان حاضرًا في اللحظة التي اختارت فيها امرأة أخرى ابني واختارت معها أيضًا القصة المتواضعة التي جاء منها.
علّقته مرة أخرى في خزانتي.
بعناية.
باحترام.
وبينما أطفأت نور الغرفة فكرت في كل المرات التي تجعلنا فيها الفاقة نعتقد أننا يجب أن نختبئ في الأيام المهمة.
يا لها من كڈبة قاسېة.
أحيانًا أثمن ما نرتديه ليس الجديد، ولا
الغالي، ولا الكامل.
بل ما نجا معنا.
ما كان حاضرًا في الليالي الصعبة.
ما شهد معجزاتنا.
كان فستاني الأخضر قديمًا، نعم.
لكن في تلك الليلة لم يعد فستانًا قديمًا.
لقد أصبح أمام الجميع ما كان عليه دائمًا
الدليل الحي على أن الأم تستطيع أن تخيط الكرامة بيديها
وأنه عندما يعترف الحب الحقيقي بذلك، فإن أفخم القاعات تقف باكية.
تمت


تعليقات
إرسال تعليق