سكريبت التؤام بقلم امانى سيد
التؤام
يوم ولادتى خلفت بنتين تؤام اصرت اخت جوزى اللى مابتخلفش انها تتبنى واحده منها ودى كانت اكبر غلطه حصلت لما ادتها واحده من التؤام كانت بتنتقم منى فيها
يوم ولادتى خلفت بنتين جوزى احبرنى أنى أدى بنت فيهم لاخته عشان تربيها رفضت واصريت إن بناتى يبقول فى حضنى لكن تحت الضغط والته.ديدات رضخت لكلامه وأنا قلبى بيتقطع وانا بدى بنتى لمصير مجهول قصص وروايات أمانى سيد
“مرت السنين والوجع بيكبر في قلبي زي الوحش. ‘حسناء’ كبرت في حضني، كنت بشوف فيها صورتي، بدلعها وبخاف عليها من الهوا الطاير.. أما ‘منى’، فكانت حكايتها تانية خالص.
‘هبه’ أخت جوزي، اللي مابتخلفش، مكنتش بتعامل منى كأنها بنتها، لأ.. كانت بتعاملها كأنها ‘عدوتها’. كانت دايمًا تقولها: ‘أنا اللي لميتك، أنا اللي عملت منك بني آدمة بدل ما كنتي هتترمي في ملجأ’. كانت بتزرع في قلبها إن أنا اللي رخصت فيها وبعتها، وإنها مليش مكان في قلبي.
يوم العيد، كان قلبي بيتحرق.. حسناء لابسة الفستان المنفوش والتوكة اللي بتلمع، وقاعدة في حضني.. ومنى واقفة في ركن الصالة عند هبه، لابسة هدوم قديمة، وماسكة المقشة بتكنس مطرح ما الضيوف كلوا.
ناديت عليها وصوتي مخنوق: ‘يا منى يا بنتي.. تعالي كلي مع أختك، تعالي في حضني يا حبيبتي’.
قبل ما البنت تتحرك، كانت إيد ‘هبه’ أسرع، شدتها من شعرها بقسوة وقالت بصوت مسموع للكل: ‘بنتك؟ بنتك مين يا قمر؟ إنتي نسيتي إنك مضيتي على ورق إنها بنتي أنا؟ روحي يا منى كملي مسح المطبخ، ومفيش أكل غير لما الهوانم يخلصوا.. أصل البنت لازم تطلع “ناشفة” عشان تعرف تخدم اللي صرفوا عليها!’.
بصيت لجوزي ‘محمود’ وأنا بستنجد بيه بعيني، لكنه وطى راسه في الأرض كالعادة، خايف من لسان أخته ومن سطوتها على فلوس العيلة.
هبه قربت مني ووشوشتني بـ “سم”: ‘شوفي يا قمر.. حسناء دي هطلع فيها كل الدلع عشان أغيظك، ومنى دي هطلع فيها كل القرف والذل عشان أكسر عينك بيها.. وبكرة تشوفي منى وهي بتكرهك أكتر ما بتكرهني!’.
في اللحظة دي، شفت منى بتبص لي من ورا باب المطبخ.. نظرة كلها عتاب ولوم، نظرة بتقول: ‘ليه يا أمي سيبتيني ليها؟’. غمضت عيني ودموعي نزلت، وحلفت إن القصاص جاي، وإن ‘قمر’ مش هتفضل مطفية العمر كله
قمر قعدت في أوضتها، مسحت دموعها اللي كانت بتنزل ضعف، وبدلتها بنظرة كلها توعد. قالت في سرها: ‘يا هبه.. حرق قلبي وقلب بنتي تمنه غالي، والنهاردة هبدأ أسحب البساط من تحت رجليكي فتلة فتلة’.
قمر كان ليها عين جوه بيت هبه.. ‘عم نصر’، الجنايني اللي شغال هناك من سنين، واللي هبه كانت بتهينه وتأخر مرتبه، وهو الوحيد اللي كان بيحن على ‘منى’ ويديها لقمة من ورا هبه.
راحت له قمر في السر وادت له “ظرف” مليان ورق، وقالت له بصوت واطي: ‘يا عم نصر، إنت عارف غلاوة منى عندك.. هبه هانم ناوية تبيع القصر ده وتمشينا كلنا، والورق ده هو اللي هيحمي حقوقنا.. عايزك تحطه وسط فواتير الصيانة والكهرباء اللي بتمضيها كل شهر من غير ما تبص فيها، وإنت وشطارتك’.
عم نصر هز راسه بالموافقة وهو بيقول: ‘ولا يهمك يا ست قمر، الست دي جاحدة وتستاهل.. بكرة الصبح الورق هيكون عليه ختمها وإمضاها’.
وفعلاً، تاني يوم الصبح، هبه كانت قاعدة بتفطر بعنجهية، ونادت على عم نصر: ‘هات يا زفت الورق اللي عايز يتمضي وخلصني، مش فاضية للقرف ده!’.
هبه، من كتر غرورها وثقتها إن مفيش حد يقدر يخدعها، كانت بتمضي الورقة تلو التانية وهي بتبص في المراية وتعدل شعرها.. مخدتش بالها من الورقة اللي في النص، “تنازل رسمي وموثق” عن نصيبها في محلات العيلة لصالح “منى محمود الجارحي” كتعويض عن سنوات الخدمة!
عم نصر خرج والورق في جيبه، وقابل قمر واداهولها.. قمر مسكت الورق، وضمت صوابعها عليه بقوة وقالت: ‘دلوقتي يا هبه، الحرب بدأت.. منى مش هتبقى الخدامة، منى هتبقى “الشريكة” اللي هتطردك من أملاكك!’.
“مر أسبوع، وقمر كانت قاعدة فى الصالة بكل هدوء، بتشرب قهوتها وبتبص فى الساعة. حسناء كانت قاعدة جنبها، مش فاهمة ليه أمها هادية كدة بالرغم من إن منى كانت برا بتغسل السلالم تحت شتائم هبه اللى مابتخلصش.
فجأة، دخلت هبه وهى بتزعق: ‘إنتى يا قمر! إيه البرود اللي إنتى فيه ده؟ قومى فزي ساعدى بنتك “الخدامة” في تنضيف السجاد، أصل السجاير اللي جوزك كان بيشربها خلصت سيولتى، ومن هنا ورايح مفيش دلع!’.
قمر حطت فنجان القهوة براحة، وقامت وقفت بكل ثقة وقالت بصوت هادى ومرعب: ‘ومين قالك يا هبه إن فيه حد هنا هيخدمك تانى؟ البيت ده والكلية اللى إنتى واقفة فيها، مابقاش ليكى فيهم ولا طوبة واحدة’.
هبه ضحكت بسخرية وهى بتبص لمنى اللى واقفة وماسكة جردل المية: ‘إنتى اتجننتى يا شحاتة؟ إنتى عارفة بتكلمى مين؟’.
قمر طلعت “الظرف” من جيبها ورمته على التربيزة: ‘بكلم واحدة ماضية ب إيدها على تنازل عن كل محلات العيلة وعن القصر ده “كمؤخر صُداق” لمنى بنتى، تعويضاً عن الـ ٢٠ سنة اللى ضاعت من عمرها تحت رجليكى.. اقرى يا هبه، اقرى وشوفى إمضاكِ اللى زى “رجل الغراب” منورة الورق إزاى!’.
هبه مسكت الورق، وعينيها كانت هتطلع من مكانها.. بدأت تترعش وتقول: ‘ده تزوير! أنا ممضيتش على حاجة! يا عم نصر! يا زفت!’.
قمر ضحكت بانتصار: ‘عم نصر سافر البلد خلاص، والورق متوثق يا هبه.. منى دلوقتى هى صاحبة البيت، وإنتى اللى ضيفة.. وتقيلة كمان’.
منى سابت الجردل من إيدها، والمية غرقت الأرض.. بصت لأمها “قمر” وهى مش مصدقة، وبصت لهبه اللى كانت بتنهار. قمر قربت من منى، خدتها فى حضنها بقوة وقالت لها: ‘حقك رجع يا منى.. السنين اللى كنتى بتمسحى فيها البلاط بدموعك خلصت.. دلوقتى يا حبيبتى، هبه هانم هى اللى هتوريكى إزاى السلالم بتتمسح!’.
قمر لفت لهبه وقالت لها ببرود: ‘يلا يا هبه.. الجلابية الزرقاء مستنياكى فى المطبخ، أصلنا مابنشغلش حد عندنا بـ “بلاش”، وإنتى دلوقتى مديونة لينا بلقمة الأكل اللى هتاكليها!’.”
“هبه وقعت على الكرسي وهي بتنهج، الورق وقع من إيدها كأنه جمرة نار. بصت لمنى وقالت بصوت مهزوز: ‘منى.. إنتي هتصدقي الست دي؟ دي اللي رمتك.. دي اللي باعتك عشان تعيش حسناء في الدلع! أنا اللي ربيتك يا منى!’.
قمر قربت من هبه ووقفت فوق راسها زي القضاء المستعجل: ‘إخرسي يا هبه! إنتي ماربيتيهاش، إنتي كنتي بتهدي حيلها عشان تذليني فيها.. كنتي بتزرعي الكره في قلبها عشان تحسي بانتصارك المريض.. بس خلاص، اللعبة خلصت!’.
لفت قمر لمنى، وخدت إيدها اللي كانت خشنة من كتر الشغل والمنظفات، وبستها وهي بتعيط: ‘سامحيني يا بنتي.. كنت مستنية اللحظة اللي أقدر فيها أقف قدام عمتك وأنا قوية.. الورق ده باسمك إنتي يا منى، المحلات دي ملكك، والبيت ده بيتك.. أنا مش عايزة حاجة غير إني أشوفك “هانم” زيك زي أختك!’.
منى كانت بتبص لهبه بنظرة غريبة.. نظرة طفل فاق من كابوس. فجأة، منى مشيت ناحية جردل المية اللي كان على الأرض، ومسكت “المساحة” ورمتها تحت رجل هبه.
منى نطقت لأول مرة بصوت قوي هز المكان: ‘قومي يا عمتي.. قصدي يا ست هبه.. السلم اللي كنت بمسحه بدموعي لسه فيه بقعة في أوله، وقمر هانم وبنتها حسناء داخلين يرتاحوا في أوضهم.. عايزة السلم يلمع، ولا تحبي أطردك في الشارع بالهدوم اللي عليكي وتتحبسي بتهمة خيانة الأمانة؟’.
هبه صرخت: ‘إنتي بتقولي لي أنا كدة يا بنت الشغالة؟’.
منى ردت عليها بقلم نزل على وشها رن في أركان القصر: ‘بنت الشغالة دي هي اللي دلوقت بتأكلك من خيرها! اطلعي امسحي السلم يا هبه.. ونفسي أشوف “الهوانم” صحابك وهما داخلين يباركوا لي على الورث، ويشوفوكي وإنتي رابطة راسك وبتمسحي ورايا!’.
قمر قعدت على الكرسي الملكي وبصت لحسناء وقالت لها: ‘يا حسناء.. خدي أختك واطلعوا اشتروا أغلى لبس في مصر، ومن بكرة يا منى، مكتبك في الشركة مستنيكي.. إحنا عيلة “الجارحي”، ومحدش فينا هينحني تاني!’.”
الصبح طلع، بس مكنش صبح عادي على هبه. صحيت على صوت خبط رزين ومنتظم برا أوضتها.. فتحت الباب وهي بتفرك عينيها، لقت قدامها اتنين عمالقة، “بوديجاردات” لابسين أسود في أسود، وعضلاتهم تسد عين الشمس، واقفين زي السد المنيع.
واحد منهم بص لها بجمود وقال: ‘ممنوع الخروج من الأوضة يا ست هبه، غير بـ “أمر شغل” من قمر هانم’.
هبه برقت عينيها وصرخت: ‘إنتوا مين يا بلطجية؟ إنتوا عارفين ده بيت مين؟ قمررر! يا قمررر!’.
جت قمر وهي ماشية ببطء، ووراها “حسناء” و”منى” اللي كانت لابسة طقم خروج شيك جداً لأول مرة. قمر وقفت قدام هبه وقالت ببرود مستفز: ‘البوديجاردات دول هنا عشان يحموا “صاحبة البيت” اللي هي منى، وعشان يتأكدوا إن “الخادمة الجديدة” اللي هي إنتي، بتأدي شغلها بذمة.. أصل إنتي إيدك كانت تقيلة على منى زمان، وأنا مش عايزاكي تكسلي’.
هبه كانت هتهجم على قمر، بس البوديجارد حط إيده قدامها كأنه حيطة سد. قمر كملت: ‘من النهاردة، الموبايل اتسحب، ومفيش خروج، ومفيش حد من الهوانم صحابك هيعرف عنك حاجة.. إنتي هنا “سجينة” لغلطاتك.. يلا يا منى، قولي لهبه هانم جدول النهاردة’.
منى طلعت ورقة وقالت بجمود: ‘النهاردة فيه غسيل سجاد الصالون كله بالفرشة، وتنظيف المطبخ من ساسه لراسه، وتحضير الغدا لستك وقمر هانم.. ولو الأكل طلع مالح يا هبه، هتنامي في المنور زي ما كنتي بتعملي فيا!’.
هبه قعدت على الأرض تعيط وتلطم: ‘حرام عليكي يا قمر.. أنا أخت جوزك! أنا هبه السيوفي!’.
قمر وطت لمستواها ووشوشت في ودنها: ‘كنتي.. دلوقتي إنتي مجرد “نمرة” في حساب قديم وبنقفله.. والبوديجاردات دول أوامرهم واضحة، أي محاولة للهرب أو قلة أدب، هيتعاملوا معاكي زي ما بيتعاملوا مع الحرامية’.
لفت قمر للبوديجارد وقالت له: ‘يا منصور، الست هبه لو خلصت السجاد، خليها تلمع النجف قطعة قطعة.. مش عايزة ذرة تراب في بيتي الجديد’.
خرجت قمر ومعاها بناتها، وسابوا هبه محبوسة بين حيطان القصر اللي كان ملكها، وتحت حراسة رجالة مبيعرفوش الرحمة.. واللعبة بدأت بجد!”
محمود دخل البيت وهو بيفتح صدره، وشايف هبه أخته قاعدة على الأرض بتعيط والبوديجاردات محاوطينها، صرخ بعلو صوته: ‘إيه اللي بيحصل هنا ده؟ إنتي اتجننتي يا قمر؟ إزاي تعملي في أختي كدة وتجيبي رجالة غريبة في بيتي؟’.
قمر كانت واقفة فوق السلم، بتبص له بمنتهى الهدوء وهي بتعدل الساعة في إيدها. نزلت درجة درجة وقالت بصوت واطي بس يرعب: ‘بيتك؟ إنت لسه فاكر إنه بيتك؟ البيت ده بقى ملك “منى” بنتك اللي إنت بعتها، والمحلات بقت ملكها.. إنت هنا مجرد “ضيف” يا محمود، والضيف لازم يحترم نفسه عشان ميتطردش مع أخته’.
محمود وشه احمر وحاول يرفع إيده: ‘إنتي بتهدديني يا قمر؟ ده أنا أدفنك مكانك!’.
قبل ما إيده تتحرك، واحد من البوديجاردات قبض على معصمه بقوة لدرجة إن محمود صرخ من الوجع. قمر قربت منه ووشوشت في ودنه بـ “سم”: ‘إيدك دي لو اترفعت تاني، هطلع ملفات التهرب الضريبي والاختلاس اللي إنت عملتها في الشركة، والورق ده لوحده كفيل يرميك ورا القضبان بقية عمرك.. إمضي على الورقة دي يا محمود، إقرار بإنك “تنازلت” عن ولايتك وعن أي حق ليك في إدارة الأملاك، وإلا هتشرف في الزنزانة مع تجار المخدرات!’.
محمود بص في عينيها، لقى غضب ٢٠ سنة بينفجر في وشه، وحس إنه بقى صغير أوي قدامها. رجع خطوة لورا وهو بيترعش، وبص لأخته “هبه” اللي كانت بتستنجد بيه وتقول: ‘إلحقني يا محمود! دي بتذلني يا أخويا!’.
محمود بص لهبه بقرف وقال لها بصوت مكسور: ‘إنتي اللي وصلتينا لكدة يا هبه.. إنتي اللي بوظتي كل حاجة بطمعك وجبروتك.. أنا مش قادر أعملك حاجة، قمر معاها كل الخيوط’.
هبه صرخت: ‘يا جبان! بتسيب أختك عشان خايف من مرة؟’.
محمود ماردش، مسك القلم ووقع على الورق وهو إيده بتترعش، وخرج من الصالة وهو مش قاد يرفع عينه في عين “منى” اللي كانت بتبص له بمنتهى الاحتقار.
قمر شاورت للبوديجارد: ‘خد الست هبه على المطبخ، فيه جبل مواعين مستنيها.. ومحمود بيه، يروح يقعد في الجنينة، ومسمعش صوته لحد ما أقرر هعمل فيه إيه!’.”
“هبه كانت فاكرة إن محمود لما يجي هيقلب الدنيا، بس لما شافت أخوها السند بيوطي راسه ويمضي وهو مرعوب، عرفت إنها بقت لوحدها في الغابة.
قمر بصت لهبه اللي كانت بتعيط بحرقة وقالت لها بصوت جهوري: ‘خلصنا تمثيل يا هبه؟ دموعك دي مابتتحركش فيا شعرة، لأني شوفتها في عين منى ٢٠ سنة وإنتي كنتي بتضحكي!’.
قمر شاورت للبوديجارد ‘منصور’ وقالت له: ‘يا منصور، خد الست هبه، ولم لها كل هدومها البراند والشنط اللي بالآلافات، وحطهم في كراتين وارميهم في المخزن.. ومن النهاردة، هبه هانم سكنها هيكون في “أوضة المنور” اللي جنب المطبخ.. الأوضة اللي كانت منى بتنام فيها وسط الصراصير والرطوبة!’.
هبه صرخت بجنون: ‘المنور؟ إنتي عايزة تنيميني في المنور يا قمر؟ ده أنا أموت نفسي ولا أنام فيه!’.
قمر ضحكت بسخرية: ‘موتك مش هيفيدني، أنا عايزاكي تعيشي وتدوقي.. ومنصور هيسهر على راحتك، أي صوت اعتراض، “خرطوم المية” الساقعة هيكون الرد.. يلا يا هبه، على شغلك!’.
هبه انقادت زي الذبيحة ورا منصور، ودخلت المطبخ لقت جبل من المواعين والحلل “المشيطة” اللي قمر قاصدة تخلي الشغالات يسيبوها عشان هبه تدعكها.
في الصالون، قمر قعدت وحطت رجل على رجل، وبصت لمحمود اللي كان قاعد في ركن زي الكلب المضروب، وقالت له: ‘وإنت يا محمود.. من بكرة هتنزل الشركة “ساعي”.. تجيب القهوة والشاي للموظفين اللي كنت بتتكبر عليهم، وعشان الكل يعرف إن اللي بيظلم مراته وعياله، نهايته بتبقى تحت الرجلين’.
محمود بلع ريقه بخوف: ‘ساعي يا قمر؟ ده أنا صاحب الشركة!’.
قمر ردت عليه بنظرة خلت قلبه يقف: ‘كنت.. دلوقتي إنت “موظف” عند منى وحسناء.. وأي تقصير، هسحب منك اللقمة اللي بتاكلها’.
منى دخلت المطبخ ببرود، وشافت هبه وهي بتدعك الحلة بدموعها، راحت حطت رجلها على طرف الحوض وقالت لها ببرود: ‘يا شاطرة.. الحلة دي لسه فيها سواد، إدعكي بضمير.. أصل أنا النهاردة عازمة صحابي كلهم عشان يشوفوا “الشغالة الجديدة” اللي عمتي هبه رشحتها لي!’.”
القصر اتملى أنوار، والعربيات الفخمة وقفت قدام الباب. صحاب منى وحسناء (بنات الطبقة المخملية) دخلوا وهما مبهورين بالشياكة والنظام. قمر كانت واقفة تستقبلهم كأنها ‘ملكة متوجة’، وبجانبها منى وحسناء زي الأميرة والملكة.
قمر شاورت لـ ‘منصور’ البوديجارد وقالت بصوت مسموع: ‘يا منصور.. نادي على “الشغالة الجديدة” تخليها تقدم العصير للضيوف، مش عايزين نتأخر عليهم’.
هبه خرجت من المطبخ، وكان شكلها يقطع القلب.. لابسة مريلة مطبخ متسخة، وشعرها منكوش، وإيديها مبلولة ومنتفخة من كتر غسيل المواعين. شالت الصينية وهي بتترعش، وأول ما دخلت الصالون، الدنيا سكتت تماماً.
واحدة من صحاب هبه القدام “مدام نيفين” برقت عينيها وقالت بشهقة: ‘هبه؟! مش معقول! إيه اللي إنتي لابساه ده؟ وإيه اللي ممشيكي بصينية عصير؟’.
قمر ضحكت ببرود وقالت: ‘أصل هبه هانم حبت تجرّب “حياة الشقاء” اللي كانت مفرضاها على منى بنتي.. وقررت تتبرع بمجهودها وتخدمنا النهاردة.. مش كدة يا هبه؟’.
هبه بصت لنيفين بكسرة وقهر، وحاولت تتكلم بس لقت البوديجارد واقف وراها زي الخيال، فنزلت راسها وقالت بصوت مخنوق: ‘أيوه.. اتفضلي يا مدام نيفين العصير’.
منى بصت لعمتها وقالت لها بمنتهى الجبروت: ‘يا شاطرة.. الصينية مايلة، خدي بالك لا تدلقي على فساتين الهوانم، أصل الفستان الواحد بتمن عُمرك كله!’.
هبه كانت بتغلي من جوه، ودموعها نزلت في الصينية.. وفي اللحظة دي دخل محمود وهو لابس بدلة “الساعي” الزرقاء وشايل شنط الضيوف، والكل بدأ يهمس ويضحك عليهم.
قمر قامت ووقفت في نص الصالون وقالت للكل: ‘النهاردة يا جماعة، بنحتفل برجوع الحق لأصحابه.. منى وحسناء هما أصحاب الملك ده، وهبه ومحمود هما اللي هيسهروا على راحتكم.. أي حد يحتاج حاجة، ينده على “هبه الشغالة” أو “محمود الساعي”!’.
هبه مقدرتش تستحمل، الصينية وقعت من إيدها واتكسرت، فجأة ‘منصور’ البوديجارد مسكها من دراعها بقوة وقال لها: ‘انزلي لِمي الإزاز المكسور ده بإيديكي يا شاطرة، ونضفي الأرض قبل ما حد يتجرح!’.
هبه نزلت على ركبها قدام كل الهوانم، وبدأت تلم الإزاز وهي بتبكي بقهره، وقمر بتبص لها من فوق وبتبتسم بانتصار، وكأنها بتقول لها: ‘ده تمن حرق قلبي يا هبه.. ولسه الحساب مخلصش!’.”
هبه ضغطت على قطعة الإزاز الحادة في إيدها لحد ما صوابعها نزفت، وعينيها كانت مركزة على رجل منى العريانة اللي لابسة صندل شيك.. كانت ناوية تغرسها بكل غلها وتصرخ: ‘لو ضعت أنا، تضيعي إنتي كمان!’.
لكن قبل ما هبه تتحرك مليم واحد، كعب جزمة قمر العالي نزل بكل قوته على إيد هبه اللي ماسكة الإزاز.. هبه صرخت بوجع يقطع القلب، والإزازة وقعت من إيدها.
قمر وطت لوش هبه، وقالت لها بصوت واطي ومرعب: ‘فاكرة إني مش شايفاكي؟ أنا حافظة مكرك يا هبه.. الحركة دي لو كانت تمت، كنت هسيب البوديجاردات يدفنوكي حية في الجنينة ومحدش هيعرف لك طريق.. انزلي لِمي الإزاز بلسانك لو لزم الأمر، ونضفي الدم اللي نزل من إيدك ده، مش عايزة قرف في صالوني!’.
منى رجعت خطوة لورا وهي مخضوضة، بس قمر مسكت إيدها وطمنتها بنظرة.. وبصت للضيوف اللي كانوا واقفين مذهولين وقالت بضحكة واثقة: ‘معلش يا جماعة، الشغالة دي لسه غشيمة ومابتعرفش تشيل الصينية.. يلا يا منصور، خد الشغالة دي على المطبخ، واحبسها هناك لحد ما تخلص جبل الصحون، ومفيش عشا ليها النهاردة.. العقاب هو “الجوع” زي ما جوعت بنتي زمان!’.
هبه انقادت وهي بتجر رجليها وبتعيط بكسرة، ومنصور البوديجارد كان بيزقها قدامه كأنها “جناية”.
في المطبخ، هبه لقت محمود قاعد على الأرض ببدلة الساعي المبهدلة وبياكل “عيش وجبنة قديمة” بوجع.. بصت له هبه وقالت له بنبرة كلها حقد: ‘إنت قاعد بتاكل؟ إنت مش شايف مراتك بتعمل فينا إيه؟ إنت مش راجل؟’.
محمود بص لها بعين مكسورة وقال: ‘الرجل اللي بتتكلمي عنه مات يوم ما وافقتك ورميت بنتي في حضنك تذليها.. قمر معاها ورق يودينا المشنقة يا هبه.. كلي يا هبه، كلي جبنة قديمة، أصل ده اللي باقي لنا من عز “السيوفي”!’.
قمر دخلت عليهم فجأة، ورمت في وش هبه “مريلة” قديمة ومقطعة وقالت لها: ‘من بكرة الصبح، إنتي ومحمود هتنزلوا الجنينة تنضفوا فضلات الكلاب اللي منى اشترتها النهاردة.. ومنصور هيكون واقف فوق راسكم بالكرباج.. أي تقصير، الخصم هيكون من “ساعات النوم”!’.”
هبه كانت قاعدة في المنور، ريحة الرطوبة كاتمة نفسها، وجسمها كله بيوجعها من دعك السجاد. شافت ‘حسناء’ معدية من قدام الباب وهي شايلة عصير ومنعنشة، ندهت عليها بصوت مبحوح: ‘حسناء.. يا بنتي.. تعالي يا حبيبتي، أنا عمتك اللي كنت بدلعك وبشتري لك أغلى اللبس.. هنيكي عليا وأنا بموت في الضلمة دي؟’.
حسناء وقفت وبصت لها بأسى مصطنع: ‘يا عمتي، أنا قلبي واجعني عليكي والله، بس ماما “قمر” بقت مرعبة، والبوديجاردات في كل حتة.. أعمل إيه بس؟’.صفحتى قصص وروايات أمانى سيد
هبه عينيها لمعت بشياطين المكر، قربت من القضبان الحديد اللي على شباك المنور وقالت: ‘اسمعيني يا حسناء.. فيه مفتاح “خزنة سرية” مستخبي ورا برواز صورة أبوكي في المكتب.. الخزنة دي فيها “سبايك ذهب” وعقود أطيان ماما متعرفش عنها حاجة.. خدي المفتاح، وهربينا أنا وأبوكي بالليل، والذهب ده كله ليكي لوحدك.. اطلعي عيشي في أوروبا وابعدي عن قهر أمك ومنى!’.
حسناء مثلت إنها مترددة: ‘ذهب؟ طيب.. هحاول يا عمتي، بس لو ماما عرفت هتدبحني!’.
هبه فرحت وقالت لها: ‘مش هتعرف، إنتي ذكية.. يلا يا بطلة، مستنياكي!’.
حسناء مشيت بسرعة، بس مرحتش المكتب.. راحت لـ ‘قمر’ اللي كانت قاعدة في الجناح الملكي ومعاها ‘منى’ بيراجعوا حسابات الشركة. صفحتى قصص وروايات أمانى سيد
حسناء ضحكت وقالت: ‘ماما.. السمكة وقعت في الشبك! عمتي هبه حاولت تغريني بـ “خزنة سرية” ورا صورة بابا، وعايزاني أهربها هي وبابا وناخد الذهب ونطير!’.
قمر قامت وقفت وابتسامة نصر على وشها: ‘برافو يا حسناء.. كنت عارفة إن هبه شايلة “قرشين” للزمن.. والذهب ده هو اللي هنسدد بيه ديون الشركة اللي أبوكي غرقنا فيها.. منى، نادي على “منصور” والرجالة، ويلا بينا نفتح الخزنة قدام عيون هبه، عشان تعرف إن حتى “أسرارها” بقت ملكنا!’.
نزلوا كلهم للمكتب، وفتحوا الخزنة فعلاً وطلعوا منها شنطة تقيلة مليانة ذهب وأوراق.. قمر خدت الشنطة ونزلت للمنور، وفتحت الباب على هبه اللي كانت قاعدة مستنية “الهروب”.
قمر رمت الشنطة الفاضية تحت رجل هبه وقالت لها: ‘شكراً يا هبه على “التبرع السخي” ده.. الذهب ده هو اللي هيشتري لمنى “عربية أحدث موديل” بمناسبة تعيينها مديرة للشركة.. وحسناء هي اللي دلتنا على مكانه!’.
هبه بصت لحسناء بصدمة: ‘إنتي يا حسناء؟ بتغدري بيا؟’.
حسناء ردت ببرود: ‘أنا بنتها هي يا عمتي.. مش بنتك إنتي.. واللي يغدر بـ “منى” وأمي، مالوش مكان في قلبي!’.
قمر شاورت لمنصور: ‘يا منصور.. هبه النهاردة صيام.. ومسمعش صوتها لحد بكرة، عشان تفكر كويس في “الخزنة الجاية” اللي مخبياها فين!’.”
“هبه كانت قاعدة في المنور بتخبط راسها في الحيطة، الذهب اللي شقيت عمرها عشان تجمعه من ورا “محمود” وقمر، راح في غمضة عين.. وبسبب مين؟ بسبب ‘حسناء’ اللي كانت فاكرة إنها اشترت ولائها بالفساتين والمظاهر.
فجأة، الباب اتفتح، ودخل محمود وهو وشه أصفر وشفايفه بتترعش: ‘هبه.. اهربي يا هبه! أنا قدرت أغافل البوديجارد “منصور” وهو بيصلي، وسرقت منه مفتاح البوابة الخلفية.. يلا بينا نخرج بالهدوم اللي علينا، ونروح لأي حد من قرايبنا يخبونا من الجبروت اللي اسمه قمر!’.
هبه قامت زي المجنونة، وشبكت إيدها في إيد أخوها، وجريوا في ضلمة الجنينة، والقلب بيدق مع كل خطوة.. وصلوا للبوابة الخلفية، وفتحوها وخرجوا للشارع وهم بيحسوا بنسيم الحرية لأول مرة من أسابيع.بقلم امانى سيد
هبه ضحكت بوجع: ‘وربنا يا قمر لهرجع وأحرق قلبك زي ما حرقتي قلبي.. بس نلاقي مكان نستخبى فيه والصبح هبلغ عنك بخطفنا!’.
ومشيوا خطوات قليلة في الشارع الضلمة، فجأة.. كشافات عربية “رانج روفر” سوداء اتفتحت في وشهم وعمت عينيهم!
الباب اتفتح، ونزلت منى وهي لابسة نظارة سوداء (بالرغم إن الوقت ليل) وبمنتهى الشياكة، ووراها قمر اللي كانت بتسقف ببرود.
قمر ضحكت وقالت: ‘نورتوا الشارع يا هربانين! فاكرين إن “منصور” بيصلي غفلة كدة؟ ده منصور هو اللي ساب لكم المفتاح “أمانة” عشان يختبر غباءكم!’.
محمود وقع على ركبه: ‘قمر.. ارحمينا، إحنا كنا هنهرب بس!’.
قمر قربت من هبه اللي كانت بتترعش وقالت لها: ‘الهروب ده عقوبته في قانون “قمر” صعبة أوي.. منصور! خد الجماعة دول، ومن بكرة الصبح.. هبه هانم ومحمود بيه هيقفوا “بالمايوه” في نص الجنينة، ويمسكوا الخراطيم ويسقوا الزرع في عز الشمس، والبوديجاردات هيتفرجوا عليهم وهما “بيتدربوا” على الخدمة الشاقة في عز الحر!’.
لفت قمر لمنى وقالت لها: ‘يا منى يا بنتي.. الذهب اللي حسناء جابتهولنا، أنا فتحت بيه “دار رعاية لليتيمات” باسمك.. وكل اليتيمات في الدار دي، هبه ومحمود هما اللي هيروحوا كل جمعة يغسلوا لهم لبسهم وينضفوا لهم المكان.. عشان يتعلموا يعني إيه “يتم” ويعني إيه “كسرة نفس”!’.
منى بصت لعمتها وقالت لها: ‘يلا يا شغالة.. اركبي العربية في “الشنطة” ورا.. أصل الصالون مابيركبوش غير الهوانم اللي زيك، وإنتي دلوقتي ريحتك بقت “منور”!’.”
مرت شهور، والقصر اللي كان سجن لهبه بقى “جنة” لقمر وبناتها. هبه ومحمود بقوا زي خيالات المآتة، جلد كرمش من الشمس في الجنينة، وإيديهم اتشقت من كتر الفرك في هدوم الأيتام في الدار.
في يوم التخرج بتاع ‘منى’ من كلية التجارة، قمر قررت تنهي المسرحية دي بـ “الضربة القاضية”. جمعت الكل في الصالة الكبيرة، وحطت شنطتين سفر قدام الباب.
قمر بصت لهبه اللي كانت واقفة بمريلة المطبخ المهلهلة، وبصت لمحمود اللي كان ظهره انحنى من الذل، وقالت بصوت هادي وقوي: ‘كفاية كدة يا هبه.. كفاية يا محمود. أنا شفت في عيونكم الكسرة اللي شفتها في عين بنتي ٢٠ سنة.. شوفتكم وإنتوا بتمسحوا جزم الناس اللي كنتوا بتتكبروا عليهم.. دلوقت الحساب اتقفل’.
هبه بكت بانهيار وقالت: ‘هتمشينا يا قمر؟ هنروح فين وإحنا معندناش مليم؟’.
قمر طلعت ورقتين ورمتهم على الأرض: ‘دي تذاكر سفر لبلد بعيدة، وشقة صغيرة هناك باسمكم.. بس بشرط واحد، تمضوا على “تنازل نهائي” عن اسم عيلة الجارحي، وتنسوا إن ليكم أهل في مصر.. هتسافروا هناك “خدم” في مطعم، تعيشوا من عرق جبينكم لأول مرة في حياتكم، وممنوع حد فيكم ينطق اسمي أو اسم بناتي تاني’.
منى قربت من عمتها هبه، وقلعت “السلسلة الذه


تعليقات
إرسال تعليق