أم عزباء لخمسة أطفال
أم عزباء لخمسة أطفال
ساد صمت ثقيل في ذلك الممر الضيق كأن الهواء نفسه توقف عن الحركة بعدما قال ذلك الصوت بعمق وثقة
الفتورة مدفوعة.
لم تفهم راشيل في البداية ما الذي يحدث.
لم تكن واثقة أن الكلمات قيلت لها أو أنها سمعتها بشكل صحيح.
مرت ثوان شعرت فيها وكأن العالم كله تكور حولها وهي تدير رأسها ببطء كأنها تخشى أن يكون ما سمعت مجرد وهم.
وعندما استدارت رأت امرأة مسنة واقفة خلفها ملامحها رقيقة وهدوءها غريب وابتسامتها لم تكن شفقة ولا صدقة كانت شيئا يشبه الحنان الذي تفتقده كل أم منهكة.
قالت السيدة بصوت منخفض لكنها كانت له قوة غريبة
لا تقلقي يا ابنتي لقد دفعت الفاتورة. كل شيء.
شهقت راشيل بصوت لا يكاد يسمع.
وضعت يدها على صدرها كأنها تحاول أن تثبت قلبها في مكانه قبل أن يسقط.
لم تستطع الكلام لم تستطع قول لا ولا شكرا ولا حتى لماذا.
كان إحساس الانكسار الذي شعرت به قبل لحظات ما يزال يضغط في صدرها وهذا
اللطف المفاجئ لم يعطها وقتا لاستيعابه.
قالت وهي تحاول السيطرة على ارتجاف صوتها
أنا أنا لا يمكنني قبول هذا هذا كثير
لكن السيدة وضعت يدها على كتفها بخفة وقالت بابتسامة صغيرة
أحيانا يا صغيرتي يمنحنا الله أشخاصا في اللحظة التي نتهاوى فيها. فلا ترفضي الهدية.تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
كانت الكلمات بسيطة لكنها اخترقت شيئا عميقا في داخل راشيل شيئا لم يلمسه أحد منذ وفاة زوجها.
سددت أمينة الصندوق الفاتورة بصمت متوتر تتجنب النظر إلى راشيل وكأن اللطف الذي حدث أمامها جعل فظاظتها السابقة تبدو قبيحة فجأة.
جمعت راشيل الأكياس بسرعة وكأنها تخشى أن ينهار الوضع كله إن بقيت لحظة أخرى.
أطفالها الخمسة تجمعوا حولها أكثرهم لا يفهم ماذا حدث والأصغر بينهم ماكس كان لا يزال يشهق بسبب بكائه على الحلوى التي لم تشترها له.
حملت الأكياس لكن المرأة المسنة أخذت بعضها من يديها دون استئذان قائلة
يجب ألا تحملي كل هذا وحدك.
خرجوا من المتجر معا والهواء البارد ضرب وجنتي راشيل فشعرت بالدوار للحظة.
ربما بسبب التعب أو الإحراج أو الامتنان الذي كان أكبر من قدرتها على استيعابه.
أمام السيارة ركع الصغير ماكس على ركبتيه ليعقد رباط حذائه فنظرت إليه السيدة بحنان وسألته
ما اسمك يا صغيري
رفع رأسه وقال ببراءة كاملة
أنا ماكس وعندي عيد ميلاد قريب!
ضحكت السيدة ضحكة قصيرة لكنها مليئة بالحياة
عيد ميلاد إذن يجب أن تحتفلوا بشكل جميل.
ثم التفتت إلى راشيل وقالت
اسمك
راشيل
قالتها بخجل كما لو أنها لم تنطق اسمها منذ مدة.
ابتسمت السيدة وقالت
أنا السيدة سيمبسون. وإن احتجت أي شيء أي شيء فبابي مفتوح.
جلست راشيل في سيارتها والمرأة تقف خارج النافذة تلوح للأطفال.
وعندما ابتعدت اكتشفت راشيل أنها ما كانت تشعر به لم يكن مجرد امتنان
كان شيئا يشبه الأمان شيئا لم تشعر به منذ أن تلقت الاتصال المخيف من الشرطة قبل عام.
في تلك الليلة عندما نام الأطفال في غرفهم الصغيرة بقيت راشيل وحدها في غرفة المعيشة الضوء الخافت ينعكس على
وجهها الشاحب.
وضعت رأسها بين يديها وبكت ليس بكاء انكسار كما اعتادت بل بكاء غريب دافئ بكاء شخص شعر للمرة الأولى منذ أشهر طويلة أن العالم لم يعد مغلقا بالكامل في وجهه.
كانت تفكر في المرأة في لطفها في نظرتها التي تشبه نظرة أم تلحظ وجعا لم يقل.
كانت تفكر في التعب الذي خزنته داخلها طوال عام كامل في مسؤولية خمسة أطفال دون دعم في الأسعار التي ترتفع كل يوم في قسوة الحياة وفي تلك اللحظة الصغيرة التي جعلتها تتنفس من جديد.
وفي اليوم التالي بينما كانت تحاول جاهدة ترتيب المنزل المتراكم بالفوضى التي يتركها خمسة أطفال سمعت طرقا خفيفا على الباب.
فتحت
فرأت السيدة سيمبسون تقف أمامها بنفس الهدوء بنفس الابتسامة تحمل صندوقا صغيرا بين يديها.
قالت
قلت أمس إنك تصنعين بسكويتا لذيذا وأردت أن أتأكد.
شهقت راشيل بخجل ودهشة وقالت بارتباك
تفضلي تفضلي
بالطبع. لم أكن أتوقع أن تأتي.
دخلت السيدة المنزل وجلست على الأريكة القديمة التي ورثتها راشيل من زوجها الراحل.
نظرت إلى أرجاء المكان وكأنها تراه بعين تعرف تماما معنى أن تناضل امرأة وحدها من أجل بيت وأطفال.
قدمت راشيل لها كأس شاي دافئ وصحنا من البسكويت.
تناولت السيدة قطعة صغيرة أغمضت عينيها للحظة ثم قالت
لذيذ لديك موهبة يا راشيل.
احمر وجه راشيل بخجل غريب شعرت كأن أحدا يعطي قيمة لشيء لم يلتفت إليه أحد من قبل.
بعد لحظة سألتها السيدة بنبرة لطيفة لكنها مباشرة
تعيشين وحدك مع أطفالك
تجمدت راشيل قليلا ثم قالت بصوت منخفض
نعم فقدت زوجي العام الماضي. ومنذ ذلك الحين وأنا أحاول أحاول أن أكون كل شيء للأطفال.
هزت السيدة رأسها
بتعاطف عميق ثم قالت شيئا لم تكن راشيل تتوقعه أبدا
لدي متجر صغير للملابس النسائية وأحتاج إلى مساعدة. أريدك أن تعملي معي.
رفعت راشيل رأسها بسرعة غير مصدقة
أنا لكن لدي خمسة أطفال لا أستطيع تركهم وحدهم.
لن تتركيهم.
قالتها السيدة ببساطة كاملة
سيبقون معي في المتجر. أحب صوت الأطفال. أحب حركتهم. أحب الحياة. زوجي توفي منذ سنوات طويلة ولم يكتب لنا أطفال.
وربما أحتاج إليكم بقدر حاجتكم إلي.
سقطت دمعة صغيرة من عين راشيل دون أن تدرك.
كانت تلك اللحظة أشبه بأن أحدهم سحبها من حافة كانت تقف عليها منذ عام دون أن تنتبه.
بدأت العمل في متجر السيدة سيمبسون في اليوم التالي.
كان متجرا صغيرا دافئا مليئا بذكريات امرأة صنعت حياتها بيدها.
ومع مرور الأيام صارت راشيل ترى أن هناك يدا تعيد ترتيب حياتها ببطء لطفا ونعومة.
لاحظت السيدة سيمبسون أن راشيل ترسم على دفتر صغير رسومات ملابس تصاميم بسيطة لكنها جميلة بشكل لافت.
وفي أحد الأيام قالت لها
لماذا لا نعرض بعضها في المتجر
ارتبكت راشيل ورفعت حاجبيها بصدمة
أنا تصميم ملابس
ضحكت السيدة وقالت
ولم لا لديك عين وذوق وروح. والروح أهم من الخبرة.
ومع التشجيع بدأت راشيل تصنع قطعا صغيرة قبعات شالات إكسسوارات محبوكة.
ومع الوقت بدأت تضع صور أعمالها على الإنترنت وبدأت الطلبات الصغيرة تأتي ببطء ثم بسرعة.
وبين العمل والبيت بين الأطفال والرسم بين المسؤوليات والإبداع
بدأت تستعيد شيئا لم تعرف أنها فقدته
ثقتها بنفسها.
مرت أسابيع ثم أشهر
وفي إحدى الأمسيات بعد إغلاق المتجر اقتربت منها السيدة سيمبسون وضعت يدها على كتفها وقالت بصوت يرتجف قليلا
يا راشيل لم تساعديني فقط في المتجر.
لقد ملأت حياتي بالضوء.
شكرا لأنك دخلت حياتي.
لم تستطع راشيل منع نفسها فاحتضنتها بقوة احتضان ابنة وجدت أما ثانية وامرأة وجدت بيتا جديدا بعد أن اعتقدت أن العالم
كله قد أغلق أبوابه في وجهها.
كان ذلك اليوم نقطة تحول في حياة راشيل.
لم تعد مجرد أم تحارب وحدها.
لم تعد مجرد امرأة فقدت زوجها.
لم تعد مجرد ظل منهك في متجر بقالة.
أصبحت امرأة تعاد كتابتها من جديد
امرأة وجدت سندا وبيتا وعملا وطريقا نحو حياة أفضل.
وهكذا لم يكن ذلك الصوت الذي قالت فيه السيدة فاتورتك مدفوعة مجرد لحظة عابرة.
كان بداية قصة لن تنساها ما بقيت حية.
تمت


تعليقات
إرسال تعليق