القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 الحـارس كـاملة 



الحـارس كـاملة 

كل يوم الصبح وأنا رايحة شغلي في التجمع، كنت بعدي على مدخل الشركة اللي بشتغل فيها، وكان هو دايمًا واقف في مكانه ببدلته الكحلي المكوّية.

كنت دايمًا أقوله: "صباح الخير يا عمنا".

مكّنش من النوع الرغاي، ولا حتى كان بيبتسم بسهولة، بس كل ما كنت أعدي، كان يرفع إيده بالتحية ويهز راسه بوقار وهدوء. كان فيه نوع من الخجل المهذب، والاحترام الصامت.  مكنتش أعرف اسمه إيه، بس مع الوقت بقى جزء أساسي من روتيني اليومي، زي قهوة الصبح بالظبط.

في يوم، لاحظت كدمة زرقاء واضحة على دراعه وهو بيعدل هدومه.

سألته بقلق: "إنت كويس يا عم جابر؟ في حاجة حصلت؟"

ابتسم ابتسامة باهتة وقال بصوت واطي: "الحمد لله يا ست هانم.. حاجة بسيطة متنشغليش".


بقلم منــي الـسـيد 

بس عينيه كان فيها حزن غريب.. كنت عايزة أسأله أكتر، بس كنت مستعجلة على ميتنج مهم. ومع مرور الأيام، مأتش أسأل تاني، ولا حتى فكرت أعرف


حكايته إيه.. كنت فاكرة إني هشوفه مكانه كل يوم للأبد.

الليلة اللي غيرت كل حاجة

لحد ما جت الليلة اللي عمري ما هنسى تفاصيلها.

اضطريت أسهر في المكتب لحد الساعة 10 بالليل عشان أخلص شغل متراكم. لما نزلت، لقيت المبنى هادي بشكل مريب، السكون كان بيقطع الأنفاس، ومكنش فيه حد خالص في الصالة الرئيسية،  ولا حتى الحارس اللي بيبقى وردية ليل.

قربت من الأبواب الإزاز عشان أخرج، وفجأة الباب اتفتح بقوة من بره.. كان هو!

داخل بيلهث، ونفسه مقطوع، ووشه مخطوف: "يا فندم.. أرجوكي، متخرجيش دلوقتي!"

سألته بصوت مرعوش: "فيه إيه؟! إيه اللي بيحصل؟"

رد وهو بيتلفت وراه: "فيه اتنين برا في عربية مراقبينك من بدري.. حاولوا يجرجروني في الكلام وسألوني بتخرجي الساعة كام بالظبط.. الموضوع مش طبيعي أبداً."

إيدي بدأت تترعش: "إنت بتقول إيه؟! مراقبيني أنا ليه؟"

قال بصوت هامس: "بقاله كذا يوم عينهم عليكي، وكل ما تخرجي

يتصلوا بحد ويقولوا: الهدف موجود.. عشان كدا لازم تخرجي من الباب الخلفي للمخازن الليلة دي."

ركبي مكنتش شايلاني من الخوف، وسألته: "عم جابر.. إنت عرفت كل ده منين؟"

بص في عيني مباشرة وقال: "عشان حاولوا يشتروني بفلوس عشان أقولهم مواعيدك.. بس أنا مقولتش حاجة."

قلبي وجعني وسألته: "ليه.. ليه بتساعدني كدا وبتعرض نفسك للخطر؟"

أخد نفس طويل وقال: "عشان من أسبوع، وقعت منك المحفظة عند البوابة، وأنا اللي شلتها وبعتها للسكرتارية.. بس شفت الصورة اللي جواها، متوفرة على روايات و اقتباسات صورتك مع ابنك الصغير. فكرت إن وراكي بيت وعيلة.. وإنك ست أصيلة، ورغم إنك متعرفيش اسمي، كنتي دايمًا بتعامليني باحترام وتقوليلي يا فندم.. وأنا مش هسمح لأي حد يلمس شعرة منك."

اللحظة الحاسمة

مقدرتش أنطق بكلمة.. مشينا في الممرات الضلمة لحد ما وصلنا لمخرج الطوارئ اللي ورا، اللي دايمًا بيفضل مقفول، بس هو كان معاه المفتاح.

سألته بصوت

واطي وإحنا ماشيين: "إنت اسمك إيه الحقيقي؟"

وقف لحظة وقال: "اسمي جابر.. جابر المنشاوي."

قلتله: "يا عم جابر.. أنا مش عارفة أشكرك إزاي، لولاك كان زماني—"

فجأة، وبدون مقدمات، وقف وراح زقني بقوة ناحية الحيطة وحط إيده على بوقي وهو بيشاورلي أسكت تماماً..

لمحت من ورا كتفه خيال اتنين ماشيين في الممر اللي ورانا، وصوت خطواتهم بتقرب من الباب اللي لسه فاتحينه.. عم جابر بصلي بصه أخيرة، وطلع مفتاح من جيبه وضغط عليه في إيدي، وقال بهمس كأنه وصية: "أول ما أخرج أشغلهم، اطلعي تجري على الشارع الرئيسي ومتقفيش غير في القسم.. فاهمة؟"

وقبل ما أرد، كان خرج ليهم وهو بيزعق عشان يشتت انتباههم عني.. ومن يومها، عم جابر مظهرش تاني في الشركة، ولا حد عرف طريقه.. متوفرة على روايات و اقتباسات بس صورته وهو واقف بيحميني، لسه محفورة في قلبي.

أول ما عم جابر خرج من الممر، سمعت صوت خناقة مكتومة.. صوت ضرب مكتوم ووجع، وبعدها صوت


جري سريع في الشارع الجانبي.


 

قلبي كان هيقف، مسكت المفتاح اللي سابه في إيدي وكأنه طوق نجاة، وجريت زي المجنونة ناحية الشارع الرئيسي.. مكنتش شايفة قدامي، دموعي وخوفي كانوا ماليين عيني. وصلت لأقرب كشك، وطلبت من صاحبه يكلملي النجدة وأنا منهارة.

الصدمة في القسم

لما وصلت البوليس وحكيت ليهم اللي حصل، رحنا تاني للمبنى.. كنت متوقعة ألاقي عم جابر مرمي على الأرض، أو ألاقي أثر للناس اللي كانت بتطاردني. لكن المفاجأة إن الممر كان فاضي تماماً.. مفيش نقطة دم واحدة، ولا حتى أثر لعراك.

مدير أمن المبنى جه الفجر وهو مستغرب: "يا فندم، مفيش أي بلاغ عن شغب، وبعدين إحنا معندناش حارس اسمه جابر المنشاوي في الوردية دي!"

جسمي كله قشعر.. "إزاي؟ ده بقاله شهور

بيقف هنا! وبدلته، وهزّة راسه، والكدمة اللي في دراعه!"

مدير الأمن بصلي بشفقة وقال: "يا فندم، حارس الوردية اللي فات كان اسمه (محروس)، وخد إجازة من أسبوع عشان تعبان، ومحدش نزل مكانه لسه.. إحنا معتمدين على الكاميرات."

طلبت منهم يراجعوا الكاميرات.. وهنا كانت اللحظة اللي جمدت الدم في عروقي.

الحقيقة اللي "توقف القلب"

فتحوا التسجيلات.. شفت نفسي وأنا خارجة من المكتب الساعة 10 بالليل.. شفت نفسي وأنا واقفة قدام باب الإزاز بكلم "الهوا".. الباب كان بيتفتح ويقفل لوحده فعلاً، بس مكنش فيه حد واقف قدامي!

صرخت فيهم: "ركزوا في الممر الخلفي! هو مشي معايا هناك!"

لما جابوا كاميرا الممر، شفت نفسي ماشية لوحدي تماماً، بكلم

نفسي، وبقف قدام الحيطة كأن حد زقني.. لحد ما وصلت لباب الطوارئ، والباب اتفتح لوحده وخرجت منه.

أنا كنت هجنن.. لحد ما ضابط المباحث بص في وشي وسألني:

"إنتي قولتي اسمه إيه؟ جابر المنشاوي؟"

هزيت راسي وأنا برتعش.

دخل المكتب وجاب ملف قديم مغبر، وطلّع منه صورة.. صرخت أول ما شوفتها: "هو ده! هو ده والله.. بس في الصورة أصغر شوية!"

الضابط سكت لحظة وقال بصوت واطي:

"جابر المنشاوي كان حارس المبنى ده من عشر سنين.. وفي ليلة زيك كدا، حاول يحمي موظفة من محاولة تثبيت وخطف ورا المبنى، وانتهت الحكاية بإنهم قتلوه في نفس الممر اللي كنتي ماشية فيه.. ومن يومها والقضية اتقفلت لأن الجناة متمسكوش."

النهاية

رجعت البيت وأنا مش قادرة

أستوعب.. فتحت المحفظة بتاعتي، لقيت الصورة اللي كان بيقول عليها.. صورتي أنا وابني.

بصيت في إيدي، متوفرة على روايات و اقتباسات لقيت المفتاح اللي سابهولي.. كان مفتاح قديم جداً ومصدي، وعليه ميدالية محفور عليها حرف (ج).

عرفت وقتها إن "عم جابر" مكنش مجرد حارس.. ده كان "روح" لسه بتأدي وظيفتها.. روح شافت فيا إنسانة احترمته في وقت الكل كان بيمر عليه كأنه "هوا".. فقرر يظهر عشان ينقذني من مصير هو شافه بنفسه من عشر سنين.

لحد النهاردة، لما بعدي من قدام المبنى، ببص لمكانه الفاضي، وبقول بصوت واطي: "صباح الخير يا عم جابر".. وبحس بنسمة هوا باردة بتعدي جنبي، كأنها هزة راس منه بتقولي: "في رعاية الله يا بنتي".


تعليقات

التنقل السريع
    close