لـيله مـن ليالي طـوبـه
لـيله مـن ليالي طـوبـه
في ليلة من ليالي الشتا اللي بتنهش في العضم، عرضت على راجل غلبان "مشرد" بيجرّ رجليه بالعافية ومركب فيها "جهاز حديد وشريحة"، إنه يقضي ليلة واحدة عندنا في البيت.. وده كله عشان "ياسين" ابني مكنش قادر يشوفه وهو بيتكتك من السقعة في الشارع. كنت فاكرة إنه مع أول ضوء للصبح هيمشي.. بس لما رجعت من الشغل، لقيت الشقة زي الفل، والباب اللي كان مخلوع اتصلح، وريحة الطبيخ مالية المكان، ورسالة هادية فكرتني إن البني آدم قيمته فيه، مهما الدنيا جارت عليه.بقلم منال علي
أنا طول عمري فاكرة إن نظرتي في الناس "ثاقبة"، مش الطيبة الساذجة اللي بتشوف كل الناس ملايكة، لأ.. دي "الفهلوة" اللي بتتعلمها عشان تعيش، اللي بتيجي من كتر ما بتقضي سنين بتحسبي القرش قبل ما يصرف، وبتوزني كل خطوة بسؤال واحد: "يا ترى الفلوس هتكفي ندفع نور وميّة الشهر ده ولا هنقعد في الضلمة؟". بس في الليلة اللي ياسين سألني فيها: "يا ماما، ينفع الراجل ده ينام عندنا على الكنبة عشان باين عليه
بردان قوي؟"، عرفت إن "حكمتي" دي كانت مجرد خوف متداري في شكل عقل، وإن طفل عنده 8 سنين، إيده مشققة من السقعة وضميره لسه صاحي، قدر يكشف لي الفرق بين الخوف والرحمة.
بقلم منــال عـلـي
اسمي "مروة"، عندي 37 سنة، أم وبربي ابني لوحدي، وشغالة موظفة حسابات في شركة شحن متوسطة. لو حد كان سألني من تلات شهور: "ممكن تفتحي باب بيتك لواحد غريب قابلتيه قدام السوبر ماركت، مركب جهاز حديد في رجله وشايل شقى عمره كله في شنطة ظهر قديمة؟"، كنت هقول "لأ" ومن غير تفكير. أنا تعبت وشقيت عشان أحافظ على الاستقرار الهش اللي إحنا فيه.. بس الكلام ده كان قبل ما أشوف ابني واقف قدامه زي الدرع الصغير وهو بيحاول يحميه من الهوا.
كانت الدنيا في أواخر "طوبة"، برد بيتسلل للعضم في سكات. كنا لسه خارجين من محل جملة وشايلين شنطتين واحدة فيها عدس ورز ومكرونة، والتانية فيها شوية لبن وجبنة ورخيص نوع لحمة مفرومة لقيته وفجأة ياسين وقف مكانه لدرجة إني خبطت فيه "ماما.." همس وهو بيشد طرف البالطو بتاعي.
كان الراجل قاعد جنب رصة الأقفاص الفاضية، ساند ضهره على سور طوب، ورجله اليمين مفرودة قدامه بخشونة، وعليها جهاز حديد من نص الفخذ لحد الكعب. لا كان شاحذ، ولا معلق ورقة؛ كان مجرد "موجود"، كتافه ساقطة ونفسه طالع منه زي البخار، كأنه استسلم وفقد الأمل إن حد يشوفه أصلاً.
ياسين قالي بصوت واطي: "ممكن بس نسأله لو كان كويس؟"
حسيت بالقبضة المألوفة في صدري، وبدأت أحسبها ما يمكن يطلع خطر؟ ما يمكن يمشي ورايا لحد البيت؟ بس لما بصيت لإيده المحمرة والمشققة من البرد، قلت لنفسي: "ماشي، نسأله".
لما قربنا، بدا أصغر مما كنت فاكرة، يمكن في نص الأربعينات، بس التعب بيغير الملامح. دقنه كانت مشذبة نوعاً ما، وعينيه كانت صاحية رغم الكسرة اللي فيها. بقلم منــال عـلـي
ياسين سبقتي وقاله: "يا عمو، أنت محتاج مكان دافئ؟"
الراجل بص له كأنه بيفوق، وقاله بصوت واطي وهادي: "أنا هكون كويس.. تسلم يا حبيبي."
ياسين
صمم: "بس أنت بتترعش!".. الأطفال دايماً بيشوفوا اللي إحنا بنعمل نفسنا مش شايفينه.
وطيت شوية وقلت له: "في جامع قريب بيفتحوا المصلى للي ملهوش سكن لما الدنيا بتبرد قوي."
هز راسه بكسرة: "الجامع مليان على آخره النهاردة."
مقالهاش وهو بيستعطفني، قالها كأنها حقيقة واقعة.
ياسين بص لي بعينين بتترجى، وقالي: "يا ماما.. إحنا عندنا كنبة."
"إحنا عندنا كنبة.".. مجرد كنبة في شقة أوضتين وصالة في الدور التالت في بيت قديم متهالك.
ترددت لدرجة إن السكوت بقى تقيل قوي، وبعدين قلت: "ليلة واحدة بس. ممكن تقعد ليلة واحدة، والصبح يحلها الحلال."
بص لي بنظرة حذر، كأنه هو كمان خايف مننا. "اسمي منصور"، قالها، "ومش عاوز مشاكل."
رديت عليه: "وأنا مروة.. وده ياسين."
مشينا لحد البيت في سكات، كنت مركزة مع كل صوت خبطة جهاز منصور الحديد على الأسفلت، نهجان صدره وهو طالع السلم. جوه البيت، الشقة حسيتها أضيق من العادي. حطيت الحاجة وقلت له: "الحمام في آخر الطرقة، وفي
فوط نظيفة.. هنجهز لك الكنبة حالاً."
حط شنطته جنب الباب بحرص، كأنه خايف تضيع من قدام عينيه.
في الليلة دي، ياسين قعد يسأله أسئلة كتير: "بتحب الكورة؟ بتعرف تصلح العجل؟ طيب رجلك بتوجعك من الحديد ده؟" وبعد ما أكلنا "سندوتشات" بسيطة، فضلت صاحية قلقانة من أي حركة، وكل تزييق في الخشب كان بيخليني أنط من مكاني.
الصبح، نزلت الشغل قبل الشروق، ولبست جزمتي بالراحة عشان ما أصحيهمش. بس لقيت عم منصور قاعد على الكنبة، لابس جهازه ومستعد، وإيده في حجره كأنه صاحي من بدري قوي.
قالي بصوت فيه عزة نفس: "هكون مشيت قبل ما ترجعي."
أومأت براسي وقلت له: "في قهوة في المطبخ، اشرب قبل ما تمشي."
يوم الشغل كان طويل ومرهق، حسابات وتدقيق ونقاشات مع الموردين، ورجعت البيت وأنا راسي بتنفجر. كنت متوقعة أرجع ألاقي الكركبة المعتادة: أطباق في الحوض، وجزمة ياسين مرمية.. بس أول ما فتحت الباب، شميت ريحة "نظافة" وريحة طبيخ دافية.
اتسمرت مكاني. افتكرت إني دخلت شقة غلط! بس لوحة "التنين" اللي ياسين راسمها كانت لسه على الثلاجة، وكوباية القهوة المكسورة بتاعتي في مكانها.
المطبخ كان بيلمع، الزبالة فاضية، والجوابات اللي كانت مكومة مترتبة. سمعت صوت معلقة بتخبط في الحلة.
عم منصور كان واقف قدام البوتاجاز، لابس قميص من بتاع ياسين القديم اللي كنت هاديتهوله، وكان بيقلب في الحلة بتمكن. أول ما شافني، اتعدل بسرعة.
قالي: "عملت شوية عدس.. لقيت جزر وبصل في المطبخ. يا رب يعجبك."
لقيت طبقين محطوطين على الطاولة، وعيش محمص، وريحة تجنن. أول رد فعل مني مكنش الشكر، كان الشك! "أنت فتشت في دواليب المطبخ؟" قلتها بحدة.
رد بهدوء: "شفت المكونات اللي عندك، وكتبت لك ورقة بالحاجات اللي استعملتها عشان أعوضهالك."
ياسين خرج يجري من أوضته: "ماما! عم منصور صلح الباب!"
رحت جربت الباب.. مكنش بيزيق، والمفصلات بقت
ناعمة والمزلاج بيدخل بسلاسة. سألته: "أنت اتعلمت ده فين؟"
قالي: "كنت فني صيانة في شركة مقاولات.. قبل الحادثة."
حكى لي إن سقالة وقعت عليه، رجله اتحطمت، الشركة صفّت حقوقه، والعمليات صرفت كل مليم حيلته، ولقى نفسه في الشارع.
فجأة قالي بهدوء: "أنا شفت جواب الطرد من الشقة.. قدامك 10 أيام."
انقبض قلبي. "عارفة."
قالي: "أنا مش معايا فلوس، بس أقدر أساعدك."
تاني يوم، منصور نزل معايا لمكتب صاحب البيت، "الأستاذ هاني"، راجل غليظ وبياخد الإيجار بالعافية. منصور اتكلم بثقة: "في مخالفات كتير في صيانة البيت ده.. مواسير الصرف، وأسلاك الكهرباء المكشوفة في السلم، وده ممكن يوديك في داهية لو المحافظة عرفت."
صاحب البيت اتخض. منصور كمل: "إحنا عاوزين شهر مهلة، وفي المقابل، أنا هصلح لك كل المشاكل دي من غير مصنعية."
وافق "هاني" بعد تفكير. وفعلاً، منصور في يومين غير شكل السلم،
وصلح مواسير المياه، حتى طاولة المطبخ المكسورة عندنا صلحها.
التغيير مكنش بس في العفش، التغيير كان فينا. منصور جاله جواب بعد أسبوع بإن "معاش العجز" بتاعه اتقبل وهياخد مبالغ متراكمة. مكنتش ثروة، بس كانت كفاية يبدأ حياته من جديد.
منصور مسبناش كدا وخلاص؛ عمل عقد صيانة رسمي مع صاحب البيت بمرتب بسيط، وده أداله استقرار وأوضة في الدور الأرضي.
ياسين سأله في ليلة: "أنت هتقعد معانا علطول؟"
منصور بص لي وقاله: "هقعد لحد ما أقدر أقف على رجلي.. ولحد ما تزهقوا مني."
هزيت راسي وقلت له: "إحنا مكنش محتاجين حد ينقذنا يا عم منصور.. إحنا كنا محتاجين (شريك)."
لأن الحقيقة إن الغلط مش في إن الدنيا تلطش مع حد، الغلط إننا نفتكر إن "المصيبة" بتمحي قيمة البني آدم. منصور صلح الباب، بس الحقيقة إنه رمم فينا روحنا اللي كانت هتبوظ من الخوف. اللطف مش رهان خسران، ده أحياناً بيكون
"المفتاح" اللي بيفتح الأبواب المصديّة في قلوبنا.
تمت


تعليقات
إرسال تعليق