كانوا يعتقدونه ميتًا… لكنه اختفى ليجد حياة لم يعرفها من قبل
كانوا يعتقدونه ميتًا… لكنه اختفى ليجد حياة لم يعرفها من قبل
كان المطر ينهمر بإصرار صامت على الطريق الترابي فيحوله إلى مزيج كثيف من الوحل وأوراق الشجر المتعفنة. وكان رجل يسير مترنحا بثياب ممزقة ووجه مغطى بالتراب ونظرة تائهة لا تستقر على شيء. لم يكن أحد ممن رآه في تلك اللحظة ليتخيل أن هذا الرجل الذي بالكاد تسنده قدماه كان يوما واحدا من أكثر مليونيرات البلاد نفوذا وتأثيرا.
كان قد اختفى منذ أشهر. تحدثت الصحف عن اختطاف وعن خيانة في عالم الأعمال بل وعن هروب مدبر. لكن الحقيقة كانت أبسط بكثير وأكثر قسوة. لقد نجا من حادث أفقده ذاكرته وقوته وترك وحيدا في وسط اللاشيء بعيدا عن المدينة التي أحبته يوما واحتفت باسمه.
تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
ظل يمشي حتى خانه جسده فسقط قرب سياج منزل خشبي صغير تحيط به أشجار شاهقة وحقول تمتد بلا نهاية. هناك كانت تعيش لورا امرأة شابة يدها خشنة من العمل وعيناها متعبتان من ثقل المسؤوليات. كانت تعيش مع طفليها ماتيو وصوفيا في منطقة نائية نادرا ما تطأها أقدام الغرباء.
لم تكن الحياة هناك سهلة لكنها كانت حياة شريفة. كانت لورا تزرع الأرض وتعتني ببعض الحيوانات وتؤدي أعمالا متفرقة لتؤمن قوت يومها. أما والد الطفلين فقد هجرهما منذ سنوات تاركا وراءه وعودا مكسورة وصمتا طويلا. في ذلك المساء خرجت
لورا تجمع الحطب فرأت جسدا ممددا على الأرض.
للحظة ظنت أنه ميت. اقتربت بحذر وقلبها يخفق بقوة. وحين لاحظت أنه ما يزال يتنفس لم تتردد. بجهد وخوف جرته إلى منزلها. كان الطفلان يراقبان من عند الباب مشوشين وخائفين. لم تكن لورا تعرف من يكون ذلك الرجل ولا من أين أتى لكنها كانت تعرف أمرا واحدا بوضوح لم يكن بوسعها أن تتركه يموت.
مددته على السرير الوحيد الشاغر ونظفت جراحه بماء فاتر وقطع قماش قديمة وسهرت الليل كله تراقبه. كان الرجل يستيقظ أحيانا يتمتم بكلمات غير مفهومة. لم يكن يتذكر اسمه ولا ماضيه ولا سبب وجوده هناك. كان يشعر فقط بفراغ عميق وصداع لا يفارقه.
تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
وحين فتح عينيه أخيرا بوضوح رأى امرأة غريبة تنظر إليه بمزيج من القلق والحزم. مرت الأيام والرجل الذي بدأت لورا تناديه باسم أندريس فقط لمنحه هوية بدأ يستعيد قوته شيئا فشيئا. صار يساعد بما يستطيع يحمل الماء يصلح الأسوار ويتعلم أعمالا بسيطة.
لم يكن يتذكر شيئا من حياته السابقة لكنه كان يشعر أن يديه تعرفان أكثر مما تتذكره ذاكرته. أحيانا حين يمسك أداة ما يستخدمها بدقة تدهشه هو نفسه. وأحيانا أخرى حين يسمع كلمات معينة يشعر بوخزة في صدره كأن شيئا في داخله يحاول الاستيقاظ.
كان الطفلان بعد تردد في البداية يقتربان منه تدريجيا. كان ماتيو يطرح عليه الأسئلة وكانت صوفيا تبتسم له بفضول. وكان أندريس دون أن يعرف السبب يشعر بسلام لم يعرفه من قبل. لم يكن يملك ترفا ولا مالا ولا سلطة لكنه كان يملك ما لم يملكه قط في حياته السابقة الوقت والسكينة ودفء بيت بسيط.
لم تسأل لورا كثيرا. كانت تعلم أن هذا الرجل يهرب من شيء ما حتى لو كان يهرب من نفسه. وفي أعماقها كانت هي الأخرى تهرب من ماض مليء بالخيبات ومن مدينة حكمت عليها بقسوة ومن أحلام لم تكتمل. في ذلك البيت المعزول وجد الاثنان هدنة. وفي الوقت نفسه في المدينة كان اسم أليخاندرو ريفاس لا يزال يتردد في الأخبار والشائعات.
المليونير المختفي وريث إحدى أكبر الثروات في البلاد ما زال مطلوبا. كان شركاؤه يتنازعون على إمبراطوريته. بعضهم تنفس الصعداء معتقدا أنه مات وآخرون كانوا يخشون عودته. لم يتخيل أحد أن الرجل الذي يبحثون عنه كان يزرع الذرة ويصلح الأسقف في ركن منسي من العالم.
وفي إحدى الليالي ضربت المنطقة عاصفة عنيفة. سقطت شجرة على الحظيرة فاحتجزت ماتيو في الداخل. صرخت لورا بيأس. لم يتردد أندريس. ركض تحت المطر ورفع جذوعا ثقيلة بقوة بدت كأنها آتية من زمن آخر ونجح في إنقاذ الطفل. في تلك
اللحظة انكسر شيء ما داخل عقله.
اندفعت ذكريات مجتزأة كوميض البرق مكتب بدلات فاخرة اجتماعات نفوذ. سقط على ركبتيه وهو يرتجف. لم ينم تلك الليلة. ومع بزوغ الفجر تذكر اسمه وحياته وثروته. تذكر الخيانة والطموح الأعمى والوحدة. وتذكر الحادث أيضا كيف دفع خارج الطريق وكيف حاول أحدهم محوه من الوجود.
كانت الحقيقة قاسية لكن القرار الذي واجهه كان أشد قسوة. كان بإمكانه أن يرحل وأن يعود إلى المدينة ويستعيد إمبراطوريته ويطالب بالعدالة. لكن حين نظر إلى لورا وهي تحضر الإفطار وإلى الطفلين يضحكان حول المائدة شعر بالخوف لا
من الماضي بل من أن يفقد ما وجده هنا. وللمرة الأولى أدرك كم كان عالمه السابق فارغا.
وبعد أيام وصل رجال إلى المزرعة على غير موعد. كانت خطواتهم ثقيلة ونظراتهم فاحصة وأسئلتهم قصيرة لكنها مشحونة بالريبة. كانوا يسألون عن رجل غريب شوهد في المنطقة. في تلك اللحظة شعرت لورا بأن الهواء من حولها صار أثقل وأن الخطر الذي كانت تخشاه بصمت قد وصل أخيرا إلى عتبة بيتها.
نظرت إلى أندريس فالتقت عيناه بعينيها وفهم دون أن يقال شيء. أدرك أن زمن الاختباء قد انتهى وأن الماضي الذي حاول نسيانه قد لحق به أخيرا. تقدم خطوة إلى الأمام واستجمع أنفاسه وقال الحقيقة

تعليقات
إرسال تعليق