زوجة عمي وقسوتها بقلم نرمين عادل همام
زوجة عمي وقسوتها بقلم نرمين عادل همام
بسم الله والصلاه والسلام على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم
زوجة عمي وقسوتها بقلم نرمين عادل همام
أبويا "فتحي" سابنا وأنا لسه حتة لحمة حمراء في اللفة، سافر يطارد حلم الغربة عشان "يعمل قرشين". عشت أنا وأمي "نادية" في بيت خالي في طنطا، كنا على قدنا بالمللي، بس مستورين بلقمة هنية وضحكة صافية. لحد ما في يوم وليلة، الباب خبط.. ورجع أبويا بعد 12 سنة غياب.
كنا فاكرين إنه راجع "البرنس" اللي شايل الشنط مليانة دولارات، بس الصدمة كانت قلم على وشنا كلنا. رجع إيد ورا وإيد قدام، خسر شقى عمره كله في شركة وهمية في الخليج، ورجع مهدود ومكسور. خالي قاله: "البيت ما يساعش اتنين رجالة"، وأمي، الأصيلة، رفضت تسيبه لوحده.. وقررنا نسيب طنطا ونشد الرحال على "الشيخ زايد" في قاهرة المعز، لفيلا عمي الكبير "سليم".
أول ما دخلنا من بوابة الفيلا، عيني زغللت.. نافورة وشجر وقصر يهد الحيل. قولت في نفسي "خلاص يا هنا.. دخلتي الجنة". ما كنتش أعرف إن دي كانت بوابة الجحيم اللي هيحرق طفولتي. عمي "
سليم" كان مسافر في رحلة عمل طويلة، وسايب البيت لمراته "شاهيناز"، الست اللي بتشوف الناس "صراصير" تحت رجليها.
أول ما شافتنا بشنطنا المهلهلة وهدومنا اللي لونها باهت، بصت بقرف وقالت للحرس بصوت عالي: — "دخلوا الخدم دول يعيشوا في الملحق اللي جنب المخزن ورا.. مش عايزة ريحتهم تهفهف على القصر هنا!"
أبويا وطى راسه في الأرض وسكت، وأمي ضغطت على إيدي وهي بتبلع ريقتها بوجع. ومن هنا بدأت المأساة.. "جيهان" بنت عمي كانت بتعاملني إني "بنت الدادة" عندها. ألبس هدومها اللي صغرت عليها، آكل اللي يفيض من طبقها، وكانت بتستمتع وهي بتخليني أمسح لها الجزمة قدام صحابها.
تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
اقدملهم الاكل والحلويات وانا هدومي من كتر الغسيل اتهلهلت خالص وقدمت وطبعا لازم تبقى فيه ابتسامة على وشي والا نسمع ال مابنحبش نسمعه وبالاخص لامي ال كبرت من الهم اكتر من عمرها بعشرين سنه
اليوم ده كان عندي 13 سنة، والفيلا اتقلبت. "جيهان" صرخت إن "انسيال" دهب أبيض وفصوص ألماس ضاع من أوضتها. وطبعاً، التهمة لابسة مين؟ لابسة "بنت الملحق"
الفقيرة.
"شاهيناز" جرجرتني من شعري وسط الجنينة قدام الحرس والجيران اللي اتفرجوا علينا، وأمي بتصرخ وتترجى فيها: — "والله بنتي متربية يا ست هانم.. بنتي ماتمدش إيدها على حاجة مش بتاعتها!"
شاهيناز زقتها وصرخت في الشغالات: — "فتشوها.. اقلعوها الهدوم اللي هي لابساها دي، دي شاحتاها من بنتي أصلاً! الحرامية دي مش هتخرج من هنا إلا لما تنطق ودى الألماظ فين!"
أبويا كان واقف بعيد، عاجز، عينه فيها دموع قهر تقطع القلب. وهما بيشدوا الهدوم مني بعنف، وف وسط الزحمة والصرير، صرخت صرخة هزت أركان القصر كله.. لما حسيت بحاجة ناشفة ومعدن في جيبي الجانبي، حاجة أنا عمري ما حطيتها بإيدي!
طلعت الحاجة دي وسط ذهول الكل، والدم هرب من وش شاهيناز وجيهان في ثانية.. الحاجة دي ما كانتش الألماظ الضايع، كانت حاجة تانية خالص خلتني أنا نفسي مش مستوعبة اللي بيحصل..
اللي طلع من جيبي ماكنش "الانسيال" الألماظ، كانت سلسلة ذهب خفيفة.. دي كانت كل اللي حيلتها أمي "نادية" في الدنيا. كانت مخبياها في جيبي وهي
بتنضف المطبخ خايفة تضيع منها وسط الدهون والمواعين. لكن "شاهيناز" مرات عمي ما صدقت، لوت بوزها وقالت بصوت سمع الشارع كله:
— "أهو.. الحرامية الصغيرين بيسرقوا أهلهم! اللي يمد إيده على دهب أمه، يمد إيده على ألماظ أسياده.. ارموا الكلاب دول بره الفيلا، ومن النهاردة مفيش لقمة تدخل الملحق ده، خليهم يتربوا!"
أبويا "فتحي" انطرد من شغل الجنينة، واتحبسنا في الملحق يومين كاملين من غير لقمة عيش. الجوع كافر يا جماعة، والذل طعمه مر بيمحي الملامح. في وسط السواد ده، الشيطان بدأ يوشوش في ودني.. كنت بشوف "جيهان" وبنات عمي شايلين أحدث الموبايلات وبيلبسوا ماركات بآلاف الجنيهات، وأنا مش لاقية رغيف حاف يداري وجع بطني.
قررت أنتقم بطريقتي الصغيرة.. بقيت أسرق منهم حاجات بسيطة، قلم روج، توكة شعر، أي حاجة تخليني أحس إني قدرت أوجعهم زي ما وجعوني. لحد ما جيه اليوم اللي شفت فيه "جيهان" ماسكة "تابلت" جديد بيلمع. بكيت وزنيت على أبويا وقولتله بكسرة:
تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
— "نفسي أحس إني بني آدمة زيهم يا بابا.. ليه هما عندهم
كل حاجة وأنا محرومة من كل حاجة؟ ليه أنا بنت الخدامة وهما هوانم؟"
أبويا، الغلبان اللي القهر أكله، مقدرش يشوف دموعي. راح عمل الكارثة.. استلف مبلغ كبير بفوائد "ربا" من واحد اسمه "المعلم دحروج"، تاجر سموم في المنطقة اللي ورا القصور. جابلي التابلت، وفرحت بيه يوم واحد بس.. يوم واحد حسيت فيه إني "بنت عز" بجد.
تاني يوم، "المعلم دحروج" جه ومعاه رجالة بوجوه تقطع الخميرة من البيت، بيطلبوا الفلوس بفوائد خيالية. أبويا وقف يترعش، ومع أول كلمة "ماعييش"، هجموا على الملحق، كسروا العفش المتهالك، ونازلوا في أبويا ضرب مبرح قدام عيني. أبويا مكنش مستحمل، قلبه كان خيط دايب من كتر الهم، وجاله جلطة ومات في نفس اللحظة وهو باصص لي بعيون مليانة حسرة وكسرة.. كأنه بيقولي "سامحيني يا بنتي، ده تمن طلبك".
أمي انهارت بصوات هز المنطقة، والتابلت وقع من إيدي اتدشدش مية حتة.. حسيت إن إيدي هي اللي غرقانة بدم أبويا. وفي عز العزا، "شاهيناز" جت وقفت ببرود وقالت لأمي:
— "لمي اللي فاضل من قرفك أنتي وبنتك ويلا بره.. الفيلا دي مش ناقصة نحس وفضايح ومجرمين!"
طردتنا في الشارع في نص الليل، والمطر نازل يغسل وشنا من الدموع. كنت ساندة أمي المريضة اللي رجلها مش شايلاها،
تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
وبصيت ورايا على شباك الفيلا المنور.. شفت "جيهان" وأمها قاعدين بيشربوا نسكافيه وبيضحكوا، ولا كأن في روح طلعت بسببهم.
في اللحظة دي، "هنا" الطفلة ماتت، وطلعت مكانها "هنا" تانية خالص، قلبها حجر وعقلها نار. حلفت برحمة أبويا اللي مات مقهور، إن الفيلا دي هتبكي بدل الدموع دم، وإن اللي طردونا حفاة، هيرجعوا يتمنوا بس نظرة رضا منا.
ومرت السنين.. دارت الدوائر والزمن قلب حاله. الفيلا اللي كانت قصر بقى لونها باهت، والديون حاصرتها، والاسم اللي كان بيهز الأرض بقى مهدد بالسجن.
وفجأة.. وقفت عربية سوداء فخمة جداً قدام الباب المتهالك. نزل منها شاب وسيم ببدلة رسمية، وفتح الباب لست لابسة معطف غالي ونظارة سوداء مخبية عيونها. الحارس العجوز جه يطردهم بزهق، لكن الست نزلت النظارة ببطء، وبصت للفيلا بابتسامة ترعب، وقالت جملة خلت ركبه تخبط في بعضها
الست اللي نزلت من العربية دي كانت أنا.. "هنا". بس مش هنا البنت اللي جرجروها من شعرها، أنا بقيت "مدام هنا الألفي"، سيدة الأعمال وشريكة "سليم بيه" حوت الاستيراد والتصدير، الراجل اللي حبني وعرف قصتي وقرر يكون سيفي ودرعي في الدنيا.
الحارس مكنش عارفني
في الأول، ملامح القهر اختفت وحل مكانها عز وهيبة. بصيت له وقولت بصوت واثق: — "قول لـ 'شاهيناز هانم' إن صاحبة الفيلا الجديدة وصلت.. الملكة اللي هتمضي على قرار طردكم النهاردة!"
دخلت الصالون اللي انطردت منه وأنا عيلة صغيرة بتبكي. لقيت "شاهيناز" كبرت وعجزت، والهم راسم خطوط الذل على وشها. جوزها مات وسابلها ديون تدوخ، و**"جيهان"** اللي كانت شايفة نفسها ملكة جمال، الزمن كسرها بعد ما جوزها طلقها ورمى عيالها في وشها.
تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
أول ما شافوني ببدلتي الغالية ومجوهراتي، افتكروني جاية "أحن" عليهم بحكم القرابة. "شاهيناز" جريت عليا بدموع التماسيح وقالت: — "هنا حبيبتي! بنت الغالي فتحي.. كنت عارفة إنك أصيلة ومش هتسيبي لحمك ودمك في المحنة دي!" بقلمي نرمين عادل همام
ضحكت ضحكة باردة، ضحكة كان فيها صدى وجع سنين. طلعت من شنطتي "الجلد" عقد البيع وعقود الديون اللي اشتريتها من البنوك واحد ورا التاني، وقولت لها بهدوء قاتل: — "أنا مش جاية أساعد يا شاهيناز هانم.. أنا جاية أرد الدين. فاكرة ليلة المطر والبرد؟ فاكرة لما طردتي أمي المريضة وأبويا ميت ولسه دمه مابردش؟ النهاردة الدور عليكم."
وشهم اتقلب ألوان،
وجيهان بدأت تصرخ وتتوسل، لكن قلبي كان زي الحديد. أمرت الحرس يخرجوا عفشهم المتهالك في الشارع، نفس الطردة وبالمللي. "شاهيناز" ركعت تحت رجلي تبوس إيدي وتقولي: — "عشان خاطر صلة الرحم.. سبينا نعيش حتى في 'الملحق' اللي في الجنينة، مش هنضايقك والله!"
وطيت عليها وهمست في ودنها بكلام زي السم: — "الملحق ده أنا ههده بكرة الصبح، وهعمل مكانه جراج لعربياتي.. أصل ريحة القهر اللي فيه بتخنقني. الشارع واسع يا هانم، والديون اللي عليكم تسكنكم في أضيق حارة في مصر."
خرجوا بشنط بلاستيك والناس بتتفرج عليهم، نفس المنظر اللي شفته وأنا طفلة بس الأدوار اتبدلت. وقفت في "التراس" الواسع، في نفس المكان اللي كانوا بيضحكوا فيه يوم موت أبويا، وشفتهم وهما ماشيين مكسورين.
لأول مرة، حسيت بوجع قلبي اختفى. بصيت للسما وقلت بصوت واطي: — "نام وارتاح يا بابا.. فتحي اللي مات مقهور، بنته رجعت له حقه تالت ومتلت. والفيلا اللي بكتنا دم، النهاردة بتضحك لي أنا."
لفت الأيام ودارت، وبقيت أنا سيدة القصر، وهما بقوا حكاية بتتحكي في الحواري عن "قصر العقارب" اللي أكل أصحابه لما الزمن دار عليهم. انتقامي كان قاسي؟ جايز.
. بس ظلمهم كان أقسى، والدنيا دايماً دوارة.
بقلم نرمين عادل همام
تمت


تعليقات
إرسال تعليق