قال لها: تحتاجين سقفًا… وأنا أحتاج أمًا لبناتي! ما حدث بعد ذلك غيّر حياة الجميع
قال لها: تحتاجين سقفًا… وأنا أحتاج أمًا لبناتي! ما حدث بعد ذلك غيّر حياة الجميع
شعرت ماريانا بأن قلبها أخذ يخفق بسرعة.
كانت الفتيات الخمس يراقبنها من العربة بذلك الفضول الصافي الذي يملكه الأطفال فقط عندما لم يتعلموا بعد كيف يشكّون في الآخرين تمامًا. أما الصغرى فكانت لا تزال تمد يدها نحوها، وكأنها بطريقة ما قد قررت بالفعل أن هذه الغريبة لا يمكن أن تكون خطړة.
قالت ماريانا محافظة على ثبات صوتها رغم أن كل شيء في داخلها كان يرتجف
ما نوع هذا العرض؟
نظر إليها إرنستو لبضع ثوانٍ قبل أن يجيب.
أنتِ تحتاجين إلى سقف، وأنا أحتاج إلى مساعدة مع بناتي. لا خادمة، ولا مربية عادية. إنهن يحتجن إلى شخص ينظر إليهن كما لو كنّ أشخاصًا لا مهامًا. إذا وافقتِ، يمكنك المجيء إلى المزرعة. سيكون
لكِ طعام، وغرفة، وأجر عادل.
بقيت ماريانا ساكنة.
في وقت آخر ربما كانت ستشك.
ربما كانت ستفكر في الفخاخ، وفي رجال يخفون الأڈى خلف اللطف.
لكنها كانت وحيدة، بلا عمل، بلا مال، وعلى بعد كيلومترات من أي مكان يمكن أن تبدأ فيه حياة جديدة. إضافة إلى ذلك، كان في الطريقة التي قال بها إرنستو بناتي شيء جعلها تتوقف. لم يكن في صوته فخر المالك، بل تعب الأب.
قالت
وأين أمهن؟
خفضت الفتيات الخمس رؤوسهن في اللحظة نفسها.
تأخر إرنستو قليلًا قبل أن يجيب.
ټوفيت قبل عامين.
شدّت أكبرهن، وهي فتاة في نحو الثانية عشرة، شفتيها بقوة، وكأن تلك الكلمة ما زالت تؤلمها جسديًا.
شعرت ماريانا بعقدة في حلقها.
تراجع إرنستو خطوة
إلى الوراء ليمنحها مساحة.
قال
لا يجب أن تقرري بدافع الخۏف. إن فضّلتِ متابعة طريقك، فسأوصلك إلى وادي الجنوب. لكن إن صعدتِ إلى هذه العربة، فلن ېلمس أحد شعرة من رأسك دون إذنك.
فاجأتها تلك العبارة.
ليس لأنها عظيمة.
بل لأنها دقيقة.
وكأنّه يعرف تمامًا أيّ نوع من المخاۏف قد تحمله امرأة تُترك بلا شيء.
نظرت ماريانا إلى الحقيبة القديمة عند قدميها. ثم إلى الشمس التي بدأت تنخفض. ثم إلى الفتيات، مصطفّات إلى جوار بعضهن مثل عصافير متعبة.
تحدثت الصغيرة مرة أخرى
أبي، إذا جاءت معنا فلن تكون حزينة بعد الآن.
كان ذلك كافيًا لحسم الأمر.
تنفست ماريانا بعمق.
ثم أومأت برأسها.
حسنًا.
لم يبتسم إرنستو ابتسامة انتصار.
بل مدّ يده فقط ليساعدها على الصعود.
ظهرت مزرعة سان ميغيل ديل فايي في نهاية الطريق كأنها وعد قديم متعب. لم تكن قصرًا، لكنها كانت كبيرة. جدرانها بيضاء وقد بهت لونها قليلًا، ولها أروقة واسعة، وفناء فيه شجيرات الجهنمية، وإسطبل في الخلف. لم تكن بيت رجل متباهٍ، بل بيت رجل يعمل أكثر مما يملك وقتًا ليجمل ما بالكاد يستطيع الحفاظ عليه.تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
ما إن نزلت من العربة حتى تفرقت الفتيات بإيقاعات مختلفة.
أخذت الكبرى سلة خبز.
ركضت التوأمتان، اللتان كان عمرهما يقارب الثماني سنوات، لجلب الماء.
أما الصغيرة فبقيت ملتصقة بثوب ماريانا وكأنها صارت تنتمي إليها قليلًا.
خلع إرنستو قبعته وقال
هؤلاء هن إينيس، وكلارا، ولوسيا،
ومارتا والصغيرة روزا.
حيّتهن ماريانا
واحدة واحدة.
إينيس، الكبرى، اكتفت بإيماءة خفيفة، جادة أكثر مما ينبغي لسنها.
كلارا ولوسيا، التوأمتان، نظرتا إليها كما يُنظر إلى شخص لم يثبت بعد أنه يستحق الثقة.
مارتا ابتسمت ابتسامة خفيفة.
أما روزا فأمسكت يدها دون أن تستأذن.
قالت
سأريك قطتي.
ابتسم إرنستو أخيرًا ابتسامة قصيرة.
قال
هذا يعني أنكِ اجتزتِ اختبار أصعب شخص في هذا البيت.
لم ترد ماريانا، لكنها شعرت بشيء دافئ يمر في صدرها.
في تلك الليلة تناولوا العشاء من الفاصولياء والجبن الطازج والتورتيلا الساخنة حول طاولة خشبية طويلة. جلس إرنستو في طرفها، وجلست الفتيات في أماكنهن بنظام اعتدن عليه. ترددت ماريانا قبل أن تجلس، لكن إينيس دفعت طبقًا نحوها بهدوء.
قالت
إذا بقيتِ واقفة،
فستبقى روزا أيضًا.
جلست ماريانا.
لم يتحدث أحد كثيرًا أثناء العشاء. لم يكن هناك عداء، لكن كان هناك صمت مراقب، كأن البيت كله يقيسها.
كانت روزا من كسر الصمت.
هل تعرفين حكايات؟
رمشت ماريانا وقالت
نعم.
قالت مارتا دون أن ترفع نظرها من الطبق
كانت أمي تحكي واحدة عن الغزال والقمر.
ساد صمت ثقيل على الطاولة.
خفض إرنستو عينيه.
عندها فهمت ماريانا أن هذا البيت لا يحتاج فقط إلى يدين تغسلان الثياب أو تطبخان الطعام.
بل يحتاج إلى خيط يخيط ما عاش عامين مكسورًا.
بعد العشاء أرتها إينيس غرفتها. كانت صغيرة ونظيفة، فيها سرير بسيط وطست ماء ونافذة تطل على البستان.
قالت الفتاة
إذا احتجتِ شيئًا فقولي لي أنا. أبي يستيقظ قبل الفجر.
وضعت ماريانا الحقيبة
على السرير وقالت
شكرًا.
بقيت إينيس عند الباب لحظة.
قالت فجأة
أبي لا يجلب النساء إلى هنا. أبدًا.
لم تبدُ الجملة تحذيرًا.
بدت اختبارًا.
نظرت إليها ماريانا بهدوء وقالت
لم آتِ من أجل أبيكِ.
أومأت إينيس وكأن تلك الإجابة هي الصحيحة الوحيدة.
جيد.
ثم غادرت.
كانت الأيام الأولى صعبة.
للمزرعة إيقاعها الخاص، وللبنات أيضًا.
كانت روزا تبكي ليلًا ولا تهدأ إلا إذا حكّ أحد ظهرها بحركات دائرية بطيئة. كانت التوأمتان ټتشاجران لأي سبب ثم تتحدان معًا ضد العالم كله. مارتا قليلة الكلام لكنها تلاحظ كل شيء. أما إينيس فقد قضت وقتًا طويلًا تلعب دور الأم الثانية حتى لم تعد تعرف كيف تسترخي.
ساعدت ماريانا حيث استطاعت. طبخت، ورقعت الثياب، ورتبت مخزنًا
بدا وكأنه يعيش بالعادات أكثر من النظام. اكتشفت أن إرنستو يعرف كيف يفلح الأرض ويعتني بالخيول ويغلق الصفقات بحزم، لكنه لا يعرف كيف يضفر شعر طفلة جيدًا أو ماذا يفعل عندما تستيقظ واحدة منهن باكية من حلم سيئ.
ذات صباح وجدت لوسيا مختبئة خلف الإسطبل ودفترًا على ركبتيها.
قالت ماريانا
ألا ينبغي أن تكوني في المدرسة؟
رفعت الطفلة رأسها مذعورة.
لا أريد أن تسألني المعلمة عن أمي.
جلست ماريانا إلى جانبها دون أن ټلمسها.
قالت
وماذا ستقولين لو سألتك عن أبيك؟
عبست لوسيا.
سأقول إن لدي أبًا.
إذن لديك أم أيضًا، قالت ماريانا برفق، لكنها الآن تعيش في مكان آخر.
صمتت الطفلة.
لم تبدُ مقتنعة.
لكنها عادت إلى المدرسة في اليوم التالي.
تحولت الأسابيع إلى
أشهر.
وتوقفت ماريانا عن الشعور بأنها زائرة.
كما توقف البيت عن
النظر إليها كدخيلة.
تعلمت أين تصدر أرضية الرواق صريرها، وكيف يفضل إرنستو قهوته، وأي الأعشاب تخفف ألم بطن روزا، وأي أغنية تجعل مارتا تضحك رغم ادعائها العكس.
كان أكبر التغيرات مع إينيس.
في إحدى الأمسيات، بينما كانتا تطويان الملاءات تحت الرواق، قالت الفتاة فجأة
هل سترحلين؟
نظرت إليها ماريانا.
هل تريدينني أن أرحل؟
تأخرت إينيس طويلًا قبل أن تجيب.
لا.
إذن لا أنوي الرحيل.
ابتلعت الفتاة ريقها.
النساء الأخريات اللواتي جئن للمساعدة لم يبقين طويلًا. كن يقلن إن أبي صامت جدًا، وإن هذا البيت حزين جدًا، وإن خمس بنات أمر كثير.
مررت ماريانا يدها على الملاءة.
هو حزين أحيانًا.
خفضت إينيس نظرها.
لكن أقل من قبل.
لم تقل ماريانا شيئًا.
واكتفت بمتابعة طي الملاءة.
أحيانًا يدخل الحنان بسهولة أكبر عندما لا يُجبر على أن يُسمّى.
أما مع إرنستو فكان الأمر أبطأ وأكثر خطۏرة.
لأن المودة بينهما لم تكن بريئة مثل مودة البنات.تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
في البداية لم يتحدثا إلا في الضروري. كان يخرج إلى الحقول قبل الفجر ويعود مع الغروب والغبار على ثيابه والتعب في عينيه. وكانت ماريانا تترك الماء جاهزًا والطعام ساخنًا والبيت قائمًا.
تدريجيًا صار كل منهما يبقى مستيقظًا دقائق بعد أن تنام الفتيات. هو مع فنجان قهوة، وهي تخيط قرب المصباح.
وفي ليلة سأل إرنستو
هل سرقتِ تلك الأقمشة حقًا؟
رفعت ماريانا نظرها.
لا.
قال
كنت أظن ذلك.
وتابعت الخياطة.
ثم قالت
ولماذا تسأل الآن؟
اتكأ في كرسيه.
لأنني أدركت أن أحدًا هنا لا يسألك عن ماضيك. الجميع يتوقع أن تحمل
المرأة ماضيها في صمت.
وضعت ماريانا الإبرة على حجرها.
كانت سيدتي تحتاج إلى متهم. وكنتُ الأسهل.
أومأ إرنستو.
أنا آسف.
قالت بهدوء
وأنا أيضًا.
لماذا؟
ابتسمت بحزن.
لأنني قضيت وقتًا طويلًا أظن أن العدالة ستأتي وحدها إن صبرت بما يكفي.
نظر إليها طويلًا.
أحيانًا لا تأتي وحدها. أحيانًا يجب أن نفتح لها الباب بالقوة.
لم يتحدثا أكثر تلك الليلة.
لم يكن ذلك ضروريًا.
وصل الټهديد مع بداية الشتاء.
جاء رجل على حصان يحمل رسالة من صاحبة العمل القديمة لماريانا. كانت تطالب بإعادة فورية لصندوق من الدانتيل الفاخر ولفتين من القماش الفرنسي، وأضافت أنها علمت من آخرين أن اللصة تختبئ في مزرعة سان ميغيل ديل فايي.
قرأ إرنستو الرسالة واقفًا في الفناء.
ثم طواها بهدوء.
قال
ابقَي
هنا.
شعرت ماريانا بالبرد يسري في جسدها.
لا أريد أن تتورط بسببي.
رفع رأسه.
لقد تورطت بالفعل، وليس بسببك.
ركب الحصان وذهب إلى البلدة.
عاد بعد ساعتين مع المفوض وشاهدين وصندوق.
وضعه على طاولة المطبخ.
افتحيه.
فتحته ماريانا.
في الداخل كان الدانتيل والقماش الفرنسي.
جديدين تمامًا.
ومعها رسالة.
كانت بخط سيدتها القديمة.
أعيد هذه الأشياء لأن المفوض ذكرني بما تعنيه تهمة التشهير والافتراء وإساءة استخدام السلطة المنزلية. أكتفي بتصحيح خطأ.
قرأت ماريانا الرسالة مرتين.
ثم نظرت إلى إرنستو.
ماذا فعلت؟
خلع قبعته.
شرحت لها أنك لست خادمة بلا اسم في مطبخ غريب. أنتِ امرأة تحت حمايتي. وإن أرادت حربًا فستكون معي.
امتلأت عيناها بالدموع بسرعة حتى اضطرت إلى أن تدير وجهها.
لم تتذكر آخر مرة وقف فيها أحد أمام العالم من أجلها دون أن يطلب
شيئًا بالمقابل.
في تلك الليلة، بعد أن نامت البنات، بقيت وحدها في المطبخ تبكي بصمت ووجهها بين يديها.
دخل إرنستو دون صوت.
توقف عندما رآها.
قال
آسف، لم أرد أن
هزت رأسها.
ليس هذا السبب.
رفعت وجهها المبلل بالدموع.
لم أكن أعلم كم كنت متعبة من الدفاع عن نفسي وحدي.
اقترب ببطء شديد.
كمن يعرف أن حتى الحنان قد يخيف إذا جاء فجأة.
قال
لم تعودي وحدك.
كانت تلك أول مرة يلمسها.
فقط بطرف أصابعه على خدها ليجفف دمعة.
انقطع نفس ماريانا.
لأن ذلك اللمس لم يكن فيه جوع.
ولا حق مفروض.
ولا دين.
كان فيه عناية.
وهذا ما جعلها ټنهار.
جاءت القبلة الأولى بعد أسابيع، في ليلة عاصفة عندما نامت البنات
معًا خوفًا من الرعد. كان إرنستو وماريانا يجلسان في الصالة يستمعان إلى المطر على السقف.
قال
أحيانًا أظن أن هذا البيت عاد يتنفس عندما جئتِ.
ابتسمت بخفة.
لا تبالغ.
قال
لا أبالغ.
نظر إليها.
وهذه المرة لم يشيح أي منهما بنظره.
تبادلا قبلة تشبه قبلة من عاش طويلًا في مجرد البقاء ويبدأ للتو في الشك أن الحياة يمكن أن تكون شيئًا آخر.
لم يكن هناك استعجال.
فقط حنان بدا كأنه انتظر سنوات.
عندما علمت إينيس بالأمر لم تقل شيئًا يومين كاملين.
وفي اليوم الثالث دخلت المطبخ حيث كانت ماريانا تعجن وقالت دون أن تنظر إليها
إذا تزوجتِ أبي هل ستبقين حقًا؟
توقفت يدا ماريانا.
نعم.
أومأت إينيس
دون أن ترفع رأسها.
إذن لا يزعجني الأمر.
كانت تلك طريقتها في إعطاء الموافقة.
تم الزواج في العام التالي تحت شجرة كبيرة في الفناء، بزهور بسيطة وخبز الذرة وموسيقى يعزفها شابان من القرية. لم يكن هناك فستان أبيض ولا مظاهر فخمة. ارتدت ماريانا فستانًا كريمي اللون أصلحته بنفسها. وكان إرنستو يرتدي قميصًا نظيفًا ويدين متوترتين.
سارت روزا أمامهما تنثر بتلات الزهور.
بكت التوأمتان في منتصف المراسم.
لم تترك مارتا يد ماريانا لحظة.
أما إينيس، الجادة كعادتها، فكانت التي قرأت دعاءً من أجل العائلة التي تُرقّع دون أن تخفي خيوطها.
وبعد سنوات، عندما كان أحد يسأل في البلدة كيف بدأ كل شيء،
كانوا يكررون العبارة نفسها
كنتِ تحتاجين إلى سقف وأنا أحتاج إلى أم لبناتي. تعالي معي.
لكن تلك لم تكن الحقيقة كاملة.
الحقيقة أن ماريانا وصلت وهي تظن أنها تقبل ملجأ.
وانتهى بها الأمر إلى أن تجد جذورها.
وأن إرنستو أخذها إلى البيت وهو يظن أنه يجلب حلًا لخمس بنات.
وفي الحقيقة كان يجلب القلب الذي كانت المزرعة كلها تفتقده.
وأن البنات لم يحصلن على بديلة.
بل حصلن على امرأة اختارت أن تبقى.
وأن السقف الذي عرضه ذلك المزارع على غريبة عند حافة الطريق لم يحمها فقط من العراء.
بل أعاد لها اسمًا، وعائلة ويقينًا بأن أعمق الأقدار لا تأتي دائمًا مع وعود أنيقة، بل أحيانًا تصل على عربة
مغبرة، في صوت رجل متعب كان يحتاج هو أيضًا إلى أن يُنقذ.
تمت


تعليقات
إرسال تعليق