القائمة الرئيسية

الصفحات

 انت واختك مالكوش ورث عندى



انت واختك مالكوش ورث عندى


انت واختك ملكوش ورث عندي. تاخد اختك في أيدك وتشوفوا مكان تاني تعيشوا فيه، عشان انا هبيع الأرض والبيت وأسافر.أرض أبوك والدار بقوا بتوعي انا دلوقتي.

حسن اللي لسه عمره 12 سنه.. عينه لمعت بالدموع قبل ما يوطيها في الأرض، وصوته طلع مكتوم:

— يا عمّي انت اخو ابويا وملناش غيرك بعد ما ابويا وامي ماتو.. احنا نروح فين انا واختي الصغيرة ؟ والأرض والبيت دي فلوس ابونا ومن حقنا


جابر نفخ دخان السيجارة في وشه من غير ما يبصله، ورد ببرود:

— دي مش مشكلتي. أبوكم مات وسابكم، وانا مش هربّي عيال حد. خد اختك وامشي، بدل ما اقول اني شوفتك بتسرقني وتقضي عمرك كله في الحبس واختك تترمي في اي ملجأ.


دنيا اخته الصغيرة إللي عمرها خمس سنين شدّت إيد حسن بخوف وسألت بصوت طفولي:

— احنا هنسيب بيتنا يا حسن؟ هما ماما وبابا مش هيرجعوا تاني.


حسن ضغط على إيدها، وبصّ لجابر بصة طويلة، كأنه بيحاول يفهم إزاي الراجل اللي كان بيقوله “يا عمي” وفاكر إنه هيحميهم ويحافظ علي حقهم .. دلوقتي عايز يرميهم للشارع عشان ياخد حقهم وفلوس ابوهم.. في اللحظة دي حسن خاف علي اخته وان عمه يسجنه فعلا ويضيع منه اخته.

سحب دنيا من إيدها، وخرجوا من قدام جابر وهما سامعين صوت ضحكته الباردة وراهم.خرجوا للشارع والرياح الباردة لسعت وشهم في نص الليل . دنيا اتشبثت في دراع حسن، جسمها بيترعش من البرد وهي بتقول بصوت مكسور:

— أنا جعانة يا حسن.. وبردانة.


حسن بص حواليه، الشوارع فاضية إلا من نور أعمدة بعيد، ومحلات مغلقة. مسكها من إيدها وضغط عليها يطمنها، وهو نفسه سنانه بتخبط من السقعة.

— استحملي شوية يا دنيا، هدورلك على حاجة.


لفوا عند ناصية الشارع، وقفوا قدام مطعم صغير لسه منور. من الازاز شافوا صحون الكفتة والسندويتشات سخنة، وصهد الأكل بيعكس على الازاز. عيون دنيا ثبتت على طبق بطاطس محمر، وحسن حس بطعمه في بقه وهو بيفتكر ابوه وامه.

جت في باله ليلة زمان، قبل الحادثة، لما أبوهم خدهم نفس المطعم دا. أمه كانت تضحك وتقول: “كلوا اللي نفسكم فيه بس طبخي أحسن من طبخ المطعم دا”. وأبوه يغمز لحسن ويقوله ” مفيش أكل احلي من اكل امكم يا حسن “.

حسن ضحك ودنيا ساعتها كانت بتاكل وتضحك، والصلصة ملطخة وشها، وأمها تمسح وشها وتنضف لها أيديها بحنيه.

رجع حسن لصوت دنيا وهي بتترعش من البرد :

— مش هناكل يا حسن؟

رد وهو زوره محروق:

— هناكل.. بس دلوقتي خلينا نمشي.


شدها من إيدها يبعدها عن الازاز، لكن عينه فضلت متعلقة بالأكل، وقلبه بيتقطع من نفسه لأنه عاجز حتى يجيب لأخته سندويتش واحد.حسن شد دنيا وراه، مشيوا وهما مش عارفين ليهم وجهة. دنيا بتعيط وبتشده من هدومه: “جعانة وعايزة أنام”. رجليه وجعته، بس لقى نفسه قدام محطة القطر القديمة، النور الأصفر مكسور على الرصيف.


دخلوا المحطة، لقوا قطر واقف. من غير كلام، حسن شالها وركبوا آخر عربية. دنيا أول ما سندت راسها على كتفه نامت، دموعها لسه على خدها. حسن مسح وشه بإيده، ولف جاكيت أبوه القديم عليها عشان البرد.


القطر اتحرك، وبعد دقايق جيه عامل التذاكر، كشافه في وش حسن:

— التذكرة يا ولد.

حسن بلع ريقه: “معاييش فلوس”.

الراجل زعق وجَرّه من دراعه: “هـنزلك في أول محطة”.

حسن صرخ: “أختي نايمة، حرام عليك هتصحيها!”

لكن العامل سحبه بالعافية، نزله على رصيف ضلمة في محطة فاضية.

عامل التذاكر: انت جاي تشحت في القطر وتقولي مش معايا فلوس. انزل ياض غور.

حسن وقف يصرخ: أختي في القطر نزلها.


لكن القطر أتحرك بسرعه وخرج من المحطة وكمل طريقه

حسن جري ورا النور الأحمر لحد ما وقع. خده عسكري لنقطة الشرطة في المحطة، وحسن بيعيط: “أختي في القطر!” محدش رد. القطر كان بيبعد بيها في السكة، وهو واقف لوحده في البرد وقدام العسكري اللي مش مهتم.القطر شقّ السكة واختفى، وخدّ دنيا بعيد، لمحافظة تانية ما يعرفهاش حسن. نزل حسن لوحده على الرصيف، صوته اتنبح من الصريخ، وعينه متعلقة بالنور الأحمر لحد ما اختفى في الضلمة.


ناظر المحطة—راجل كبير، وشه هادي وعينه فيها وجع قديم—مقدرش يسيبه. قربه، وحط إيده على كتف حسن اللي كان بيرتعش، وسأله بصوت واطي:

— اسمك ايه يا ابني؟

حسن ردّ ودموعه بتجري: “حسن.. واختي كانت معايا والقطر خدها وراح بعيد.


ناظر المحطة: متخافش يابني انا هكلم ناظر المحطة اللي بعدنا عشان يرجعوا اختك.. بس تعالى معايا البيت عندي هو قريب من هنا.. مش هسيبك تفضل في البرد دا لوحدك.


الناظر خده معاه البيت عشان يرتاح ووعده انه هيرجعله اخته، بيته أوضة وصالة فوق دكّان مقفول، ريحته خشب قديم وشاي. مراته بصّت لحسن بعطف، وسخّنتله كوباية لبن، وهو قاعد حاضن نفسه، مش قادر يبلع. الناظر قعد قدامه وقال:

— متخافش يابني اختك هترجعلك.. انا بلغت المحطة الجايه اللي هيقف فيها القطر وأكيد هنلاقيها.


حسن بص له وعينه مليانة خوف، وسأل :

— طب لو ملقيناهاش؟

عبد الرحيم مسك إيده جامد:

— هدور لحد ما نلاقيها.. وهعتبركم ولادي واربيكم في بيتي.. انا اتحرمت من الخلفه وانت واختك هتبقوا عوض ربنا ليا.


حسن كان حاسس بنار في قلبه، خايف علي اخته ومرعوب، غمض عينيه من التعب وبيحلم بعيون دنيا وهي نايمة على كتفه في القطر.


جوه القطر، دنيا صحيت على صوت الكراسي الحديد والهزّة، ملقتش حسن جنبها. عيطت.


كان في عيلة مكونه من اب وام وطفله من عمر دنيا

ركبول من المحطة اللي فاتت وهينزلوا اخر الخط.

شافو بنت صغيرة نايمه لوحدها في القطر ولما صحيت كانت بتعيط وبتدور على اخوها.


الست مالت عليها تمسح دموعها: “مالك يا حبيبتي؟”

دنيا اتكلمت وسط العياط: “أنا بدور على حسن أخويا .. بابا وماما عند ربنا وعمّي خد فلوسنا وحسن سابني هنا ومشي.


الراجل بص لمراته، وبنتهم صحيت وبصّت لدنيا بعينين خايفين ومُشابهين. مراته خدت دنيا في ح.ضنها، وناولتها سندوتش جبنة من شنطتها: “كولي يا روحي لحد ما نوصل”.

دنيا كلت لقمة، ومسكت إيد البنت الصغيرة، كأنها لقت طوق نجاة. الراجل قال له مراته بهمس: “ناخدها معانا ونبلغ في المحطة الجاية”. دنيا نامت وهي متشبثة بإيد البنت، والقطر بيجري بيهم.


الست ردت علي جوزها: لو سلمناها في المحطة هتتبهدل.. احنا هناخدها معانا لحد ما يظهر لها أهل.. ولو مظهرش حد أهي تعيش معانا وتساعدني في شغل البيت.


حسن كان نايم في بيت ناظر المحطة بيحلم بأخته، مش عارف هيلاقيها ازاي؟

ودنيا مع ناس اغراب متعرفش مصيرها معاهم هيكون ايه؟

الدنيا فرقت حسن ودنيا عن بعض واللي هيجمعهم صدفه غريبه محدش يتوقعها!!!!!

********’***********

مرت الساعات ثقيلة كأنها دهور على حسن في بيت ناظر المحطة، عم عبد الرحيم. ومع أول خيط من خيوط الفجر، كان الناظر يجري اتصالاته بكل المحطات، لكن الرد كان دائمًا واحدًا: “لم نعثر على طفلة وحيدة”. القطر وصل لآخر الخط، والركاب نزلوا، ودنيا اختفت كأن الأرض انشقت وبلعتها. حسن انهار، صرخ باسمها في طرقات البيت الضيق، لكن عم عبد الرحيم ضمه لصدره بقوة وقال له: “يا حسن، ربنا اللي حفظ يوسف في البير هيحفظ أختك، خليك راجل عشان لما تلاقيها تلاقي سند بجد.”

مرت الأيام، وتحولت لشهور، ثم لسنوات. حسن كبر في كنف عم عبد الرحيم، اللي عامله كابن حقيقي. علمه القراءة والكتابة، وكان حسن يشتغل بالنهار في ورشة ميكانيكا وبالليل يذاكر، والهدف واحد: “الفلوس والنفوذ” عشان يقدر يلف مصر كلها ويدور على دنيا، وعشان يرجع حق أبوه من عمه الجاحد. أما دنيا، فكبرت في بيت العيلة اللي خدتها، لكن القدر مكنش رحيم بيها قوي؛ الست اللي خدتها عاملتها كخادمة لبنتها “سارة”. كانت دنيا بتنام على حصيرة في المطبخ، بتغسل وبتطبخ وبتسمع كلام يسم البدن، لكنها كانت صابرة، وبتحتفظ في رقبتها بـ “سلسلة” صغيرة كان حسن لبسها لها ليلة مو.ت أبوهم، هي دي الرابط الوحيد اللي فاضل لها من ريحة أهلها.


مر 15 سنة. حسن بقى شاب قوي، وسيم، وعنده ورشة كبيرة ومشهورة في القاهرة، وقدر بذكائه يجمع قرشين كويسين. وطول السنين دي، مكنش بيبطل يزور “جبر”، عمه، اللي حاله اتهور وبقى يشرب القمار وضيع الأرض والبيت، وبقى عايش في خرابة. حسن كان بيروح يقف قدامه بعربيته الفخمة ويقوله: “البيت اللي طردتنا منه، أنا اشتريته من البنك اللي حجز عليه.. بس مش هخليك تسكن فيه، هسيبه مهجور عشان يذكرك بظلمك.”

في يوم من الأيام، تعبت “سارة” بنت العيلة اللي ربّت دنيا، واضطروا ينقلوها لمستشفى كبيرة في القاهرة. كانت دنيا، اللي بقت عروسة زي القمر رغم لبسها البسيط وتعب الشغل، مرافقة لسارة في المستشفى. وفي نفس اللحظة، كان حسن هناك بيزور عم عبد الرحيم اللي كان بيعمل عملية في القلب.

دنيا كانت واقفة في الكافيتريا بتشتري كوباية شاي، وحسن كان واقف وراها. فجأة، السلسلة اللي في رقبتها اتقطعت ووقعت على الأرض. حسن وطى يجيبها، وأول ما لمسها، قلبه اتنفض. السلسلة دي هو اللي صانعها بإيده من سلك نحاس زمان! رفع عينه وشاف وش دنيا. الملامح كبرت، بس العيون هي هي، نفس النظرة المنكسرة اللي سابتها في القطر.

همس بصوت مرعوش: “دنيا؟”

البنت اتخضت وبصتله باستغراب: “أيوة.. حضرتك مين؟”

حسن دموعه نزلت بغزارة، وقال بصوت مخنوق: “أنا حسن.. أنا القطر اللي خدك مني.. أنا اللي فضلت أدور عليكي 15 سنة يا نور عيني.”

دنيا للحظة تيبست مكانها، والذكريات هجمت عليها زي السيل. افتكرت ريحة جاكيت أبوها، وصوت حسن وهو بيطمنها في المحطة. اترمت في ح.ضنه وهي بتصرخ بالوجع اللي كتمته سنين، والناس في المستشفى وقفوا يتفرجوا على المشهد اللي يبكي الحجر.

حسن مسبش دنيا لحظة واحدة تانية. خدها لبيت عم عبد الرحيم اللي فرحته باللقاء خلت صحته ترد فيه من جديد. حسن مارجعش لدنيا حقها بس، ده راح لعمه “جابر” وخد دنيا معاه. جابر لما شافهم، وشاف دنيا اللي بقت شابة وحسن اللي بقى راجل له هيبة، وقع تحت رجليهم يطلب السماح وهو بينازع من المرض والفقر.

حسن بص لعمه ببرود وقال: “إحنا مش زيك يا عمي، إحنا مش هنرميك في الشارع.. بس الأرض والبيت هيرجعوا لدنيا، وأنت هتعيش في أوضة في آخر الدار، تأكل وتشرب لحد ما تقابل ربنا ويحاسبك.”

دنيا وحسن رجعوا لبيت أبوهم، البيت اللي دفت فيه ذكرياتهم الحزينة وفتحت فيه أبواب الفرح. حسن عوض دنيا عن كل حرمانها، وجوزها لأحسن شاب في البلد، وفضلوا طول عمرهم إيد واحدة، والقصة اللي بدأت بدموع في ليلة برد، انتهت بضحكة صافية تحت شمس العدل والوفاء، وعرفوا إن اللي معاه ربنا، عمره ما يضيع.


بمجرد ما حسن ودنيا دخلوا من بوابة المحطة القديمة، عم عبد الرحيم كان واقف على الرصيف وساند ظهره على مكتبه، شعره بقى أبيض تماماً وظهره انحنى شوية، لكن عينيه لسه فيها نفس النظرة الطيبة. أول ما شاف حسن جاي من بعيد وماسك في إيد شابة جميلة بتشبه ملامح الطفل اللي دخل بيته من سنين، قلبه دق بسرعة وكأنه استرجع شبابه. حسن وقف قدامه والدموع في عينيه وقاله: “وفيت بوعدك يا عم عبد الرحيم.. أهي دنيا رجعتلي أهي”. الراجل العجوز فتح دراعاته وح.ضن حسن ودنيا مع بعض وهو بيترعش من الفرحة، وصوته طالع مهزوز من كتر التأثر: “كنت عارف إن ربنا مش بيضيع حق حد، وكنت واثق إن القطر اللي خدها بعيد هو اللي هيرجعها ليك في يوم من الأيام”. دنيا باست إيده وهي حاسة إنها لقت الأمان اللي كان ناقصها، وعبد الرحيم بصلهما وقال: “دلوقتي بس أقدر أمو.ت وأنا مطمن، بيت ناظر المحطة هيفضل شاهد إن الصبر آخره جبر، وإن الظلم مهما طال ليله، الشمس لازم تطلع وتكشف الحقيقة”. في اللحظة دي، القطر صفر صفيارة طويلة كأنه بيعلن للعالم كله إن الرحلة اللي بدأت بدموع وفراق، انتهت بح.ضن ولقاء مش هيتكرر، وإن حسن ودنيا مش بس رجعوا لبعض، دول رجعوا للحياة من تاني. حسن بص لأخته وقالها: “يا دنيا، إحنا مش هنمشي من هنا غير لما نبني دار كبيرة جنب المحطة دي، عشان أي طفل تايه أو خايف يلاقي فيها ح.ضن يدفيه، وميتحرمش من أهله زي ما حصل معانا”. ودنيا ضغطت على إيده وهي بتبتسم وسط دموعها، وكأنها بتقوله إن المشوار الصعب خلص خلاص، وإن اللي جاي كله عوض وسكينة

**********’***********

أما جابر، فكان عقابه من جنس عمله، وكأن الأرض اللي ظلم ولاد أخوه عشانها رفضت تتقبله. بعد ما حسن استرد البيت والأرض بقوة القانون، جابر لقى نفسه منبوذ في وسط البلد، مفيش حد من أهل القرية رضي يدخله بيته أو حتى يسلم عليه، وصار يتردد في الشوارع زي الخيال، الناس بتشاور عليه وتقول “ده اللي كل مال اليتامى ورماهم في البرد”. ومع الوقت، عقله بدأ يخونه من كتر الوحدة والخوف، وبقى يقعد قدام بوابة المحطة القديمة كل ليلة في نفس الميعاد اللي حسن ودنيا اتردوا فيه للشارع، يتهيأله إنه شايف أخوه الميت واقف بيحاسبه، ويصرخ بصوت عالي يطلب السماح من فراغ.

وفي يوم شتوي شديد البرودة، زيه زي الليلة اللي طرد فيها الأطفال، الناس لقوه واقع قدام عتبة البيت القديم وهو بيحاول يزحف عشان يدخل الدفا، لكن جسمه مكنش مستحمل والندم كان نهش قلبه قبل التعب. حسن شافه وهو خارج من البيت، ونزل لمستواه وبص في عينيه نظرة أخيرة مفيهاش شماتة، لكن فيها وجع على صلة الرحم اللي اتقطعت. حسن غطاه ببطانية وقاله بمرارة: “أنا مش هرميك في الشارع زيك يا عمي، أنا هسيبك تمو.ت في أوضة صغيرة هنا، عشان تعرف إن اللي بيبني بيته من دموع الناس، بيته بيبقى قبره وهو لسه عايش”. جابر غمض عينيه وهو بيسمع صوت ضحكات دنيا وحسن وهما سوا جوه البيت، الصوت اللي كان بيتمناه يختفي، بقى هو الحاجة الوحيدة اللي بتفكره بفشله وجبروته اللي ضاع.

وانتهت حكاية جابر في ركن ضلمة، بينما حسن ودنيا كبروا وعمروا الأرض، وبقت قصتهم بتتحكى للأجيال في القرية عن الطفل اللي صان الأمانة، والبنت اللي صبرت على الغربة، وعن عدل ربنا اللي بيجي دايمًا في الوقت المناسب، حتى لو اتأخر سنين. وبقت المحطة اللي كانت شاهدة على الفراق، هي نفس المكان اللي كل غريب بيلاقي فيه لقمة دافية وكلمة حلوة في “دار حسن ودنيا”، عشان مفيش طفل يحس باليتم والبرد طالما هما موجودين.

هل تحب أن أساعدك في صياغة مشهد معين من حياة دنيا في بيتها الجديد أو نجاح حسن كأشهر محامي في منطقتهم؟

***************’*******

أما جابر، فكان عقابه من جنس عمله، وكأن الأرض اللي ظلم ولاد أخوه عشانها رفضت تتقبله. بعد ما حسن استرد البيت والأرض بقوة القانون، جابر لقى نفسه منبوذ في وسط البلد، مفيش حد من أهل القرية رضي يدخله بيته أو حتى يسلم عليه، وصار يتردد في الشوارع زي الخيال، الناس بتشاور عليه وتقول “ده اللي كل مال اليتامى ورماهم في البرد”. ومع الوقت، عقله بدأ يخونه من كتر الوحدة والخوف، وبقى يقعد قدام بوابة المحطة القديمة كل ليلة في نفس الميعاد اللي حسن ودنيا اتردوا فيه للشارع، يتهيأله إنه شايف أخوه الميت واقف بيحاسبه، ويصرخ بصوت عالي يطلب السماح من فراغ.

وفي يوم شتوي شديد البرودة، زيه زي الليلة اللي طرد فيها الأطفال، الناس لقوه واقع قدام عتبة البيت القديم وهو بيحاول يزحف عشان يدخل الدفا، لكن جسمه مكنش مستحمل والندم كان نهش قلبه قبل التعب. حسن شافه وهو خارج من البيت، ونزل لمستواه وبص في عينيه نظرة أخيرة مفيهاش شماتة، لكن فيها وجع على صلة الرحم اللي اتقطعت. حسن غطاه ببطانية وقاله بمرارة: “أنا مش هرميك في الشارع زيك يا عمي، أنا هسيبك تمو.ت في أوضة صغيرة هنا، عشان تعرف إن اللي بيبني بيته من دموع الناس، بيته بيبقى قبره وهو لسه عايش”. جابر غمض عينيه وهو بيسمع صوت ضحكات دنيا وحسن وهما سوا جوه البيت، الصوت اللي كان بيتمناه يختفي، بقى هو الحاجة الوحيدة اللي بتفكره بفشله وجبروته اللي ضاع.

وانتهت حكاية جابر في ركن ضلمة، بينما حسن ودنيا كبروا وعمروا الأرض، وبقت قصتهم بتتحكى للأجيال في القرية عن الطفل اللي صان الأمانة، والبنت اللي صبرت على الغربة، وعن عدل ربنا اللي بيجي دايمًا في الوقت المناسب، حتى لو اتأخر سنين. وبقت المحطة اللي كانت شاهدة على الفراق، هي نفس المكان اللي كل غريب بيلاقي فيه لقمة دافية وكلمة حلوة في “دار حسن ودنيا”، عشان مفيش طفل يحس باليتم والبرد طالما هما موجودين.

تمت


تعليقات

التنقل السريع