توأم مفقود
توأم مفقود
كنـت أضـع الـزهور علـى قـبر توأمـي عنـدما أشـار طـفل كـان يـمر مـع أمـه إلـى القبـر وقـال فـجأة: “ماما… البنتين دول في فصلي.”
انتظرت أنا وزوجي أحمد سنوات طويلة حتى يرزقنا الله بأطفال.
سنوات من الأطباء، والفحوصات، وخيبات الأمل الصامتة.
وعندما جاء التوأم أخيرًا إلى حياتنا، شعرت وكأن الدنيا أعطتنا كل ما تمنيناه.
كانت ليان ومريم في الخامسة من عمرهما عندما ماتتا.
كان الأمر مفاجئًا تمامًا.
في لحظة كانتا تضحكان في غرفة المعيشة… وفي اللحظة التالية تحطمت حياتنا بطريقة لا أستطيع وصفها حتى الآن.
مرّت الجنازة كأنها حلم ضبابي…
ملابس سوداء…
وهمسات حزينة…
ووجوه شاحبة.
ومنذ ذلك اليوم… لم يعد شيء كما كان.
زوجي أحمد لم يسامحني أبدًا.
كان يقول إنهما لو لم أترك الطفلتين مع جليسة الأطفال تلك الليلة… لكانتا ما زالتا على قيد الحياة.
كان يكرر ذلك مرارًا وتكرارًا…
حتى إنني في بعض اللحظات كدت أصدقه.
والأقسى من كل شيء…
أن أحمد نفسه هو من عرّفنا بتلك الجليسة في الأصل.
لكن الحزن لا يعرف المنطق.
خلال عام واحد فقط… انهار زواجنا.
أصبح المنزل لا يُحتمل.
كل غرفة فيه كانت تعج بذكريات طفلتين صغيرتين لم تعودا موجودتين.
طلقنا بهدوء…
وتوقفنا عن الكلام تمامًا.
بعد عامين من وفاتهما… ذهبت إلى المقبرة وحدي.
ركعت بجوار قبرهما، ووضعت باقة زهور جديدة أمام شاهد القبر الذي يحمل اسميهما وصورة لهما وهما تبتسمان.
وقفت للحظة طويلة…
أحاول فقط أن أتنفس وسط الألم المعتاد الذي يضغط على صدري.
ثم سمعت صوت طفل صغير قريبًا مني.
قال:
“ماما… البنتين دول في فصلي.”
استدرت فورًا.
كان طفل صغير، ربما في السادسة أو السابعة، قد توقف في الممر مع أمه.
وكان يشير مباشرة إلى شاهد قبر التوأم.
عبست أمه بحيرة.
نظرت إلى القبر…
ثم نظرت ببطء إلى وجهي.
قالت بصوت خافت وهي تشعر بالحرج:
“أنا آسفة… أكيد هو غلطان.”
لكن قلبي كان قد بدأ يخفق بقوة.
اقتربت منهما خطوة، والدموع امتلأت في عيني.
قلت بصوت مرتجف:
#حكايات_اسما_السيد
“لو سمحتم… ممكن أسأله هو يقصد إيه؟”
صلي على محمد وال محمـد وتابع👇👇👇
اقتربت منهما خطوة والدموع تملأ عيني قلت بصوت مرتجف لو سمحتم ممكن أسأله هو يقصد إيه نظرت الأم إليّ لحظة ثم هزت رأسها بتردد وقالت تفضلِي انحنيت قليلًا حتى أصبح وجهي في مستوى الطفل وقلت له بلطف حبيبي إنت قلت إن البنتين دول في فصلك صح هز رأسه بحماس وقال أيوه هما بيقعدوا جنبي في الفصل نظرت إليه وقلبي يخبط بقوة وكأن شيئًا ما بداخلي يخشى الإجابة لكنه يريدها في نفس الوقت قلت له إسمهم إيه يا حبيبي فكر قليلًا ثم قال واحدة اسمها ليان والتانية مريم شعرت وكأن الهواء انقطع من حولي فجأة شعرت بدوار خفيف واضطررت أن أمسك بحافة شاهد القبر حتى لا أسقط الأم اتسعت عيناها بدهشة وقالت له ياسر إيه الكلام ده يا حبيبي إحنا مش عارفين حد بالاسم ده رد الطفل بثقة بس أنا أعرفهم يا ماما هما بيجوا المدرسة كل يوم أحيانًا يقعدوا معايا وأحيانًا يلعبوا في الفسحة ثم أشار مرة أخرى إلى صورة التوأم على القبر وقال هما دول بالضبط ساد صمت ثقيل للحظات كنت أشعر أن قلبي سينفجر في صدري حاولت أن أتماسك وسألته بهدوء ممكن تحكيلي شكلهم عامل إزاي قال بنفس البراءة شعرهم طويل زي الصورة كده وبيضحكوا دايمًا وبيحبوا الرسم مرة رسملهم بيت كبير وشجرة وأنا رسملتهم جنبها الأم وضعت يدها على كتف ابنها وقالت بصوت مرتبك ياسر كفاية كلام إحنا لازم نمشي دلوقتي لكنني أمسكت يدها برفق أرجوك دقيقة واحدة بس نظرت إليّ بحزن وكأنها بدأت تدرك أن ما يقوله طفلها ليس مجرد كلام عابر قلت للطفل آخر مرة شفتهم إمتى قال من يومين كانوا واقفين عند باب الفصل وبصوا لي وضحكوا وقالوا لي متخافش شعرت بقشعريرة تسري في جسدي قلت له متخافش من إيه رد ببساطة وقال من المدرسة الجديدة لأنني كنت خايف أول يوم دخلت فيها سكتت للحظة وأنا أحاول أن أفهم كيف يمكن لطفل لا يعرفني ولا يعرف قصتي أن يقول كل هذا الأم كانت تبدو خائفة قليلاً وقالت بصوت منخفض أنا آسفة جدًا لو ابني قال حاجة ضايقتك لكن الأطفال أحيانًا يتخيلوا حاجات كتير ابتسمت ابتسامة ضعيفة وقلت لا مفيش أي مشكلة ثم نظرت مرة أخرى إلى القبر وهمست لنفسي ليان مريم هل هذا ممكن هل ما زلتما قريبين مني بعد أن غادر الطفل وأمه جلست بجوار القبر طويلًا أتذكر كل لحظة عشتها مع طفلتيّ أتذكر ضحكاتهما الصغيرة خطواتهما في الممر صوتاهما وهما يتجادلان على لعبة واحدة أتذكر تلك الليلة المشؤومة عندما خرجت لأول مرة منذ شهور وتركتهم مع جليسة الأطفال التي وثقنا بها جميعًا تلك الليلة التي غيرت كل شيء لم أنم بعدها أبدًا مثلما كنت من قبل عدت إلى المنزل في ذلك اليوم وأنا أشعر بشيء مختلف لم أكن متأكدة إن كان أملًا أم مجرد وهم لكن الكلمات التي قالها الطفل بقيت تدور في رأسي طوال الليل في الأيام التالية حاولت أن أنسى ما حدث لكن الأمر لم يكن سهلًا كنت أستيقظ أحيانًا في منتصف الليل وأتخيل صوت ضحكات خافتة في الممر أحيانًا كنت أظن أنني أرى ظل طفلتين تمران بسرعة في زاوية الغرفة كنت أعرف أن الحزن يمكن أن يخدع العقل لكن جزءًا صغيرًا من قلبي كان يريد أن يصدق أن ليان ومريم لم تختفيا تمامًا بعد أسبوع عدت إلى المقبرة مرة أخرى لا أعرف لماذا ربما كنت آمل أن أرى ذلك الطفل مرة أخرى أو ربما كنت أبحث عن إجابة جلست بجوار القبر ووضعت الزهور الجديدة ثم قلت بصوت خافت لو كنتما حقًا قريبين مني فأرجو أن تعطيا إشارة مرت لحظات صامتة ثم هبت نسمة خفيفة حركت الزهور أمامي فابتسمت رغم دموعي ربما كانت مجرد ريح لكنني شعرت بدفء غريب في صدري وكأن أحدًا يحتضنني برفق في تلك اللحظة تذكرت شيئًا قديمًا كانت ليان دائمًا تقول لي عندما كنت أحضنها قبل النوم ماما حتى لو اختفيت هتفضليني حاسة بيا صح كنت أضحك وأقول لها طبعًا يا حبيبتي القلب عمره ما ينسى اللي بيحبه مرت الشهور بعدها ببطء بدأت أزور المقبرة أقل قليلًا ليس لأن الألم اختفى بل لأنني بدأت أتعلم كيف أعيش معه أحيانًا كنت أرى ذلك الطفل من بعيد مع أمه في الحديقة القريبة وكان يلوح لي بيده كلما رآني وفي كل مرة كنت أتساءل هل ما زال يرى طفلتَي أم أن تلك اللحظة كانت مجرد صدفة غريبة بعد عام تقريبًا حدث شيء لم أتوقعه كنت أسير في أحد الشوارع عندما سمعت صوتًا يناديني باسمي التفت فوجدت أحمد يقف خلفي لم أره منذ طلاقنا بدا أكبر سنًا وأكثر تعبًا نظر إليّ للحظات طويلة قبل أن يقول سمعت إنك لسه بتروحي المقبرة كل أسبوع هززت رأسي بصمت ثم قال أنا كمان بروح أحيانًا لكن في أوقات مختلفة شعرت بغصة في حلقي لكنه تابع بصوت خافت أنا آسف سألته عن ماذا فقال عن كل شيء عن اللوم عن الغضب عن إني كنت محتاج أتهم حد عشان أقدر أعيش بعد اللي حصل سكتنا طويلًا ثم قال فجأة الغريب إني حلمت بيهم الأسبوع اللي فات كانوا بيلعبوا في حديقة كبيرة وكانوا بيضحكوا قلت لهم بابا تعالوا قالوا لي إحنا كويسين متزعلش نظرت إليه بذهول لأنني في الليلة نفسها تقريبًا كنت قد حلمت بحلم مشابه جلسنا على مقعد قريب نتحدث لأول مرة منذ سنوات لم يعد الألم يختفي لكنه لم يعد يفرقنا كما فعل في السابق عندما افترقنا تلك الليلة شعرت بشيء خفيف يتحرك داخل قلبي ربما لم تكن القصة مجرد فقدان ربما كانت أيضًا قصة حب لا ينتهي لأن بعض الأرواح حتى عندما تغادر تبقى قريبة منا بطريقة لا يستطيع أحد تفسيرها وفي كل مرة أزور فيها قبر ليان ومريم الآن لا أشعر فقط بالحزن بل أشعر أيضًا بالامتنان لأن خمس سنوات معهما كانت كفيلة بأن تملأ عمري كله بالحب ولأنني ربما لا أستطيع رؤيتهما بعد الآن لكنني أعلم في مكان ما بطريقة لا أفهمها أنهما ما زالتا تبتسمان لي كما في تلك الصورة الصغيرة على شاهد القبر وكأنهما تقولان لي ماما نحن هنا دائمًا لا تقلقي نحن لم نذهب بعيدًا أبدًا


تعليقات
إرسال تعليق