كان الغواص يعتقد أنه وجد مجرد جراب هاتف أصفر عالقًا بين المرجان في قاع البحر
كان الغواص يعتقد أنه وجد مجرد جراب هاتف أصفر عالقًا بين المرجان في قاع البحر
في صباح بارد من شهر مارس، كان الضباب يغطي ساحل كارمل في كاليفورنيا كستارة كثيفة تخفي الأفق. كان البحر هادئًا على غير العادة، والمياه الرمادية تمتد بلا نهاية تحت سماء شاحبة. في مثل هذه الصباحات يخرج الغواصون الهواة لاستكشاف الشعاب الصخرية القريبة من الساحل، بحثًا عن محار نادر أو بقايا قديمة جرفتها الأمواج.
في الساعة التاسعة تقريبًا من ذلك الصباح، كان أحد هؤلاء الغواصين ينزل ببطء نحو قاع البحر على عمق يقارب خمسة عشر مترًا، عندما لفت انتباهه شيء غير مألوف عالق بين المرجان.
كان جسمًا أصفر اللون.
في البداية ظنه قطعة بلاستيك عادية جرفها التيار من الشاطئ، لكن عندما اقترب أكثر لاحظ أن الشكل مستطيل ومغلق بإحكام. مد يده وانتزعه من بين الشعاب، ثم صعد به إلى السطح.
لم يكن يعلم في تلك اللحظة أن ما يحمله بيده سيعيد فتح قضية أغلقت قبل خمس سنوات.
كان جراب هاتف مقاومًا للماء.
تابعونا على صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
في محطة الدورية البحرية في مونتيري، فتح أحد الضباط الجراب بحذر فوق طاولة معدنية داخل غرفة الأدلة. كانت المفاجأة أن محتوياته بقيت محفوظة بشكل جيد رغم السنوات التي قضاها تحت الماء.
كان هناك هاتف آيفون بلون الذهب الوردي.
وبجواره قطعة بلاستيكية صغيرة.
اختبار حمل.
بعد دقائق قليلة، بدأ الضباط في البحث عن اسم صاحبة الهاتف. لم يستغرق الأمر وقتًا طويلًا حتى ظهر الاسم في سجل القضايا القديمة.
ميريديث كالدويل.
اسم لم يُذكر في ملفات الشرطة منذ خمس سنوات.
في ذلك الوقت، اختفت ميريديث مع خطيبها ديفيد هاربر من منزل شاطئي صغير في كارمل. التحقيق الأولي لم يجد أي دليل على جريمة، ومع وجود البحر المفتوح أمام المنزل، افترضت الشرطة أن الاثنين ربما خرجا للسباحة ليلاً وجرفتهما الأمواج.
تم تسجيل الحادث كحالة غرق محتملة.
وأُغلق الملف بعد أسابيع قليلة.
لكن الهاتف الذي ظهر من بين المرجان كان يعني شيئًا واحدًا: القضية لم تنتهِ بعد.
في سان فرانسيسكو، كانت جانين كالدويل جالسة في مطبخ شقتها عندما رن هاتفها في وقت مبكر من الصباح. كانت قد بدأت يومها لتوها، وكان فنجان القهوة الثالث يبرد أمامها على الطاولة بينما تحاول التركيز في شاشة الحاسوب.
عندما رأت رقمًا غير معروف، لم تتردد كثيرًا قبل الرد.
جاء الصوت من الطرف الآخر رسميًا وهادئًا.
“هل أتحدث مع الآنسة جانين كالدويل؟”
أجابت: “نعم.”
قال الرجل: “اسمي ريموند فلوريس. أنا محقق في مكتب شرطة مقاطعة مونتيري.”
لم تقل شيئًا للحظة.
اسم مونتيري كان كافيًا ليعيد خمس سنوات من الذكريات دفعة واحدة.
تابع المحقق: “أتصل بخصوص قضية أختك ميريديث.”
شعرت جانين بأن يدها تشد الهاتف بقوة.
“هل حدث شيء؟”
توقف الرجل قليلًا قبل أن يجيب.
“هذا الصباح عثر غواص على جراب هاتف مقاوم للماء بالقرب من منزل الشاطئ في كارمل. كان بداخله هاتف يبدو أنه يخص أختك.”
لم تستطع الرد فورًا.
بعد كل هذه السنوات، لم تتوقع أن تسمع أي خبر جديد عن تلك القضية.
سألت أخيرًا بصوت منخفض: “هل… ما زال يعمل؟”
قال فلوريس: “نعم. ونحتاج منك الحضور للتأكد من أنه يخصها بالفعل.”
بعد ثلاث ساعات، كانت جانين تقود سيارتها جنوبًا على الطريق السريع 101. الطريق يلتف بين التلال الخضراء وغابات السرو بينما يظهر المحيط الهادئ أحيانًا على يمين الطريق، واسعًا وباردًا كما تتذكره.
خلال الرحلة، كانت نفس الصور القديمة تعود إلى ذهنها مرارًا.
ميريديث.
أختها الأكبر بعامين.
الشعر الأحمر الكثيف والضحكة التي كانت تملأ أي مكان.
وديفيد هاربر.
الرجل الذي أحبته منذ أيام الجامعة.
كان الاثنان في الثامنة والعشرين عندما اشتريا المنزل الصغير على شاطئ كارمل. كانا يخططان لحفل خطوبة بسيط في نهاية الأسبوع. ستة أصدقاء فقط وعشاء هادئ يطل على البحر.
لكن تلك الليلة لم تنتهِ كما خطط لها أحد.
اختفى الاثنان ببساطة.
لم تكن هناك أي علامات شجار داخل المنزل.
لم تُكسر أي نافذة.
لم يُسرق شيء.
كانت السيارتان لا تزالان في الممر عندما وصلت الشرطة.
كل ما كان هناك هو البحر.
وفي النهاية، كان البحر هو التفسير الوحيد.
وصلت جانين إلى محطة الدورية البحرية بعد الظهر بقليل. كان المبنى الخشبي يقف على الرصيف محاطًا بقوارب الصيد الصغيرة والمتاجر السياحية.
استقبلها رجل في الخمسين من عمره عند الباب.
“آنسة كالدويل؟”
أومأت برأسها.
“المحقق فلوريس.”
صافحها بإيماءة قصيرة ثم قادها عبر ممر ضيق حتى وصلا إلى غرفة الأدلة.
كانت الطاولة المعدنية في منتصف الغرفة.
وعليها الجراب الأصفر.
توقفت جانين لثوانٍ قبل أن تقترب.
قال المحقق: “هل تعرفين هذا الجراب؟”
انحنت قليلًا.
“نعم… كان مع ميريديث دائمًا عندما تذهب للسباحة.”
فتح فلوريس الجراب وأخرج الهاتف.
“هل هذا هاتفها؟”
حدقت جانين في الجهاز لحظة.
ثم أومأت ببطء.
“نعم.”
وضع المحقق شيئًا آخر بجانبه.
اختبار الحمل.
لم تستطع جانين إخفاء دهشتها.
“ما هذا؟”
قال الرجل بهدوء: “وجدناه داخل الجراب.”
نظرت إلى الاختبار لثوانٍ.
ثم فهمت.
كان الخطان الورديان ما يزالان ظاهرين رغم السنوات.
“كانت… حاملاً؟”
قال فلوريس: “من المرجح ذلك.”
ساد الصمت في الغرفة للحظة.
وجود هذا الاختبار يغير القصة بالكامل.
إذا كانت ميريديث حاملاً، فمن غير المنطقي أن تخرج للسباحة في منتصف الليل.
وهذا يعني أن فرضية الحادث قد لا تكون صحيحة.
قال المحقق أخيرًا: “نعتقد أن الوقت قد حان لإعادة النظر في القضية.”
في المساء، وبينما كانت تسير قرب المرسى، سمعت امرأة تناديها.
“آنسة جانين.”
استدارت.
كانت زوجة هارولد.
اقتربت منها وهمست بصوت منخفض:
“احتفظت بهذا لنفسي خمس سنوات… لكن ربما يجب أن تعرفي.”
شعرت جانين بأن قلبها يتسارع.
“ماذا؟”
قالت المرأة:
“في الليلة التي اختفت فيها أختك… رأيت قارب ماركوس.”
“متى؟”تابعونا على صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
خفضت صوتها أكثر.
“حوالي الساعة الثانية صباحًا.”
تجمدت جانين في مكانها.
لأن ماركوس قال إنه غادر المنزل في التاسعة مساءً.
وهذا يعني شيئًا واحدًا فقط.
أحدهما كان يكذب.
وقفت جانين للحظة في المرسى، والرياح القادمة من البحر تضرب وجهها ببرودة قاسية. لم تكن متأكدة مما يجب أن تشعر به في تلك اللحظة. الخوف… أم الغضب… أم ذلك الإحساس الثقيل بأن شيئًا ما كان خاطئًا طوال الوقت، لكنها لم تلاحظه إلا الآن.
قالت المرأة العجوز وهي تنظر حولها بحذر:
“لم أقل ذلك للشرطة وقتها.”
سألتها جانين ببطء:
“لماذا؟”
تنهدت المرأة وقالت:
“لم أكن متأكدة. كان الليل مظلمًا… والقارب بعيدًا… لكنني أعرف قارب ماركوس جيدًا. إنه الوحيد في المرسى الذي يحمل مصباحًا أخضر في المؤخرة.”
توقفت لحظة ثم أضافت:
“رأيته يغادر… ثم يعود بعد حوالي ساعة.”
لم تقل جانين شيئًا.
كانت تنظر إلى الماء الأسود تحت الرصيف وكأنها تحاول أن ترى شيئًا داخله.
بعد دقائق، شكرت المرأة وعادت إلى منزل الشاطئ بخطوات بطيئة. طوال الطريق، كانت كلماتها تتردد في رأسها.
قارب يغادر في الثانية صباحًا.
لكن ماركوس قال إنه غادر في التاسعة.
في صباح اليوم التالي، كانت جانين جالسة مرة أخرى في مكتب المحقق ريموند فلوريس في مونتيري. وضعت أمامه دفتر يوميات ميريديث وكررت له ما قالته المرأة في المرسى.
استمع فلوريس بصمت، ثم شبك أصابعه فوق المكتب.
قال:
“إذا كان هذا صحيحًا… فهذه أول شهادة تناقض رواية ماركوس.”
سألته جانين:
“ماذا كانت روايته بالضبط؟”
فتح فلوريس ملفًا قديمًا على مكتبه.
“ماركوس قال إنه كان مدعوًا للعشاء ليلة الجمعة. وصل حوالي السابعة مساءً. بقي ساعتين… ثم غادر في التاسعة.”
رفع عينيه إليها.
“قال إن ميريديث وديفيد كانا بخير عندما تركهما.”
ثم أضاف:
“في اليوم التالي، عندما لم يرد أي منهما على الهاتف، عاد إلى المنزل ووجد الباب مفتوحًا.”
تنهد.
“وكان هو من اتصل بالشرطة.”
تساءلت جانين بصوت منخفض:
“وهل صدقتم ذلك؟”
هز فلوريس كتفيه.
“في ذلك الوقت… لم يكن لدينا أي دليل على العكس.”
ثم فتح درج مكتبه وأخرج عدة أوراق.
“لكن الهاتف الذي وجدناه قد يغير أشياء كثيرة.”
رفع أحد التقارير.
“الفريق التقني تمكن من استخراج بعض البيانات من الهاتف. ليس كلها… لكنه ما يزال يحتفظ بسجل الرسائل.”
انحنت جانين قليلًا.
“وماذا تقول؟”
قلب فلوريس الصفحة.
“آخر رسالة أرسلتها ميريديث كانت الساعة 8:42 مساءً.”
توقف لحظة قبل أن يقرأها.
“إنه هنا الآن.”
نظرت جانين إليه ببطء.
“من؟”
قال فلوريس:
“ماركوس.”
بدأت الشرطة بعد ذلك بإعادة بناء تلك الليلة خطوة بخطوة.
ليلة الجمعة.
الساعة السادسة مساءً.
كانت ميريديث في المطبخ تحضر العشاء. طبق المعكرونة المفضل لديفيد، وزجاجة نبيذ أحمر على الطاولة. كان هناك ستة مقاعد حول الطاولة، لكن الضيوف الآخرين ألغوا حضورهم في آخر لحظة.
بقي ثلاثة أشخاص فقط.
ميريديث.
ديفيد.
وماركوس.
في السابعة تمامًا، وصل ماركوس بسيارته.
كاميرا المراقبة الخاصة بالمرسى سجلت السيارة وهي تمر على الطريق المؤدي إلى المنزل.
كان يرتدي معطفًا رماديًا داكنًا.
دخل المنزل بابتسامة عريضة، حاملاً زجاجة نبيذ أخرى كهدية.
في البداية، بدا المساء عاديًا.
جلس الثلاثة على الطاولة المطلة على البحر. كانت الأمواج تضرب الصخور أسفل المنزل، والهواء البارد يدخل من النوافذ المفتوحة قليلًا.
لكن بعد أقل من ساعة، بدأ التوتر يظهر.
كان ديفيد هادئًا على غير عادته.
قال ماركوس وهو يسكب النبيذ:
“لدينا اجتماع مهم مع المستثمرين الأسبوع المقبل.”
رد ديفيد دون أن ينظر إليه:
“لن أكون هناك.”
رفع ماركوس حاجبيه.
“ماذا تقصد؟”
تنهد ديفيد.
“أفكر في بيع حصتي.”
ساد صمت قصير على الطاولة.
قال ماركوس ببطء:
“هل تمزح؟”
“لا.”
رفع ديفيد عينيه أخيرًا.
“أنا جاد.”
انحنى ماركوس للأمام قليلًا.
“هذه الشركة بنيناها معًا.”
قال ديفيد:
“وأنا لم أعد أثق بالطريقة التي تُدار بها.”
تصلبت ملامح ماركوس.
“ما الذي يعنيه ذلك؟”
رد ديفيد:
“يعني أنني اكتشفت ما فعلته بالأموال.”
توقفت يد ماركوس في الهواء.
في تلك اللحظة، شعرت ميريديث بأن شيئًا سيئًا على وشك الحدوث.
حاولت تغيير الموضوع بسرعة.
قالت بابتسامة متوترة:
“في الواقع… كان لدي خبر أردت أن أخبركما به الليلة.”
نظر إليها ديفيد.
“ما هو؟”
وضعت يدها على الطاولة أمامها.
ثم قالت بهدوء:
“أنا حامل.”
لثانية واحدة، تجمد كل شيء.
ثم ظهر الذهول على وجه ديفيد.
“حقًا؟”
أومأت وهي تبتسم.
نهض من مكانه وعانقها بقوة.
لكن عندما رفع رأسه، كان ماركوس ينظر إليهما بطريقة مختلفة تمامًا.
طريقة باردة.
قال بعد لحظة:
“تهانينا.”
لكن نبرته لم تكن تحمل أي فرح.
جلس مرة أخرى وقال ببطء:
“لكن يبدو أن توقيت هذا الخبر سيئ.”
سأله ديفيد:
“ماذا تقصد؟”
قال ماركوس وهو ينظر مباشرة إليه:
“إذا انسحبت الآن… ستدمر الصفقة بالكامل.”
رد ديفيد ببرود:
“هذا ليس مشكلتي.”
عند هذه النقطة، تحول النقاش إلى شجار حقيقي.
ارتفعت الأصوات.
تحولت الكلمات إلى اتهامات.
وفي النهاية وقف ديفيد فجأة.
“انتهى الأمر يا ماركوس. سأبيع حصتي الأسبوع القادم.”
حدق ماركوس فيه لثوانٍ طويلة.
ثم قال جملة قصيرة.
جملة لم يسمعها أحد غير ميريديث.
قال:
“لن يحدث ذلك.”
توقفت إعادة بناء الأحداث عند تلك اللحظة.
لأن ما حدث بعدها لم يكن هناك من يرويه.
لكن هناك أشياء أخرى بدأت الشرطة تكتشفها.
في مساء اليوم نفسه، توجه المحقق فلوريس مع فريق صغير إلى مرسى القوارب الخاص بماركوس.
تابعونا على صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
كان قاربه الأبيض الكبير ما يزال مربوطًا هناك.
اسم القارب مكتوب على الجانب:
SEA MIRAGE.
صعد أحد الضباط إلى سطحه.
وبدأوا التفتيش.
بعد دقائق قليلة، نادى أحدهم:
“سيدي… يجب أن ترى هذا.”
اقترب فلوريس.
تحت مقعد التخزين الخلفي، كانت هناك عدة أشياء مكدسة.
سلاسل حديدية ثقيلة.
أوزان معدنية تستخدم عادة في الصيد العميق.
وأغطية قماشية سميكة.
لكن الشيء الذي لفت انتباهه أكثر كان شيء آخر.
عبوات كبيرة من مواد تنظيف صناعية.
نظر فلوريس إلى الضابط بجانبه.
ثم قال ببطء:
“اتصل بالفريق الجنائي.”
توقف لحظة قبل أن يضيف:
“وأحضر أمر تفتيش رسمي.”
في تلك اللحظة، لم يعد هذا مجرد اختفاء قديم.
كان التحقيق يتحول تدريجيًا إلى شيء آخر.
شيء أكثر ظلمة.
وفي صباح اليوم التالي، اتخذ فلوريس قرارًا لم يتخذه أحد قبل خمس سنوات.
أصدر أمرًا لفرقة الغواصين بالبحث في قاع البحر…
في نفس المنطقة التي عُثر فيها على الهاتف.
في صباح اليوم التالي، بدا البحر هادئًا على غير العادة. الضباب الذي كان يغطي الساحل بدأ يتلاشى ببطء، وكأن المشهد كله يستعد لشيء ما ظل مخفيًا لسنوات طويلة. على الرصيف الصغير في كارمل، كانت سيارات الشرطة متوقفة، بينما ينزل فريق الغواصين معداتهم الثقيلة إلى أحد القوارب التابعة لخفر السواحل.
وقف المحقق ريموند فلوريس عند الحاجز الخشبي يراقب المياه بصمت. بعد دقائق وصلت جانين، وتوقفت بجانبه دون أن تقول شيئًا. ظلت تنظر إلى البحر للحظة قبل أن تسأله بهدوء:
“هل تعتقد أنهم سيجدون شيئًا فعلًا؟”
لم يبعد فلوريس عينيه عن الأفق وهو يجيب:
“البحر يخفي أشياء كثيرة… لكنه لا يخفيها للأبد.”
بعد دقائق تحرك القارب ببطء نحو النقطة التي عُثر فيها على الجراب الأصفر. كانت المسافة قصيرة، بضع مئات الأمتار فقط من منزل الشاطئ الذي شهد بداية كل شيء.
من فوق السطح كان الماء يبدو هادئًا ومسطحًا. لكن في الأسفل، حيث الضوء خافت والرؤية محدودة، كان القاع عالمًا مختلفًا تمامًا.
في الساعة العاشرة تمامًا، قفز أول غواص إلى الماء، ثم تبعه الثاني بعد لحظات. اختفيا تحت السطح الرمادي بينما بقي الفريق فوق القارب يراقب أجهزة الاتصال.
في الأسفل، كان الغواصان يتحركان ببطء بين الصخور والطحالب. الضوء القادم من مصابيحهما يقطع الظلام على شكل دوائر صغيرة تتحرك فوق القاع الرملي. كان هدفهما بسيطًا: البحث عن أي شيء غير طبيعي.
أي شيء معدني.
أي شيء ثقيل.
مرت عشر دقائق.
ثم عشرون.
وقبل أن يبدأ القلق يظهر على سطح القارب، توقف أحد الغواصين فجأة. على بعد أمتار قليلة أمامه، كان هناك شيء يلمع بخفوت بين الطحالب.
اقترب ببطء.
كانت سلسلة حديدية.
نصفها مدفون في الرمل.
انحنى قليلًا، ووجه مصباحه إلى ما خلفها. في تلك اللحظة تجمد للحظة واحدة.
كانت هناك عظمة بشرية.
أشار بيده بسرعة للغواص الآخر. اقترب الاثنان بحذر، ثم أزاحا الطحالب ببطء.
تحتها ظهر هيكل عظمي كامل.
كان مربوطًا بالسلسلة.
ولم يكن وحده.
بعد أقل من مترين، كان هناك هيكل عظمي آخر.
على سطح القارب، التقط جهاز اللاسلكي صوتًا متقطعًا. رفع فلوريس الجهاز فورًا.
جاء صوت الغواص مشوشًا قليلًا تحت الماء:
“لدينا اكتشاف…”
توقف الصوت لحظة.
ثم قال بوضوح:
“عثرنا على بقايا بشرية.”
ساد صمت ثقيل فوق القارب. نظر فلوريس إلى الماء لثوانٍ طويلة قبل أن يرد:
“ثبّتوا الموقع… سنبدأ عملية الرفع.”
استغرقت العملية ساعات طويلة. كان على الغواصين تثبيت السلاسل وربط الأكياس الجنائية قبل رفعها ببطء إلى السطح. مع اقتراب المساء، كانت حقيبتان سوداوين موضوعتين على أرض القارب.
لم يكن هناك شك فيما تحتويانه.
في المساء بدأت التحاليل في مختبر الطب الشرعي في مونتيري. لم يستغرق تحديد الهوية وقتًا طويلًا. تطابق الحمض النووي والأسنان أكد النتيجة التي كان الجميع يتوقعها.
تابعونا على صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
الهيكلان العظميان يعودان إلى:
ميريديث كالدويل.
وديفيد هاربر.
لكن أهم ما كشفه التقرير لم يكن الهوية… بل الطريقة التي وُجدت بها الجثتان.
كلاهما كان مربوطًا بسلسلة حديدية ثقيلة، مثبتة بوزن معدني في القاع.
وهذا يعني شيئًا واحدًا فقط.
لم يكن حادث غرق.
كانت جريمة قتل.
في صباح اليوم التالي، كان ماركوس أشفورد في مكتبه الزجاجي المطل على خليج سان فرانسيسكو عندما دخلت سكرتيرته بوجه متوتر.
قالت بصوت خافت:
“هناك رجال شرطة في الخارج.”
رفع ماركوس رأسه ببطء.
ظل صامتًا لثوانٍ قبل أن يقول:
“أدخلهم.”
دخل المحقق فلوريس ومعه ضابطان. وقفوا أمام المكتب بينما ظل ماركوس جالسًا في مكانه.
قال فلوريس بهدوء:
“السيد ماركوس أشفورد… لدينا أمر باعتقالك.”
سأل ماركوس دون أن يتحرك:
“بأي تهمة؟”
أجاب فلوريس:
“القتل المزدوج.”
ساد الصمت في المكتب للحظة. نظر ماركوس من النافذة إلى الخليج الممتد في الأسفل، ثم تنهد ببطء.
لم يحاول المقاومة.
قال فقط:
“كنت أتساءل متى سيحدث ذلك.”
خلال التحقيق، بدأت الصورة الكاملة تتضح أخيرًا.
في تلك الليلة، بعد أن أعلن ديفيد نيته بيع حصته في الشركة، أدرك ماركوس أن كل شيء كان على وشك الانهيار. الصفقة التي كان يخطط لها سرًا كانت تعتمد بالكامل على بقاء ديفيد شريكًا.
لكن ديفيد اكتشف أن ماركوس كان يخاطر بأموال الشركة في استثمارات مشبوهة.
لو انسحب الآن، لن يخسر ماركوس الشركة فقط… بل قد يواجه السجن أيضًا.
الشجار بدأ حول طاولة العشاء، لكنه استمر في غرفة المعيشة. ارتفعت الأصوات وتحولت الكلمات إلى اتهامات.
ثم حدثت الضربة.
سقط ديفيد على الأرض بعد أن دفعه ماركوس بقوة. وعندما حاول النهوض، ضربه مرة أخرى.
هذه المرة لم يتحرك.
كانت ميريديث تقف في زاوية الغرفة، مذهولة مما حدث. قالت إنها ستتصل بالشرطة.
في تلك اللحظة أدرك ماركوس أن كل شيء انتهى… إلا إذا لم يبقَ أي شاهد.
في منتصف الليل تقريبًا، نقل الجثتين إلى قاربه. لفهما في أغطية سميكة وربط السلاسل حولهما قبل أن يبحر إلى المنطقة الصخرية أمام المنزل.
هناك أسقط الأوزان في القاع، مقتنعًا بأن البحر سيخفي كل شيء.
لكن أثناء نقل الجث_ت_ين، سقط هاتف ميريديث من جيبها.
كان داخل الجراب الأصفر المقاوم للماء.
غاص ببطء بين الشعاب… وبقي هناك خمس سنوات كاملة.
حتى وجده غواص بالصدفة.
بعد أسبوع من الاعتقال، وقفت جانين مرة أخرى أمام منزل الشاطئ. كان الهواء باردًا والبحر يمتد أمامها بلا نهاية.
اقترب فلوريس منها وقال بهدوء:
“في النهاية… لم يكن هناك سر معقد.”
نظرت جانين إلى الأفق.
“لا.”
لم يكن هناك لغز مستحيل.
ولا مؤامرة كبيرة.
كانت هناك لحظة واحدة فقط.
لحظة خوف.
لحظة غضب.
لحظة قرر فيها إنسان أن يخفي جري_مته في المكان الذي ظن أنه لن يكشفها أبدًا.
البحر.
لكن البحر، كما يبدو…
لا يحتفظ بالأسرار إلى الأبد.
تمت


تعليقات
إرسال تعليق