القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 رحلة شرم الشيخ



رحلة شرم الشيخ

 

لسه فاكر سفرية الشغل دي لشرم الشيخ كأنها كابوس طويل، كل ما أحاول أنساه ييجي قدامي بتفاصيله الصغيرة. أنا اسمي سيد، مهندس في شركة مقاولات في القاهرة، وكنت متجوز سنية حوالي سبع سنين قبل ما ننفصل. انفصالنا حصل بهدوء غريب، من غير فضايح ولا صراخ، مجرد حياة بقت تقيلة علينا إحنا الاتنين. مشاكل صغيرة كانت بتكبر كل يوم، وضغط شغل، وقلة كلام، لحد ما في يوم قعدنا قدام بعض ووقعنا الورق وكأننا بنقفل باب قديم ونمشي. بعد الطلاق أنا فضلت في القاهرة، غرقان في المشاريع والمواقع، وسنية نقلت للبحر واشتغلت في مجال السياحة. التلات سنين اللي فاتوا مروا كأننا عمرنا ما عرفنا بعض، لا اتصال ولا رسالة ولا حتى صدفة في شارع. كنت فاكر إن الحكاية خلصت للأبد، لحد ما الشركة بعتتني مأمورية لشرم الشيخ عشان أعاين موقع قرية سياحية جديدة. نزلت في فندق هادي قريب من الممشى، وبعد يوم طويل في الحر والغبار قررت أتمشى شوية بالليل. الجو كان جميل والهواء جاي من البحر، والمزيكا الهادية طالعة من الكافيهات. دخلت كافيه صغير وطلبت شاي، وأنا قاعد لمحت ست واقفة عند الكاشير. مجرد وقفتها خلت قلبي يدق. كانت سنية. لما لفت وشها وشافتني اتجمدنا إحنا الاتنين لحظة، وبعدها ابتسمت ابتسامة خجولة وقالت اسمي. قعدنا سوا والكلام في الأول كان تقيل، اتنين عاشوا سنين تحت سقف واحد وبقوا فجأة غرباء. لكن مع الوقت الضحك رجع، وافتكرنا سفرات قديمة ومواقف سخيفة كانت بتضحكنا زمان. قرب نص الليل قالت لي نمشي شوية


على البحر. مشينا على الرمل الأبيض والموج بيكسر بهدوء، وكل خطوة كانت بتقرب المسافة اللي الزمن عملها بينا. من غير ما نقول كتير فهمنا إن فيه حاجة لسه عايشة جوانا، حاجة بسيطة لكنها حقيقية. في الليلة دي رجعت معايا الفندق. قلت لنفسي إنها لحظة عابرة بين اتنين كانوا قريبين من بعض زمان. تاني يوم صحيت متأخر والشمس داخلة من الستارة. سنية كانت واقفة قدام الشباك لابسة قميصي الأبيض وباصه للبحر. المنظر رجع لي إحساس قديم بالألفة، لكن لما قمت من السرير شفت حاجة خلتني أتجمد. على الملاية البيضاء كانت فيه بقعة حمراء واضحة. فضلت باصص لها وعقلي بيدور في دوامة أسئلة. سنية كانت مراتي سنين وأنا عارف مواعيدها الصحية كويس، والوقت ده مش وقته خالص. حاولت أهدى نفسي وأسألها، لكنها لما بصت للبقعة سكتت لحظة وقالت بصوت واطي إنها ممكن تكون خبطة بسيطة أو حاجة حصلت من غير ما تاخد بالها. كلامها ماقنعنيش، لكني ما حبتش أكبر الموضوع. خلصنا اليوم كل واحد فينا ساكت أكتر من اللازم، وبعد الظهر ودعتها قدام الفندق. قالت لي إنها راجعة الغردقة، وأنا كملت شغلي يومين كمان ورجعت القاهرة. حاولت أتعامل مع اللي حصل كأنه مجرد صدفة، لكن الصورة كانت بترجع لي كل ليلة: سنية واقفة قدام الشباك والبقعة الحمراء على الملاية. بعد حوالي شهر كنت في المكتب لما الموبايل رن. الرقم كان غريب، لكن أول ما سمعت الصوت عرفت فوراً. كانت سنية. صوتها كان متوتر وقالت إنها محتاجة تقابلني ضروري. اتفقنا نتقابل في القاهرة

لأنها جاية شغل يومين. لما قعدنا قدام بعض في كافيه هادي حسيت إن فيه حاجة تقيلة في الجو. سنية فضلت ساكتة شوية وبعدين قالت جملة قلبت الدنيا جوايا: إنها عرفت قبل أسبوعين إنها حامل. حسيت الأرض بتتحرك تحتي. حسبت الأيام بسرعة في دماغي، وفهمت إن الطفل ده ممكن يكون من الليلة اللي قضيناها في شرم. بصت لي وقالت إن البقعة اللي شفتها يومها كانت نتيجة عملية جراحية بسيطة كانت عاملاها قبل السفر بأيام عشان تعالج مشكلة كانت مأثرة على قدرتها إنها تخلف. العملية كانت ناجحة، لكنها ما كانتش حابة تحكي عنها لأي حد، حتى لي وأنا كنت جوزها زمان. قالت إن الأطباء كانوا دايماً بيقولوا إن فرصتها ضعيفة جداً في الحمل، لكن بعد العملية حصلت المعجزة. لما سمعت الكلام حسيت بصدمة أكبر من أي حاجة توقعتها. طول سنين جوازنا كنت فاكر إن تأخر الأطفال مشكلة مشتركة بينا، لكن الحقيقة إنها كانت شايلة الحمل ده لوحدها، خايفة تقول وتخاف تزعلني أو تحسسني بالضغط. سنية قالت إنها ما اتصلتش بيا أول ما عرفت، لأنها نفسها كانت محتارة ومش عارفة تعمل إيه. كانت بتفكر هل تقول لي ولا تكمل حياتها لوحدها. قعدنا ساعات نتكلم عن الماضي وعن اللي حصل. لأول مرة فهمت قد إيه كنا بعيد عن بعض وإحنا تحت سقف واحد. وفي نفس الوقت حسيت إن الحياة بتدينا فرصة غريبة نعيد ترتيب كل حاجة. بعد أيام من التفكير رجعت قابلتها تاني وقلت لها إن الطفل ده مسؤوليتي زي ما هو مسؤوليتها، وإننا لازم نفكر بعقلنا مش بخوفنا. ما اتفقناش فوراً

على الرجوع لبعض، لكن اتفقنا إننا هنقف جنب بعض عشان المولود اللي جاي. الشهور اللي بعد كده كانت مليانة زيارة دكاترة وتحاليل وضحك أحياناً وخوف أحياناً تانية. ومع كل خطوة كنت بحس إن العلاقة اللي ماتت زمان بتتنفس من جديد. مش بنفس الشكل القديم، لكن بشكل أهدى وأنضج. بعد تسعة شهور كنت واقف قدام حضانة المستشفى في الغردقة وأنا شايف طفل صغير نايم بهدوء. سنية كانت تعبانة لكنها مبتسمة. لما مسكت إيده الصغيرة حسيت إن الكابوس اللي بدأ ببقعة حمراء على ملاية في فندق بشرم انتهى بمعنى مختلف تماماً. أحياناً الحياة بتخبّي الحقيقة في تفصيلة صغيرة تخوفك في الأول، لكن بعد وقت تكتشف إنها كانت بداية طريق جديد ماكنتش تتخيله أبداً.

بعد ما مسكت إيد الطفل الصغير لأول مرة في حضانة المستشفى، حسيت إن الدنيا كلها وقفت لحظة. الإيد كانت صغيرة جداً لدرجة إن صباعي كان أكبر من كفه كله، لكنه كان قابض عليه كأنه عارفني من زمان. سنية كانت نايمة في الأوضة بعد الولادة، مرهقة لكن على وشها ابتسامة هادية عمري ما شوفتها قبل كده. وقفت قدام الزجاج فترة طويلة، أبص للطفل وبسأل نفسي سؤال واحد: إزاي الحياة ممكن تتغير بالشكل ده فجأة؟ من شهرين بس كنت فاكر إن علاقتي بسنية صفحة اتقفلت للأبد، وفجأة بقيت واقف قدام طفل ممكن يربط حياتنا ببعض طول العمر.


دخلت الأوضة بعدها بدقايق. سنية كانت صاحية وباصالي. لما شافتني ابتسمت وقالت بصوت ضعيف:

— شوفته؟


هزيت راسي وأنا بحاول أبتسم:

— شفته… ومش مصدق.

تمت 

 


 

تعليقات

التنقل السريع
    close