الرقصة التي أنقذت طفلاً… وأعادت قلب أبٍ إلى الحياة
الرقصة التي أنقذت طفلاً… وأعادت قلب أبٍ إلى الحياة
صدر صوت بكاء خافت من الطابق العلوي.
توقفت أماندا عن التنظيف وأصغت.
استمر الصوت كان بكاء طفل.
صعدت السلالم تتبع خيط الصوت حتى وصلت إلى الممر وهناك رأت صبيا جالسا على الأرض عصا بيضاء. كان يرتدي نظارات داكنة ودموعه تنزل بصمت.
قالت بلطف
مرحبا صغيري هل أنت بخير
رفع رأسه على الفور.
من هناك
أنا أماندا. وأنت
بنجامين قال وهو يمسح أنفه بكمه.
كنت أريد الذهاب لأحضر ماء من الأسفل لكنني خفت أن أسقط عن الدرج.
مدت أماندا يدها نحوه
تعال معي لن أدعك تسقط أعدك.
في المطبخ ناولته كوبا من الماء ووقفت تراقبه وهو يشرب ببطء.
سألته بابتسامة
هل تحب الموسيقى يا بنجامين
أجاب بصوت منخفض
أحبها كانت أمي تغني لي.
ثم خيم الحزن على ملامحه.
لكنها رحلت.
أخرجت أماندا هاتفها وشغلت موسيقى هادئة.
اسمع هذه إنها جميلة.
أضاءت عينا بنجامين من خلف النظارات.
يبدو كصوت طائر يغني.
قالت بلطف
هل تريد أن نرقص كل الناس يستطيعون الرقص الموسيقى تسمع بالقلب لا بالعينين.
أنا لا أعرف كيف أرقص.
سأعلمك.
أمسكت بيديه وبدأت تتحرك بهدوء يمينا ويسارا. ثم رفعت ذراعيه قليلا كما لو أنهما جناحان.
تخيل أنك طائر يطير في السماء.
ابتسم بنجامين ابتسامة كبيرة
أنا أطير فعلا!
راحا يرقصان في غرفة الجلوس وأماندا تصف له الصور كأنها ترسم في الهواء
أنت الآن فوق الغيوم
والآن تنخفض قليلا تقترب من الأزهار
ضحك بنجامين بحرية يتحرك بلا خوف والموسيقى تدفئ المكان كله.
كانا يرقصان كأنهما صديقان منذ زمن بعيد.
وكان بنجامين سعيدا يملأ المكان كله بحضور لم يظهر منذ شهور.
وفجأة فتح باب المنزل الأمامي.
دخل دييغو حاملا حقيبته بملامح رجل في الخامسة والثلاثين أثقلته الحياة والعمل والهروب من ذكرياته.
توقف في مكانه متجمدا.
كان يرى ما لم يره منذ زمن طويل
ابنه الذي بالكاد يتحدث معه منذ أشهر يرقص بلا خوف وبابتسامة حقيقية مع عاملة النظافة.
ابتسم بنجامين بطريقة لم يرها دييغو منذ وقت طويل. امتلأت عيناه بالدموع. كانت تلك أول مرة يبتسم فيها بنجامين منذ وفاة أمه. وقف دييغو في مكانه يراقب ابنه يرقص. الذكريات هاجمته بقوة. عاد عقله سنتين إلى الوراء إلى المستشفى. هيلينا على السرير ضعيفة جدا بعد الحادث.
قال الأطباء إنها لن تتحمل.
همست بصوت مبحوح
دييغو لازم أقول لك شي.
خلصي لا تتكلمي
قال الأطباء إنها لن تتحمل.
همست بصوت مبحوح
دييغو إذا صار لي شيء أرجوك لا تترك بنجامين وحده.
لا تقولي هذا الكلام الآن
تنفست بصعوبة وتابعت
ما كنت أما مثالية ولا زوجة مثالية لكني أعرف شيئا واحدا أنت أفضل أب يمكن أن يحصل عليه. لا تسمح للحزن أن يأخذك منه.
حاول أن يبتسم رغم الألم
لن يأخذني شيء منه ولا منك.
لكن القدر
كان أسرع. رحلت هيلينا بعد ساعات قليلة وبقي دييغو وحيدا مع طفل يحمل ملامحها وصوتها وذكراها.
منذ ذلك اليوم كان كلما نظر إلى بنجامين رأى فيه ألم الفقد كل ابتسامة من الصبي كانت تذكره بما خسره لا بما يملكه.
حاول أن يكون أبا جيدا لكن الحزن كان أثقل من قدرته على التعبير عن الحب. استأجر مربية تلو أخرى ومعلمين وأطباء كل ذلك فقط حتى لا يضطر للبقاء وحده مع وجعه وذكرياته.
الصبي بدأ ينغلق على نفسه. أولا توقف عن السؤال لماذا لم يعد أبي يلعب معي. ثم توقف عن محاولة الحديث.
ماتت هيلينا بعد ساعات قليلة. وبقي دييغو وحيدا مع طفل يحمل ملامح رجل آخر.
في كل مرة كان ينظر فيها إلى بنجامين يتذكر شعور بالذنب. كل ابتسامة من الصبي كانت تؤلمه. حاول أن يكون أبا جيدا لكن الألم كان أقوى من الحب. استأجر مربية تلو أخرى ومعلمين وأطباء كل ذلك فقط حتى لا يضطر للبقاء وحده مع بنجامين. الصبي بدأ ينغلق على نفسه. أولا توقف عن السؤال لماذا لم يعد أبي يلعب معي. ثم توقف عن محاولة الحديث.
تحول إلى طفل حزين يقضي اليوم كله في غرفته وها هو الآن هناك يرقص مع غريبة ويبتسم ابتسامة حقيقية. خلال خمس عشرة دقيقة استطاعت عاملة تنظيف أن تفعل ما لم يستطع دييغو فعله خلال سنوات. توقفت الموسيقى. رأت أماندا دييغو عند باب الغرفة.
سيد فيغيريدو آسفة لم أسمع أنك دخلت.
تجمد بنجامين عندما سمع صوت أبيه. اختفى الابتسام فورا.
بابا
خرج صوته صغيرا ضعيفا.
شعر دييغو بغضب شديد من نفسه لأنه رأى الخوف في عيني ابنه لكنه في الوقت نفسه شعر بالغضب من أماندا لأنها شاهدت تلك الألفة التي لا يستطيع هو أن يعيشها مع ابنه. صعد بنجامين إلى غرفته.
لكن يا بابا كنت فقط
أخفض بنجامين رأسه وصعد الدرج ببطء. كل درجة كان يصعدها كانت تؤلم صدر دييغو. بقيت أماندا في الصالة لا تعرف ماذا تفعل.
أمسك دييغو الهاتف. قرر أن يتصل في الصباح الباكر بمكتب التوظيف ليطرد أماندا. في الصباح انتظر وصولها. قضى الليل كله
يفكر في الكلمات التي سيقولها لها.
اجلسي لازم نحكي.
جلست أماندا على كرسي المطبخ.
صار شي
أنت تجاوزت حدودك أمس.
كيف يعني
مين سمح لك تتصرفي مع ابني
قطبت أماندا حاجبيها.
كان عم يبكي لوحده فوق وكان عطشان.
تم توظيفك لتنظيف البيت مش لتربية طفل.
أنا بس ساعدته بدون إذنك.
شغلك هون انتهى.
صدمت أماندا.
عم تطردني لأني لعبت مع ابنك
عم بطردك لأنك ما احترمتي قواعد بيتي.
أي قواعد أنت ما قلت لي أبدا إنه ممنوع أتكلم مع بنجامين.
كان دييغو يعرف أنها على حق لكنه لم يستطع التراجع الآن.
مو مضطر أشرح شي. خذي أغراضك وامشي.
ظهر بنجامين أعلى الدرج.
بابا ليش عم تتخانقوا أنا وأماندا
ارجع على غرفتك يا بنجامين.
بس بدي أعرف شو عم يصير.
نظرت أماندا للصبي بحنان.
هاي يا حبيبي بابا قرر إني ما عاد أشتغل هون.
ليش
نزل بنجامين بعض الدرجات.
لأنه مبارح لعبت معي بدون إذنه.
بس كانت رقصة صغيرة وكانت حلوة.
بعرف يا روحي بس أحيانا الكبار عندهم قوانين غريبة.
أماندا راح تروح للأبد
أجاب دييغو قبل أن تتمكن أماندا من الرد
نعم.
انفجر بنجامين بالبكاء.
ليش يا بابا! ليش دايما تطرد كل حدا يحبني
صفعت الجملة قلب دييغو.
بنجامين مو هيك
بلى هيك!
المربية آنا طردتها لأن كانت تخليني أحضر كرتون.
الخالة كارلا طردتها لأنها علمتني ألعب كرة.
وهلق أماندا لأن رقصت معي.
ضرب بيده على الدرابزين.
أنت ما بدك حدا يحبني.
اقتربت أماندا من الصبي.
مو ذنبك فهمت أنت ولد رائع.
طيب ليش عم تروحي إذن
نظرت أماندا إلى دييغو بغضب.
لأن الكبار أحيانا بيعملوا حماقات لما بيكونوا خايفين.
خايفين من شو
من الحب.
كل كلمة قالتها أصابت دييغو في قلبه. أخذت أماندا حقيبتها وكتبت شيئا على ورقة ثم أعطتها لبنجامين.
شو هذا
عشان تذكر إنك تظل ترقص بقلبك حتى لو ما في موسيقى شغالة.
ضم بنجامين الورقة إلى صدره وبكى أكثر. خرجت أماندا وتركت وراءها أبا وابنا في أزمة ستستمر أسابيع.
بعد ثلاثة أسابيع عاد البيت إلى صمته المعتاد. لم يعد بنجامين يخرج من غرفته بالكاد يأكل ولا يتكلم مع أحد. استأج
ر دييغو السيدة أنطونيا امرأة قاسية بعض الشيء تعامل بنجامين كما لو كان مريضا.
بنجامين وقت الغداء.
طرقت الباب.
ما بدي.
الطفل لازم يأكل.
دخل دييغو الغرفة. رأى ابنه مستلقيا على السرير معه ورقة أماندا.
حبيبي لازم تأكل شوي.
ما بدي.
ليش
لأن لما نكون حزينين الأكل ما له طعم.
جلس دييغو على طرف السرير.
لساك زعلان عشان أماندا
أنت ما راح تفهم.
جرب تشرح لي.
استدار بنجامين نحوه.
أماندا كانت تخليني أحس إني طبيعي. معها كنت أنسى إني ما بشوف. هلق أتذكر طول الوقت إني مختلف.
أنت مو مختلف.
بلى وأنت تخجل مني.
انقطع نفس دييغو.
مين قال لك هذا
ما حدا احتاج يقول.
في المساء ظهر فابيو على الباب. هو محامي العائلة منذ سنوات ودائما يحمل ابتسامة مزيفة قليلا.
دييغو شكلك تعبان كتير.
حكى له دييغو عن بنجامين وأماندا.
عملت الصح بطرد هالمرأة. هالنوع من الناس يعرفوا منيح كيف يستغلوا العائلات الغنية. يستخدموا الأطفال ليحققوا اللي بدهم إياه.
ما بعرف يا فابيو بنجامين كان سعيد معها.
بالضبط. استغلت الولد لتحرك مشاعرك. هذا شي شائع.
ظل دييغو يفكر.
بتعرف شو بدك بدك مرأة حقيقية إلى جانبك. وحدة من مستوانا.
مال فابيو للأمام.
بعرف واحدة مثالية إلك.
مو مهتم.
باتريسيا أندرادي. متعلمة أنيقة ومتحمسة تتعرف عليك.
عرف دييغو هذا اللقب. والدها يملك شركة مقاولات ضخمة.
شو رأيك نتعشى سوا بكرة أنا وأنت وباتريسيا وأبوها شغل وبس.
تردد دييغو. ربما يكون فابيو على حق. ربما يحتاج إلى شخص مناسب.
مجرد عشاء.
ابتسم فابيو.
ممتاز. باتريسيا غير عن هالمستغلات.
بينما كانا يتحدثان كان بنجامين يسمع كل شيء عن طريق جهاز المراقبة في غرفته. لم يفهم كل الكلام لكنه أدرك أن والده سيلتقي امرأة جديدة. امسك ورقة أماندا وهمس
أماندا أرجوك ارجعي بابا عم ينسى وجودنا.
لم يستطع دييغو النوم. جزء منه يعرف أنه كان ظالما مع أماندا. في الصباح اتخذ قرارا سيذهب للبحث عنها لقول بعض الحقائق. اكتشف أنها تعمل في المستشفى البلدي مكان مزدحم مليء بالضجيج مختلف تماما عن بيته الصامت. ذهب هناك في نهاية اليوم. المستشفى كان في حالة فوضى ناس ينتظرون أطفال يبكون حركة في كل مكان.
وجد أماندا في الطابق الثالث تنظف الممر. شعرها مرفوع متعبة وعرقها يبلل جبينها. عندما رأته توقفت عن العمل.
سيد فيغيريدو شو عم تعمل هون
لاحظ أنها أنحف وبأسفل عينيها هالات سوداء.
جئت أبحث عنك.
ليش
فينا نحكي بمكان خاص
أنا عم اشتغل. إذا بدك تحكي احكي هون.
البرود في صوتها استفز دييغو.
كيف حال بنجامين
سيء. ما عم يأكل منيح ما يطلع من غرفته.
وجيت لهون بس عشان تخبرني هذا
جئت أعرض عليك ترجعي للشغل.
ضحكت أماندا بمرارة.
جد وشو اللي تغير
لا تكوني ساخرة معي.
ساخرة يا سيد فيغيريدو أنت طردتني بدون سبب وهلق جاي وكأنك عم تعمل معي معروف.
مر ممرض قريبا منهم ينظر إليهما. شعر دييغو بالحرج.
أنت محتاجة شغل ولا لأ
محتاجة أشتغل بس ما أحتاج صدقة.
مو صدقة.
أسندت أماندا الممسحة إلى الحائط .
خليني أخمن بنجامين عم يعاني واكتشفت أنك تحتاجني لتحل مشكلتك.
استفزه كلامها لأنها أصابت الحقيقة.
رحت تدوري على عائلة غنية ثانية تستغليها
خرج السؤال أقسى مما أراد.
تألمت أماندا.
أستغل صوتها ارتجف.
أنا أشتغل 14 ساعة في اليوم حتى أسد ديون أمي اللي ماتت بالسرطان. ما عندي وقت ولا طاقة حتى أستغل حدا.
أمك ماتت من ستة أشهر.
عشان هيك كنت محتاجة الشغل في بيتك بهالقدر.
مسحت دمعة بسرعة.
بس أنت ما سألت ولا مرة عن حياتي قبل ما تتهمني بأني طماعة.
شعر دييغو بانقباض في صدره.
ما كنت أعرف.
أكيد ما كنت تعرف. ما اهتميت تعرف أصلا قبل ما تحكم علي.
أخذت الممسحة مرة أخرى.
هلق خليني أشتغل. عندي فواتير لازم أدفعها.
جئت أقدم شغل شريف إذا هذا يزعجك المشكلة مش عندي.
وقف دييغو يراقبها تبتعد. شعر أنه قمامة. جاء معتقدا أنه سيجد أماندا خاضعة ممتنة فوجد امرأة كريمة لا تقبل الإهانة.
بعد نصف ساعة شعرت أماندا بدوخة قوية. أسندت نفسها إلى الحائط. أظلمت الدنيا أمام عينيها وفقدت الوعي في الممر.
حين كان دييغو يغادر موقف السيارات سمع في جهاز لاسلكي السيارة
موظفة فقدت الوعي في الطابق الثالث. فريق طبي على وجه السرعة.
عاد يركض. نقلت أماندا إلى الإسعاف. شرح الطبيب أنها تعاني جفافا حادا وضعفا شديدا على
الحافة. بقي دييغو حتى أفاقت. عندما فتحت عينيها ورأته همست
ليش لساك هون
لأنني كنت أحمق سامحيني.
أغلقت عينيها مجددا متعبة جدا عن الرد. دمعة سالت على خدها. عندها أدرك دييغو أنه لا يستطيع الهرب من الحقيقة أكثر. أماندا امرأة شريفة تعاني وله ذنب فيما أصابها. شعوره بالذنب الآن صار أكبر من ألم فقدان زوجته…. لأول مرة منذ سنتين فهم أنه يؤذي أبرياء بسبب جرح لا يخص إلا قلبه.
بقي في المستشفى. أماندا على السرير ما تزال ضعيفة. قال الطبيب لدييغو إنها تعاني سوء تغذية على الحافة.
لازم ترتاح وتأكل جيدا. الاستمرار بالعمل 14 ساعة في اليوم رح يقتلها.
جلس دييغو إلى جانبها حتى استيقظت مرة أخرى. همست
ليش لساك هون
لأني محتاج أطلب منك شي.
سحب كرسيا وجلس.
ارجعي معنا على البيت. بنجامين عم يموت من الحزن.
أدارت وجهها.
مرقنا بهذا الشي من قبل.
عارف إني كنت أحمق لكن ابني ما عم يأكل ما يحكي ما يطلع من غرفته صوته اختنق.
هو عمره ثمان سنوات فقط ما يستاهل يدفع ثمن أخطائي.
وأنا أستاهل أنهان كل مرة تعصب فيها
أخفض دييغو رأسه.
لا ما تستاهلي.
نظرت إليه بجدية.
إذا رجعت بدي عقد مكتوب. شهرين على الأقل مضمونين بدون طرد بالمزاج.
موافق.
وبدي راتب مقدم.
اللي تطلبيه.
وإذا أهنتني مرة ثانية أترك البيت فورا وتدفع لي تعويض.
وافق دييغو على كل شيء. كان يائسا.
ليش عم تعمل هذا
ليش ما توظف واحدة ثانية
لأنك الوحيدة اللي خلت ابني يبتسم من سنتين.
صمتت أماندا لحظات.
طيب بس هالمرة كل شي رح يكون غير.
في اليوم التالي عادت أماندا إلى البيت. عندما سمع بنجامين صوتها في المطبخ نزل الدرج يركض تعثر وكاد يسقط.
أماندا! رجعتي!
اندفع نحوها بسرعة وتمسك بطرف ثوبها وهو يبكي من الفرح.
رجعت يا حبيبي وهالمرة ما رح أروح بسهولة.
راقبهما دييغو من بعيد متأثرا. في الجهة الأخرى من المدينة كان فابيو في مكتبه حين تلقى اتصالا من شخص يعرفه في المستشفى.
دكتور فابيو شفت السيد دييغو هون أمس مع شابة. كانوا قريبين جدا.
مع مين
وحدة اسمها أماندا. بقي معها لوقت متأخر.
أغلق فابيو الهاتف غاضبا. كل خططه تنهار.
أعادت أماندا تنظيم روتين البيت. موسيقى وقت الأكل رقصة قبل الحمام حكاية مغناة قبل النوم. تغير بنجامين تماما. عاد يتكلم ويلعب ويتجول في البيت بلا خوف يهمهم بالأغاني التي تعلمه إياها أماندا.
أماندا اليوم حلمت إني كنت أطير عن جد. قال وهو يتغدى.
عن جد ولوين طرت
طرت للسماء عشان أحكي مع ماما. قلت لها إنك رجعتي وإني صرت أعرف أرقص.
امتلأت عينا أماندا بالدموع.
وشو قالت لك أمك
قالت إنها فرحانة لأنها هلق عارفة إني عندي إياك.
كان دييغو يسمع من باب المطبخ. انقبض صدره من شدة التأثر لكنه ما زال غير قادر على الاقتراب كثيرا.
في المساء وبينما كانت أماندا تعلم بنجامين رقصة المطر توقف الصبي فجأة وسأل
أماندا ليش بابا ما يلعب معنا
أوقفت الموسيقى.
ما بعرف يا حبيبي ليش تظن
أظن إنه ما يحبني.
ليش بتفكر هيك
انخفض رأسه.
لأني ما بشوف يمكن هو يخجل مني.
جثت أماندا أمامه.
اسمعني منيح يا بنجامين كونك ما تشوف ما يخليك أقل جمالا ولا أقل قيمة. أنت حنون ذكي ومضحك وأي أب لازم يفتخر فيك.
طيب ليش بيزعل لما يكون جنبي
لم تعرف أماندا ماذا تقول.
تعرف ماذا رح أسأله بنفسي.
عن جد
عن جد. الليلة نحل الموضوع.
ابتسم بنجامين بأمل. أدركت أماندا أنها وعدت بشيء قد ينقلب كارثة.
تلك الليلة بعد أن نام بنجامين ذهبت إلى دييغو في الصالة.
لازم نحكي.
وقف من كرسيه.
عن شو
عن ابنك اللي يظن إنك تخجل منه.
ضربت الجملة دييغو كصفعة.
هو قال هذا
قال إنك ما تحبه لأنه ما يشوف.
جلس منهارا على الأريكة.
هذا مو صحيح.
طيب ليش ما توريه العكس ليش ما تلعب معه ليش ما تكون جزء من حياته
أنت ما تفهمين الوضع.
طيب خليني أفهم لأنه في طفل عمره ثمان سنوات عم يتعذب وهو يظن إن أبوه ما يحبه.
وقف دييغو غاضبا.
أنت ما تفهمين شي عن حياتي.
فخليني أفهم! صرخت أماندا.
أنا شايفة ولد رائع ما بده شيء غير حنية أبوه وشايفة أب يتصرف كأنه خائف من ابنه.
مو خوف.
طيب شو هو هل عمل لك شي
مرر يده بعصبية في شعره.
الموضوع معقد.
لا مو معقد. هذا الولد يحبك أكثر من أي شيء. يحكي عنك طول الوقت بابا يشتغل كثير بابا ذكي بابا رح يفتخر في.
شبكت ذراعيها.
لكن أنت تتصرف معه كأنه غريب.
مو صحيح.
بل صحيح. بالكاد تنظر له. لما يحكي تجاوب أي جواب. لما يحاول يوريك شي تقول إنك مشغول.
كان دييغو يعرف أنها محقة لكنه لا يستطيع الاعتراف.
أماندا أنت ما عندك أولاد ما تفهمين.
ما أحتاج يكون عندي أولاد حتى أعرف إن الطفل يحتاج حب ويحتاج يعرف إنه محبوب.
كانا يصرخان. لم ينتبها إلى أن بنجامين استيقظ ونزل.
لازم يعرف إنك تهتم له وإنك تبغيه سعيد.
أنا أبغيه سعيد.
طيب وريه هذا العب معه قل له إنك تحبه. مو صعبة.
ظهر بنجامين في باب الصالة وهو يبكي.
ليش تتخانقون بسببي
التفتا إليه مذعورين.
بنجامين حبيبي
اقترب دييغو.
سمعتكم أماندا زعلانة لأنك ما تحبني.
مو هيك يا حبيبي. تقدمت أماندا نحوه.
باباك يحبك كثير.
لا ما يحبني لو يحبني كان يلعب معي
شعر دييغو بقلبه يتحطم.
بنجامين أنا أحبك.
طيب ليش ما تقعد جنبي ليش ما ترقص معي أبدا
لم يعرف ماذا يجيب. كانت الحقيقة مؤلمة أكثر من أن تشرح لطفل. نظرت أماندا إليهما.
تعالوا لازم نحل الموضوع هلق.
ما في داعي أماندا
بل في داعي.
ذهبت إلى جهاز الصوت وشغلت موسيقى هادئة.
بنجامين باباك رح يتعلم يرقص معك.
هو ما بده.
بده بس مستحي.
مدت يدها لكليهما.
تعال يا دييغو ابنك عم يناديك.
بقي واقفا متجمدا.
بابا نقدر نجرب
مد بنجامين يده الصغيرة. انكسر قلب دييغو وهو يرى تلك اليد الصغيرة تنتظره. تنفس بعمق وأمسك يد ابنه لأول مرة منذ شهور.
وقفت أماندا خلفهما توجه حركتهما.
على مهلكم اسمعوا الموسيقى.
في البداية كان جسد دييغو متصلبا متوترا ثم بدأ يرتخي رويدا رويدا. كانت الموسيقى لطيفة ويد بنجامين دافئة.
همست أماندا
تخيلوا إنكم عصافير تطير مع بعض.
ابتسم بنجامين.
بابا نحن عم نطير.
نظر دييغو إلى ابنه فرأى في وجهه فرحا خالصا.
نعم نحن نطير.
رقصا ببطء في الصالة. ابتعدت أماندا بهدوء وتركت الأب وابنه وحدهما.
بابا ليش ما عملنا هذا من قبل
شعر دييغو بغصة في حلقه.
لأن أبوك غبي شوي أحيانا.
أنت مو غبي أنت بس نسيت.
صحيح نسيت.
استمرا في الرقص. شعر دييغو بسلام لم يشعر به منذ سنوات. لأول مرة منذ موت هيلينا استطاع أن ينظر إلى بنجامين ويرى فقط ابنهلا ألم بل طفل يحبه.
عندما انتهت الموسيقى جلس بقربه .
شكرا لأنك رقصت معي يا بابا.
شكرا لأنك علمتني.
راقبتهما أماندا من بعيد متأثرة. بعد أن صعد بنجامين إلى غرفته بقيت مع دييغو وحدهما في الصالة.
شكرا لك. قال دييغو بصوت منخفض.
على شو
لأنك رجعتي لي ابني.
ابتسمت أماندا.
هو كان ابنك دائما.
تلاقى نظرهما. كان في الهواء توتر مختلف لم يعد غضبا بل شيئا أعمق. اقترب دييغو منها ببطء. لم تبتعد أماندا.
أماندا أنا
رن الهاتف. ابتعدا فورا. أجاب دييغو.
دييغو معك فابيو. فيني أجي لعندك بدي أعرفك على شخص مميز.
بعد ساعة وصل فابيو ومعه امرأة شقراء أنيقة.
دييغو هاي باتريسيا اللي حكيت لك عنها.
أهلا. قالت بابتسامة مثالية.
فابيو يحكي عنك كثير.
سلم عليها دييغو بلا حماس. نظر يبحث عن أماندا التي انسحبت إلى المطبخ.
آسف جينا متأخرين شوي. قال فابيو.
بس باتريسيا كانت متحمسة تتعرف عليك.
صحيح. والدي دائما يذكر مشاريعك.
جلست باتريسيا على الأريكة.
هو يظن إنكم تقدروا تشتغلوا سوا.
راح فابيو يراقب كل حركة من دييغو كل تعبير على وجهه.
وين بنجامين سأل.
باتريسيا تحب الأطفال.
نايم.
يا خسارة أنا بدي يكون عندي أولاد كثير.
عادت أماندا من المطبخ تحمل القهوة. رأى فابيو وجهها فظهر الغضب على ملامحه لثانية ثم أخفاه.
آه هاي أماندا. هي تهتم بالبيت. قال دييغو بجفاء.
فهمت. ابتسم فابيو ابتسامة كاذبة.
حلو يكون عندك موظفين شاطرين.
قدمت أماندا القهوة بصمت لكنها شعرت بنظرات فابيو تحرقها.
أماندا فيك تتركينا لوحدنا طلب فابيو.
بدنا نحكي شغل.
فيها تبقى. تدخل دييغو.
الأفضل نبقى لوحدنا. قالت باتريسيا بنعومة لكن بحزم.
هذه أمور تخص الشركة.
خرجت أماندا وبقيت قريبة تسمع جزءا من الحديث.
دييغو عند باتريسيا فكرة ممتازة. مال فابيو للأمام.
والدي ناوي يتوسع بالعقارات. شرحت باتريسيا.
ويحتاج شريك قوي مثلك. أكمل فابيو.
استمع دييغو بأدب لكنه كان يفكر في أماندا.
طبعا شراكة مثل هذه تحتاج قربا بين العائلتين. تابعت باتريسيا وهي تلمس ذراع دييغو.
بالضبط. صفقات بين الأصدقاء دائما تنجح.
عندما غادروا ودعهم فابيو عند الباب.
فكر بالعرض باتريسيا مميزة فعلا.
في السيارة سألت باتريسيا
ها
العاملة رجعت هذا يعقد الأمور.
ليش هي بس خدامة.
لا شفت كيف نظر لها لما دخلنا وكيف هي نظرت له. مو بس علاقة رب عمل وموظفة.
متأكد
متأكد. وإذا اجتمعوا نخسر ملايين.
أخرج فابيو هاتفه.
لازم أتحرك.
كيف
ابتسم ابتسامة خبيثة.
خليها علي أعرف كيف أتعامل مع نساء من هالنوع.
في اليوم التالي تلقت أماندا اتصالا.
أماندا معك الدكتور فابيو. فيني أعطيك نصيحة
أي نصيحة
انتبهي من الرجال من نوعه يملون بسرعة من المغامرات.
شعرت أماندا بقشعريرة.
شو تقصد
بس نصيحة من صديق انتبهي على قلبك عشان ما ينكسر.
وأغلق الخط.
مر شهران. انتهى عقد أماندا وأراد دييغو أن يمدده بشكل دائم.
بدي تبقي هنا للأبد. قال لها في المطبخ.
بنجامين ما كان في عمره مبسوط مثل هلق.
وأنت تريدي تبقي
نظر في عينيها.
أريد.
خفق قلبها بقوة ولكن في اليوم نفسه ذهب فابيو إلى مكتب دييغو.
لازم نحكي عن أماندا.
شو فيها
ما تشوف غريب إنها صارت فجأة ضرورية لهالدرجة فجأة صارت محور حياتك
قطب دييغو جبينه.
هي شاطرة بشغلها.
دييغو أنا بعرفك من 15 سنة. تثق في.
جلس فابيو.
النساء مثلها أذكياء كثير يعرفوا كيف يسيطروا على الرجل الغني من خلال أولاده.
مو سيطرة بنجامين يحبها.
بالضبط درستكم قبل ما تيجي. عرفت إن الولد أعمى وإنكم عايشين لوحدكم. كله مخطط.
هز دييغو رأسه.
عم تبالغ.
أنا أحاول أحميك مثل ما حميت أبوك وجده قبلك.
وقف فابيو.
خليني بس أبحث شوي بالماضي تبعها مجرد معلومات أساسية. إذا ما في شي مريب أترك الموضوع.
تردد دييغو. جزء منه يثق بأماندا لكن جزءا آخر ما يزال خائفا.
طيب بس شي بسيط.
ابتسم فابيو.
بسيط جدا.
في الأيام التالية صار دييغو أبعد. لاحظت أماندا التغير.
صار شي سألته عندما أصبح يتجنب البقاء وحده معها.
لا بس شغل.
لكنها شعرت أنه يكذب.
بعد أسبوع عاد فابيو ومعه ملف.
دييغو آسف بس لازم تشوف هذا.
أراه أوراقا عن ديون علاج والدة أماندا.
هي مديونة كثير دييغو كثير. أكيد حتدور على عائلة غنية.
تصفح دييغو الأوراق بحيرة.
آسف أجيب أخبار سيئة.
ظل ينظر إلى المستندات. عقله يقول شيئا وقلبه يقول آخر.
شو لازم أعمل
حاليا ولا شي بس انتبه ولا تخليها تقرب
كثير.
في تلك الليلة كان باردا مع أماندا. لاحظت وتألمت.
دييغو إذا عملت شي غلط قول لي.
ما عملت شي.
لكن طريقته كانت تقول العكس. دخلت غرفتها وقلبها مقبوض. شعرت أن أحدا ما يحاول تدمير السعادة التي بنتها.
راقب فابيو البيت من السيارة وهو يبتسم. المرحلة الأولى من خطته تسير كما يريد.
أسبوع آخر مر. صار دييغو أكثر برودا مع أماندا. يتجنب البقاء معها بالكاد ينظر في عينيها. لم تعد تحتمل.
دييغو خلاص وقف. شو عملت أنا
ما عملت شي.
طيب ليش عم تعاملني هيك
تردد.
أماندا يمكن الأفضل تلاقي شغل غير هون.
شعرت بالأرض تسحب من تحت قدميها.
شو
ما عم ينفع.
شو يعني ما عم ينفع بنجامين مبسوط والبيت مرتب
الموضوع مو شغل.
طيب عن شو
لم يستطع الرد. كيف يشرح شكوكه من دون ما يكون قاسيا في تلك اللحظة دخل فابيو يحمل ملفا آخر.
دييغو لازم أحكي معك على انفراد.
خرجت أماندا من الصالة وقلبها يخفق بسرعة. فتح فابيو الملف.
حصلت على معلومات أكثر عنها مو حلوة.
الملف لم يحتوي إلا على ديون علاج أمها وبعض سجلات العمل.
شوف محتاجة فلوس كثير. طبيعي تقرب من عائلة غنية.
تأمل دييغو الأوراق.
هذا فقط يبين إن عندها ديون. وكل الناس عندهم ديون.
شوف التواريخ بس بدأت تدور على شغل فور وفاة أمها وركزت على شغل في بيوت عائلات.
ما أشوف مشكلة.
دييغو أنت أعمى بحبك. هي خططت لكل شي.
أغلق فابيو الملف.
عرفت إنك أرمل وعرفت عن ابنك واستهدفتكم.
كيف عرفت
عندي خبرة مع ناس مثلها. يدرسون العائلة قبل ما يهجموا.
نظر دييغو إلى الأوراق والشكوك بدأت تكبر.
شو تعمل برأيك
اطردها لكن بحذر. نساء مثلها يعملوا فضائح.
أي نوع فضائح
تتهمك بعلاقة غير شرعية تقول إنك استغليتها هذا النوع من الناس ما عنده حدود.
شعر دييغو بالغثيان. ربما كان كل شي مخططا
حاليا تصرف كأنك ما تعرف شي بس لا تخليها تتقرب أكثر.
في تلك الليلة كان جليدا مع أماندا. لاحظ بنجامين التوتر.
بابا ليش أنت وأماندا غريبين
مش غريبين.
بلى ما عاد تحكوا.
ابتسمت أماندا بالقوة.
كل شي تمام يا حبيبي باباك بس تعبان.
لكن بنجامين شعر أن شيئا ما ليس على ما يرام. في الليل ذهب إلى غرفة أماندا.
أماندا أنت حزينة
ليش تقول هيك
لأنك ما غنيت لي اليوم.
أمسك بيده.
أحيانا الكبار يمروا بأوقات صعبة.
عشان بابا
لا تشغل بالك المهم تعرف إني أحبك كثير.
وأنا أحبك وما بدي تروحي.
كلماته مزقت قلبها. أحست أن شيئا سيئا قادم. لم تستطع النوم. كانت تعلم أن أحدا يحيك مؤامرة ضدها لكنها لا تعرف من هو. في الصباح التالي قررت أن تراقب أكثر تصرفات فابيو وباتريسيا.
خلال الأسبوع انتبهت إلى التفاصيل. كل مرة جاء فابيو لزيارة دييغو كان يتصل قبلها بشخص ما يخبره أنه سيتأخر وبصوت حنون أكثر من اللازم.
حبيبتي رح أتأخر شوي لا تقلقي قريبا رح نحل كل شي.
لاحظت أيضا أن باتريسيا تعرف البيت جيدا لواحدة زارته مرة واحدة فقط. تعرف أين الحمام وأين يحتفظ دييغو بالأكواب وكيف يشغل جهاز الصوت.
يوم الخميس رأت أماندا فابيو في موقف سوبرماركت يتحدث مع باتريسيا. كانا قريبين جدا ويتصرفان بحميمية واضحة قبل أن يدخل كل واحد سيارته. التقطت صورة لهما من بعيد بهاتفها.
يوم الجمعة سمعت فابيو يتحدث في الحديقة.
باتريسيا حبيبتي خلاص كل شي تقريبا جاهز. دييغو صار يشك فيها. لا تقلقي قريبا رح تنتقلي تسكني هناك.
سجلت أماندا ما استطاعت تسجيله. لم تكن أدلة مثالية لكنها توضح ما يجري. قررت مواجهة دييغو بما اكتشفت.
في الليل بعد أن نام بنجامين ذهبت إلى الصالة.
دييغو لازم تشوف شي الآن.
لا يا أماندا.
الموضوع عن فابيو وباتريسيا.
رفع رأسه.
شو فيهم
هم عشاق.
ضحك بسخرية.
من وين جبتي هالحكاية
شفتهم واقفين بقرب بعض في موقف السوبرماركت.
. عرضت الصورة على الهاتف.
نظر بسرعة ثم أشاح بوجهه.
ممكن تكون أي شي.
وسمعته يحكي معها بالتلفون يناديها حبيبتي.
أماندا وقفي.
قال لها إنها رح تسكن هون وإنه خلاك تشك في.
نهض غاضبا.
كفاية. أنت عم تختلقي هذا بس لتدافعي عن نفسك.
مو عم أختلق شي. هم يستغلونك.
يستغلوني لأي شي!
ما بعرف بالضبط بس في شي غلط.
اشتد النقاش ولم ينتبها إلى أن بنجامين نزل.
لو سمحتوا وقفوا الخناق.
ظهر الطفل يبكي عند باب الصالة. التفتا إليه.
حبيبي ارجع لفوق قالت أماندا.
لا أنتوا دايما تتخانقوا بسببي.
أنا أسمع كل شي من غرفتي.
قطب دييغو جبينه.
كيف تسمع
في تلك الآلة اللي حطيتها لما كنت صغير تلتقط كل شي تقولوه بالصالة.
تذكر دييغو جهاز المراقبة القديم.
بنجامين شو كمان سمعت
سمعت الدكتور فابيو كتير مرات وهو يحكي عن أماندا بالسوء.
نظرت أماندا إلى دييغو.
شايف
شو كان يقول سأل دييغو.
يقول إن أماندا بس بدها فلوسك ولازم تطردها.
شعر دييغو بمعدته تبرد.
شي ثاني
فكر بنجامين.
دايما يحكي بالتلفون مع امرأة يناديها حبيبتي.
حبيبتي أعادت أماندا.
أي مرة سمعت يقول إنه بعد ما تتزوج أنت رح يصير كل شي أسهل.
وقف دييغو صامتا.
متأكد يا بنجامين
متأكد يا بابا. أنا أسمع تقريبا كل شي تقولوه هون.
شعرت أماندا بمزيج من الارتياح والغضب.
دييغو هلق صدقت
تردد. جزء منه لا يزال يقاوم.
يمكن سوء فهم.
سوء فهم ابنك عم يقول الحقيقة.
فابيو وراني أشياء عنك أيضا.
أي أشياء
ديونك. قال إنك تبحثين خاصة عن عائلات غنية.
هزت أماندا رأسها.
هذا كذب. أنا قبلت أي شغل طلع قدامي.
كيف أقدر أكون متأكد
لأنك تعرفني لأنك شفت كيف أعتني ببنجامين لأنك تعرف أن مشاعري صادقة.
نظر بنجامين إليهما.
بابا أماندا طيبة هي تخليني سعيد.
نظر دييغو إلى ابنه ثم إلى أماندا. ببطء بدأت القطع تتجمع في رأسه.
إذا فابيو يكذب عنك ممكن يكذب عن أشياء ثانية كمان.
بالضبط.
بس كيف نثبت
فكرت أماندا للحظة.
جهاز المراقبة إذا كان يلقط كلامكم هون نقدر نستعمله.
وكيف نخلي فابيو يحكي بصراحة وهو ما يدري أنه مسجل
ما بعرف
مو متأكد إذا هاي فكرة كويسة. قال دييغو مترددا.
ليش لا
لو طلعنا غلطانين لو كان فعلا يحاول يساعدني
انحنت أماندا نحو بنجامين.
يا بنجامين أنت متأكد من كل اللي سمعته
متأكد الدكتور فابيو دايما يقول إن أماندا سيئة ودائما يحكي مع امرأة بصوت حنون.
كيف عرفت إن صوته حنون
لأنه يستعمل نفس الصوت اللي تستعمله معي لما أكون مريض.
اقتناع دييغو ازداد.
طيب نجرب.
كيف سألت أماندا.
اتصل بفابيو وأقول له إني طردتك وأني محتاج مساعدته.
وأنا أمثل إني رحت.
بالضبط وتختبئين وتسمعين كل شي.
رفع بنجامين يده.
وأنا
تبقى في غرفتك تراقب. إذا صار شي غلط تصرخ بأعلى صوتك.
ابتسمت أماندا.
موافقين تساعدوني
أكيد.
نظر دييغو في عينيها.
ليش
لأنني أثق فيك.
هذه أول مرة منذ أيام يقول ذلك. اغرورقت عينا أماندا بالدموع.
شكرا
لا أنا اللي لازم أشكرك لأنك ما استسلمت لنا.
جلس بقربه.
هلق توقفوا عن الخناق
أولا نكتشف الحقيقة وبعدين نحكي عن الباقي. قال دييغو.
طيب بس بدي أماندا تبقى للأبد. وأنا كمان. قالت وهي تربت على شعره برفق.
في اليوم التالي وضعوا الخطة. سيمثل دييغو شجارا عنيفا مع أماندا أمام فابيو.
متأكد رح تنجح سأل دييغو.
إذا فابيو عن جد يكذب علي رح يفرح لما يعرف إنك طردتني.
في العصر بدأ الشجار التمثيلي في الصالة.
أماندا اكتشفت كل شي! صرخ دييغو.
عن شو عم تحكي صرخت هي أيضا.
كذبت علي كنت تبغي فلوسي وبس.
هذا مو صحيح.
بلى عندي أدلة. ما كنت تشغلي بالك إلا بالمصاري.
دييغو اسمعني
ما بدي أسمع. خذي أغراضك واطلعي من هون فورا.
خرجت أماندا تبكي بصوت عال لكنها في الحقيقة ذهبت لتختبئ في غرفة الضيوف. اتصل دييغو فورا بفابيو.
فابيو محتاجك حالا.
شو صار
طردت أماندا اكتشفت عنها أشياء.
ممتاز جاي فورا.
وصل فابيو بعد نصف ساعة ومعه باتريسيا.
يا إلهي شكلك محطم. قال وهو ينظر إليه مبتسما.
كنت غبيا يا فابيو أنت كنت على حق.
طبعا كنت على حق النساء مثلها خطيرات.
عملت الصح. قالت باتريسيا.
هلق تقدر تفكر بالمستقبل.
مثل دييغو الانفعال.
ما بعرف كيف أشكركم لو لاكم كان يمكن أحبها.
لهذا السبب الأصدقاء موجودون. قال فابيو.
وباتريسيا تضيف
وهلق عندك ناس يهتمون فيك عن جد.
ابتسم فابيو
تماما وتقدر تبدأ تفكر بأشياء حلوة.
مثل شو
أنت وباتريسيا مناسبين لبعض وأعمالكم كمان.
ابتسمت باتريسيا.
والدي حضر عقودا ممتازة.
في غرفة الضيوف كانت أماندا تسجل كل شيء. في غرفته كان بنجامين يسمع المسجل القديم. بدأ الأشرار يفضحون أنفسهم لكن بحذر.
سأل دييغو وهو يتظاهر بالدهشة
يعني أنتم اتكلمتوا عن هذا من قبل
أكيد. ردت باتريسيا.
أنا مو طفلة أعرف أميز الفرصة الذهبية.
فرصة لتكوين عائلة وشراكة تجارية.
مال فابيو للأمام
بعد ما تتزوجوا رح أقدر أعتني بأعمالك بشكل أوسع.
أي نوع حرية تقصد
توكيلات شراكات شغلات ورقية عشان نسهل كل شي.
تظاهر دييغو بالتفكير.
وبنجامين كيف رح يتأقلم
هزت باتريسيا كتفيها.
الأطفال يتعودون على كل شي.
بس هو عنده احتياجات خاصة.
عشان هيك. قفز فابيو
الأفضل يكون عنده مختصين يهتموا فيه.
أي نوع مختصين
في أماكن ممتازة للأطفال مثل حالته مؤسسات خاصة.
شعر دييغو أنه على وشك الانفجار لكنه تماسك.
أي أماكن
مدارس داخلية متخصصة. شرحت باتريسيا وكأنه أمر عادي.
هيك يكون في رعاية كاملة وأنتم تتحررون لتعيشوا حياتكم.
نعيش كيف
مثل أي زوجين طبيعيين سفر متعة بلا هموم.
وافق فابيو
طفل أعمى يحتاج كامل اهتمامكم هذا مو عادل لكم.
في غرفة الضيوف كانت أماندا تسجل وهي مصدومة. في غرفته كان بنجامين يبكي وهو يسمع.
قال دييغو متظاهرا بالهدوء
رح أجيب قنينة نبيذ حتى نحتفل.
خرج بسرعة إلى أماندا.
سجلتي كل شي همس.
نعم ناس مرعبين. بدهم يحطوا بنجامين في مؤسسة!
هلق شفتي حقيقتهم
شفت وأعتذر لأني شكيت فيك.
عاد إلى الصالة بالنبيذ. كان فابيو وباتريسيا يتهامسون.
عن شو كنتم تحكوا
عن موعد الزواج. كذبت باتريسيا.
ومتى يكون مناسب برأيكم
قريبا. أجاب فابيو.
ما في داعي ننتظر.
سكب دييغو النبيذ لكن لم يستطع الشرب. بعد أن غادروا خرجت أماندا من مخبئها ونزل بنجامين.
سجلنا كل شي. قالت أماندا وهي تعرض التسجيلات.
كانوا بدهم يطردوكي قال بنجامين بحزن.
اقترب بنجامين من والده وأسند رأسه إلى صدره في هدوء.
مستحيل مستحيل أخلي حدا يبعدنا عن بعض.
وأماندا كمان رح تبقى.
نظر إلى أماندا.
إذا هي تبغى.
أبغى. أجابت بلا تردد.
طيب هلق لازم نبين للجميع حقيقتهم.
في الصباح اجتمعوا في المطبخ يخططون للخطوة التالية.
عندنا تسجيلات بس نحتاج أدلة أكثر. قالت أماندا.
شي ما يخلي مجال للشك.
مثل شو سأل دييغو.
نخليهم يفضحوا نفسهم لوحدهم بدون ما نحسسهم.
رح يرجعوا لهون سأل بنجامين وهو يأكل الحبوب.
أكيد. رد دييغو.
فابيو هلق يظن إنه تخلص منك رح يحاول يسرع كل شي.
رن هاتف أماندا. كان فابيو. وضعت المكالمة على مكبر الصوت.
أماندا معك الدكتور فابيو.
شو بدك
نصيحة اختفي من المدينة.
ليش
لأن الآن بعد ما دييغو اكتشف حقيقتك الأمور ممكن تصير صعبة عليك.
صعبة كيف
أنت تعرفين نساء مثلك ما يحصلن بسهولة على عمل خاصة لما بعض الناس ينشرون معلومات
معينة.
أي معلومات
عن ديونك يأسك نواياك. فهمت
ما تقدر تعمل هذا.
أقدر وبدأت بالفعل. كلمت كم مكتب توظيف وبعض المعارف. قريبا الكل رح يعرف نوع الشخص اللي أنت عليه.
وإذا ما رحت
الأمور رح تصير أصعب بكثير.
انتهت المكالمة. تبادل الثلاثة النظرات.
هو حكم على نفسه بنفسه. قال دييغو.
في المساء اتصل فابيو بدييغو.
لازم أجي اليوم عن مستقبلك.
أي مستقبل
مع باتريسيا حان وقت ترتيب الأمور. الزواج الأعمال التوكيلات. جايب معي أوراق.
في الليل وصل فابيو مع باتريسيا وحقيبة مليئة بالأوراق.
دييغو رتبت كل شي.
اقتربت باتريسيا منه بابتسامة رسمية ومدت يدها لمصافحته.
ما عاد أقدر أتحمل الانتظار لبدء حياتنا.
فرش فابيو الأوراق على الطاولة.
هنا عقد الشراكة وهنا التوكيلات وهنا أوراق أولية للزواج.
تظاهر دييغو بالاهتمام.
توكيل عام ليش
عشان نسهل كل شي أنا أتعامل مع الأعمال وأنتم تستمتعون.
بس هذا يقلل تحكمي.
دييغو ثق في خمسة عشر سنة صداقة ما تعني شيء
في غرفة الضيوف أماندا تسجل كل كلمة. في غرفته بنجامين يسمع.
وبالنسبة لبنجامين سأل دييغو.
آه نعم أنا رتبت هذا. قالت باتريسيا.
كيف يعني
لقيت مكان ممتاز للأطفال مثل حالته.
أي مكان
مدرسة خاصة بعيدة شوي لكن فيها كل اللي يحتاجه.
بعيدة
بضع ساعات سفر لكن الأفضل هيك.
كيف يعني
رح يكون عنده رعاية متخصصة وأنت تقدر تزوره وقت الزيارات المحددة.
كل متى
مرة في الشهر هذا النظام.
ما في أكثر
لا.
فهمت. قال دييغو وهو يحبس غضبه.
هذا الأفضل لكم. تابعت باتريسيا.
هيك تقدروا تعيشوا مثل أي زوجين عاديين سفر متعة بلا مسؤوليات.
بالضبط. أضاف فابيو.
في غرفة الضيوف أماندا تسجل وهي مذهولة. في غرفته بنجامين يسمع بصمت والدموع تسيل.
تظنون إنه بيتقبل هذا
رح يضطر يتقبل. قالت باتريسيا ببرود.
الأطفال يتعودون على كل شي.
وإذا ما أحب يروح
المسألة مو حب. قال فابيو.
المسألة حاجة هو يحتاج رعاية أنتم ما تقدرون تقدموها.
أي رعاية
رعاية مختصين.
جلست باتريسيا براحة.
وبعدين طفل أعمى متعب. لما يكون عندكم أولادكم الحقيقيين رح تفهم.
شعر دييغو بالقرف.
أولاد حقيقيون
طبعا أولاد طبيعيون يكملون أعمال العائلة.
بالضبط. أضاف فابيو.
بنجامين ما رح يقدر يدير شي بسبب عماه وبسبب
توقف فابيو وقد انتبه أنه قال أكثر مما يجب.
بسبب شو سأل دييغو متظاهرا بالاستغراب.
لا شي انس.
لا كمل.
تبادل فابيو وباتريسيا نظرة مضطربة.
قال فابيو متلعثما
المسألة هي أن الجميع يعرف أنه ليس ابنك حقا.
تظاهر دييغو بالصدمة
كيف عرفتما هذا
ابتسم فابيو ابتسامة باردة
يا دييغو مضى على صداقتنا خمسة عشر عاما. أعرف كل شيء عن حياتك. زوجتك أخبرت بعض الناس قبل أن تموت ثم بدأت القصة تنتشر.
أضافت باتريسيا بنبرة خالية من أي تعاطف
مثل هذه الأمور لا تبقى سرا إلى الأبد.
أدرك دييغو في تلك اللحظة أنهما يعرفان هذا السر منذ سنوات ومع ذلك لم يقولا له شيئا.
سأل بصوت مبحوح
ولماذا لم تخبراني من قبل
أجابه فابيو بلا مبالاة
ولم نفعل كنت تعاني بما فيه الكفاية. لكن الآن لديك فرصة حقيقية لتبدأ من جديد لتكون عائلة شرعية.
تابعت باتريسيا وهي تشبك ساقا فوق ساق
عائلة شرعية بأطفال يكونون حقا أبناءك يحملون دمك.
لم يعد دييغو يحتمل هذا البرود والقسوة لكنه استمر في التمثيل
وماذا لو لم أرغب في الابتعاد عن بنيامين
رد فابيو بثقة متغطرسة
سترغب. حين ترزق بأطفال حقيقيين ستفهم. أطفال يمكنهم أن يروا أن يدرسوا أن يعملوا.
أضافت باتريسيا بلا رحمة
ليس مثل ذلك المسكين
كانت كلمة المسكين هي القشة التي كادت تسقط آخر ما في دييغو من صبر لكنه كبح غضبه في اللحظة الأخيرة.
تظاهر بالتردد وسأل
أنتما متأكدان تماما أن هذا هو الأفضل
أجابا في وقت واحد تقريبا
متأكدان تماما.
تنفس دييغو بعمق ثم قال
حسنا فلنوقع الأوراق إذا.
ابتهج فابيو وباتريسيا في داخلهما ظنا منهما أنهما انتصرا أخيرا.
في تلك اللحظة عادت أماندا إلى الباب وهي تمسك مقبضه بحذر. طرقت قليلا ثم قالت من الخارج
عذرا نسيت شيئا آخر.
تنهدت باتريسيا بضجر
يا لها من امرأة مزعجة.
ذهب دييغو ليفتح الباب. دخلت أماندا هذه المرة بملامح مختلفة لم تكن خائفة ولا منكسرة بل ثابتة وهادئة بشكل أربكهما.
قالت بصوت واضح
في الحقيقة أنا لم أنس شيئا.
أخرجت هاتفها من جيبها ورفعته أمامهما
لقد سجلت كل ما قلتماه.
شحب وجه فابيو وباتريسيا في اللحظة نفسها.
صرخت باتريسيا وهي تقترب خطوة
ماذا تعنين بالتسجيل!
أجابت أماندا بثبات
سجلت تهديداتك هذا الصباح يا دكتور فابيو وسجلت خطتكما لإيداع بنيامين في مؤسسة مغلقة وكل ما قلتماه عنه حين وصفتموه بالمسكين وكأنه عبء.
اندفع فابيو نحوها بعصبية
أعطيني هذا الهاتف حالا!
تحرك دييغو فورا ووقف بينهما
لا تلمسها.
احتد صوت فابيو
لقد سجلتنا دون إذن! هذا جرم!
ردت أماندا بلا تلعثم
الجريمة الحقيقية هي تهديدك لشخص ضعيف ومحاولة الاستيلاء على أموال لا تخصك. ما فعلته أنا هو حماية نفسي والطفل.
حاولت باتريسيا استعادة رباطة جأشها وقالت باحتقار
لن يصدق أحد خادمة في مواجهة اثنين من المحامين ورجال الأعمال.
وقبل أن تتم جملتها دوى صوت صغير من أعلى الدرج
سيصدقون
التفت الجميع فرأوا بنيامين واقفا عند الدرج يمسك بجهاز تسجيل صغير بين يديه.
قال بهدوء رغم ارتجاف شفتيه
لقد سجلت أنا أيضا كل شيء من غرفتي.
صرخ فابيو بخوف وغضب
هذا الطفل لا يمكن أن يكون شاهدا!
أجابه دييغو بحزم لم يعتده فابيو منه
بل يستطيع. وأنتم للتو أدنتم أنفسكم بألسنتكم.
انفجرت باتريسيا بالبكاء وهي تستدير نحو فابيو
قلت إنك سيطرت على كل شيء! قلت إن الخطة محكمة!
زمجر فابيو
اصمتي!
دفعته بعيدا
لا تأمرني بالصمت! أنت من وضعنا في هذا المأزق! أنت من تكلم كثيرا وفضح كل شيء!
بدأ الاثنان يتبادلان الاتهامات أمام أعين دييغو وأماندا وبنيامين بينما مد دييغو يده إلى هاتفه واتصل بالشرطة.
قال بصوت ثابت
ألو شرطة المدينة أريد تقديم بلاغ عن تهديد ومحاولة احتيال واستغلال مالي. لدي تسجيلات كاملة.
توقف فابيو عن الصراخ وحدق في دييغو مذهولا
دييغو لا تفعل هذا! فكر في صداقتنا!
رد دييغو ببرود مؤلم
صداقتنا انتهت يوم خططت لتسليم ابني لمؤسسة مغلقة من أجل أن تستولي على حياتي وأموالي.
تلعثم فابيو
لم يكن لم يكن سرقة كان استثمارا!
قالت أماندا بسخرية مرة
استثمار بوثائق مزورة وتوكيلات عامة استثمار مبني على الكذب هذا اسمه احتيال.
وصلت الشرطة بعد عشرين دقيقة. استمع الضباط لما جرى تسلموا الهواتف وأجهزة التسجيل وطلبوا من الجميع مرافقتهم إلى مركز الشرطة لاستكمال الإجراءات.
قال أحد الضباط بلهجة رسمية
سيتم تحليل التسجيلات وإرفاقها في ملف القضية. هناك شبهة واضحة بمحاولة استغلال واحتيال وتهديد.
قيدت يدا فابيو بالأصفاد فصرخ وهو يساق إلى الخارج
ستندمون جميعا! لم تنته هذه القصة بعد!
كانت باتريسيا تبكي وهي تغادر
أبي لن يترك هذا يمر بسلام ستدفعون الثمن.
بعد أن غادر الجميع خيم الصمت على البيت.
وقف الثلاثة في منتصف الصالة دييغو وأماندا وبنيامين.
سأل الطفل بصوت خافت
هل انتهى كل هذا يا أبي
أجابه دييغو وهو يجثو ليكون في مستوى ابنه
نعم يا بني انتهى. ولن أسمح أبدا لأحد أن يأخذك مني.
نظر إلى أماندا وأضاف
ولن أسمح لأحد أن يبعد أماندا عنا أيضا إن أرادت البقاء.
ابتسمت أماندا بعينين دامعتين
بالطبع أريد.
اقترب منهم وجلس بجانبهم يحيطهما بنظرة دافئة
اقترب دييغو منهما وهو يبتسم وجلس قربهما يشاركهما الضحكة
الآن علينا أن نحاول نسيان هذه الفترة القاسية شيئا فشيئا.
مرت ثلاثة أشهر.
القضية ضد فابيو وباتريسيا سارت في مسارها القانوني قبلت التسجيلات كأدلة واتهما رسميا بالتهديد ومحاولة الاحتيال.
عاد البيت إلى هدوء مختلف هدوء مملوء بحياة حقيقية هذه المرة.
أصبح دييغو يعمل أقل ويقضي وقتا أطول مع ابنه. لم يعد يهرب إلى المكتب كلما اشتد عليه الشعور بالذنب.
أماندا لم تعد مضطرة للدفاع عن نفسها في كل لحظة ولا للعيش في خوف من طرد مفاجئ.
أما بنيامين فصار يتحرك في البيت بثقة أكبر يضحك يلعب ويتحدث بلا خوف من أن يكون سببا في مشكلة.
في إحدى ليالي الجمعة بعد أن نام بنيامين جلس دييغو وأماندا في الصالة.
قال دييغو وهو ينظر إلى الفراغ وكأنه يرى ماضيه من بعيد
تعلمين ماذا اكتشفت خلال هذه الأشهر الثلاثة
سألته أماندا وهي تميل برأسها
ماذا
ابتسم بحزن قديم يتلاشى ببطء
اكتشفت أني لأول مرة منذ وفاة هيلينا أستطيع أن أنظر إلى بنيامين وأشعر بشيء واحد فقط الحب.
سألته أماندا بهدوء
وماذا كنت تشعر من قبل
تنفس دييغو بعمق
ألم غضب شعور بالذنب.
كنت أرى في وجهه الفقد لا البراءة. واليوم بفضلك لم يعد وجهي ينعكس فيه كجلاد بل كأب.
اغرورقت عينا أماندا بالدموع
وهذا أجمل شيء يمكن أن يسمعه أي طفل منك وأي امرأة أيضا.
تردد دييغو لحظات ثم قال
وهناك شيء آخر.
نظرت إليه في ترقب
ما هو
اقترب منها على الأريكة حتى شعرت بقلبها يخفق بقوة
اكتشفت أني لا أريد أن أعيش يوما واحدا بعد الآن من دونك في حياتي.
أسرعت بالقول وهي تحاول أن تبقي عقلها متماسكا
دييغو لست مضطرا إلى قول هذا بدافع الامتنان.
هز رأسه نافيا
ليس امتنانا إنه حب.
توقف الزمن عند تلك الكلمة.
تسارع نبض أماندا لكنها لم تتهرب هذه المرة
حب من أي نوع
قال بلطف وحسم في آن واحد
حب يبني بيتا لا علاقة عابرة. حب يربي طفلا ويواجه المشكلات ولا يهرب منها.
أماندا هل تريدين أن تبني معي عائلة
مسحت دمعة انزلقت على خدها
دييغو الأمر ليس عني وعنك فقط. الأمر عنا نحن الثلاثة أنت وأنا وبنيامين.
ابتسم
أعلم. ولهذا أسألك هل تقبلين أن نكون عائلة حقا
أنا أحبك أيضا أحببتك بكل فوضى حياتك وبكل جراحك. وربما أحببتك أكثر لأنك حاولت أن تتغير من أجل ابنك.
ضحك دييغو بخفوت
إذن فلنحاول.
قالت
لكن علينا أن نسمع رأي شخص آخر أولا.
التفتا في اللحظة ذاتها نحو السلم حيث ظهر بنيامين واقفا بابتسامة واسعة على شفتيه.
سأله دييغو
منذ متى وأنت هناك يا بطل
أجاب وهو ينزل درجة درجة
منذ أن بدأتما تتحدثان عن الحب.
سألته أماندا بخجل لطيف
وما رأيك أنت
قال ببساطة تشبه المعجزة
أظن أنه تأخر كثيرا. ثم صمت لحظة وأضاف
أيمكنني أن أناديك أمي
اختنق صوت أماندا
إن أردت ذلك سيكون شرفا لي.
ابتسم وقال
أريد لأنك منذ زمن طويل أمي في قلبي.
التف حولهما بحنان واضح في نبرته ونظرته كأنه يحاول الاحتفاظ بهذه اللحظة في قلبه
إذن نحن عائلة.
ضحك بنيامين
كنا عائلة منذ وقت أنتما فقط لم تلاحظا.
مر عام واحد.
في كنيسة بسيطة مشت أماندا نحو المذبح بثوب أبيض متواضع لكنه جميل.
كان بنيامين يسير أمامها حاملا خاتمي الزواج في علبة صغيرة يعرف طريقه جيدا رغم أنه لا يرى فقد تدربوا على كل خطوة في البيت.
كان دييغو ينتظر عند المذبح وعيناه تلمعان بالدموع.
حين اقتربت منه همس لها
تبدين رائعة.
همست مبتسمة
وأنت أيضا.
خلال المراسم وقف بنيامين بينهما ممسكا بيد كل واحد منهما كأنه الجسر الذي جمعهما.
قال دييغو في عهده
أماندا لقد علمتني أن العائلة ليست دما فقط بل اختيارا يوميا. أختارك اليوم وغدا وكل يوم.
قالت أماندا في نذرها
دييغو علمتني أن الحب الحقيقي لا يهرب من الألم بل يعبره. أعدك أن أعبر معك كل طريق مهما كان صعبا.
عندما أعلن الكاهن اكتمال المراسم وطلب منه الاقتراب من العروس صرخ بنيامين من مكانه الآن صرنا عائلة رسميا!!
ضحك الحضور وصفقوا بحرارة.
في حفل الزواج كانت الرقصة الأولى ليست للعروسين وحدهما بل لهم الثلاثة معا على أنغام نفس الأغنية التي رقصتها أماندا مع بنيامين في أول لقاء بينهما.
خلال الرقص همس بنيامين
ماما
نعم يا حبيبي
شكرا لأنك علمت أبي كيف يرقص من جديد وكيف يحب من جديد.
أجابت وهي تمسح دمعة فرح
والشكر لك أنت لأنك علمتنا ما معنى العائلة.
بعد عامين افتتحوا مركزا صغيرا لتعليم الرقص للأطفال ذوي الإعاقات البصرية وغيرهم من الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة.
لم يكن مشروعا ضخما لكنه كان حيا وممتلئا بالمعجزات الصغيرة.
حصل دييغو على تمويل عبر برنامج اجتماعي حكومي وتولت أماندا الإشراف التربوي.
كان المركز يستقبل خمس عشرة طفلا في الأسبوع وهناك قائمة انتظار تكبر يوما بعد يوم.
أما بنيامين وقد أصبح في الحادية عشرة فكان يستقبل الأطفال الجدد عند الباب ويقول لكل واحد منهم
الرقص يسكن القلب لا العينين.
خفف دييغو عمله في الشركة أكثر فأكثر وبدأ يكتشف أن كونه أبا حاضرا أهم بكثير من كونه رجل أعمال ناجحا في نظر العالم.
وجدت أماندا رسالتها الحقيقية في تعليم هؤلاء الأطفال أن أجسادهم تستطيع أن تحب الحياة رغم كل القيود.
في كل ليلة تقريبا قبل أن يناموا كانوا يطفئون الأنوار ويتركون أغنية هادئة تنساب في الصالة ثم يرقصون معا الأب والأم والابن.
تحولت تلك الرقصة إلى طقس مقدس لا يتخلون عنه مهما تعبوا.
في إحدى هذه الليالي بعد أن انتهت الأغنية قالت أماندا وهي تجلس بينهما على الأريكة
تعلمان ما هو أجمل ما في قصتنا
سألها دييغو وبنيامين بصوت واحد
ماذا
ابتسمت وهي تنظر إليهما
أن كل شيء بدأ برقصة بسيطة بين شخصين التقيا في اللحظة المناسبة ثم كبرت تلك الرقصة حتى أصبحت حياة كاملة.
جلس بقربها دييغو وهم يضحكون.
قال بنيامين
وستستمر دائما لأن الحب الذي يبدأ برقصة صغيرة يمكن أن يغير حياة كثيرين.
ربت دييغو على كتف ابنه
وهذا وحده معجزة كبيرة.
والآن
ما رأيك أنت في هذه الحكاية
هل تعتقد أن الدكتور فابيو نال ما يستحقه فعلا
وهل ترى أن دييغو تأخر كثيرا قبل أن يدرك أن الحب الحقيقي كان أمامه طوال الوقت
احك لي رأيك ولا تنس أن تتابع القصص القادمة.
تمت


تعليقات
إرسال تعليق