القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 سر الراجل العجوز




سر الراجل العجوز


في صباح زحمة في قلب ، كان الشارع قدام مستشفى استثماري كبير مليان حركة ما بتخلصش. عربيات الإسعاف داخلة طالعة، أهالي واقفين قلقانين، ممرضات بيجروا على الشيفتات بتاعتهم، وموظفين شايلين همومهم وداخلين الشغل متأخرين. وسط الزحمة دي كلها، كان فيه راجل عجوز مرمي على الرصيف جنب باب المستشفى. هدومه مقطعة ومتسخة، دقنه طويلة ومتشابكة، ووشه شاحب كأنه بقاله أيام ما داقش لقمة أكل. جسمه كان ضعيف لدرجة إنه مش قادر حتى يقعد، كل اللي كان بيعمله إنه يحاول ياخد نفسه بالعافية وهو ممدد على البلاط البارد. واحدة ست معدية وقفت لحظة وبصت له بخضة وقالت بصوت عالي: “يا جماعة فيه راجل بيموت هنا!” الناس بصت ثواني، بعضهم قرب خطوة وبعدين رجع، وبعضهم هز راسه بأسى ومشي. واحد شاب كان ماسك موبايله قال وهو بيعدي: “ده شحات… تلاقيه بيمثل عشان ياخد فلوس.” ممرضة كانت داخلة المستشفى وقفت لحظة، قربت منه شوية، لكن أول ما شمّت ريحة هدومه المتسخة وشفته بالحالة دي رجعت لورا بسرعة وكملت طريقها. واحد من الأمن كان واقف عند الباب، بص ناحية العجوز ببرود وقال: “لو حد مهتم بيه ودوه المستشفى الحكومي… هنا مستشفى استثماري.” مع الوقت الزحمة خفت شوية، والناس بدأت تمشي وكأن المشهد اختفى من قدام عيونهم. العجوز


كان بيحاول يتكلم، لكن صوته كان ضعيف جدًا. إيده المرتعشة كانت بتتحرك كأنه بيطلب مساعدة، لكن محدش كان شايفه أو يمكن محدش كان عايز يشوفه. وفي اللحظة دي بالظبط، وصلت ست حامل. كانت لابسة لبس التمريض البسيط، باين إنها ممرضة متطوعة أو جاية تشتغل شيفت بسيط. بطنها كانت كبيرة، واضح إنها في الشهر التاسع ويمكن فاضل أيام وتولد. أول ما عينيها وقعت على العجوز، وقفت فجأة. قربت منه بسرعة، ركعت جنبه رغم تعبها، وحطت إيدها على رقبته تحاول تحس نبضه. قلبها دق بسرعة لما حسّت النبض ضعيف جدًا. بصت حواليها للناس وقالت بحدة: “الراجل ده لازم يدخل المستشفى فورًا… حالته خطيرة!” الأمن هز كتفه وقال: “يا مدام ده شحات… وبعدين إنتِ في حالتك دي خطر تقربي منه.” واحد واقف يتفرج قال: “سيبيه… لو كل شحات هتشيليه كده هتتعبي نفسك.” الست بصت للعجوز تاني، شافت دمعة نازلة من عينه وهو مش قادر حتى يتكلم. في اللحظة دي حسّت إن قلبها مش هيسمح لها تمشي وتسيبه. أخدت نفس عميق، وحاولت تسنده وتقعده. بصعوبة شديدة رفعت دراعه على كتفها، وبدأت تحاول تقف وهي شايلة نص وزنه. الناس حوالينها اتصدموا. واحدة ست حامل في آخر شهور الحمل بتحاول تشيل راجل عجوز مرمي في الشارع. الأمن قال بحدة: “يا مدام سيبيه… هتأذي نفسك.

” لكنها ردت وهي بتتنفس بصعوبة: “لو محدش فيكم هيساعده… أنا هساعده.” خطوة ورا خطوة بدأت تمشي بيه ناحية باب المستشفى. العجوز كان شبه فاقد الوعي، راسه واقع على كتفها، وهي بتعافر عشان ما تقعش. المنظر كان صادم. ناس كتير وقفت تتفرج، وبعضهم بدأ يحس بالذنب، لكن محدش اتحرك. أول ما دخلت بيه باب المستشفى، كانت لسه بتصرخ: “حد يجيب ترولي بسرعة!” صوتها وصل لمكتب الإدارة اللي في الدور الأرضي. في الوقت ده كان رئيس مجلس إدارة المستشفى، الدكتور “حازم الكيلاني”، موجود في زيارة مفاجئة للمكان. الرجل ده كان معروف إنه من أغنى رجال الأعمال في المجال الطبي، وصارم جدًا في الإدارة. لما سمع الجلبة خرج من مكتبه يشوف فيه إيه. أول ما شاف المشهد، وقف مكانه. ممرضة حامل شايلة راجل عجوز هدومه متبهدلة وبتصرخ طالبة إسعاف. الدكتور حازم قرب بخطوات سريعة وقال بحدة: “إيه اللي بيحصل هنا؟” الممرضة بصت له بسرعة وقالت: “الراجل ده بيموت… محتاج إسعاف فورًا.” وقبل ما حد يرد، العجوز رفع عينه بصعوبة وبص للدكتور حازم. في اللحظة دي، وش الدكتور اتغير تمامًا. عينيه وسعت وكأنه شاف شبح. قرب أكتر وركع قدام العجوز وهو مش مصدق نفسه. همس بصوت مرتعش: “عمي… عمي محمود؟!” الممرضات اتجمدوا في مكانهم. الأمن بقى

شكله متوتر. الدكتور حازم صرخ فجأة: “هاتوا سرير فورًا! استدعوا أكبر دكتور قلب حالاً!” العجوز اتنقل بسرعة لغرفة الطوارئ، والمستشفى كلها اتقلبت. الممرضة الحامل كانت واقفة بتتنفس بصعوبة، ومحدش فاهم إيه اللي حصل. بعد ساعة كاملة خرج الدكتور حازم من غرفة العمليات ووشه مليان دموع. قرب من الممرضة اللي كانت قاعدة على كرسي بتستريح، وقال لها بصوت هادي: “إنتِ عارفة أنقذتي مين؟” هزت راسها بالنفي. قال: “ده عمي محمود… الراجل اللي رباني بعد موت أبويا… اختفى من 8 سنين ومحدش عرف له طريق.” سكت لحظة وبص لها بامتنان وقال: “كلنا كنا بندور عليه… وإنتِ الوحيدة اللي وقفت جنبه.” الأيام اللي بعدها قلبت حياة الممرضة دي. اتعرف اسمها: سارة. كانت ممرضة بسيطة بتشتغل متطوعة عشان تساعد الناس، رغم إنها حامل وجوزها شغله بسيط. بعد ما العجوز فاق وحكى اللي حصله، اكتشفوا إنه خسر فلوسه واتسرق منه كل حاجة، واضطر يعيش في الشارع سنين. أول طلب طلبه لما فاق كان إنه يشوف سارة. لما دخلت عليه مسك إيدها وقال بعين مليانة دموع: “كل الناس عدت من جنبي… إنتِ الوحيدة اللي شفتِ إنّي إنسان.” بعدها بأيام، حصلت مفاجأة أكبر. الدكتور حازم أعلن قدام كل العاملين إن سارة هتتعين رسمي في المستشفى، مش بس كده،

  لكنه قرر يديها مكافأة كبيرة تكفي إنها تعيش حياة كريمة هي وطفلها. والأغرب من كده، إن العجوز محمود كتب جزء من أملاكه باسمها، وقال جملة خلت الكل يسكت: “الفلوس دي تروح للي قلبه أغنى من أي بنك.” ومن يومها بقى في قصة الناس في بيحكوها كتير… عن ست حامل شايلة راجل الكل سابه… لكنها في الحقيقة كانت شايلة إنسانية ضاعت من قلوب ناس كتير.


بعد أيام قليلة من الحادثة اللي حصلت قدام مستشفى قصر العيني، بدأت القصة تنتشر بين العاملين والمرضى والزوار. كل حد كان بيحكيها بطريقته، لكن الحقيقة الكاملة كانت لسه مخفية ووراها تفاصيل محدش كان يعرفها غير العجوز محمود نفسه. سارة، الممرضة الحامل، كانت لسه في المستشفى بعد ما الإدارة أصرت إنها ترتاح شوية بسبب التعب اللي حصل لها يوم ما شالت العجوز. كانت قاعدة في أوضة الاستراحة، إيدها على بطنها، بتحاول تهدي نبض قلبها اللي لسه متلخبط من كل اللي حصل في الأيام اللي فاتت. عمرها ما كانت تتخيل إن لحظة إنسانية بسيطة ممكن تقلب حياتها بالشكل ده. فجأة الباب خبط خبطتين خفيفتين، ودخل الدكتور حازم بابتسامة هادية. قال لها: "عمي محمود عايز يشوفك." سارة قامت ببطء، وبطنها الكبيرة قدامها بتخلي حركتها أبطأ شوية. مشيت وراه لحد ما وصلوا غرفة خاصة في الدور التاني، كانت محجوزة للعجوز


محمود بعد ما استقرت حالته. أول ما دخلت، العجوز رفع عينه وبص لها نظرة مليانة امتنان ودفء. رغم التعب اللي باين عليه، ابتسم ابتسامة خفيفة وقال بصوت ضعيف: "تعالي يا بنتي… تعالي اقعدي جنبي." قعدت سارة على الكرسي جنب السرير، وهي حاسة بخجل غريب. قالت بهدوء: "الحمد لله إنك بقيت كويس." العجوز تنهد وقال: "أنا عشت سنين في الشارع… شفت قلوب قاسية كتير… لكن اليوم اللي قابلتك فيه حسيت إن الدنيا لسه فيها خير." سكت شوية وكأنه بيجمع ذكرياته، وبعدين بدأ يحكي القصة اللي محدش كان يعرفها. قال إن اسمه الحقيقي محمود الكيلاني، وإنه كان شريك أخوه الكبير – والد الدكتور حازم – في تأسيس سلسلة مستشفيات كبيرة في القاهرة زمان. لكن بعد وفاة أخوه، حصل خلاف كبير بينه وبين بعض الشركاء اللي حاولوا يسيطروا على الشركة. العجوز قال بصوت حزين: "الفلوس بتغير القلوب يا بنتي… وفي يوم لقيت نفسي خسرت كل حاجة." اتعرض لخدعة كبيرة، واتسرقت أوراقه وكل فلوسه، واضطر يسيب بيته ويختفي لأنه كان مهدد من ناس طمعانة في ثروته. عاش سنين طويلة متخفي، يتنقل من شارع لشارع، لحد ما صحته انهارت خالص. سارة كانت بتسمع القصة وعينيها مليانة دموع. قالت له: "بس ربنا رجعك لأهلك." ابتسم العجوز وقال: "رجعني بسببك." في نفس اللحظة، باب الأوضة اتفتح ودخل

الدكتور حازم ومعاه مجموعة من مديري المستشفى. كانوا جايين يزوروا العجوز ويطمنوا عليه. لكن اللي حصل بعدها خلى الكل يقف مصدوم. العجوز محمود طلب من الدكتور حازم يقفل الباب ويخلي الكل يقعد. وبصوت هادي قال: "أنا عندي إعلان مهم." سارة حسّت بتوتر، لأنها ما كانتش فاهمة ليه طلب وجودها وسط الإدارة كلها. العجوز بص لها وقال: "البنت دي مش بس أنقذت حياتي… دي أنقذت ضميري." بعدها التفت للدكتور حازم وقال: "أنا عايز جزء من أسهمي في المستشفى يتحول باسمها." الغرفة كلها سكتت فجأة. أحد المديرين فتح عينه بصدمة، لأن الأسهم دي كانت تساوي ملايين الجنيهات. سارة نفسها اتفاجئت وقالت بسرعة: "لا… أنا ما عملتش حاجة تستاهل ده." لكن العجوز هز رأسه وقال بحزم: "إنتِ عملتي اللي محدش عمله." الدكتور حازم ابتسم وقال: "عمي عمره ما بيغير قراراته." بعدها بأيام قليلة، الخبر انتشر بين الموظفين إن الممرضة المتطوعة بقت مالكة لجزء من المستشفى. ناس كتير استغربت، وبعضهم حتى حسدها، لكن اللي كانوا موجودين يوم الحادثة عرفوا إن اللي حصل كان مكافأة على موقف إنساني نادر. لكن المفاجأة الأكبر حصلت بعد أسبوع. سارة دخلت في آلام الولادة فجأة وهي في المستشفى نفسها. الأطباء جريوا بسرعة ينقلوها لغرفة الولادة. الدكتور حازم بنفسه وقف قدام الغرفة

قلقان، والعجوز محمود كان على كرسي متحرك قريب من الباب يدعي لها. بعد ساعات طويلة من التعب، خرج صوت بكاء طفل صغير ملأ الممر كله. الممرضة خرجت بابتسامة وقالت: "مبروك… جابت ولد." العجوز محمود ابتسم لأول مرة من قلبه من سنين وقال: "الحمد لله." لما جابوا الطفل لسارة، كانت عينيها مليانة دموع فرح. الدكتور حازم قال لها وهو بيضحك: "سمّيتيه إيه؟" سارة بصت للطفل، وبعدين بصت للعجوز محمود وقالت: "هسميه محمود." العجوز اتأثر جدًا لدرجة إن دموعه نزلت قدام الكل. قال بصوت مرتعش: "الولد ده جالي مع حياة جديدة." الأيام اللي بعدها كانت مختلفة تمامًا. سارة انتقلت لشقة أفضل وفرها لها المستشفى، وجوزها حصل على وظيفة محترمة في الإدارة بعد ما عرفوا قد إيه زوجته إنسانة طيبة. أما العجوز محمود، فكان كل يوم يطلب يشوف الطفل الصغير ويحمله بين إيديه. وكان دايمًا يقول جملة لكل حد يسمعه: "أنا كنت مرمي في الشارع… لكن ربنا بعتلي ملاك شايل طفل في بطنه." ومع مرور الشهور، القصة بقت معروفة بين الناس في القاهرة. مش قصة شحات بقى غني… لكن قصة قلب رحيم قدر يغير مصير ناس كتير. وكل ما حد يعدي قدام مدخل المستشفى في القاهرة، كان فيه لوحة صغيرة اتحطت هناك مكتوب عليها: “هنا وقفت ممرضة حامل… وذكّرتنا إن الإنسانية أغلى من أي ثروة.”

 تمت 

تعليقات

التنقل السريع
    close