رواية ارض الدوم الفصل الثانى وعشرون 22 بقلم رحمه نبيل حصريه في مدونة موسوعة القصص والروايات
رواية ارض الدوم الفصل الثاني وعشرون 22 بقلم رحمه نبيل حصريه في مدونة موسوعة القصص والروايات
الثاني والعشرين [ ما قبل العاصفة ]
صلوا على نبي الرحمة.
قبل القراءة متنساش التفاعل على الفصل بلايك وكذلك رأيك بعد القراءة.
__________
كانت جملة نطق بها أحمد وتبعها بكلمات كثيرة، كلمات لم يصل منها لرايانا شيء، لم تبصر سوى سواد فقط .
خدر أصاب جسدها بالكامل، خدر جعل أطرافها تتجمد والعالم من حولها يدور، أصبحت أنفاسها تخرج بصعوبة لدرجة أنها بدأت تتألم من التنفس وفي ثواني شعرت بجسدها يُصدم بقوة مرعبة بالأرض أسفلها ومن ثم اختفى وعيها بما حولها ولا شيء وصل لها بعد ذلك.
حتى صرخات مسلم الذي أُصيب بالجنون يميل عليها بسرعة يحاول أن يفيقها، يصرخ باسمها، وصوت أحمد في الهاتف يحاول معرفة ما يحدث، وعيسى ألقى الهاتف جانبًا يحاول المساعدة .
كان الوضع برمته غريب ومرعب ...
ومسلم لا يعي في هذه اللحظة سوى أنه....يخسرها، وهذا ما لم يكن على استعداد ليحياه في هذه اللحظة، أو ابدًا.
خرج في هذا الوقت يحيى الذي كان وجهه ما يزال يحتفظ ببقايا نعاس، لا يفهم ما يحدث، لكنه هرول بعد سماع الصرخات بصوت مسلم وعيسى، انتفض قلبه بخوف يلمح جسد مسلم المتكوم ارضًا على شيء لا يظهر له .
اقترب منه بسرعة يهتف بعدم فهم :
_ مسلم مالك ؟! حصل ايه ؟!
فجأة توقف حينما أبصر ما يحدث، مسلم كان يصرخ برايانا الشاحبة كالاموات، تحرك لهما يحيى بسرعة وهو يتحدث بقلق :
_ مالها؟؟ مسلم هي مالها ؟! أبعد عنها خلينا نشوف البنت ...يا مسلم أبعد البنت هتموت .
لكن مسلم فقط كان ينظر لها بأعين جاحظة وهو يحاول جعلها تفيق، ينظر حوله بتشوش يهتف بصوت ضائع :
- مش بترد عليا ...مش بترد عليا، بتضيع مني .
دفعه يحيى بقوة بعيدًا عن طريقه :
_ أبعد عنها يا بني خلينا نشوف مالها .
نظر صوب عيسى يحاول معرفة ما يحدث :
- عيسى ايه اللي حصل ؟!
نظر له عيسى بحزن وهو يحرك عيونه بين مسلم ورايانا :
_ معرفش كنا بنلكم أحمد عشان نطمن على ساڤا، بس هي ...فجأة أحمد قال لمسلم يخلي رايانا تجهز عزا ساڤا.
اشتد اتساع عيون يحيى بقوة وقد فقد النطق لثواني يهمس بعدم تصديق :
_ ماتت ؟؟
هز عيسى رأسه وقد امتلئت عيونه بدموع، يبلع ريقه وهو ينظر صوب مسلم الذي كان يجلس جانبًا يضع رأسه بين يديه يحاول كتم الاصوات داخلها، يحاول أن يخرج من هذه الدوامة ويستفيق لمعرفة القادم .
_ لا حول ولا قوة إلا بالله، طب ودي ...هــ هتدفن فين ولا أحمد هيعمل ايه و...
صمت وهو يشعر بعجز لما يحدث، ينظر حوله بصدمة من الموقف برمته، ربما لم يتعرف على ساڤا بشكل قوي كما حدث مع رايانا خاصة الأيام الأخيرة حينما كانت تتردد عليهم وتعد لهم الطعام يوميًا بسبب رحيل نورهان عنهم .
لكن موت الفتاة المفاجئ وبسبب ظروف قاسية تسبب له بصدمة قاتلة .
ابتلع ريقه يحرك عيونه صوب رايانا لا يعلم ما الذي تمر به في هذه اللحظة، لكنه يدرك أنها تلقت لتوها صدمة لن تخرج منها كما كانت يومًا قلبها .
وعن رايانا، كانت غارقة في سحابة سوداء لا تجد يد تنتشلها منها، لا يد سوى يد ساڤا التي كانت أول من يركض لها حينما تبكي، أول من تقابلها ببسمة حينما تكون سعيدة .
الوحيدة التي كانت تدافع عنها سابقًا، كانت تدافع عنها بروحها لدرجة أنها كانت على استعداد للموت يومًا وهي تقف في وجه زوجة عمها ولم تهتم .
ساڤا، أختها التي منحها الله لها بكرم ورحمة منه بقلبها، والآن استردها الله جواره، والموجع أنها كانت في بداية طريق توبتها .
سقطت دموعها وهي لا تشعر بشيء حولها، ومسلم يراقبها تبكي وهي ساقطة ارضًا بعجز، ينظر لاخوته بعجز شديد، كيف يساعدها هل يحملها ويركض بها بين طرقات القرية ؟!
والله لا يهتم ويمكنه فعل ذلك، لكن الألسنة لن تجلد سواها، تنفس بصوت مرتفع والخوف ينهش داخله بلا رحمة، لذا نهض وقرر دون تفكير أن يذهب بها للمشفى وليحدث ما يحدث.
لكن ما كاد يفعل حتى أشار له يحيى أن يحملها بسرعة :
_ دخلها جوا وانا هروح اجيب حد ياخد باله منها ويطمنا عليها .
لم يفهم مسلم كلماته، لكن يحيى لم يكن يمتلك وقتًا للشرح وهو يهرول خارج المكان تاركًا مسلم أمام جسد رايانا يراقبها بعجز ومشاهد قديمة متتابعة تُعرض أمام عيونه .
يجلس في نفس الغرفة التي يعاقب بها، والآن بعدما أحضروا له الصغيرة وامروه بقتلها والحصول على الطعام، كادت نفسه تطوع له قتلها مبررة الأمر بأن هذا خارج عن إرادته، وأن وجود طفلة في هذا المكان لا يقل فظاعه عن قتله لها .
حمل السكين وهو يقترب منها بجسد هزيل ينظر بعيدًا يحاول عدم النظر داخل عيونها، لكنه فعل، فعل وابصر نظرتها، ألقى السكين برعب مما كاد يفعل، كيف حدث ذلك كيف حتى فكر في حمل سلاح على طفلة صغيرة ..
ارتجف يقترب من الصغيرة يحاول طمئنتها يضمها له بسرعة كبيرة وهو يبكي بصوت مرتفع وكأنه يشكو للصغيرة ما يحدث له، أو ربما يعتذر لها بصمت ..
فجأة وفي خضم احتضانه لها شعر بانتفاضة جسدها وصرخة تخرج من فمها ومن ثم دماء تغرق يده، لدرجة أنه انتفض للخلف برعب وقد ظن أنه قتلها دون وعي منه .
صرخ وهو يزحف للخلف وكفه يلوث الأرضية بالدماء، يبصر أحد الرجال وقد تخلص من الفتاة وصوته خرج منه هادئ بارد بشكل مخيف :
_ في النهاية كانت الصغيرة ستموت، كان يمكنك الاستفادة من قتلها والحصول على طعام، لكن يبدو أنك احببت الحياة مع الجوع ..
ختم حديثه يخرج من الغرفة تاركًا مسلم مجمدًا أمام جثة الفتاة وهو يتابعها بأعين تحكي الصدمة والقهر، وقد شُلّ وفقد كامل إحساسه بالحياة حوله ..
والآن يجلس نفس الجلسة أمامها، لكنه لن يسمح لها أن تغدر به، لن يسمح للحياة أن تسلبها منه، ليس مجددًا .
حملها بسرعة وهو يدخلها أول غرفة قابلته يضعها على الفراش بخوف، ومن ثم نظر حوله يمسك يد عيسى يخرج من المنزل تاركًا الباب مفتوح يراقبها، لا يعلم ما يفعل، لكنه لن يقبل أن تستيقظ وتفزع من وجودها وحدها مع رجلين في منزل .
ظل فقط يراقب المنزل وعقله مشوش، تصرفاته غير متزنة بالكامل، فقط ينتظر عودة يحيى بمن سيساعد، وكله أمل أن يفعل ....
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
وصل للمنزل الخاص برجب بعدما وجد المحل الخاص به مغلق، كان هو دليله الوحيد في هذه القرية وهو من يستطيع المساعدة دون حدوث أي كوارث إضافية له أو لشقيقه بسبب افكار هذه القرية الظالم أهلها ..
توقف أمام باب المنزل ولم يكد يطرقه حتى وقعت عيونه عليه مفتوح والبهو بالكامل مكشوف أمامه وفي منتصفه رجل كبير بالعمر مع امرأة وشابين ورجل آخر في منتصف عمره تقريبًا .
توقف عن فكرته لطرق المنزل وشعر أنه جاء في وقت خاطئ، إذ يبدو أن رجب لديه ضيوف في الوقت الحالي .
تراجع خطوات يفكر في الاتصال بكارا ربما تساعده و...
قُطعت أفكاره حينما سمع صوت كارا في الداخل تجادل بصوت مرتفع واضح له وكلماتها كانت تخرج بنبرة شعر بها تجاهد كي لا تبكي .
_ يا خالو أنا بحبك وبحترمك، وماما الله يرحمها عمرها ما قالت غير كل خير عنكم وكانت بتحبكم كلكم، بس اللي حضرتك بتعمله مع بابا ده هيغير فكرتي عنكم .
ومن ثم صدح صوت رجولي قوي وهو يصيح بنبرة قوية :
_ وهو اللي ابوكي عمله ده يرضي ربنا ؟؟ قاعد يبيع ويشتري فيكِ، من راجل لراجل وكل واحد اسوء من اللي قبله، هي كلمة ومش هكررها يا كارا، اجهزي عشان راجعين البلد .
سقطت دموع كارا وهي تشعر بارتجاف يد والدها بين كفها تحاول الحديث بنبرة ثابتة وعيونها مثبتة على رجب الذي عجز عن التدخل بعدما اصمته الرجل أن لا علاقة له بما يحدث في عائلته.
_ هو ...اصل يا خالو هو... أنا كنت ...اتخطبت وهتجوز و....
توقفت حينما تقدم الشاب وهو يصيح بجنون :
_ تاني ؟! أنتم ايه ؟؟ مش بتضيعوا فرصة؟؟ كل شوية تجروا تشوفوا راجل يتجوزك ؟! مش بتتعظوا بعد اللي حصل فيكم ؟؟ ايه مستبيعينك اوي كده ؟!
سقطت دموع كارا وقد شعرت للتو أن كرامتها دُهست وبقوة، وتمنت لو أنها دُفنت حية ولا وُجه لها هذا الحديث المهين لها وكأنها بضاعة لا تجد تاجرًا يهتم بها أو يقدرها، بضاعة بخسة ..
سقطت دموعها في اللحظة التي سمعت بها صوت خالها يزجر ولده :
_ بكر اخرس، بتكلم بنت عمتك كده ليه ؟! سيبت ايه للغريب، دي مهما كان عرضك وشرفك، اعتذر منها .
_ اعتذر منها ليه ؟؟ انا مغلطتش، ما على يدك اللي بيتقال عليها من جوازتها الأولى هنا، اكيد جابت واحد تاني زي اللي سبقوه، هي اللي مش مقدرة نفسها .
سقطت دموع كارا أكثر وهي تضغط على يد والدها وكأنها تستمد منه قوة لا يمتلكها هو حتى .
كان الأمر مفاجئًا لها، أثناء جلوسها مع العائلة في المنزل لدى رجب صباحًا تفاجئت بأحد صبية القرية يقود لهم خالها وزوجته وولديه وجدها .
ابتلعت علقمًا عالقًا في فمها تحاول أن تنتفس بشكل صحيح في اللحظة التي شعرت فيها أن كل الهواء حولها أصبح فارغًا حين سمعت صوته في المكان .
ولم تمتلك الجرأة حتى لترفع عيونها له، تدعو الله ألا يكون قد سمع حديث ابن خالها الحقير عنها منذ ثواني .
وهذه كانت أمنية بعيدة، لكنها لا تود أن تتحطم صورتها لدى الشخص الوحيد الذي ربما كان يعاملها بشكل جيد في هذا المكان بعد عائلتها .
ارتجف كامل جسدها حينما شعرت بظل جسده يسقط عليها، رفعت عيونها بتردد لتبصر ظهره وهو يقف بينها وبين عائلة والدتها يردد بصوت هادئ وبسمة استشعرت بها في حديثه :
_ آسف طبعًا اني تدخلت في الحوار بلا مقدمات، بس انا الواحد اللي بتتكلموا عنه .
نظر له الجميع بعدم فهم، ليعدل يحيى من خصلاته التي كانت مبعثرة بعض الشيء من النوم، يستقيم في وقفته وهو يمد يده للرجل الاكبر بهم :
_ يحيى المريدي، خطيب كارا ..
نظر الجد ليده ثواني بتعجب، لكنه في النهاية مد كفه يلتقط بها كف يحيى مرحبًا به بهدوء :
_ اهلا يا بني .
نظر له خال كارا بتقييم وشك شديد :
_ ايه لحقوا يتصلوا بيك تيجي جري؟!
_ لا طبعًا، انا معرفش إن حضرتك هنا، لو اعرف اكيد مكنتش هاجي بلبس البيت ولا ايه رأيك ؟؟
تحدث وهو يشير لبنطاله القماشي الاسود وثوبه الابيض العلوي والذي حمد ربه أنه كان بأكمام كاملة .
اندفع الشاب وهو يصرخ في وجهه باتهام واضح :
_ وحضرتك بقى جاي لبنت عمتي بلبس بيتك عادي كده وهي لسه خطيبتك ؟؟ ايه أنتم سايبينها على البحري كده ؟!
رفع له يحيى وجهه وقد شعر بالغضب يملئ وجهه من هذا الحقير، لكنه حاول التماسك وهو يجيب بهدوء :
_ لا طبعا أنا مش جاي لبنت عمتك ولا اعرف انها هنا زي ما معرفش أنكم هنا، انا جاي لبيت عم رجب لو مش واخد بالك أنت واقف فين دلوقتي، ده بيت عم رجب مش بيت كارا ..
صمت الشاب وقد دهس يحيى للتو كل التهم التي كان يجمعها في رأسه، يقاطع أي نية في التحدث من خلالهم .
_ لو سمحت يا عم رجب انا بس كنت جاي اسألك لو فيه اي دكتور هنا لأن المستشفى مش فيها حد معرفش ازاي ومرات اخويا تعبانة شوية .
نظر له الجميع بعدم فهم وهو كان واضحًا أنه يود سحبهم من هذا الحوار على الأقل حتى يستفيق لهم :
_ رايانا تعبت فجأة بعد خبر موت ساڤا ووقعت منطقتش .
كانت صدمات متتالية يلقيها في وجوه الجميع ليرتجف جسد كارا التي رفعت عيونها له لأول مرة منذ دخل المنزل تهمس بصوت خافت ووجه أصبح باهتًا فجأة :
_ سا....ساڤا ؟؟ ساڤا ماتت ؟؟
سقطت دموعها بصدمة ليهز رأسه بنعم يتنهد بصوت مرتفع :
_ ربنا يرحمها، سافرت عشان تتعالج في القاهرة واتوفت هناك .
ضرب رجب كف بالآخر وهو يستغفر ربه بصوت مرتفع ينادي بصوت شبه مسموع :
_ يا أم عطية ...يا أم عطية تعالي..
خرجت زوجته بسرعة وهي تهتف بقلق :
_ ايوة يا رجب فيه ايه ؟؟
_ اجهزي وروحي مع كارا ويحيى لبيت المريدي عشان تكونوا مع رايانا وتشوفوا مالها، ساڤا تعيشي أنتِ .
اتسعت عيون المرأة بصدمة تشهق بصوت مرتفع والصدمة تزين عيونها لا تفهم كيف ومتى حدث كل ذلك، بينما رجب استدار صوب يحيى يردد بهدوء :
_ المدام كانت ممرضة في المستشفى، باذن الله هتساعدك، وانا هشوف مع الرجالة اللي هنعمله، هي هتدفن هنا ؟؟
نظر له يحيى يهز كتفه بعدم معرفة :
_ معرفش نورهان اللي معاها هناك، بس معتقدش هتقدر تساعد في نقلها، وارد أنها تندفن في القاهرة .
_ يبقى واجبنا نعمل عزاها هنا، تعال معايا يا محفوظ نروح للبارو عشان عزاها.
ونعم لم يذكر أنها ذهبت مع أحمد وليس نورهان، هو لا ينقصه أن يأكلونه بألسنتهم.
دقائق وخرجت السيدة وهي تجذب كارا من يدها بسرعة تهتف بلهفة :
_ تعالي يا بنتي أما نشوف اللي حصل.
سحبتها وخرجت للخارج تاركة يحيى مع الرجال فقط، فابتسم لهم يردد بهدوء :
_ كنت حابب تكون المقابلة الاولى افضل، بس معلش تتعوض، انهي بس من الحوار ده ونقعد سوا نتكلم .
ختم حديثه ولم يكد يعلن انسحابًا من الجلسة حتى سمع كلمات الجد :
_ براحتك يابني ربنا يصبركم، على العموم احنا قاعدين لغاية ما يخلص عزاكم، وينتهي حزنكم، ونحضر فرحكم، ونطمن على بنتنا في بيتها .
توقفت اقدام يحيى ثواني قبل أن يهز رأسه بكل هدوء ويخرج من المكان ورأسه يدور في عدة فراغات، أي زفاف هذا وأي منزل يقصدون، هل ستنقلب الأحداث فوق رأسه الآن ؟؟
تنهد بصوت مرتفع يحاول تجاهل كل ذلك وهو يركز على طريقه، لديه وقت ليفكر بالقادم، لكن الآن عليه فقط التركيز على ما يحدث في الجوار ....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تجلس بين النساء تائهة لا تفهم ما يحدث حولها، تشعر أنها تشارك في مشهد تمثيلي سخيف، اسبوع كامل مر ولا تزال لا تصدق أن ساڤا تخلت عنها بهذا الشكل، تركتها ورحلت ...
اسبوع كامل كانت سجينة منزل ساڤا ترفض رؤية أحدهم أو التحدث مع أحد، اسبوع كامل لم تبصر سوى طيف ساڤا حولها .
حركت عيونها حولها في المكان حيث كانت تستقبل عزاء ساڤا بعدما تم دفنها منذ أيام قصيرة في القاهرة جوار قبر والدتها، وحتى وافق البارو على إقامة العزاء ..
ابتسمت بسمة مجروحة وهي تتذكر أنها أخذت تتوسله ليوافق على إقامة عزاء لها، ترجته أن يتركها تقيم لها العزاء كما الجميع، حتى تدخل مسلم وتكفل بكل شيء، حركت عيونها في المكان كان شبه فارغًا من النساء إلا القليل، وحتى الرجال تدرك أن لا أحد سيخطو لعزائها سوى عدد قليل .
سقطت دمعة حسرة على رفيقتها التي كانت تستحق حياة أفضل من هذه الحياة .
تستحق كل السعادة وليس نبذًا حتى بعد موتها .
عضت شفتيها تكتم صرخة وقد اكتفت من البكاء حتى أصبحت الرؤية صعبة .
_ أنتِ بخير يا رايانا ؟؟
ابتسمت رايانا بصعوبة وهي تحاول مقاومة انهيارها الداخلي مجددًا :
_ اتمنى اكون .
مسحت دموعها تنظر للأرض أسفلها تحاول أن تفيق من هذه الحالة، حتى سمعت صوتًا جوارها يهتف بنبرة غريبة :
_ البقاء لله يا حبيبتي تعيشي وتفتكري .
ورايانا دون رفع رأسها علمت صاحبة الصوت، لكنها كانت مكسورة لدرجة أنها لم تمتلك طاقة حتى للجدال أو الشجار مع من كانت سببًا مباشرًا في خسارة ساڤا.
ظلت منكسة الرأس تسمع الحديث من حولها وكأنه لا يعنيها .
تحدثت زوجة رجب وهي تنظر صوب سُكينة بحنق وقد كانت لا تحب المرأة بالمرة :
_ شكر الله سعيك يا سكينة اتفضلي يا حبيبتي .
_ لا معلش مش هقدر استنى أصل انا كنت رايحة السوق وشوفت العزا في طريقي فاضي فقولت ادخل اعمل واجبي .
_ طول عمرك صاحبة واجب يا ختي .
كانت كارا في هذه اللحظة تضم رايانا وهي تربت على كتفها بحنان، تحاول أن تهون عليها حزنها .
ورايانا لا تبصر أمامها سوى دماء سكينة التي ستسيل على يدها إن لم تتحرك من أمامها، لكن حتى يدها كانت متعبة لرفعها، كانت مكسورة في هذه اللحظة لدرجة أنها لم تكن قادرة على التحدث بكلمة واحدة .
أما سكينة ابتسمت وهي ترميها بنظرة أخيرة تتحرك خارج المكان، لا تصدق ما حدث، عصفورين بحجر واحد، تخلصت من صداع ساڤا ومن جبروت رايانا .
ولو أبصرت نظرة رايانا التي تلاحقها في هذه اللحظة لهربت لاقاصي البلاد بحثًا لها عن مأون منها .
والأخيرة فقط كانت تتابعها بهدوء ودون كلمة واحدة قبل أن تبعد عيونها عن سكينة تشرد أمامها وقلبها قد بدأت ضرباته انخفض شيئًا فشيء حتى شعرت أنها تحتضر ..
ــــــــــــــــــــــــــ
_ الو يا أحمد عملت ايه ؟!
تنهد أحمد وهو يمسح وجهه بقوة يجلس على أحد المقاعد داخل مبنى كبير، وقد كانت ملامحه باهتة بعض الشيء وعيونه ذابلة وكأنه لم يتذوق للنوم من طعم طوال أيام واسابيع طويلة .
_ فتحت القضية تاني واتحركت فيها، الموضوع بس واقف على ايغ إثبات إن الأرض دي ملك لجدودك، بس انا ماشي وبحاول اخلص هنا، أنت ايه الدنيا عندك ؟!
حرك مسلم عيونه على العزاء المقام أمامه يشعر بأن حياته خرجت عن طور تحكمه، لقد كان مُسير في قرارات عليه أن يكون مخيرًا بها .
وحتى رايانا طوال الأيام السابقة كانت محاطة بالنساء ولم يستطع الانفراد بها لثانية واحدة للتحدث معها .
_ تمام، باذن الله كل ده يخلص قريب ونستريح .
صمت ثواني وهو يردد بجدية :
_ عملت ايه في طليق اختك ؟!
_ عملت اللي المفروض يتعمل، قدمت فيه بلاغ أنه بيهدد اختي بفضحها، وروحت ليه البيت فضحته، وأنت الله تسلم ايدك خليت صوره منوره كل مكان .
صمت ثواني قبل أن يضيف :
_ وحاتم مقصرش الحقيقة .
ابتسم مسلم بتعب يدرك أن حاتم كان فقط ينتظر فرصته ليقتل عادل وينتهي منه ويتخلص من وجوده بالكامل حول نورهان .
_ ونورهان عاملة ايه ؟؟ هترجع معاك هنا ؟؟
_ لا، أنا مش حاببها ترجع معايا كفاية اوي كده، خليها هنا و..
توقف عن الحديث حينما أبصر نظرات نورهان له لتنهض الأخيرة بهدوء شديد تاركة شقيقها يتحدث في الهاتف تتحرك صوب الحديقة وهي تنظر أمامها تشعر بالاختناق، الآن ستعود لمنزلها وتلزم غرفتها بأمر من والدها الذي لن يسمح لها برؤية الشمس بعدما يعلم ما حدث بالتحديد .
شعرت أنها تكره كل شيء في حياتها، لقد ملت، ملت واصابها الاختناق من كل ما يحدث بها من الجميع، يتعاملون معها كما لو كانت شيء يستحق أن يتجنبوه.
تنفست بصوت مرتفع تحاول أن تهدأ تفكر بإيجابية، ربما يسمح لها والدها بالخروج للعمل وأحياء شغف قتله عادل سابقًا، لكن هل ما زالت تتذكر ما تعلمته حتى ؟!
_ الله يعطيكِ العافية، عذبتك معي.
لوهلة ظنت أن الصوت خرج من رأسها ربما، لكنه لم يكن، بل كان متمثلًا بالرجل الذي يجلس أمامها يتحدث مع امرأة تبتسم له بلطف وهي تمد يدها له بمشروب وقطعة كيك ...
نورهان دون إرادتها شردت به، ببسمته، هل تراه يكون مخرجها من هذا الظلام والسجن ؟؟
وهل تقبل هي أن يتمثل مخرجها في رجل بعد كل ما رأته مع عادل ؟؟
تتذكر ذلك اليوم الذي ذهبت مع الجميع به لقسم الشرطة للشهادة على ما حدث وتفريغ هاتفها من كل الرسائل التي كان يرسلها لها والاتصالات .
كانت كلمة عرضية نطق بها عادل وهو يدخل المكان مع محاميه الخاص بعدما وصله استدعاء، تحرك يبصرها تجلس في الممرات مع شقيقها والرجل الذي ضربه بالسيارة سابقًا، لحظة واحدة نطق بها كلمة :
_ طول عمرك زبالة يا نورهان، انا الغلطان اني بصيت لواحدة بنت حيـ...
ولم يكد يكمل كلمته حتى شعر برأسه تصطدم بقوة في الجدار خلفه وصرخاته تصدح في المكان بأكمله، وحاتم يصرخ فيه بجنون :
_ ولك اسمها بس ما بيمس لسانك، لا تجيب اسمها على لسانك .
كان يتحدث وهو يكاد يخرج روحه بين يديه، وأحمد للمرة الأولى لا يتدخل لفض نزاع بل كان يراقب بكل هدوء وهو يضم ذراعيه لصدره، يستمتع بمظهر عادل وهو ينازع ليفلت من يد حاتم .
ولم ينتهي الشجار إلا بتدخل عناصر الشرطة وتهديد الاثنين بالحبس، واخيرًا انتهى الشجار بصعوبة لينسحب حاتم من المكان بأكمله غاضبًا لأنه لم ينتهي منه ويقتلع روحه من جسده .
استفاقت نورهان من شرودها على رؤيتها للمرأة تربت على كتف حاتم بحنان وقد كانت السيدة تنظر له بلطف شديد، وكأن حاتم مارس عليها سحره الذي يجعل أي كان ينجذب له، تحدث حاتم يرفع عيونه لها مبتسمًا :
_ تعبتي حالك يا خالة والله، ما كان اله لزوم و...
توقف عن الحديث حينما ابصرها تقف على بُعد صغير منه تراقبه بنظرات غير مفهومة، ولم يستطع فعل شيء سوى أنه رفع في الهواء قطعة الكيك بدعوة صامتة لتأخذ منها .
وهي فقط ابتسمت بسمة صغيرة موجوعة تمنت لو كانت الحياة ابسط من كل هذا التعقيد وحصلت على راحة مع شخص يحبها، تتساءل كيف كانت لتكون الحياة لو أن تجربتها الأولى كانت مع رجل افضل من عادل، رجل كحاتم ربما .
_ نورهان عساكِ بخير، شو مالك ؟!
ابتسمت له بسمة صغيرة وهي تهز رأسها بلا شيء :
_ مفيش بس كنت بفكر .
_ خير ؟؟
نظرت له ثواني قبل أن تقول بهدوء شديد :
_ أحمد هيسيبني هنا ويرجع من غيري .
اتسعت عيون حاتم لثواني وبدا كما لو أن شحوبًا بدأ يزحف لوجهه وكأنه لا يصدق أنها ستبتعد عنه بعدما اعتاد قربها، كاد يثور يحتج ويرفض ويندد بقرار أحمد المجحف في حقه وحق راحته ليتذكر فجأة ... أنه محق .
هو محق، لكنه يتعذب.
يقدر أنه لا يحب لشقيقته أن تظل معهم، لكنه يقدر أيضًا أن روحه لن تطيق البعاد، لكن هل يمتلك حق الاعتراض ؟؟
لا لا يفعل، للاسف لا يفعل .
_ هو بده مصلحتك أول شي..
_ وهو وجودي هنا مصلحتي ؟؟
صمتت ولم تسترسل في الحديث فهو لا يعلم عن عائلتها ووالدها تحديدًا شيئًا، فأحمد رغم حزمه وصرامته، إلا أنه كان أكثر لينًا من والدها بكثير، والدها سيعد عليها أنفاسها في الأيام القادمة .
صمتت وكان الصمت ابلغ من الحديث، وهو لم يستطع التحدث بكلمة، تراجع ليتحرك من أمامها، لكنه توقف فجأة يهتف بصوت متساءل خافت وكأنه يخشى سماع صوت يأسه :
_ متى بتنتهي عدتك ؟؟
رفعت عيونها له بصدمة وتفاجئ من سؤاله تحاول أن تفكر فيما يريد لكنها لم تشعر سوى بنفسها وهي تجيب ببساطة :
_ شهر وخمس ايام تقريبًا ....
ابتسم لها بسمة صغيرة يهز رأسه وكأنه يراضيها ويمحو الحزن الظاهر في عيونها :
_ إذًا ماشي الحال، بس تحمّلي هالأيام، وبعدين كل هاد رح يخلص.
لم تفهم ما يقصد ولم تكد تسأل حتى سمع الإثنان صوت أحمد وهو يدعوهم للقدوم بصوت شبه حاد :
_ حاتم تعالى عايزك معلش، وأنتِ يا نورهان .
نظرت نورهان لحاتم ثواني قبل أن تختفي بعيدًا عنه تاركة إياه يراقبها بيأس وقد عقد العزم سينتظر انقضاء عدتها، ومن ثم يتقدم لها بطلب الزواج.....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
فرغ العزاء ورحل القليلون الذين جاءوا لأجلها، والآن ها هي وحدها، تجلس في منزلها، المنزل الذي شهد كل عذابها ولحظات الهناء القليلة التي عاشتها ساڤا .
دارت بعيونها بين ممرات المنزل وهي تشعر بالوحشة داخل صدرها، خواء ووحدة يتغذيان على بقايا الأمل الذي كانت تحمله للغد، هي بالأساس لا تستطيع التفكير في غد وحدها، غد لا تشاركها به ساڤا، لا تتخيل لها من سعادة بعدها .
مسحت عيونها وانفها وهي تحاول أن تتنفس بشكل طبيعي من بين شهقاتها، وما كادت تندمج في موجة بكاء شديد حينما وقعت عيونها على صورة ساڤا على الطاولة أمامها، قاطع نيتها في البكاء مجددًا صوت طرق هادئ على باب منزلها .
نظرت حولها لا تعلم من يمكن أن يكون قد جاءها الآن في هذه اللحظة، وهنا في منزل ساڤا ؟؟ شعرت بالريبة وهي تخشى أن يكون عم ساڤا أو أحد الرجال الذين كانوا يزعجونها، افكار سوداء كثيرة ضربت عقلها وهي تتمسك بالهاتف كما القشة في الموج العاصف .
تحضر رقم عيسى الذي تحتفظ به للتواصل معهم، تتصل بالرقم وهي تنتظر رد منه، حتى وصلها صوت عيسى يقول بلطف :
_ الو يا رايانا، عاملة ايه ؟!
خرج صوتها خافت مرتجف :
_ عيسى هو فيه حد منكم جه ليا ؟؟ مسلم عندك ؟!
لم يفهم عيسى ما تقصد بحديثها يرفع عيونه صوب مسلم والذي كان يعمل بشكل مرعب على الحاسوب الخاص به منذ ساعات ولا يفهم ما يحدث، منذ عادوا من العزاء تحديدًا .
_ هو مسلم هنا قدامي اهو، ليه فيه حاجة ؟!
شعرت رايانا بالخوف يعصفها بها أكثر وهي تتراجع للخلف تجيب بصوت مرتجف :
_ أصل...فيه حد بيخبط على بيت ساڤا وأنا لوحدي هنا فكرت حد فيكم و...
_ حد مين ده يا رايانا، مسلم هنا اهو ومفيش حد خرج، طب أنتِ عرفتي حد من أهلك مش يمكن حد منهم ؟!
انتبه مسلم واخيرًا وخرج من دوامة أفكاره حينما سمع اسمها، يرفع رأسه صوب عيسى يردد بتساءل:
_ رايانا ؟!
اومأ له عيسى بنعم وهو يتحدث مع رايانا ببساطة :
_ افتحي شوفي مين يا رايانا يمكن حد من أهلك .
_ تفتح ايه ؟؟ فيه ايه يا عيسى ؟!
أخبره عيسى بإيجاز ما علم من رايانا، لينتفض جسد مسلم وهو ينتزع منه الهاتف بقوة متحدثًا بنبرة حادة :
_ أنتِ بتعملي ايه لوحدك في بيت ساڤا ؟؟ أنتِ اتجننتي ؟؟
انتفض جسد رايانا وقد خافت من صرخاته أكثر مما خافت من طرقات الباب التي توقفت للتو، ولم تكد تبرر قدومها كي تستأنس بروح ساڤا :
_ هو أنا كنت ...
_ كنتِ ايه ؟؟ قاعدة لوحدك في بيت ساڤا افرضي حد عرف أنك لوحدك و...
قاطع حديثه وصراخه والقلق الذي يكاد يفتك به صوت رايانا وهي تهمس بنبرة شبه مرتاحة :
_ مسلم ده شكله ...محمد، انا سامعة صوته برة .
اتسعت عيون مسلم وهو يندفع خارج المنزل يصرخ بجنون اكبر يكره وجود هذا الرجل جوارها، يشعر بالاختناق وهو يبصر نظراته لها طوال الوقت :
_ ده اسوء ...اللي بتقوليه ده اسوء، رايانا متفتحيش لحد لغاية ما اجي، استني انا جاي ليكِ أما اشوف الاستاذ عايز ايه .
لكن لم يصله رد من الطرف الآخر فبعدما علمت رايانا هوية الطارق حتى تحركت صوب الباب تفتحه فتحة صغيرة وهي تمسك الهاتف في يدها وقد اخفضته عن أذنها :
_ خير يا محمد، فيه حاجة ؟!
رفع محمد ملامحه الذابلة لها يبتسم بسمة صغيرة وقد بدا في حالة غير طبيعية، عيون حمراء وجسد هزيل وكأنه لم يتناول الطعام لأيام طويلة، وخصلات مبعثرة، يحمل بين بين يديه علبة صغيرة مبتسمًا لها بسمة مهتزة بعض الشيء :
_ رايانا .
نظرت له رايانا بعدم فهم :
_ مالك يا محمد أنت كويس ؟!
سقطت دموع محمد وهو يحدق فيها بجمود قبل أن يهتف بصوت خافت :
_ لا أنا مش كويس خالص، مش كويس خالص يا رايانا .
شعرت رايانا بأن هناك شيء خاطئ به، محمد في هذه اللحظة كان يبدو لها غير متزنًا، تنظر صوبه من فوق لاسفل قبل أن تتعلق عيونها بما يحمل بيده :
_ خير ؟! كنت عايز حاجة ؟؟
وكانت تلك آخر جملة تصل لمسلم قبل أن يعلو صوت الصافرة الخاصة بإغلاق الهاتف ليتوقف قلبه وهو يهرول في طريقه كالمجنون جاذبًا انتباه الجميع له، لكنه لم يهتم لأحد وهو يركض يحاول الاتصال برقمها مرات ومرات ويده ترتجف وقد بدأت الرؤية حوله تتحول للاسود تدريجيًا، حتى وصل واخيرًا لمنزل ساڤا يتنفس بعنف، يتقدم منه بحرص وحذر، ليبصر أول شيء أمامه ..
باب مفتوح، علبة طعام محطمة ارضًا ومنزل فارغ .
تنفس بصعوبة يقترب من المنزل يتصل برقم رايانا مجددًا ليصدح الهاتف من أرضية المنزل وهذا ما جعل كامل جسده يهتز وعيونه تتسع وهو يميل ليمسك الهاتف يضغط عليه بخوف .
_ رايانا ...رايانا أنتِ هنا ؟؟
لكن كل ما سمعه كان الصمت، صمت فقط، صمت خانق، شعر بأنه يختنق وقد صعب عليه التنفس تقريبًا .
وكل ذلك حدث بالتزامن مع رنين الهاتف بيده، فتح المكالمة بسرعة يجيب دون تفكير :
_ رايانا ...
_ رايانا مين ؟! أنا احمد يا مسلم، كويس أنك أنت اللي رديت كنت عايز منك بس تـ
قاطعه مسلم وهو يدور حول نفسه يتحدث له بصوت مختنق وكأنه لا يصدق أنه وجد من يشكو له همومه :
_ رايانا مش هنا يا أحمد.
لم يفهم أحمد ما يحدث وهو ينظر لحاتم الذي كان يتابعه عن قرب في انتظار أن يساعدهم مسلم فيما سيفعلون، لكن مسلم كان في هذه اللحظة هو من يحتاج ليد العون التي تمتد وتصفعه ليستفيق من صدمته .
_ مش هنا فين ؟! مسلم أنا مش فاهمك .
شعر مسلم بالعجز وقد فرغ عقله في ثواني من الفزع عليها، وكأن وعيه وإدراكه وعقله يعملون فقط بالقرب منها، يعملون فقط حينما يتأكد أنها بخير، يعملون فقط حينما يبصرها سالمة .
جذب خصلات شعره بقوة وهو يتنفس بصوت مسموع وواضح لأحمد الذي فشل في فهم ما يحدث لولا حاتم الذي جذب منه الهاتف يتحدث له بسرعة ولهفة :
_ مسلم ما بك ؟! هل كل شيء بخير ؟!
ومسلم تعلق بصوت حاتم وهو يفرغ كل أفكاره الغير مرتبة له بلهفة ورعب :
_ حاتم لقد ...جاء وأخذها ..لقد كانت هنا تتحدث معي وفجأة اختفى صوتها وهي كذلك. .المنزل فارغ ولا اعلم أين هي ؟؟
_ إذا لم تعلم أنت فمن يفعل مسلم؟؟ مسلم لا توقف عقلك لشدة رعبك وفكر كما اعتدت، يا رجل أنت الوحيد الذي عثر على الإبرة وأخرجها من كومة القش، فقط فكر وستجدها قبل حتى أن نصل لك .
وكأنه فقط كان يحتاج لهذه الكلمات ليعي ما يحدث حوله، لذا بهدوء أبعد الهاتف دون كلمة واحدة أو حتى سؤال عما كانوا يريدون منه، فقط اغلق المكالمة وهو يدور بعيونه في المكان حتى ضاقت عيونه وقد علم أين سيبدأ البحث في هذه اللحظة .
نظر للمنزل نظرة واحدة فاحصة، قبل أن يخرج منه بهدوء وبيده هاتف عيسى وهاتف رايانا ....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أما عن محمد توقف بالسيارة في إحدى الأراضي المتوارية عن أعين الجميع يلقي برأسه على المقود ودموعه تهبط بقوة، لقد جاهد يقسم بالله فعل وحاول الابتعاد عنها وتركها لمن يستحقها لكن ....
هذا ليس عدلًا، هو من تعذب اكثر، هو من احبها اولًا، هو من كان يسير خلفها في طفولته فقط ليبصر منها بسمة، يتلقى ضربات عنها فقط ليتجنب رؤية دموعها، هو من قُتل مرات ومرات حينما بلغه خبر زواجها الاول في فترة سفره .
هو من غامر بمستقبله لتكون له .
سقطت دموعها أكثر يضرب المقود بقوة وصوت بكائه يعلو، يشعر بالعجز، لماذا فعلت والدته به هذا، لما لم يدعمه والده، اضطروه أن يسرق فرحته من بين أنيابهم .
نظر لها بطرف عيونه يعتذر لها بصمت، هو يدرك أن ما فعله سيوقعه في كوارث، كوارث قد تلطخه وتلطخها، لكنه سيصلح كل ذلك، يقسم أنه سيصلح كل ذلك بمجرد زواجهما، سيأخذها من هذه القرية ويحضر لها العالم أسفل اقدامها، ويحيا فقط ليرضيها .
فقط يجبر والديه على الموافقة عليها، يجبرهم عليها ومن ثم يصحح ما أخطأ به، وما الذي قد يجبرهم سوى حديث الجميع، نفس الحديث الذي أخاف والدته سابقًا وأبعده عنها، هو ما سيجمعهما الآن.
نظر في مرآة السيارة يبتلع ريقه يحاول أن يبعد شيطانه من أمام عيونه، لكن رنين هاتفه أخرجه من أفكاره ينظر بطرف عيونه لاسم والده، لذا تجاهله وهو يهبط من السيارة بعنف يستدير صوب المقعد الخلفي حيث يسكن جسد رايانا المخدر، فتح الباب وأخذ ينظر لها دقائق طويلة لا يدري عددها، يفكر مرات ومرات مخافة الندم، لكنه في النهاية قرر ..
خلع سترته يلقيها في السيارة ومن ثم بلل شفتيه يميل بجسده عليها يهمس بصوت خافت جوار أذنها :
_ سامحيني يا رايانا، دي الطريقة الوحيدة عشان يوافقوا على جوازنا، والله العظيم هعوضك ...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ مش شايف إن الموضوع طول يا بني ؟!
رفع يحيى رأسه لجد كارا والذي استدعاه مع عطية لأجل حوار هام، حوار يدرك أين سيتحرك، الرجل لا ينفك يذكر له أن يقيم زواجه من كارا .
وهو ...حسنًا هو لا يمانع الفتاة تعجبه، أو ليس الزواج قبول، لكن القبول لم يكن كل شيء، الكثير بينهم، أولهم هي نفسها، ربما لا تنظر له بنفس الطريق التي يفعل هو .
رفع عيونه لرجب يطلب منه العون وقد وعده العجوز الكاذب أن الأمر سيقتصر على خطبة مزيفة فقط، ورجب تنحنح يحاول الحديث بنبرة مقنعة :
_ يا حاج أنت مستعجل ليه، ما هو الاستعجال ده اللي ضيع الدنيا في الجوازة الأولى، عايزين نسأل على الراجل الاول مش يمكن يطلع عاطل وصايع ومش كويس ؟!
نظر له يحيى وقد تشنجت ملامحه، ليسارع رجب، يعض له شفتيه في حركة توحي أنه فقط يكذب ليؤخر الأمر، لكن يحيى لم يكن يقبل أن يكون ذلك على حساب سمعته .
_ ايه يا عم رجب ما تفرمل كده عاطل وصايع ايه ؟؟ أنت جايبني من خمّارة؟! ده انت بعونك يارب بتكلم أكبر مستثمر في الشرق الأوسط حاليا .
امسك رجب يده من أسفل الطاولة وهو يضغط عليها :
_ يا بني مش قصدي انا بتكلم بشكل عام .
_ بلا عام بلا خاص مش بروفايل هو، ده أنتم تتشرفوا بين الخلق كده بنسب زيي .
_ وايه بقى اللي يميزك أن غيرك عشان نتشرف بيك بين الخلق ؟!
وكانت هذه كلمات خالها لكارا، الذي ابتسم بسمة صغيرة جانبية لينظر له يحيى يرفع حاجبه ومن ثم تحدث بكل جدية وبساطة :
_ ايه اللي يخليكم تتشرفوا ؟؟ حضرتك مش بتكلم بني ادم عادي، انا تاني دفعتي في كلية تجارة ومتخرج بامتياز مع مرتبة الشرف، وصاحب أملاك وأراضي فدادين، وعندي اكبر مطعم اكلات شعبية في منطقتي كلها .
ختم حديثه الذي حاول تجميله قدر الإمكان لينفخ من مكانته أمام الجميع، لكن الأعين التي ضاقت عليه جعلته يعلم أنهم لا يصدقونه، وهو فقط حاول، لذا نهض من مكانه :
_ على العموم حابين تصدقوا صدقوا، مش حابين أنا مش حابب اكون في علاقة الطرف التاني اللي فيها من واثق فيا عشان كده عن اذنكم، لما يكون فيه ثقة بينا كلموني.
ختم حديثه يتحرك صوب الباب بسرعة وهو يرفع رأسه، لكن ما كاد يخرج من الباب حتى ابصرها تقف بعيدًا وهي تنظر له بحزن وخوف، ليغمض عيونه بقوة يمسح وجهه، ثم رفع وجهه لها وقد كان ظهره للباقيين، يحرك شفتيه بهمسات لم تصل لأحد لكنها استطاعت قراءتها من شفتيه وقد كانت النتيجة هي
" هطلع عين اهلك "
اتسعت عيونها بصدمة لدرجة أنها ركضت صوب غرفتها، ليرميها الأخير بنظرة حانقة، ومن ثم استدار صوب الجميع يعود بهدوء للاريكة يجلس أمامهم وهو يهتف مجددًا :
_ بس معلش حظكم اني راجل والراجل مش بيرجع في كلمته، وانا اديت كلمة لعمي محظوظ ...
مال عليه رجب يهمس بصوت غير مسموع للباقيين:
_ محفوظ .
_ اديت كلمة لعمي محفوظ إني عايز بنته على سنة الله ورسوله، وانا مش برجع في كلمتي، عشان كده يا حاج حدد الميعاد اللي تشوفه وأنا معاك هجيب ابويا ورجالة العيلة كلهم عشان نتفق .
نظر الرجال لبعضهم البعض وقد بدا أن هناك نظرات اعجاب بموقف يحيى، ليبتسم الجد وهو يهز رأسه مستحسنًا :
_ تمام هو ده كلام الرجالة، بص بقى يا بني الـ...
ولم يكد يتحدث كلمة واحدة حتى اخرج يحيى هاتفه وهو ينظر له بانتباه شديد :
_ لا مؤاخذة بس التليفون بيرن والمكالمة ضرورية .
علق ابن خال كارا بغيظ :
- بس مفيش حاجة رنت.
رمقه يحيى ببسمة مستفزة :
_ عامله ڤايبريشن .
رفع الهاتف بهدوء على أذنه يتحدث بصوت واضح للجميع :
_ ايوة يا مسلم يا حبيبي...ايه مالك فيه ايه ؟؟
فجأة انتفض جسده أن الأريكة يردد بصدمة وصوت شبه مرتفع :
_ دلوقتي ؟؟ هي يا بني مش في التامن لسه ؟؟ طيب طيب أقفل انا جاي اهو .
اغلق الهاتف بسرعة وهو يعتذر من الجميع بلهفة شديدة يتحرك خارج المنزل مهرولًا :
_ عن اذنكم يا جماعة مرات اخويا بتولد وهو لوحده .
وقبل أن يدرك أحدهم حتى الجملة التي نطق بها اختفى عن الأنظار بالكامل تحت أعين الجميع، ورجب الذي تابعه بأعين متسعة قبل أن يعض شفتيه يكتم ضحكته بصعوبة عليه .
_ ربنا يطمنكم عنها يا بني يارب، ابقى طمني على البيبي ...
نظر بعدها للرجال وهو يتحدث بهدوء :
_ معلش يا جماعة مضطرين نأجل الموضوع شوية واهو برضو نكون سألنا عنه في القاهرة، أصله مش من هنا فالموضوع صعب شوية، وبيني وبينكم الولد غريب محتاج نتحرى عنه.
أما عن يحيى فقد خرج بسرعة وهو يبتسم بسمة واسعة وقد نجى هذه المرة، لكن إلى متى.
ليتزوجها وينتهي من الأمر برمته .
فجأة أبصرها تقف في نافذة المطبخ وهي تشير له فاقترب منها ينظر صوب المنزل بقلق :
_ كله منك يا خرابة أنتِ وعيلتك، مش عارف هفضل لغاية امتى اتحجج، انا موت أربعة وولدت اتنين لغاية دلوقتي بسببك .
ضحكت كارا وهي تكتم ضحكتها بصعوبة مخافة أن يسمعها أحدهم :
_ معلش حقك عليا استحمل لغاية ما يزهقوا ويمشوا بقى .
_ وليه اللفة دي كلها يا بنت الحلال ما اتجوزك ونخلص اسهل من كل ده .
اتسعت عيون كارا بعدم فهم وقد شعرت فجأة أن ضربات قلبها ازدادت بقوة، تتنفس بصعوبة من الفكرة، هي حتى في أكثر أحلامها جموحًا لم تتخيل أن تكون زوجة لشاب مثل يحيى .
تشنج يحيى وهو يرى صدمتها ليرفع حاجبه :
_ ايه يا ختي مصدومة ولا كأنك هتتجوزي واحد محروق، الموضوع صعب اوي كده ؟!
_ أنت...يحيى لو سمحت متهزرش في الموضوع ده .
ويحيى لا يتذكر هل سبق ونادته باسمه سابقًا أم لا، لكنه أحب الأمر، أحب كيف نطقت اسمه بهذه البساطة، لذا ابتسم دون شعور وهي تعجبت بسمته، لكنها لم تتحدث .
أما عنه فقط تحدث بجدية :
_ فكري كده في عرضي عامة هيفضل قائم لفترة محدودة ولغاية نهاية السيزون، مؤهلاتي، قمور ناجح مستثمر غني باذن الله، وعيلتي ناس طيبة وامي مش بتعرف تضرب حد، واخواتي على الله، وعندي شقة فتحتها بحري .
كانت ترمش بعدم فهم، وبسبب شخصيته الغير مستقرة في نظرها لا تفهم إن كان جاد أن يمزح ربما، لكنه لم يمنح لها الفرصة في التفكير وهو يرفع يده يودعها ومن ثم تحرك بعيدًا عنها مبتسمًا بسمة واسعة سعيدة، فكرة متهورة ربما يندم عليها حينما يستفيق من غمرة المشاعر، لكنه أحب المغامرة ..
سمع صوت رنين هاتفه ليبصر اسم عيسى يجيب بهدوء :
_ الو يا عيسى ...
_ يحيى أنا مسلم، عايزك تساعدني في حوار مهم .
_ حوار ايه ده ؟!
_ رايانا .
_ ايه ولدت ؟!
تعجب مسلم من كلماته :
_ نعم !!
_ معلش متاخدش في بالك عايز ايه !!
_ تقدر تجيب ليا كارا ؟!
توقفت اقدام يحيى فجأة وكأن جسده تخشب بالكامل يبتسم بعدم فهم :
_ نعم يا خويا ؟؟
_ يحيى اسمع عشان اقسم بالله انا شياطيني بتتنطط قدامي وأقسم بالله لو خلال ساعات ملقيتش رايانا قدام عيوني لأكون مولع في القرية بنت ال *** دي واللي فيها .
كان يصرخ لدرجة أن يحيى ارتعب وهو ينظر خلفه صوب النافذة التي ما تزال متسمرة بها دون حركة تراقبه بهدوء وفضول، ابتلع ريقه :
- طب اهدى بس واتنيل فهمني عايزها في ايه، اكيد مش هروح اقولها عايزك في مصلحة، اقسم بالله تقلع اللي رجليها وتديني بيه على دماغي .
_ معرفش اتصرف وهاتها معاك اخلص يا يحيى .
ومن ثم اغلق الهاتف لينظر له يحيى بصدمة كبيرة، ومن ثم استدار ينظر لها بنظرات مرتابة يتنفس بصوت مسموع، ثم عاد لها بخطوات بطيئة وهي تراقبه بعدم فهم :
_ ايه نسيت حاجة ؟!
_ لا بس كنت ....يعني ...
صمت ثم رفع عيونه لها مبتسمًا بغباء :
_ عايزك في مصلحة .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ يا أحمد بالله عليك ما تسيبني هنا، انا هندفن واتخنق، على الأقل لغاية ما ترجع معايا في البيت بلاش تسيبني هنا لوحدي.
نظر لها أحمد يحاول ألا يضعف، هو يتصرف بشكل طبيعي، لكن دموع شقيقته وهي تتوسل له تقريبًا تضعفه، نظر بعيدًا صوب السيارة التي تقبع على بُعد قريب ينتظر بها حاتم خلف المقود .
_ والله ما هخرج من بيت جدي، بس استريح بعيد عن ضغط العيلة الايام دي قبل ما نرجع واتحبس .
بلل شفتيه وقد شرد في السيارة ثواني، قضى في القاهرة اسبوعين، اسبوعان حدث بهما الكثير، أكثر مما يمكن لأي شخص أن يتخيل ..
هز رأسه بتردد لتبتسم وهي تبكي من السعادة تلقي بنفسها بين أحضان أحمد، وأحمد ربت على ظهرها وعيونه ما تزال معلقة على السيارة .
تحرك معها بعد دقائق وحينما انتهى من كل ما أراده، دخلت السيارة تستقر في الخلف ومن ثم استقر أحمد جوار حاتم، يتابع الطريق بهدوء وعيونه مثبتة على المرآة لا تتحرك عنها، شاردًا بها وبكل تفصيلة بها، وعقله يعيد ما حدث الأيام السابقة ...
_ ساڤا أنتِ سمعاني صح ؟!
رفعت ساڤا عيونها له بصعوبة وقد كانت متورمة من شدة الضرب الذي تلقته، ابتسمت بسمة موجوعة وهي تهز رأسها، وهو فقط سحب مقعد يجلس أمامها بهدوء يراقبها دون كلمة :
_ ربنا كتبلك عمر جديد يا ساڤا .
سقطت دمعة من عيون ساڤا ولم تتحدث بما يدور داخله، لم تخبره أنها تمنت لو لم تستيقظ مما حدث لها، لو كان عمها تخلص منها بالكامل .
لكن بأي عين تتمنى الموت، وتقف أمام ربها ؟!
تنهد أحمد يعلم ما يدور داخلها :
_ أنا... أنا بلغت عن عمك واتقبض عليه بتهمة التعدي عليكِ بالضرب والشروع في قتل، لأن الضربات كانت شديدة لدرجة تسببت في ضرر كبير ولولا ستر ربنا كنتِ ضعتي منا .
بكت ساڤا بصوت شبه مرتفع وهي تحاول الاعتدال في جلستها، لكنه أشار لها بعدم التحرك :
_ بلاش، خليكِ زي ما أنتِ، انا بس حبيت اقولك لأني مش حابب اتصرف في حياتك بدون معرفتك، بس حسيت إن ده القرار الصح، مينفعش يعدي الموضوع كده، وكمان هتحتاجي تقولي شهادتك عشان المحضر يتقفل.
ازداد بكاء ساڤا وهي تنظر له بقلة حيلة، وكم ودت لو أخبرته أن الضرب كان أقل وجعًا مما رأته، كانت ترفع يدها تجفف دموعها بكم ثوبها وصوت شهقاتها ترتفع أكثر، تحاول التماسك :
_ مش عايزة ....مش هقدر ....هي كمان خالتي ...كلهم ...كلهم اذوني، يا ترى هتقدر تخلصني منهم كلهم ؟!
ختمت حديثها بأمل وهي تتنفس بصعوبة من بين بكائها، تحاول التماسك، لكنها لم تستطع تهتف من بين شهقاتها :
_ هما ...كلهم ...من صغري ظلموني كتير وطول ما انا عايشة عمرهم ما هيسبوني في حالي، انا خلاص ...مش عايزة اعيش...مش هقدر اعيش .
_ هتيأسي وأنتِ لسه في أول الطريق كده ؟! لسه بدري على كل ده يا ساڤا .
نظرت له من بين دموعها فتنهد بصوت مرتفع :
_ ربنا كتبلك عمر جديد، فلازم تستغيله كويس اوي، واول حاجة تعميلها أنك تركني ساڤا القديمة على جنب، كأنك اتولدتي وابدأي من جديد .
صمت ثواني قبل أن يردد بجدية :
_ اقولك خدي عزاها..
نظرت له بعدم فهم فابتسم لها بسمة صغيرة :
_ هناخد عزاكِ ونموت ساڤا في عيون الكل، وبعدين نبدأ ننضف الحياة منهم، وتعيشي حياتك الجديدة.
_ مش ...مش قادرة انا تعبت و....ساعدني اقوم وامشي من هنا، مش عايزة ارجع لحياتي القديمة الله يكرمك يا أحمد.
تشنجت من شدة البكاء وهي تنطق من يأسها :
_ اعتبرني نورهان حتى، اعتبرني أي حد ممكن تساعده، وساعدني انا مش عارفة اعمل ايه وخايفة، اقسم بالله مرعوبة منهم كلهم .
كانت تتحدث باكية مرتجفة من آخر مواجهة كادت تخرج منها مقتولة ..
وأحمد فقط حدق بها بصمت طويل قبل أن يبتلع ريقه يهز رأسه .
_ أحمد ... أحمد ساڤا مش بترد عليا .
انتفض جسد أحمد في السيارة وقد خرج من أفكاره على صوت صراخ نورهان ليأمر حاتم بإيقاف السيارة وهو يهبط بسرعة يدور حولها حتى توقف أمام باب السيارة جانبها، يفتحه بسرعة وهو ينظر لحاتم نظرة جانبية جعلت الأخير يترك المقود ويهبط من السيارة بالكامل مبتعدًا عنها .
وأحمد تنفس يرفع النقاب عن وجه ساڤا يضم وجهها بين كفيه يهمس بصوت خافت :
_ ساڤا ...ساڤا سمعاني ؟؟
لكن لم يصل له صوت من طرفها فأشار بعيونه صوب نورهان التي كانت تتآكل من الرعب جواره :
_ هاتي ازازة ماية يا نورهان .
مدت نورهان جسدها للمقعد الأمامي تحضر الزجاجة، وأحمد دس جسده داخل السيارة يجذب له جسد ساڤا يسندها على صدرها، يربت على حجابها بحنان، قبل أن يمسح وجهها مرات ومرات بالمياه حتى استشعر منها إجابة.
_ ساڤا سمعاني ؟؟
رفعت ساڤا نظرات مشوشة لأحمد تحاول التحرك ليمنعها وهو يشدد التمسك بها، يتحدث لنورهان بهدوء :
_ نورهان نادي حاتم خليه يجي يسوق واطلعي أنتِ قدام هفضل مع ساڤا أنا هنا .
نظرت له نورهان ثواني قبل أن تتحرك تغلق الباب خلفها تاركة أحمد يجلس في المقعد الخلفي يراقب انفاس ساڤا يتأكد أنها بخير، يستند برأسه بتعب شديد للخلف ويده تتمسك بها مخافة أن تتلاشى من بين يديه وجملة واحدة ما تزال تتردد في أذنه منذ خرجت من فم الشيخ منذ ساعات .
" بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير، بالرفاء والبنين باذن الله "
ابتسم بسمة ساخرة من نفسه، خرج من القرية يحملها جثة هامدة بين يديه، عاد بها زوجة له، زوجة إلى أجل غير مسمى، ورغم علمه أن هذا الزواج لا يصلح بأي شكل من الاشكال، إلا أنه سيجعل كل من رفع عينًا بها يندم أشد الندم ...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ طب معلش ممكن رقم تليفونه اتصل أنا بيه لاحسن ابويا تعبان اوي ومعرفش دكتور غيره .
كانت جملة نطقت بها كارا أمام منزل محمد لوالدته التي ما يزال قلبها يتآكل خوفًا على وحيديها، فكرت في حديث كارا، ربما يجيبها محمد حينما تحدثه من رقم غريب غير رقمها او رقم والده .
أخرجت السيدة هاتفها من عباءتها وهي تردد بجدية :
_ خدي يا بنتي يمكن يرد عليكِ، هتلاقي اسمه متسجل عندك، الدكتور محمد .
ابتسمت لها كارا باتساع وهي تدعو لها وتشكرها، تنتزع منها الهاتف ودون أن تنتبه لها السيدة دخلت بسرعة على تطبيق " الواتساب " تسجل رقمها، ثم ارسلت لنفسها رسالة، ومن بعدها اخذت الرابط الذي ارسله لها مسلم، ترسله للسيدة من المحادثة الخاصة بهما، ومن بعدها حولته لمحمد وارفقته برسالة صغيرة :
_ محمد يا بني مين ده وايه اللي بيقولوا عنك، أنت عملت ايه ؟؟
وبمجرد أن تأكدت ان الرسالة وصلت له حتى مسحت الرسائل من هاتف السيدة، ثم ارسلت رقم الهاتف لها، تبتسم لها :
_ تسلمي يا خالتي تعبتك معايا .
_ طيب ايه يابنتي مش هتكلميه ؟!
كانت تتحدث بأمل أن يكون انعزال ولدها ورفضه الحديث معهم فقط، ويجيب على كارا، لكن كارا تحدثت بجدية شديدة :
_ لا طبعًا يا خالة اكلم راجل غريب من تليفوني ؟؟ ده كان ابويا يقتلني، على العموم هروح اخلي عم رجب يكلمه، عن اذنك .
ومن ثم هرولت من أمام السيدة التي كانت تنظر لها بعدم فهم .
أما عن كارا فتحركت بعيدًا عن المنزل تبصر يحيى الذي كان ينتظر والذي ابتسم بمجرد أن ابصرها يردد باتساع :
_ جدعة يا كارا، معنديش حريم تكلم رجالة غريبة .
رفعت كارا عيونها له :
_ على فكرة أنا مش بعمل كده غير عشان رايانا بس ربنا يطمنا عليها .
_ عشان رايانا ؟! طب ما انا مش بساعدك غير عشان عم رجب .
رمقته بسخرية، لكنه تحدث بحنق :
_ قدامي يا ختي قدامي أما اوصلك واروح اشوف مصايب اخويا .
_ طب بس ما تزقش، انت اللي متذل ليا عشان اساعدك ولا نسيت .
_ لا منستش ياختي، إياكش بس يجي بفايدة مساعدتك .
نظرت له بحنق شديد ومن ثم تجاهلته وهي تتحرك بعيدًا عنه تلوح بيدها :
_ بفايدة ولا من غير انا عملت اللي عليا، إن شاء الله يظهر ونعرف مكانه، بدل ما هو عامل زي العسل الضايع كده..
_ هو مين ده يا كارا اللي بتدورا عليه ؟؟ هو عطية تاه تاني ؟؟
كانت كلمات امرأة كبيرة في العمر وهي تجلس أمام المنزل تفرش حصير صغيرة وامامها كوب شاي تراقب القاصي والداني .
أما عن كارا نظرت صوب يحيى ثواني ومن ثم ابتسمت للسيدة والتي كانت تعلم تقريبًا كل ما يحدث بالقرية :
_ الدكتور محمد يا خالتي، مشفتوش ؟؟ اصل روحت ليه المستشفى والعيادة وحتى البيت ومش لقياه، كنت محتاجة بس يجي يشوف ابويا عشان تعب تاني .
امتصت السيدة شفتيها بشفقة :
_ يا حبيبتي يا بنتي، الضغط تاني ؟؟
_ ايوة بعيد عنك مبهدله.
_ ربنا يطمنكم عليه، على العموم المستشفى فيها تجديدات عشان كده قافلة، بس الدكتور أحمد أنا شوفته كان ماشي بعربية ناحية الترعة كده شوية وتلاقيه رجع .
_ متأكدة يا خالة ؟؟
_ يوه وانا يعني حاجة تفوتني يا بنتي ؟!
ابتسمت كارا بسمة واسعة وهي تنظر ليحيى الذي كان قد أبتعد عن المرأة حتى لا يصيب رصاص لسانها كارا وقد أدرك أي نوع هي من نظرة واحدة .
شكرت كارا السيدة وهي تتحرك بسرعة صوب يحيى تردد بلهفة كبيرة قبل أن يتحدث بكلمة واحدة :
_ عرفت محمد فين، عند الترعة .
_ ترعة ؟!
_ الترعة اللي في أول البلد من ورا .
_ قصدك البحيرة ؟!
هزت رأسها بلهفة :
_ ايوة هي دي، راح هناك .
_ طب استني هبعت لمسلم بسرعة ......
ــــــــــــــــــــــــ
عند مسلم .
كان يجلس ينتظر من كارا ارسال رقم هاتف محمد والذي للاسف لم يجده مسجلًا على هاتف رايانا، وقد كان أغلبية الارقام غير مسجلة لديها، ذهب لعيادته ولم يحصل على أي معلومة إذ كانت مغلقة، وفي المشفى كان هناك ممرضة فقط ويبدو أنها خارج الخدمة، أعطته رقم العمل الخاص به وليس رقمه الشخصي .
تنهد بقلة صبر حتى وصل له اشعار على هاتف عيسى لينظر له بلهفة شديد وعيونه تمر على الكلمات يلتهمها التهامًا، ومن ثم تحرك بسرعة من مكانه يهرولة خارج المنزل وعيسى خلفه وهو يركض يحاول معرفة ما حدث :
_ ايه يا مسلم وصلت لرايانا ؟؟
لكن مسلم لم يتوقف وهو يركض في طريقه يحمل بين كفيه هاتف عيسى، وعيسى نفسه يركض خلفه، في اللحظة التي قابلوا بها يحيى عائدًا ركضًا صوب المنزل ليبصر ركضهم بهذا الشكل فهرول خلفهم .
لم يتحدث أحدهم بكلمة، ومسلم كان يركض دون هدى، فقط يتبع رسالة يحيى، والتي كانت تقوده لمنطقة قريبة من البحيرة.
توقف هناك يبحث عنها بلهفة كبيرة، لكن كل شيء كان طبيعيًا ولا أثر لأي إنسان في هذه اللحظة، نظر ليحيى بعجز :
_ مش قولت هنا يا يحيى ؟!
- معرفش الست اللتاتة دي قالت شافته جاي بالعربية هنا .
نظر مسلم لهاتفه يتأكد ان كان محمد قد فتح الرابط الذي أرسله له، لكن لا شيء، سحب خصلاته بغضب وهو يرفع رأسه صارخًا في إخوته وكأنهم هم سبب اضاعته لها، حتى أبصر من بعيد اضواء سيارة على بعد منهم في ارض قريبة من البحيرة
تقدم مسلم وهو يتنفس بصوت مرتفع يرفع الهاتف أمامه ينير الطريق، يحاول التأكد أنه وصل لغايته، وحينما فعل اقترب بسرعة ركضًا وبلهفة صوب السيارة .
حتى بدأت أقدامه تتباطئ شيئًا فشيء وهو يبصر جسد ممد ارضًا جوار السيارة في الجانب المظلم بها، جسد ملقى أرضًا وجواره جسد آخر مستند على السيارة بشكل مريب .
اقترب خطوة تلو الأخرى ولا يدري السبب لكن ضربات قلبه أخذت تزداد، حتى تعثر بالمشهد الذي يدرك أنه سيحفظ جنبًا إلى جنب جوار كل المشاهد التي لا تتركه ينام بسلام .
جسد رايانا ممدد ارضًا وسط أرض بور، بثياب رثة ملوثة شبه مكشوفة وبقع دماء منتشرة في المكان بشكل عشوائي، ومحمد يجلس جوارها مستند برأسه على السيارة خلفه وكأنه في عالم آخر بعيد عن الجميع .
شعر مسلم بالاختناق، يتنفس بصعوبة يتقدم منهم ببطء وعيونه لا تبارح جسد رايانا، فقط يراقبها والدماء تحيط بها بتشوش حتى سقط على ركبتيه أمامها يهمس بصوت من ذُبح بلا رحمة :
_ رايانـــا .........
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
لَو كُنتَ شاهِدَنا وَما صَنَعَ الهَوى بِقُلوبِنا
لَحَسَدتَ مَن لَم يُحبِبِ!
- البحتري.
تكملة الرواية من هناااااااا
لمتابعة باقى الرواية زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا
بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل
متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا
الرواية كاملة من هناااااااااا
مجمع الروايات الكامله 1اضغط هناااااااا
مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هناااااا


تعليقات
إرسال تعليق