القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 مرات صاحب جوزى




مرات صاحب جوزى

لما اتجوزت مرات صاحبك من ورايا فكرت احساسى عامل ايه 

رد عليه جوزى بمنتهى البرود 

ـ وانتى عرفتى منين 

ـ عرفت منها هى اللى قالتلى ... بعتتلى صوركم مع بعض وانتوا بتتفسحوا الاسبوع اللى فات لما كنتوا فى شهر العسل كامله على صفحتى قصص وروايات أمانى سيد 

لما اخدت منى فلوس الجمعيه بحجه انك تحطها فى حسابى فى البنك واتفاجئت انك روحت تفسحها بيها 

طيب انا ماصعبتش عليك واتت عارف انى نفسى اغير الموبايل بس استخسرت فى نفسى 

ماصعبتش عليك وانت عارف إن نفسى اجيب طقم جديد اروح بيه الشغل بدل هدومى اللى دابت وبقيت اشحت هدوم من اختى ومرات اخويا

سكتت شوية وهي بتنهج، كأن الكلام بيطلع من روحها بالعافية، وهو لسه واقف مكانه، ماسك الموبايل في إيده وبيلعب فيه ببرود مستفز، ولا كأنها بتتحرق قدامه.

رفع عينه وبصلها بنظرة كلها استهزاء وقال:

ـ "خلصتي؟.. وبعدين يعني، إيه اللي حصل؟ اتجوزت شرع الله، ومخدتش حاجة غصب عنك، الفلوس اللي بتتكلمي عليها دي أنا كنت محتاجها عشان "ابقى كبير فى نظرها "و قدام الناس في بيتي التاني، مش معقول هروح لعروسة جديدة


وإيدي فاضية."

ضوافرها غرزت في كف إيدها وهي بتسمعه، صرخت فيه والدموع مغرقة وشها:

ـ "تتباهى   بفلوس شقايا؟ بتعب السنين والجمعيات اللي كنت بوفرها من لقمة بوقي؟ أنا اللي كنت بداري على لبسي المقطع عشان ما أصغركش قدام أصحابك، تروح أنت تتجوز بيهم "مرات صاحبك"؟ دي حتى خيانة في حق الرجولة قبل ما تكون خيانة ليا!"

حدف الموبايل على الكنبة وقرب منها خطوة، ووشه خالي من أي ذرة ندم:

ـ "صاحبي مات وشبع موت، والست كانت محتاجة اللي يراعيها.. وأنا اولى  وبعدين بصي لنفسك في المراية يا "هناء"، بقيتي مهملة في روحك، هدومك قديمة ووشك علطول شايل الهم، عايزاني أعمل إيه؟ أعيش في النكد ده طول عمري؟"

ضحكت بوجع، ضحكة طالعة من وسط قهرتها وقالتله:

ـ "مهملة؟ أنا بقيت كدة عشان كنت بوفر لك كل قرش عشان تبني مستقبلك! شحنت رصيدي من صحتي وتدبيري عشان أنت تروح تصرفه على الفسح وشهر العسل؟"

مسحت دموعها بكُم بلوزتها القديمة اللي دابت من كتر الغسيل، وبصتله بنظرة مكسورة بس فيها قوة غريبة:

ـ بقولك ايه يا هناء بطلى دلع انا عايز ادلع ولقيت اللى تظلعنى وادلعها خفى بقى وابعدى

عنى وسبينى اعيشلى يويمن وانا كل اسبوع هاجى وازورك واشوف الولاد 

"عارف يا "محمود".. الصور اللي هي بعتتها لي، مكنتش عشان تتباهى بيك، دي كانت بتبعتلي "فاتورة" غبائي.. بس وحق كل قرش خدته مني وأنا محتاجة له، وحق كل ليلة نمت فيها وأنا حارمة نفسي من طقم جديد عشانك، لترجع تدفع التمن غالي.. والمرة دي مش بالفلوس، بكرامتك اللي بعتها."

أخدت شنطتها المقطوعة من الجنب، وفتحت الباب وهي بتقول بصوت مرتعش:

ـ "الشقة دي تلزمك، هي والست اللي اشترتها بفلوس "الجمعية"، أنا ماشية.. والبنك اللي كنت بتقولي هتحط فيه الفلوس، حسابه عند ربنا مبيضيعش."

وقف "محمود" مكانه، متهزش من كلامها ولا حتى من شيلتها لشنطتها، بالعكس، ضحك ضحكة مكتومة باردة خلت "هناء" تتسمر مكانها عند الباب. لفت ببطء وهي مش مصدقة، لقت عينيه فيها نظرة غريبة، نظرة انتقام وقديمة قوي.

قرب منها ببطء، ويديه في جيوبه، وقال بصوت واطي ومرعب:

ـ "فاكرة إنك الضحية؟ فاكرة إن "الجمعية" والهدوم هي دي الحكاية؟ لا يا هناء.. الحكاية أبعد من كدة بكتير. أنا مخدتش مرات صاحبي عشان كانت محتاجة حد يراعيها زي ما قولتلك

من شوية، أنا خدتها عشان كنت هموت عليها وهي في بيته!"

فتحت بقها من الصدمة، كأن حد ضربها قلم فاجئها، وكمل هو بوجع ممزوج بوقاحة:

ـ "من عشر سنين، لما كنت بدخل بيت صاحبي، كنت بشوفها هي.. الست اللي بتعرف تضحك، اللي بتعرف تلبس، اللي كانت بتملا العين. كنت بخرج من عنده أجيلك أنتِ، ألاقي النكد والتدبير والهم.. كنت بشوف في عينيه هو الفرحة اللي أنا محروم منها معاكي. كنت مبسوط بموته عشان أخدها، ولما مات، مكنتش مصدق إن الفرصة جاتلي على طبطب."

دموع هناء نشفت من كتر الذهول، وهو كمل وهو بيبص لهدومها المتبهدلة بقرف:

ـ "الفلوس اللي أنتِ زعلانة عليها دي، كانت تمن الحلم اللي كنت بحلمه وأنا قاعد معاكي وبفكر فيها هي.. أنا كنت باخد فلوس الجمعية من هنا، وأروح أحجز لها الفنادق اللي كانت بتروحها معاه من هنا.. عشان محبش أحسسها إنها نزلت درجة لما اتجوزتني. أنا كنت بعوض "نفسي" فيها عن كل يوم قضيته معاكي وأنا مش شايفك."

هناء صوتها طلع مخنوق، يا دوب همس:

ـ "يعني أنت كنت بتخوني بعينك وبقلبك وأنت في بيت صاحبك؟ وبتخوني بفلوسي وتدبيري وأنا في بيتك؟ أنت إيه يا أخي؟ معندكش دم؟"

رد بمنتهى القسوة:


 

ـ "الدم ده للي بيحب.. وأنا عمري ما حبيت الشقا ولا حبيت الست اللي تفكرني بفقري وشقايا. هي كانت "البرستيج"، كانت الحاجة اللي تخليني أحس إني راجل بجد. حتى الصور اللي بعتتها لك، أنا اللي كنت عارف إنها هتبعتها.. كنت عايزك تعرفي إنك كنتِ مجرد "محطة" بجمع فيها قرشين عشان أوصل للمكان اللي كان نفسي فيه."

هنا هناء حست بجد إن قلبها اتكسر ميت حتة، الوجع مكنش في الفلوس ولا في الجوازة التانية، الوجع كان في إنها عاشت عشر سنين بتبني في وهم، بتخدم راجل كان بيشوفها "خزنة" بيحوش فيها عشان يشتري بيها ست تانية.

بصتله بكسرة نفس تهد جبال وقالت:

ـ "أنا كنت بشحت الهدوم عشان تلبس أنت وتتشيك قدامها.. كنت بنام جعانة عشان تشبع أنت وصاحبك في قعداتكم.. وفي الآخر، طلعت أنا اللي بصرف على خيانتك؟"

هز كتفه بلامبالاة وقالها:

ـ "أدينا عرفنا الحقيقة.. اطلعي بقى واقفلي الباب وراكي، عشان "هي" زمانها جاية،

ومش عايز "طقمك المقطع" ده يسد نفسها عن الشقة الجديدة."

خرجت هناء وهي مش شايفة قدامها، الدنيا بتلف بيها، الوجع المرة دي مكنش له صوت، كان صمت رهيب.. صمت واحدة اكتشفت إن حياتها كلها كانت عبارة عن "تمثيلية" بطلها راجل "بارد" ومخرجها "غدر" ملوش نهاية.

نزلت هناء السلالم وهي مش حاسة برجلها، كانت ماشية زي التايهة في شوارع لسه غرقانة بمطر الشتا، وصوت محمود لسه بيرن في ودنها زي الكرباج. "كنت محطة".. "كنتِ بتصرفي على حلمي فيها".. الكلام كان أصعب من غرس السكاكين في قلبها.

فجأة وقفت في نص الشارع، بصت لإيدها اللي شقيت من غسيل المواعين وخدمته، وبصت لجزمتها اللي المية دخلت فيها من كتر ما هي دايبة. ضحكت بهستيريا، ضحكة خلت الناس تبص لها باستغراب. كانت بتضحك على نفسها، على "هناء الهبلة" اللي كانت بتفرح لما يوفر لها ميكروباص عشان يمشي هو بعربية صاحبه، اللي كانت بتستخسر في نفسها اللقمة

عشان يرميها هو "تحت رجلين" واحدة تانية.

طلعت موبايلها القديم اللي شاشته مكسورة، الموبايل اللي كان بيذلها بيه كل ما تطلب يغيره، وفتحت الرسائل اللي مبعوتة لها من "مرات صاحبه". بصت في الصور تاني، بس المرة دي مش بوجع، بصت بتركيز.. شافت الساعة اللي في إيد محمود، وشافت السلسلة الدهب اللي في رقبة الست.

"دي فلوسي يا محمود.. دي شقا عمري اللي كنت بتلمه قرش على قرش."

مسحت دموعها بعنف، والكسرة اللي كانت في عينيها اتحولت لشرارة غضب مكتوم. هي دلوقتِ معندهاش حاجة تخسرها، هي خسرت البيت والزوج والصديقة وحتى الهدوم اللي عليها مش ملكها.

رجعت لبيت أهلها، دخلت قعدت في ركن ضلمة، لا اتكلمت ولا عيطت. أخوها دخل عليها وسألها:

ـ "مالك يا هناء؟ في إيه؟ فين شنطك؟"

ردت بصوت غريب، صوت ميت ملوش ملامح:

ـ "محمود اتجوز يا "سيد".. اتجوز بفلوس الجمعية اللي أنت وأمي كنتوا بتساعدوني فيها. اتجوز الست اللي

كان بيتمناها وأنا بخدمه."

سيد اتعصب وقام، بس هي مسكت إيده وقالت له ببرود أرعب أخوها نفسه:

ـ "اقعد يا سيد.. الحق مش بييجي بالدراع مع اللي زي محمود. محمود فاكر إنه كسب، فاكر إن هناء ماتت.. بس هو نسى إن "المحطة" اللي كان بيجمع فيها فلوسه، هي اللي معاها مفاتيح كل الدفاتر القديمة."

فتحت شنطتها وطلعت "أجندة" صغيرة كانت دايماً بتكتب فيها حسابات البيت والديون والجمعيات، وكان فيها حاجة هو نسيها في غمرة "نشوته" بالست الجديدة.. إيصالات أمانة كان محمود ممضيها لها "صوري" زمان عشان يطمنها على ورثها من أبوها اللي خده منها عشان يفتح بيه مشروعه الفاشل.

بصت لأخوها وقالت له:

ـ "محمود مش بس خانني، محمود سرقني عيني عينك.. والست اللي فرحان بيها دي، أول ما تلاقي الحنفية اتقفلت، هي أول واحدة هتدوس عليه. أنا مش عايزة هدوم جديدة يا سيد.. أنا عايزة حقي، وعايزة أشوفه وهو بيشحت الهدوم اللي كان بيعايرني بيها."

 

مرت ليلة، والتانية، ومحمود كان عايش في لذه" الانتصار.. الشقة الجديدة ريحتها بخور غالي، والست اللي حلم بيها سنين نايمة في أمان في بيته، ولا على باله هناء ولا شقاها. كان فاكر إن الحكاية خلصت بكلمتين البرود اللي رماهم في وشها، وإنها آلتها "الكسرة" وهتروح تندب حظها في بيت أهلها.

لكن الصدمة جاتله في وقت مكنش يتوقعه.. وهو قاعد بيفطر مع عروسه الجديدة، جرس الباب رن بعنف. فتح لقى "سيد" أخو هناء، ومعاه اتنين رجالة ملامحهم متتطمنش، ومعاهم "محضر".

محمود ببرود:

ـ "خير يا سيد؟ جايب البلطجية دول وجاي تهجم على بيتي؟ هناء خلاص ملهاش مكان هنا."

سيد بابتسامة صفرا:

ـ "ومين قالك إننا جايين عشان هناء؟ إحنا جايين عشان "المال" يا حودة.. اتفضل، ده إعلان بدعوى "تبديد" ورفع شيكات وإيصالات أمانة بمبلغ مكنتش تحلم تمسكه في إيدك."

محمود ضحك باستهزاء:

ـ "إيصالات إيه يا روح أمك؟ هناء غلبانة ومحيلتهاش حاجة تمضيني عليها."

سيد طلع صورة من إيصال الأمانة اللي محمود كان ماضيه لهناء وقت ما خد ورثها:

ـ "دي إمضاك ولا مش إمضاك؟ الورث اللي خدته منها وقولت "مشروعي" وراح في الهوا.. طلع ماراحش في الهوا، طلع راح في "الدهب" اللي لابساه الست اللي جوه دي، وفي الفسح وشهر العسل. إحنا قدمنا البلاغ، والنهاردة الشقة دي "بكل اللي فيها" عليها حجز تحفظي.. يعني حتى العفش اللي أنت مشتريه بفلوسها، مش هتلحق تتهنى عليه."

الست اللي جوه لما سمعت سيرة "الحجز" و"الشرطة"، طلعت تجري بملابس البيت، وشها اللي كان كله ضحك اتقلب لغضب وقرف:

ـ "إيه الكلام ده يا


محمود؟ أنت جايبني في شقة عليها مشاكل؟ أنا مش ناقصة فضايح، أنا سيبت بيت صاحبه عشان أستر نفسي مش عشان أروح المحاكم!"

محمود اتلبك، بص للست وبص لسيد:

ـ "دي ورقة قديمة، هناء بتنتقم مني، دي ملهاش حق!"

سيد قرب منه وهمس في ودنه:

ـ "الحق اللي أنت كلته "دم" يا محمود.. هناء اللي كنت بتعايرها بهدومها المقطعة، هي اللي قطعتلك ورقة الأمان اللي كنت مستخبي وراها. قدامك 24 ساعة، يا الفلوس تنزل في حسابها، يا إما تفرّج "العروسة" على كبش الفداء اللي هيقضي كام سنة ورا القضبان."

رزع سيد الباب وساب محمود وصوت "مرات صاحبه" بيعلى عليه وهي بتصرخ:

ـ "فين الفلوس اللي قولت إنك شايلها في البنك؟ فين الأمان اللي وعدتني بيه؟ أنت طلعت نصاب وبتصرف عليا من شقا واحدة تانية؟"

محمود وقف في نص الصالة، نفس الصالة اللي طرد منها هناء، بس المرة دي كان هو اللي حاسس بالبرد.. برد "الخوف". الست اللي كان فاكرها "الجائزة" بدأت تبصله بنظرات قرف، والفلوس اللي كان سارقها بقت حبل حوالين رقبته.

عرف وقتها إن "هناء" مكنتش مجرد "محطة".. دي كانت "الأرض" اللي شايلاه، ولما قرر يدوس عليها بكل قوته، الأرض انشقت وبلعت أحلامه كلها.

محمود حس إن الأرض بتلف بيه، بص حواليه في الشقة اللي كان فاكرها جنته، لقاها بدأت تتحول لسجن. "مرات صاحبه" اللي كان بيحلم بلمسة من إيدها، بقت واقفة قدامه وشها محتقن بالغل، وبدأت تلم هدومها في الشنط اللي لسه مارجعتش مكانها من شهر العسل.

قرب منها بإيد مرتعشة:

ـ "يا عبير اهدي.. هناء بتلعب بديلها وعايزة تخرب بيتنا، أنا هحل الموضوع،

دي حتة ورقة لا راحت ولا جت."

عبير نفضت إيده بقرف وزقته في صدره:

ـ "ورقة إيه يا مكسور العين؟ ده محضر وشرطة! أنا مشيت من بيت صاحبه عشان أعيش "هانم"، مش عشان أتشحطط في الأقسام بسببك وبسبب مراتك الشحاتة. طلعت بتصرف عليا من "جمعية" يا محمود؟ يا ريتني كنت فضلت على ذمة صاحبه ولا الجوازة السودة دي!"

الكلمة نزلت على محمود زي الصاعقة، الست اللى ضحى عشانها، هي أول واحدة بتعايره بفقره وبـ "قِلة أصله".

في نفس اللحظة، كانت هناء قاعدة في بيت أهلها، لابسة عباية قديمة بس مكويه ونضيفة، وماسكة كوباية شاي وإيدها لأول مرة من سنين مابترتعشش. رنة موبايلها قطعت السكون، كان محمود.

سابت الموبايل يرن مرة، واتنين، وتلاتة.. وفي الرابعة ردت بمنتهى الهدوء:

ـ "أيوة يا محمود.. مالحقتش تتهنى بـ "البرستيج" ليه؟"

صوت محمود كان طالع مكسور، فيه نهجة خوف:

ـ "هناء.. إحنا عشرة يا هناء، بلاش توصل بينا للمحاكم، أنا غلطت وشيطان وعمي عيني، بس بلاش تخربي بيتي، عبير هتمشي وتفضحني."

هناء ضحكت ضحكة هادية، بس توجع:

ـ "بيتك؟ هو أنت كان عندك بيت أصلًا؟ أنت كان عندك "لوكاندة" بتنام فيها وتاكل وتجمع قرشك، والنهاردة صاحب اللوكاندة جيه يطالب بالحساب. وبعدين يا محمود، أنت مش كنت بتقول إني "محطة"؟ المحطة دي النهاردة القطر فاتها، وما فضلش ليك عندي غير "الحساب القديم"."

محمود بدأ يتوسل بصوت ذليل:

ـ "طب قولي اللي أنتِ عايزاه، هطلقها والله وهجيلك أبوس رجلك، بس اسحبي البلاغ، أنا لو دخلت السجن هضيع."

هناء ردت ببرود يجمّد المية:

ـ "تطلقها؟ دي كانت "حلمك"

! تبيع حلمك عشان تهرب من السجن؟ أنت مابتتغيرش يا محمود، بتبيع أي حد عشان تنجد نفسك. اسمع بقى.. الفلوس اللي خدتها مني، بفوائدها، وبحق السنين اللي شحنت فيها هدومي من أختك ومرات أخوك، هترجع قرش لينطح قرش. ولو "عبير" مشيت، فده عشان هي عرفت إنك "قشرة"، وإنك من غير فلوس "هناء" ماتسواش تمن الطقم اللي أنت لابسه."

قفلت السكة في وشه، وقامت وقفت قدام المراية. بصت لوشها التعبان، وقالت لنفسها: "حق الهدوم المقطعة هيرجع يا هناء.. وحق الكسرة هيرجع دهب."

تاني يوم، محمود لقى نفسه لوحده في الشقة.. عبير خدت الدهب اللي كان لسه مشتريهولها وهربت، وسيد واقف تحت البيت مع الونش عشان يحجز على العفش.

محمود قعد على الأرض، في نفس المكان اللي كان واقف فيه بيعاير هناء بفقرها، وبكى.. بس المرة دي بكى على نفسه، لأنه اكتشف إنه خسر "الست" اللي كانت سترة وعرضه، عشان "وهم" باعه في أول محطة.

بعد أسبوع من المحايلة  محمود مابقاش قدامه مفر. الحبل كان بيضيق حوالين رقبته، وسيد أخو هناء ماكانش بيدي له فرصة يتنفس، كل يوم تهديد بشكل جديد، يا الدفع يا الحبس.. وعبير؟ عبير سابت له الشقة "على البلاط" بعد ما خدت كل اللي تقدر عليه من دهب وهدوم غالية وخلعت، وكأنها بتقوله: "أنا كنت معاك عشان الفلوس، والفلوس راحت".

وقف محمود في نص الشقة اللي بقت فاضية وباردة، بص للحيطان اللي كان فاكر إنها هتجمعه بـ "حلم عمره"، ولقى نفسه مضطر يبيعها عشان يشتري حريته.

اتصل بسيد وصوته طالع مهزوم:

ـ "يا سيد.. أنا عرضت البيت للبيع، وهدفع لهناء كل مليم، بس تخلصوني من القضايا دي، أنا مش حمل بهدلة وسجون."


 سيد رد عليه بمنتهى الثبات:

ـ "البيت يتباع، والفلوس تتحط في حساب هناء "كاش"، وبعدها نبقى نشوف التنازل.. إحنا مابنثقش في كلام يا حودة."

يوم البيع، كان الجو كئيب.. محمود واقف مع المشتري، بيمضي على بيع "شقى عمره" وهو حاسس إنه بيمضي على شهادة وفاته. المشتري دفع المبلغ، ومحمود مالحقش حتى يلمس الفلوس في إيده، سيد كان واقف زي الصقر، خد الشيكات والمبالغ وطلعوا على البنك.

بعد ساعتين، هناء كانت قاعدة في البنك، لابسة طقم جديد جابته بفلوس كانت شايلاها للطوارئ، شكلها كان هادي، وشها بدأ يرد فيه الروح. دخل محمود وسيد، محمود كان شكله كبر عشر سنين في أسبوع واحد، هدومه اللي كان بيفتخر بيها بقت مبهدلة، وعينه في الأرض.

سيد حط قدامها إيصال الإيداع:

ـ "أدي حقك يا هناء.. وزيادة كمان، تمن تعبك وشقاك وصبرك على اللي مايتسمي."

هناء بصت للرقم في الورقة، وبعدين رفعت عينها وبصت لمحمود اللي كان واقف بعيد، مش قادر يقرب منها. قامت وقفت وقربت منه بخطوات واثقة، محمود همس بصوت يدوب مسموع:

ـ "ارتحتي يا هناء؟ بعت البيت ودفعت اللي ورايا واللي قدامي عشان أرضيكي.. مابقاش حيلي مليم واحد، والست اللي بعت الدنيا عشانها سابتني."

هناء بصت له ببرود، وبصت للطقم اللي هو لابسه وقالت له بلهجة وجعت قلبه أكتر من السجن:

ـ "تصدق يا محمود.. شكلك وأنت "شحات" لايق

عليك أكتر بكتير من شكلك وأنت عامل فيها "باشا" بفلوسي. الفلوس دي مش عشان "ترضيني"، الفلوس دي حقي اللي أنت سرقته، والبيت اللي اتباع ده كان بيبني كدبتك الكبيرة، فكان لازم يتهد."

محمود دمع، وقال بضعف:

ـ "هترجعي لي يا هناء؟ أنا اتعلمت الدرس، ومستعد أعيش  تحت رجلك في أوضة واحدة، بس ماتسيبينيش لوحدي في الفقر ده."

هناء ضحكت ضحكة قصيرة ومريرة:

ـ "أرجع لك؟ أنت لسه مش فاهم؟ أنا كنت بشتري "نفسي" بالفلوس دي، مش بشتريك أنت. أنا دلوقتِ هروح أجيب الموبايل اللي كان نفسي فيه، وهجيب لبس الشغل اللي كنت بشحته، وهعيش حياتي من غير ما أبص ورايا. أما أنت.. فخليك مع "برودك"، يمكن يدفي اللحاف الفاضي اللي هتنام تحتيه النهاردة."

سابت له إيصال الإيداع في إيده وكأنها بترميله "صدقة"، ولفت ضهرها ومشيت وهي رافعة راسها، وسيد وراها بيطبطب على كتفها. محمود فضل واقف في صالة البنك، الفلوس خرجت من ذمته، والست اللي كانت سترة خرجت من حياته، وما فضلش معاه غير "ندم" هيفضل يحرق فيه طول عمره.

هناء خرجت من البنك، شمت هوا نضيف لأول مرة، وحست إن الهدوم اللي عليها، رغم بساطتها، أغلى بكتير من كل حرير العالم، لأنها ببساطة.. بفلوسها هي، ومن غير ذل.

خرجت هناء من البنك، والشمس كانت مغطية الشارع بنور قوي، كأنها بتغسل السواد اللي شافه قلبها السنين اللي فاتت.

ركبت تاكسي، ولأول مرة ماتقعدش تحسب الأجرة كام وهتوفره من لقمة إيه؛ كانت حاسة إنها طايرة.

أول مشوار كان لـ "مول" كبير.. دخلت محل الموبايلات، وبصت لأحدث موديل، اللي كانت بتشوف صوره في إعلانات التلفزيون وتتحسر.

البائع: "أي خدمة يا فندم؟"

هناء بثقة: "عايزة الموبايل ده.. كاش."

وهي بتمسكه في إيدها، افتكرت محمود لما كان بيذلها عشان يشحن لها رصيد بـ 10 جنيه، حست إن الموبايل ده مش مجرد جهاز، ده "صك حرية".

بعدها راحت لمحل لبس شيك.. نقت طقم اتنين وتلاتة، ألوان زاهية، ألوان مبهجة مكنتش تجرؤ تلبسها وهي معاه عشان "ماتلفتش النظر" أو "ماتصرفش". وقفت قدام المراية، وبصت لنفسها.. الوجع لسه موجود في ركن بعيد في قلبها، بس الكسرة اختفت. ملامحها نورت، والهدوم الجديدة كانت لايقة عليها قوي، كأنها كانت مستنية اللحظة دي عشان تظهر جمالها اللي محمود دفنه تحت التراب.

في الوقت ده، محمود كان قاعد على رصيف قدام البنك، حاطط راسه بين إيديه. الموبايل في جيبه رن، طلع الموبايل لقى رسالة من "عبير" (مرات صاحبه):

ـ "أنا عرفت إنك بعت البيت.. ابعت لي نصيبي من البيعة دي عشان ما أرفعش عليك قضية نفقة ومؤخر، أنا مش هضيع مستقبلي مع واحد شحات."

رمى الموبايل في الأرض وهو بيصرخ صرخة مكتومة. الست اللي سرق عشانها، هي اللي جاية تخلص على اللي فاضل منه. اكتشف

إنه بقى "صفر" كبير.. 

بعد شهر..

هناء كانت رايحة شغلها، لابسة طقمها الجديد، وماسكة شنطتها الشيك، وريحة برفانها سبقاها. وهي داخلة من باب الشركة، لقت واحد واقف بعيد بملابس مبهدلة، شعره منكوش، ووشه شاحب.. كان محمود.

قرب منها بضعف وهو بيترعش:

ـ "هناء.. أبوس إيدك، أنا بنام في الجامع، عبير خدت اللي ورايا واللي قدامي وهربت، وأهلي اتبروا مني لما عرفوا إني سرقت ورثك.. لقمة واحدة يا هناء، أنا جعت قوي."

هناء وقفت، بصت له من فوق لتحت.. مكنش فيه في عينيها شماتة، كان فيه "شفقة" أصعب من الكره. طلعت من شنطتها "سندوتش" كانت عملاه لفطارها، وحطته في إيده ببرود وقالت:

ـ "ده عشان أنا مابنساش العشرة.. بس الفرق بيني وبينك يا محمود، إن أنا لما جعت، كنت بداري جوعي بكرامتي.. وأنت لما جعت، بعت كرامتك عشان تشبع. السندوتش ده آخر حاجة تربطني بيك.. ياريت ماتجيش هنا تاني، عشان ريحة "الغدر" اللي طالعة منك، بتأذي زمايلي في الشغل."

لفت ضهرها ومشيت، كعب جزمتها كان بيخبط على الأرض بانتظام وثبات، كأنه بيعزف لحن انتصار "الست اللي شقيت" على "الراجل اللي خان".

محمود فضل واقف، باصص للسندوتش اللي في إيده، وباصص لضهرها وهي بتبعد.. عرف وقتها إن الوجع الحقيقي مش في الفقر، الوجع الحقيقي هو إنك تخسر حد كان ممكن يبيع الدنيا عشانك، وأنت بعته عشان "وهم" مالوش وجود.

تمت.

أنت الان في اول موضوع

تعليقات

التنقل السريع