القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 عزومة اهلي 



عزومة اهلي 

في عزومة عشا عند عيلتي شربت من كباية جوزي بالغلط وبمنتهى القرف رمى الكبايه في الزباله قدامهم وكان كلب شرب فيها

كنا كلنا متجمعين عند بيت عيلتي، ليلة جمعة عادية، وفي وسط الكلام مخدتش بالي وشربت بؤ مية من الكوباية اللي كانت قدام جوزي.

بكل برود، وبمنتهى القسوة، قام ماسك الكوباية وراميها في الزبالة قدام الكل.

أمي وشها اتخطف وبقى لونه أصفر زي الليمونة.. بصتله بصدمة وقالت:

"جرى إيه يا دكتور شريف؟ إيه اللي بتعمله ده يا ابني؟"

مردش عليها، وبكل هدوء وبرود أعصاب، قام صب لنفسه كوباية تانية خالص.

أنا بلعت ريقي وبلعت معاها ذلي، وحاولت أصلح المنظر قدام أهلي فقلت بضحكة باهتة:

"يا ماما معلش، إنتي عارفة شريف، هو عنده (وسواس نظافة) زيادة شوية، تلاقيه قرف بس."

الكل بص لبعضه باستغراب.. دي أول مرة يسمعوا إن دكتور شريف المنشاوي عنده وسواس، طول عمره بياكل وبيشرب وسط الناس عادي.

أنا حاولت أرسم ابتسامة مكسورة على وشي.. لإن "المرض" ده مبيظهرش غير معايا أنا بس.

لو إيدي لمست إيده بالصدفة، بيجري على الحمام يغسل إيده بالصابون والمطهر كأنه لمس حاجة ملوثة.

لكن القطة اللي طالبة عنده في الكلية سيباها أمانة عندنا، بياخدها في حضنه وينام بيها على السرير عادي جدًا!

أمي شافت نظرة عيني، وقامت وقفت فجأة، وصوتها كان بيترعش من القهر:

"


حقك علينا يا دكتور.. بنتي هي اللي حظها قليل، وطمعت في نسب (الأستاذ الدكتور) شريف."

جسمها كان بيترعش وهي بتتكلم، وكانت باينة "قليلة" قدامه بشكل وجع قلبي.. في اللحظة دي بالذات، سهم دخل في قلبي رفع شريف عينه وبص لأمي ببرود تام وقال:

"يا طنط، حضرتك بتكبري الموضوع ليه؟ ملوش لزوم الكلام ده."

البيت كله ساد فيه صمت يموت.. صمت يحسسك إنك مدفون بالحيا.

كان المفروض ألطف الجو، أهزر، أعمل أي حاجة.. بس حقيقي مكنش عندي طاقة.

قمت وسندت أمي اللي كانت بتترعش وقعدتها تاني وقلت:

"يا جماعة العشا كان جميل، كفاية كدة النهاردة.. يلا بينا."

حماتي رمت كلمة عشان تنهي القعدة وخرجنا.. وطول طريق الرجوع للبيت، كان السكون هو سيد الموقف.

كنت باصة من شباك العربية على الشوارع والناس، ودموعي محبوسة بالعافية.

وشريف؟ كان باصص قدامه ومركز في السواقة، وكأن بيني وبينه سد عالي مش مجرد كرسيين في عربية.

موبايلي نور برسالة من أمي:

"يا بنتي، إنتي شايلة كتير وتعبانة في عيشتك صح؟"

تعبانة؟

مقدرش أقول إنه مقصر معايا في فلوس، ده حتى مرتبه بيسيبهولي أصرف منه.. وفي نظر الناس هو "الزوج المثالي" اللي ملوش زي.

بس الحقيقة إني بقالي سنين نسيته وجابلي هدية.. في أي مناسبة، عيد ميلاد، ولا عيد جواز، رده واحد:

"هاتي اللي إنتي عايزاه، أنا ماليش في جو المحلات


ده وماعنديش وقت."

أصل شريف المنشاوي "دكتور جامعي" وقته دهب، وعقله مشغول بالأبحاث والعلم، مش هيفضيه لمراته "الست الغلبانة" اللي مش بتفهم في شغله.

مسحت دمعة نزلت غصب عني ورديت عليها:

"يا ست الكل متخليش في بالك، هو بس مضغوط عشان بيجهز لأبحاث الأستاذية.. أنا كويسة والله."

بعد دقيقة الموبايل رن تاني:

"أنا بس عايزاكي تكوني مبسوطة يا "ضحى"."

لفت وشي الناحية تانية وغمضت عيني بقوة.. أمي دي كانت شايفة شريف "هدية من السما".

أنا طالعة من بيت مهدود، أب قمار وبتاع مشاكل، وأم قضت عمرها في المستشفيات.. الكل كان بيقولي إني "اتنططت" لما اتجوزت دكتور شريف.

أمي طول عمرها كانت بتوطي راسها قدامه وقدام مامته.. كانت شايفة إننا "شلنا شروة مش قدنا".

أكتر كلمة قالتها لي في حياتي: "يا بنتي اشكري ربنا وبوسي إيدك وش وضهر إن شريف رضي بيكي."

محدش فكر في مشاعري.. بس النهاردة، سألتني "إنتي مبسوطة؟".

الكلمة دي فجرت جوايا بركان وجع.. كتمت بؤي بإيدي عشان مسمعوش صوت شهقاتي.

العربية وقفت في إشارة.. وخد باله.

بص لي ورفع حاجبه بضيق:

"لو بتعيطي عشان اللي حصل عند مامتك، فأنا آسف يا ستي.. بس ياريت نقلل الدراما والمشاكل اللي ملهاش لزوم دي."

"مشاكل ملهاش لزوم".. بيعتبر قهري "دراما".

الإشارة فتحت وكمل سواقة.. وأنا الكلمة وقفت في زوري ومقدرتش


أنطق.

أول ما دخلنا الشقة، سابني ودخل علطول "أوضة القطة" عشان يأكلها.

دي تاني مرة طالبة عنده اسمها "سلمى" تسيب قطتها عندنا وهي مسافرة.

أول مرة قالتله: "يا دكتور، (لولو) رقيقة وممكن تتوتر، ياريت أول كام يوم تنيمها جنبك على السرير عشان تاخد على المكان."

وقتها قلبي وجعني وقلت مستحيل يعمل كدة وهو "مقرف" كدة.. بس رد فعله صرعني:

"تمام ولا يهمك، هخلي بالي منها، ولو في أي حاجة هكلمك فون."

وفعلاً، كان مهتم بالقطة أكتر من أي حاجة في البيت.. لو نونت بس، يسيب اللي في إيده ويجري يشوف مالها.

يوم ما سلمى جت تستلم القطة، قالي بلهجة أمر:

"نظفي الأوضة كويس، وشوفي الفرو اللي في الأركان عشان هي بتغير شعر، مش عايز البنت تفتكر إننا مهملين."

بيتكلم بصيغة الأمر.. "نظفي"، "شوفي".. حتى مبيقولش يا ضحى.

لكن لما اتكلم عن "سلمى" صوته كان فيه حنية غريبة.. حسيت بسكينة بتدبح في قلبي.

بس هقول إيه؟ الراجل مغلطش، ده "بيساعد طالبة".

لو اتكلمت هيقولوا عليا مجنونة وغيرانة من قطة!

لقيته ماسك الموبايل وبيصور فيديو، وشايفه بيبتسم للكاميرا وهو بيكلم القطة، أكيد بيبعت لسلمى يطمنها.

منظره وهو بيضحك كدة حرق دمي.. وقهر أمي النهاردة خلاني عايزة أهد المعبد على اللي فيه.

دخلت الأوضة وقلت بصوت عالي:

"يا روحي يا لولو.. تعالي هنا سلمي على (ماما)


في الكاميرا."

ضحكة شريف اختفت تماماً ووشه خشب.. وبص لي بحدة:


 

"ضحى، القطة مش بتحب حد غريب يدخل مكانها، ياريت بعد كدة مت..."

قاطعته بقوة:

"دي بيتي أنا.. مش مكان القطة!"

الجو اتكهرب في ثانية.

"يا شريف، الأوضة دي أنا اللي منقياها، وكان المفروض تكون أوضة ولادنا!"

وشه اتغير وهرب بعينه بعيد:

"أنا قولتلك قبل كدة، أنا مش عايز خلفة."

إنت مش عايز أي حاجة تربطك بيا أصلاً!

انفجرت فيه وصرخت بكل القهر اللي جوايا.. من تلات سنين لما سقطت في ابني الأول، كنت بموت من الوجع والكسرة.

كنت محتاجة حضن، كلمة، أي حاجة.. بس هو كان بارد.

بالعكس، ده بان عليه الارتياح!

قالي وقتها: "أنا مش مستعد أكون أب، والطفل ده نصيبه كدة، تلاقيه راح لمكان أحسن."

وجع خسارة ابني شيلته لوحدي.. وهو كل همه إن "الخلفة" دوشة وتعطيل لمسيرته العلمية.

شريف بص لي بملل وقال:

"ضحى، بلاش الحركات دي، إنتي كبرتي على كدة."

يااه.. أخيراً نطق اسمي!

بس كمل بكلمته المعتادة "بلاش الحركات دي".

أنهي حركات؟تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

إني لو دقت الشوربة بالمعلقة، يسيب الحلة كلها وميدوقهاش؟

سألته مرة: "أنا للدرجة دي بقرفك؟"

إنه يرد على طالباته في رسايل طويلة ومفصلة، ومعايا أنا رده "تمام" أو "أوك"؟

إنه محترم ولطيف مع كل الناس، ومعايا أنا قمة في القسوة والبرود؟

سألته بصراخ: "ليه بتعمل فيا كدة؟!"

بص لي بمنتهى البرود اللي في الدنيا واللي قاله كان اصعب كن اني اتخيله


بص لي بمنتهى البرود، وكأنه بيشرح مسألة حسابية معقدة لطالب فاشل، وقال بالراحة:

"عشان إنتي


"مؤقتة" يا ضحى.. والواحد مبيستثمرش مشاعره ولا وقته في حاجة عارف إنها مش دايمة."

الكلمة نزلت عليا كأنها جبل هدم ضلوعي. سكتت والدموع جفت في عيني من كتر الصدمة، وسألته بصوت مبحوح:

"يعني إيه مؤقتة؟ إحنا متجوزين بقالنا سنين.. يعني إيه؟"

ضحك ضحكة صفرا، وقرب مني خطوة وهو لسه ماسك القطة وبيمسد على فروها بحنية محرومة منها أنا، وقال:

"يعني إحنا اتجوزنا عشان "البرواز" يكمل.. دكتور جامعي من عيلة، لازم يكون جنبه ست بيت هادية، بتسمع الكلام، وملهاش طلبات.. وأمي الله يرحمها اختارتك إنتي عشان عارفة إن ظروف أهلك هتخليكي "تحبي إيدك وش وضهر" وتستحملي أي حاجة عشان متطلعيش مطلقة وترجعي لبيت أبوكي اللي إنتي عارفاه كويس."

ثبّت عينه في عيني وكمل وقساوته بتزيد:

"وسواس النظافة اللي بتسخري منه ده، هو في الحقيقة وسواس "طبقي".. أنا بقرف من الأماكن اللي جيتي منها، بقرف من الضعف اللي في عينيكي، ومن ريحة "الرضا بالذل" اللي بتفوح منك كل ما أهينك وتسكتي.. أنا مش بقرف من الكباية يا ضحى، أنا بقرف من فكرة إنك شربتي منها."

حسيت إن الأرض بتلف بيا، الدنيا اسودت في عيني.. كل السنين دي كنت فاكرة إني مقصرة، كنت فاكرة إنه مريض ومحتاج صبر، طلع بيحتقرني! طلع شايفني "تكملة عدد" لبريستيجه الاجتماعي!

قربت منه وأنا جسمي كله بينتفض، ورفعت صباعي في وشه وقلت بصرخة هزت حيطان الشقة:

"لو أنا مؤقتة، فإنت بالنسبة لي دلوقتي "انتهيت".. البرواز اللي إنت فرحان

بيه أنا هكسره على دماغك، والجوازة اللي أمي كانت شايلاها فوق راسها، أنا هرميها تحت رجلي.. أنا "بنت القمار" اللي بتتقرف منها، هي اللي هتنهي مهزلة الدكتور شريف المنشاوي!"

بص لي بسخرية وقال: "هتعملي إيه يعني؟ هتتطلقي وترجعي تشحتي اللقمة؟"

بصيت له بنظرة عمره ما شافها في عيني قبل كدة، نظرة ست مباقتش باقية على حاجة، وقلت له بمنتهى الهدوء المرعب:

"هعمل اللي يخليك تقرف من نفسك طول العمر.. القطة اللي إنت مهتم بيها وبصاحبتها دي، أنا صورتك وإنت بتبعتلها فيديوهات وبتقول كلام "ميصحش" يتقال من دكتور لطالبته..  يا تطلقني بالمعروف وتديني كل حقوقي، يا إما فضيحتك في الجامعة هتكون على كل لسان.. وساعتها وريني مين في "الطبقة" بتاعتك هيرضى يسلم عليك بإيده، مش بس يشرب من كبايتك!"

وشه اتقلب 180 درجة، والقطة نطت من إيده من كتر ما قبضته جمدت عليها.. لأول مرة أشوف في عينه "الخوف".. الخوف اللي كان بيزرعه فيا كل يوم، النهاردة جيه الدور عليه عشان يدوقه.

بص لي والذهول ملجم لسانه، مكنش مصدق إن "ضحى" الضعيفة المنكسرة، اللي بتمشي جنب الحيط وتداري عيوبه، ممكن تنطق بكل ده.. حاول يرجع لبروده المعتاد، بس شفايفه كانت بتترعش وهو بيقول:

"إنتي بتهددي؟ إنتي عارفة أنا ممكن أعمل فيكي إيه؟ أنا "شريف المنشاوي" يا ضحى!"

ضحكت بوجع وقهر وأنا بمسح دموعي بقوة:

"كنت شريف المنشاوي.. دلوقتي إنت مجرد راجل "صغير" في نظري.. أصغر من القطة اللي إنت خايف

تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

على مشاعرها.. لو فاكر إن أهلي هيذلوني فإنت غلطان، أمي اللي شافت كسر نفسي النهاردة هي اللي هتفتح لي بابها، والذل اللي شفته معاك علمني إني مش هخسر أكتر من اللي خسرته."

قرب مني بغل وحاول يشد الموبايل من إيدي، بس زقيته بكل قوتي.. صرخت فيه:

"لو لمستني هلم عليك العمارة كلها، وهخلي فضيحتك بجلاجل النهاردة مش بكرة!"

قعد على الكرسي كأنه عجز فجأة، وبص للأرض وقال بصوت مكتوم:

"عايزة إيه يا ضحى؟"

"عايزة حريتي.. تطلقني دلوقتي حالا، وحقوقي كلها تجيلي لحد باب بيت أمي، ومن غير ولا كلمة زيادة.. والقطة دي تاخدها توديها لصاحبتها، لأن البيت ده من اللحظة دي ملوش صاحب غيري لحد ما أمشي."

نفذ كل اللي قلته وهو زي "الفرخة المبلولة"، طلقني وخرج من البيت وهو مش قادر يحط عينه في عيني.. القوة اللي كان بيستمدها من ضعفي تلاشت أول ما قررت أقف على رجلي.

رجعت لبيت أمي، دخلت في حضنها وعيطت.. عيطت على السنين اللي ضاعت وأنا بصدق إني "قليلة".. أمي طبطبت عليا وقالتلي جملة واحدة غيرت حياتي:

"يا بنتي، اللي يخليكي تحسي إنك "قليلة" هو اللي "ناقص".. وإحنا كنا بنشتري راجل، مكنتش أعرف إننا بنشتري "تمثال" من تلج."

مرت الشهور، وشريف المنشاوي سيرته بقت على كل لسان في الجامعة بعد ما "سلمى" نفسها سابته واتجوزت معيد في سنها، وطلعت فضايحه مع غيرها للعلن.. أما أنا، فبدأت أشتغل وأدرس من جديد، اكتشفت إني مش "ست غلبانة"، أنا ست قوية بس كنت محتاجة "كباية مية" تترمي في الزبالة عشان أفوق وأعرف قيمتي.

النهاية

 

تعليقات

التنقل السريع
    close