قصه سر جوزي طارق
قصه سر جوزي طارق
جوزي “طارق” محاسب في شركة مقاولات بقاله تلات سنين… اتجوزنا جواز صالونات عادي، راجل في حاله، من الشغل للبيت، ومن البيت للشغل.
في الأول، كل حاجة كانت ماشية عادي…
طارق كان هادي بزيادة، كلامه قليل، وردود أفعاله دايماً متوقعة ومفيهاش أي مفاجآت.
بس الحقيقة اللي محدش قالها بصراحة…
إن الهدوء ده كان مجرد غطاء لمصيبة.
أنا بشتغل مدرسة…تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
ويومي بيبدأ بدري وبيخلص مع جرس المرواح.
وطارق؟
طارق كان دايماً يقفل على نفسه أوضة المكتب بحجة “شغل الحسابات اللي مبيخلصش”.
في يوم، كنت راجعة من المدرسة تعبانة واستأذنت بدري، لقيت البيت ساكت بشكل غريب.
مش صوت الهدوء الطبيعي…
لا… سكون يخوّف.
دخلت لقيت باب أوضة المكتب اللي طارق دايماً قافلها بالمفتاح… متوارب.
استغربت… لأن طارق عمره ما بينسى الباب ده مفتوح، وهو المفروض في الشغل.
قربت من الباب… مديت إيدي.
قلبي بدأ يدق بسرعة…
فتحت الباب بهدوء…
ولأول مرة…
أشوف عالم طارق الحقيقي.
مفيش ورق شغل عادي، ولا ملفات حسابات الشركة…
درج المكتب اللي تحت كان مفتوح، وجنبه شنطة سودا صغيرة.
بمجرد ما عيني وقعت على اللي جوه الشنطة، اتجمدت في مكاني.
الشنطة كانت مليانة رزم فلوس كاش، مبالغ مستحيل تكون من مرتبه، وجنبهم تليفون زراير قديم غير تليفونه، وإيصالات أمانة ممضية على بياض، وورق تنازلات عن أملاك.
الكلمة نزلت عليّ زي الصدمة.
– “الفلوس دي كلها منين؟! وإيه الورق ده؟!”
فجأة، سمعت صوت باب الشقة بيتفتح.
حاولت أخرج بسرعة بس خطوته كانت أسرع…
وقف على باب الأوضة، ووشه جاب ألوان لما شافني، بس فجأة ملامحه اتحولت لجمود ورهبة:
– “رجعتي بدري ليه يا ياسمين؟”
حاولت أتكلم… بس صوتي اختفى:
– “إنت… إنت جايب الفلوس والورق ده منين؟ إنت بتعمل إيه من ورايا؟”
سكت لحظة… قفل باب الشقة بالمفتاح من جوه، وبعدين قال أخطر جملة سمعتها منه
– “الورق ده لو اتعرف إنه هنا… أنا وإنتي مش هيطلع علينا نهار.”
الدنيا لفت بيا.
لو طارق مش مجرد محاسب عادي… أومال هو متورط في إيه؟ اختلاس؟ غسيل أموال؟
ومين الناس اللي ممكن تأذينا؟
أنا؟ مصيري إيه دلوقتي؟
مش هقدر أهرب.
قرب مني خطوة، ومسك التليفون الزراير اللي في الشنطة…تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
رد على مكالمة كانت بترن من رقم غريب، وقال بصوت مهزوز وعمري ما سمعته منه قبل كده…
#الكاتبه_نور_محمد
رد على المكالمة اللي كانت بترن من الرقم الغريب، وقال بصوت مهزوز، صوته كان بيرتعش بطريقة عمري ما شفتها في طارق العاقل الهادي:
– “أيوه يا باشا… لا والله، كله تمام وفي الحفظ والصون… زي ما اتفقنا، بكرا الصبح هيكونوا على مكتبك… لا يا باشا، محدش يقدر يفتح بقه.”
قفل الخط، ووشه كان عبارة عن لوحة من الرعب الصافي. العرق كان بينزل من جبينه رغم إن الجو مكنش حر. رمى التليفون الزراير في الشنطة وقفلها بسرعة، وبعدين بصلي.
– “إنتي إيه اللي جابك دلوقتي يا ياسمين؟ ليه مرجعتيش في ميعادك؟!” قالها بصوت مكتوم، كأنه خايف حد برا الشقة يسمعه.
– “إنت بتزعقلي؟! إنت اللي المفروض تفهمني إيه القرف ده! إنت بتشتغل مع مين يا طارق؟ ومين الباشا اللي بتكلمه بخوف كده؟”
مسك دراعي جامد، عصر عليه لدرجة إني اتوجعت:
– “وطي صوتك! إنتي مش فاهمة حاجة، ومش المفروض تفهمي. الفلوس دي والورق ده لو حد شم خبر إنهم هنا، إحنا الاتنين هنتدفن في مكاننا.”
دموعي نزلت من الخوف والصدمة:
– “قولي الحقيقة يا طارق… إنت حرامي؟ مختلس من الشركة؟”
سكت ثواني، أخد نفس عميق، وقال بصوت مهزوز:
– “يا ريتني كنت حرامي عادي… أنا بشتغل مع ناس مبتعرفش ربنا. صاحب الشركة اللي بشتغل فيها مش مجرد مقاول، ده راجل بيسلف الناس بفوائد مضاعفة، واللي مبيقدرش يدفع، بياخد منه شقا عمره وتنازلات عن أملاكه ويمضيه على إيصالات أمانة… أنا اللي بظبطله الحسابات دي كلها من الباطن.”
لطمت على صدري:
– “يا نهار أسود! وإنت مالك ومال القرف ده؟ وإيه اللي جاب الورق والفلوس دي هنا في بيتي؟”
بص للأرض وقال:
– “الباشا داخل في مشكلة كبيرة مع شريك ليه، وخاف البوليس أو رجالته يكبسوا على الشركة… طلب مني أخفي أهم ورق عنده والسيولة اللي بره البنك عندي كام يوم لحد ما الأمور تهدى. هددني لو رفضت هيلبسني أنا كل القواضي… مكنش عندي حل تاني.”
الكاتبة نور محمد
كنت لسة هرد وأصرخ فيه، بس الكلمة وقفت في زوري لما سمعنا صوت خبط على باب الشقة.
مش خبط عادي… خبط تقيل، متواصل، كإن اللي بره عايز يكسر الباب.
طارق لونه اتخطف، وبقى أبيض زي الكفن.
بصلي برعب وقال بهمس:
– “مستحيل… محدش يعرف إن الحاجة هنا غير الباشا.”
الخبط زاد، وصوت أجش من بره زعق:
– “افتح يا طارق… عارفين إنك جوه… افتح بالذوق أحسن ما نفتح إحنا بطريقتنا.”
طارق مسك الشنطة بسرعة البرق، وبص حواليه زي المذبوح، وبعدين سحبني من إيدي وفتح ضلفة الدولاب الكبيرة اللي في أوضة المكتب.
– “ادخلي هنا… ومطلعيش صوت، مهما سمعتي، مهما حصل… متطلعيش.”
– “طارق إنت هتعمل إيه؟ أنا خايفة!”
زقني جوه الدولاب، وحط الشنطة تحت رجلي، وقفل الضلفة عليا.
من جوه الضلمة، بقيت سامعة كل حاجة.
سمعت طارق وهو بيفتح باب الشقة…
سمعت صوت خطوات تقيلة دخلت، مش واحد ولا اتنين، دول كتير.
– “أهلاً يا رجالة… خير؟ الباشا بعتكم تاخدوا الحاجة دلوقتي؟” صوت طارق كان بيترعش.
نفس الصوت الأجش رد ببرود:
– “الباشا اتقبض عليه من ساعة يا طارق… وإحنا جينا ناخد الورق والفلوس دي لينا إحنا، عشان نصفي الحسابات القديمة… فين الشنطة؟”
صمت مرعب سيطر على المكان…
وفجأة، سمعت صوت تكسير في الصالة، وصوت طارق بيتوجع…
وبعدها، خطوات تقيلة بدأت تقرب من أوضة المكتب…
خطوة… خطوة… لحد ما وقفت بالظبط قدام الدولاب اللي أنا مستخبية فيه.
وفجأة… حسيت بحد بيمسك مقبض الدولاب وبيفتحه…
مقبض الدولاب لف ببطء… والنور خبط في عيني اللي كانت متعودة على الضلمة.
كتمت أنفاسي، وغمضت عيني مستنية النهاية، بس فجأة لقيت إيد خشنة وضخمة بتتمد وتسحبني من دراعي وتوقعني على الأرض بره الدولاب.تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
فتحت عيني لقيت راجل ضخم، وشه مليان ندبات، بيبصلي بابتسامة مرعبة، وعينه نزلت على الشنطة السودا اللي كانت تحت رجلي.
وطى بسرعة، سحب الشنطة وفتحها، وضحك بصوت عالي رن في الأوضة:
– “لقيت الكنز يا رجالة… المحاسب كان مخبي الفلوس والورق مع المدام!”
رفعت راسي، عيني لفت في الأوضة…
شفت أسوأ منظر ممكن أشوفه في حياتي. طارق، جوزي الهادي العاقل، مرمي على الأرض، وشه بينزف، وهدومه متقطعة، وواحد تاني من الرجالة دايس على كتفه بالجزمة عشان ميتحركش.
حاولت أصرخ، بس صوتي مكنش طالع. دموعي نزلت وأنا بشوف حياتي كلها بتنهار قدام عيني في لحظات.
الراجل الضخم قفل الشنطة وشالها على كتفه، وبص لطارق باحتقار:
– “كانت هتبقى ليلة سودة عليك لو ملقيناش الحاجة دي. الباشا بتاعك خلاص وقته خلص، والشارع دلوقتي بتاعنا. يلا يا رجالة.”
لسه بيلفوا عشان يخرجوا من باب الشقة… حصلت الحاجة اللي محدش فينا كان متوقعها.
صوت فرامل عربيات كتير وقفت تحت العمارة مرة واحدة… وبعدها بثواني، صوت خطوات تقيلة وسريعة جداً بترج السلم.
الرجالة بصوا لبعض برعب، والضخم صرخ:
– “الحكومة! لموا الدور بسرعة وشوفوا أي مخرج!”
بس كان فات الأوان.
باب الشقة اللي كان مفتوح نص فتحة اترزع بقوة، وقوات الشرطة ملت المكان في ثواني، سلاحهم متوجه لكل زاوية في الشقة.
– “سلم نفسك ياض إنت وهو! حط الشنطة دي على الأرض وارفع إيدك!”
الرجالة حاولوا يقاوموا في الأول، بس لما لقوا نفسهم متقفلين من كل ناحية، استسلموا ورموا أسلحتهم على الأرض. الشنطة السودا وقعت، واتفتحت، ورزم الفلوس وإيصالات الأمانة اتنطورت على سجادتي اللي كنت بنضفها كل يوم الصبح.
ظابط المباحث دخل بخطوات ثابتة، بص للرجالة المكلبشين، وبعدين بص لطارق اللي كان بيحاول يسند نفسه ويقوم.
– “طارق عبد الرحمن… محاسب الباشا، ودراعه اليمين في تبييض الأموال وسرقة شقا الناس. الباشا اعترف على كل حاجة بمجرد ما اتقبض عليه، وبلغنا إن الورق والسيولة هنا في بيتك.”
طارق بص للظابط، وبعدين بصلي… نظرته كانت مليانة انكسار وضعف. ملامحه الهادية اللي كنت مخدوعة فيها السنين دي كلها، طلعت مجرد قناع لواحد جبان، اختار السكة السهلة والفلوس الحرام.
الظابط شاور للعساكر:
– “خدوهم كلهم على البوكس… وحرزوا الفلوس والورق ده.”
جم عساكر مسكوا طارق عشان يكلبشوه. في اللحظة دي، طارق وقف قدامي، وعينه مليانة دموع: تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
– “سامحيني يا ياسمين… أنا عملت كل ده عشان أأمن مستقبلنا. مكنتش عايزك تعيشي في مستوى أقل من أي حد. أنا آسف إني دخلتك في القرف ده.”
بصتله بجمود غريب… الصدمة كانت قتلت أي إحساس جوايا.
– “مستقبلنا؟ المستقبل اللي مبني على خراب بيوت الناس ودموعهم؟ إنت مكنتش بتأمن مستقبلنا يا طارق… إنت كنت بتبني سجنك، وبتدمر حياتي أنا كمان.”
نزل وشه في الأرض، والعساكر سحبوه لبره.
بعد مرور ست شهور…
قاعدة في بلكونة شقتي الجديدة، شقة صغيرة إيجار، بعيدة عن الشارع اللي عشت فيه أسوأ كابوس في حياتي.
بشرب قهوتي الصبح قبل ما أنزل مدرستي.
طارق اتحكم عليه بـ 15 سنة سجن في قضايا غسيل أموال، تزوير، وتسهيل استيلاء على أملاك الغير. عصابة الباشا كلها وقعت، والورق اللي كان في الشنطة كان السبب في رجوع حقوق ناس كتير كانت هتتظلم وتتطرد من بيوتها.
أما أنا… فرفعت قضية خلع بمجرد ما طارق دخل السجن، واتحكم لي بيها.
اتعلمت درس قاسي جداً…
اتعلمت إن الهدوء الزايد ممكن يكون وراه عاصفة، وإن الفلوس اللي بتيجي بسهولة ومن غير تعب، بتاخد معاها البركة والراحة والأمان.
اكتشفت إن الروتين اللي كنت بشتكي منه في يومي وشغلي كمدرسة، هو ده نعمة الأمان الحقيقية. قرشي الحلال اللي بتعب فيه، حتى لو قليل، أحسن ألف مرة من ملايين مبنية على كدبة وخراب ذمم.
شربت آخر بق في القهوة، أخدت شنطتي، وفتحت باب الشقة عشان أبدأ يوم جديد… يوم حقيقي، مفيهوش أسرار، ولا بيبان مقفولة بالمفتاح.


تعليقات
إرسال تعليق