جد صاحبتي
جد صاحبتي
أنا عمري ما كنت البنت اللي تتحب بسهولة، ولا اللي الناس تبص لها مرتين، كنت دايمًا على الهامش، كأني تفصيلة زيادة في مشهد كبير محدش مركز فيه، ولما دخلت حياة “ليلى” حسيت لأول مرة إن في حد شايفني فعلًا، حد بيسمعني مش بس بيستحمل وجودي، وعشان كده لما سابتني بسبب قراري، القرار اللي كنت شايفاه طوق النجاة الوحيد، حسيت إني بخسر آخر حاجة حقيقية في حياتي، بس رغم كده كملت، لأن الخوف من الرجوع لنقطة الصفر كان أكبر من أي شعور تاني، ووافقت أتجوز “عم شاكر”، الراجل اللي كان أكبر مني بأكتر من خمسين سنة، الراجل اللي عيونه كانت دايمًا فيها حاجة مش مفهومة، حاجة بين الحكمة والخطر.
تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
في ليلة الدخلة، لما قفل الباب بالمفتاح وقال الجملة اللي خلّت الدم يتجمد في عروقي، كنت واقفة مش قادرة أتحرك، لا قادرة أصرخ ولا حتى أفهم، قرب مني بهدوء غريب، وقال: “أنا عارف إنك اتجوزتيني عشان الفلوس… وعارف إنك شايفة نفسك كسبتي صفقة العمر… بس الحقيقة إنك دخلتي لعبة أكبر بكتير من اللي تتخيليه”، قلبي بدأ يدق بسرعة هستيرية، وهو كمل: “أنا مش غني بس… أنا عندي أسرار… أسرار ناس ممكن تدفع مليارات عشان تدفنها… وأنا اخترتك إنتِ بالذات عشان تكوني جزء منها”.
كنت فاكرة إنه بيهزر أو بيخوفني، بس لما فتح درج الكومودينو وطلع ملف أسود تقيل، وحطه قدامي، وقال: “ده بقى اللي هيغير حياتك… يا تعيشي معايا وتبقي شريكتي… يا تختاري تمشي… بس وقتها… مش هتخرجي من القصر ده حية”، حسيت إن الأرض بتتهز تحت
رجلي، فتح الملف قدامي، ولقيت صور… تسجيلات… مستندات… لناس كبيرة جدًا، رجال أعمال، مسؤولين، ناس ليها اسمها، كلهم متورطين في حاجات لو اتكشفت هتدمرهم، وهو كان ماسك كل ده بإيده.
قال لي بهدوء مرعب: “أنا بنيت ثروتي مش بس من الشغل… بنيتها من التحكم… من إني أكون عارف كل حاجة عن الكل… وإنتِ دلوقتي بقيتي مراتي… يعني بقيتي جزء من ده”، سألته بصوت مكسور: “وأنا دوري إيه؟”، ابتسم ابتسامة خفيفة وقال: “وشك البريء… شخصيتك اللي محدش بياخد باله منها… دي أكبر ميزة فيكي… هتكوني عيوني في أماكن محدش يشك فيها… هتقربي من ناس… تسمعي… تشوفي… وتنقلي لي كل حاجة”.
في اللحظة دي فهمت ليه اختارني أنا، مش عشان أنا مميزة… لكن عشان أنا “غير مرئية”، وده أخطر نوع من الناس، حاولت أرفض، أقول لأ، بس لما بص في عيني وقال: “أهلك اللي قالوا لك زمان إنك مالكيش مكان… فاكرة هما فين دلوقتي؟”، جسمي كله اتجمد، لأنه قال بعدها بهدوء: “أنا عارف هما فين… وعارف كل حاجة عنهم… وعن حياتك من وإنتِ طفلة… فاختاري كويس”.
الليلة دي كانت بداية سجني، بقيت عايشة في قصر فخم، عندي كل حاجة الفلوس تشتريها، بس مفيش حرية، كل يوم كان بيكلّفني بمهمة، أقابل ناس، أحضر حفلات، أتصاحب على شخصيات، أسمع كلام، أنقل أسرار، وفي المقابل كان بيحميني… أو على الأقل بيقنعني بده، ومع الوقت، بدأت أفهم اللعبة، وبدأت أتغير، البنت الضعيفة اللي كانت بتخاف من نظرات الناس اختفت، وبقيت أعرف أقرأ اللي قدامي، أعرف أكذب، أعرف
أتصرف.
لكن في يوم، كل حاجة اتقلبت، لما لقيت اسم “ليلى” في ملف من الملفات، قلبي وقع، فتحت الملف بإيد بتترعش، ولقيت إن جدها… عم شاكر… كان بيراقبها هي كمان، وإن في صفقة كبيرة مرتبطة بيها، وإنها مش مجرد حفيدة بالنسبة له… لكنها كانت “هدف”، ووقتها فهمت إن زواجي منه ماكنش صدفة، وإن علاقتي بيها كانت جزء من خطة أكبر.
واجهته، لأول مرة من غير خوف، وقلت له: “أنا مش هكمل في ده… ومش هأذي ليلى”، ساعتها بص لي نظرة عمري ما هنساها، وقال: “إنتِ نسيتِ نفسك… إنتِ بقيتي تبعي”، لكن المرة دي ما سكتش، قلت له: “أنا اتغيرت… بس مش للدرجة دي”، وقررت ألعب لعبتي أنا.
بدأت أخد نسخ من الملفات، أخبيها، أجمع أدلة، وأخطط للهروب، مش لوحدي… أنا وليلى، وبعد شهور من التمثيل، جه اليوم، اليوم اللي قدرنا نهرب فيه، وسلّمنا كل حاجة لجهة تقدر توقفه، وفي ليلة واحدة، الإمبراطورية اللي بناها عم شاكر وقعت.
آخر مرة شفته فيها، كان واقف بيبص لي من بعيد، من غير كلمة، بس عينيه كانت بتقول كل حاجة، وأنا ساعتها فهمت… إن أقسى حاجة ممكن تحصل للإنسان… إنه يستخف بحد فاكره “ولا حاجة”.
رجعت لنقطة البداية… بس المرة دي كنت مختلفة، مش البنت اللي محدش شايفها… لكن البنت اللي أخيرًا شافت نفسها.
رجوعي لنقطة البداية مكنش نهاية الحكاية… كان أول مرة أبدأها بإرادتي. بعد سقوط عم شاكر، الدنيا ماهدتش زي ما كنت متخيلة، بالعكس… كل حاجة بقت أخطر. الناس اللي كانت أسماؤهم في الملفات ما اختفوش، ولا اتبخروا،
دول كانوا موجودين… ولسه عندهم نفوذ، ولسه عندهم خوف واحد بس: إن حد يكون شاف اللي أنا شفته.
في الأيام الأولى، أنا وليلى كنا بنحاول نعيش بشكل طبيعي، نضحك، نخرج، نتصرف كأننا رجعنا زي زمان، بس الحقيقة إن ولا أنا ولا هي كنا نفس الأشخاص. ليلى كانت بتبص لي أوقات بنظرة فيها امتنان… وأوقات تانية فيها خوف، كأنها لسه مش مصدقة إن اللي حصل ده حقيقي، وكأنها بتسأل نفسها: “هي نور دي لسه صاحبتي… ولا حد تاني؟”
وفي ليلة هادية، كنا قاعدين على السطح، سكتنا فجأة، وبعدين قالت لي بصوت واطي: “هو كل ده خلص فعلًا؟”… السؤال كان بسيط، بس إجابته كانت تقيلة. قبل ما أرد، موبايلي رن.
رقم غريب.
كنت ناوية ما أردش… بس حاجة جوايا خلتني أفتح.
صوت راجل، هادي جدًا، أخطر من أي صوت عالي:
“واضح إنك فاكرة إن اللعبة خلصت… بس الحقيقة؟ إنتِ لسه دخلتي أول دور.”
قفلت السكة فورًا، بس إيدي كانت بتترعش، وليلى لاحظت، سألتني: “مين؟”… قلت لها: “حد غلطان”… كدبة ضعيفة حتى أنا ما اقتنعتش بيها.
من اليوم ده، بدأت أحس إن في حد بيراقبني.
مش إحساس وخلاص… لا، تفاصيل صغيرة: عربية واقفة كتير تحت البيت، وشوش بتتكرر في أماكن مختلفة، رسائل فاضية بتيجي في نص الليل، ومكالمات من غير صوت. حاولت أقنع نفسي إني بتوهم… بس جوايا كنت عارفة الحقيقة.
الماضي ما بيسيبش حد بسهولة.
بعد أسبوع، لقيت ظرف متحطوط تحت باب الشقة.
مفيهوش اسم.
فتحته… لقيت صورة ليا.
صورة حديثة… وأنا واقفة قدام البيت.
وتحتها
مكتوب جملة واحدة:
“إحنا شايفينك.”
في اللحظة دي، كل حاجة رجعت، الخوف، التوتر، الإحساس إني محبوسة حتى وأنا برة القصر. بس الفرق الوحيد إن المرة دي… أنا ماكنتش لوحدي، وليلى كانت معايا.
تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
لما شافت الصورة، وشها اتغير، وقالتلي بصراحة: “إحنا لازم نهرب”.
بس أنا هزيت راسي وقلت: “لأ… المرة دي مش هنجري”.
لأن الحقيقة اللي اتعلمتها من كل اللي فات… إن الهروب بيأجل المواجهة، بس ما بيلغيهاش.
بدأت أفكر… مين ممكن يكون ورا ده؟ الناس اللي في الملفات؟ ولا حد تاني؟ ولما رجعت أراجع كل حاجة في دماغي، افتكرت حاجة عم شاكر قالها زمان:
“أنا مش الوحيد اللي بيلعب اللعبة دي… أنا بس أقدمهم.
”
الجملة دي كانت كفيلة تفهمني إن اللي بدأناه… لسه مخلصش.
قررت أرجع لنفس السلاح… المعلومات.
بدأت أستخدم اللي اتعلمته، أراقب بدل ما أتهرب، أدوّر بدل ما أستخبى، وفعلاً، بعد أيام من التتبع، قدرت أوصل لأول خيط.
اسم… كان متكرر في كذا ملف، بس ماخدتش بالي منه قبل كده.
“سامي الكيلاني”.
راجل ملوش صور واضحة، ملوش ظهور إعلامي، بس اسمه موجود في كل صفقة كبيرة، وكل مصيبة كبيرة، كأنه شبح بيحرّك كل حاجة من ورا الستار.
ولما بدأت أدور أكتر… اكتشفت الصدمة الأكبر.
عم شاكر… ماكانش العدو النهائي.
كان مجرد “لاعب” في شبكة أكبر… وسامي الكيلاني ده هو اللي
فوق الكل.
ولما كنت لسه بحاول أفهم الصورة كاملة، جالي تليفون تاني.
تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
نفس الصوت.
نفس الهدوء المرعب.
بس المرة دي قال جملة خلت قلبي يقف:
“مبروك… عرفتي اسمي أسرع مما توقعت… كده نقدر نبدأ نتكلم بجد.”
سكت لحظة… وبعدين كمل:
“إنتي زي عم شاكر بالظبط… بس أذكى شوية… وأنا بحب الناس الذكية… عشان كده… عندك اختيار.”
قفلت عيني، وأنا عارفة إن مفيش اختيار حقيقي.
قال:
“يا تشتغلي معايا… وتبقي أقوى من أي وقت فات… يا تكملي ضدي… وساعتها، مش بس إنتي اللي هتدفعي التمن.”
بصيت لليلى… اللي كانت واقفة قدامي، كل حاجة في حياتي بقت مرتبطة بيها تاني، بس المرة
دي… الخطر أكبر بكتير.
رجعت للمكالمة، وسألته: “ولو رفضت؟”
ضحك ضحكة خفيفة… وقال:
“يبقى نبدأ بلعبة صغيرة… عشان تفهمي أنا بعمل إيه باللي بيعاندوني.”
وفي نفس اللحظة…
باب الشقة خبط.
مش خبط عادي… خبط عنيف، متواصل، كأنه إنذار.
أنا وليلى بصينا لبعض… وقلوبنا بتدق بنفس الرعب.
والصوت على التليفون قال بهدوء:
“روحي افتحي… أول مفاجأة مستنياكي.”
خطواتي كانت تقيلة وأنا رايحة ناحية الباب… إيدي على المقبض… وأنا عارفة إن اللحظة دي هتحدد كل حاجة جاية.
فتحت الباب ببطء…
وعيني وسعت من الصدمة…
لأن اللي كان واقف برة… ماكنش غريب.
كان حد من الماضي…
حد كنت فاكرة إنه اختفى للأبد… وحد رجوعه معناه حاجة واحدة بس…
إن الكابوس لسه في أوله.


تعليقات
إرسال تعليق