القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 أمانة أختي بقلم انجي الخطيب



أمانة أختي بقلم انجي الخطيب

 

اعتنيت بأطفال أختي التسعة بعد ما فقدتها في حادثة عربية... وبعد 12 سنة، دمي اتجمد في عروقي من اعتراف ابن أختي.

مفيش حاجة في الدنيا كانت تقدر تفرق بيني وبين أختي زينب، كنا روح واحدة ومبنسيبش بعض أبداً. هي وجوزها محمود كانوا عيلة زي الفل والضحكة مالية بيتهم مع تسع أطفال متبنيينهم، لكن الدنيا لفّت بينا ولما اتولد ابنهم الصغير ياسين زينب جالها مرض وحش وماتت وسابتهم وراها. محمود لقى نفسه لوحده مع مسؤولية ال 9 أطفال، وطبعاً مسبتهوش وكنت دايماً في ضهره وبسنده، وفي يوم قالي إنه لازم يسافر القاهرة يخلص ورق ومصلحة مهمة وأمنني على الولاد، وخرج ليلتها وموجعش تاني أبداً.

الليلة دي كانت صعبة أوي والمطر كان مغرق الدنيا، وعربية محمود اتقلبت بيه على الطريق الصحراوي ولقوها مخبوطة في حاجز خرساني ومتبهدلة خالص، الغريب إن الأبواب كانت مفتوحة على آخرها بس مكنش فيه أي أثر لجوز أختي جوه العربية ولا حتى حولها. بعد شهور من التدوير والبحث، الشرطة بلغتني إنه بنسبة كبيرة مات والجثة ممكن تكون ضاعت في مكان بعيد، قلبي كان بيتقطع حتت بس كان لازم أجمد عشان ولاد أختي، خدتهم في حضني وربيتهم كأنهم ولادي بالظبط؛ كنت بسرح شعر البنات وأطبخ لعشر بوقوف كل يوم وبسهر على راحتهم. العيال دي كانت هي دنيتي، وبالذات الصغير ياسين اللي كان عنده 4 سنين بس لما أمه وأبوه ضاعوا، ومرت 12 سنة في غمضة عين وياسين كبر وبقى شاب.

بس مؤخراً لاحظت إن ياسين حاله اتشقلب وبقى غامض وتصرفاته غريبة، أول ما يرجع من المدرسة يدخل أوضته ويقفل الباب بالمفتاح، ولما أروح أخبط عليه وأسأله ماله يزعق ويقولي معلش يا خالتو مضغوط من الدروس، كنت عايزة أفهم ماله بس الموضوع استمر أيام وبقى مقلق جداً. وفي الآخر مقدرتش أصبر، وأول ما رجع من المدرسة وقفته عند الباب ومسكت إيده وقولتله لازم تحكيلي مخبي عني إيه. فجأة وشه اتخطف وبقى أصفر زي الليمونة وصوته بقى يترعش وقالي أنا خلاص مستعد أقولك الحقيقة، ركبي خبطت في بعضها وقولتله بتهتهة حقيقة إيه يا ياسين؟ وقعت قلبي!، راح واخد خطوة ناحيتي وعينه غرقانة دموع وهمس في ودني الحقيقة اللي حصلت ليلة الحادثة من 12 سنة.. أنا عارف أمي فين دلوقتي

الدموع اللي كانت في عينه جمدت فجأة، وبقت نظرته حادة زي الموس، لدرجة إني رجعت خطوة لورا من الخوف. إنت بتقول إيه يا ياسين؟ أمك ماتت ودفناها بإيدنا، والوجع ده عشنا فيه سنين!.. ضغط على إيدي بقوة خلتني أتألم، وهمس وصوته طالع بوشيش مرعب لا يا خالتو، إحنا دفنا كفن فاضي.. أنتي نسيتی إن محمود خدني معاه في العربية ليلتها؟.

قلبي سقط في رجلي، الذاكرة بدأت تتجمع زي فلاشات سريعة وموجعة؛ ليلتها الكل كان فاكر إن ياسين نايم في أوضته، مفيش حد دور عليه في وسط زحمة الصدمة والشرطة. كنت مستخبي ورا الكرسي.. بابا مكنش بيخلص ورق، بابا كان بيهرب بيها!.. كمل كلامه وهو بيتدحرج على الأرض ومنهار العربية متقلبتش لوحدها، فيه ناس وقفتنا، وبابا زقني برا العربية


في الضلمة وقالي اجري ومتبصش وراك.. وشفتهم وهما بيشيلوا ماما وهي لسه بتتنفس وبيحطوها في عربية تانية.. بابا ممتش يا خالتو، بابا هو اللي باعها، وهو اللي باعتلي الرسالة دي النهاردة.

طلع من جيبه ورقة مطبقة ومهرية، فتحتها بإيد بتترعش، كان مكتوب فيها بخط أنا عارفاه كويس، خط محمود اللي مفارقتش عيني سنين ياسين، كفاية 12 سنة حماية.. الوقت جه عشان ترجع الأمانة لصحابها، افتح السرداب اللي تحت السرير، أمك مستنية اللي يخلصها. بصيت لياسين برعب، والسؤال كان بيصرخ جوايا سرداب إيه؟ إحنا عايشين في البيت ده بقالنا 12 سنة ومشفناش حاجة!.. فجأة سمعنا صوت خبطة مكتومة جاية من تحت الأرض، من أوضة ياسين اللي كانت مقفولة بالمفتاح، خبطة منتظمة.. كأن فيه حد بيستنجد بقاله سنين.

اعتنيت بأطفال أختي التسعة بعد ما فقدتها في حادثة عربية... وبعد 12 سنة، دمي اتجمد في عروقي من اعتراف ابن أختي.

مفيش حاجة في الدنيا كانت تقدر تفرق بيني وبين أختي زينب، كنا روح واحدة ومبنسيبش بعض أبداً. هي وجوزها محمود كانوا عيلة زي الفل والضحكة مالية بيتهم مع تسع أطفال متبنيينهم، لكن الدنيا لفّت بينا ولما اتولد ابنهم الصغير ياسين زينب جالها مرض وحش وماتت وسابتهم وراها. محمود لقى نفسه لوحده مع مسؤولية ال 9 أطفال، وطبعاً مسبتهوش وكنت دايماً في ضهره وبسنده، وفي يوم قالي إنه لازم يسافر القاهرة يخلص ورق ومصلحة مهمة وأمنني على الولاد، وخرج ليلتها وموجعش تاني أبداً.

الليلة دي كانت صعبة أوي والمطر كان مغرق الدنيا، وعربية محمود اتقلبت بيه على الطريق الصحراوي ولقوها مخبوطة في حاجز خرساني ومتبهدلة خالص، الغريب إن الأبواب كانت مفتوحة على آخرها بس مكنش فيه أي أثر لجوز أختي جوه العربية ولا حتى حولها. بعد شهور من التدوير والبحث، الشرطة بلغتني إنه بنسبة كبيرة مات والجثة ممكن تكون ضاعت في مكان بعيد، قلبي كان بيتقطع حتت بس كان لازم أجمد عشان ولاد أختي، خدتهم في حضني وربيتهم كأنهم ولادي بالظبط؛ كنت بسرح شعر البنات وأطبخ لعشر بوقوف كل يوم وبسهر على راحتهم. العيال دي كانت هي دنيتي، وبالذات الصغير ياسين اللي كان عنده 4 سنين بس لما أمه وأبوه ضاعوا، ومرت 12 سنة في غمضة عين وياسين كبر وبقى شاب.

بس مؤخراً لاحظت إن ياسين حاله اتشقلب وبقى غامض وتصرفاته غريبة، أول ما يرجع من المدرسة يدخل أوضته ويقفل الباب بالمفتاح، ولما أروح أخبط عليه وأسأله ماله يزعق ويقولي معلش يا خالتو مضغوط من الدروس، كنت عايزة أفهم ماله بس الموضوع استمر أيام وبقى مقلق جداً. وفي الآخر مقدرتش أصبر، وأول ما رجع من المدرسة وقفته عند الباب ومسكت إيده وقولتله لازم تحكيلي مخبي عني إيه. فجأة وشه اتخطف وبقى أصفر زي الليمونة وصوته بقى يترعش وقالي أنا خلاص مستعد أقولك الحقيقة، ركبي خبطت في بعضها وقولتله بتهتهة حقيقة إيه يا ياسين؟ وقعت قلبي!، راح واخد خطوة ناحيتي وعينه غرقانة دموع وهمس في ودني الحقيقة اللي حصلت ليلة الحادثة من 12 سنة.. أنا عارف

أمي فين دلوقتي.

الدموع اللي كانت في عينه جمدت فجأة، وبقت نظرته حادة زي الموس، لدرجة إني رجعت خطوة لورا من الخوف. إنت بتقول إيه يا ياسين؟ أمك ماتت ودفناها بإيدنا، والوجع ده عشنا فيه سنين!.. ضغط على إيدي بقوة خلتني أتألم، وهمس وصوته طالع بوشيش مرعب لا يا خالتو، إحنا دفنا كفن فاضي.. أنتي نسيتی إن محمود خدني معاه في العربية ليلتها؟.

قلبي سقط في رجلي، الذاكرة بدأت تتجمع زي فلاشات سريعة وموجعة؛ ليلتها الكل كان فاكر إن ياسين نايم في أوضته، مفيش حد دور عليه في وسط زحمة الصدمة والشرطة. كنت مستخبي ورا الكرسي.. بابا مكنش بيخلص ورق، بابا كان بيهرب بيها!.. كمل كلامه وهو بيتدحرج على الأرض ومنهار العربية متقلبتش لوحدها، فيه ناس وقفتنا، وبابا زقني برا العربية في الضلمة وقالي اجري ومتبصش وراك.. وشفتهم وهما بيشيلوا ماما وهي لسه بتتنفس وبيحطوها في عربية تانية.. بابا ممتش يا خالتو، بابا هو اللي باعها، وهو اللي باعتلي الرسالة دي النهاردة.

طلع من جيبه ورقة مطبقة ومهرية، فتحتها بإيد بتترعش، كان مكتوب فيها بخط أنا عارفاه كويس، خط محمود اللي مفارقتش عيني سنين ياسين، كفاية 12 سنة حماية.. الوقت جه عشان ترجع الأمانة لصحابها، افتح السرداب اللي تحت السرير، أمك مستنية اللي يخلصها. بصيت لياسين برعب، والسؤال كان بيصرخ جوايا سرداب إيه؟ إحنا عايشين في البيت ده بقالنا 12 سنة ومشفناش حاجة!.. فجأة سمعنا صوت خبطة مكتومة جاية من تحت الأرض، من أوضة ياسين اللي كانت مقفولة بالمفتاح، خبطة منتظمة.. كأن فيه حد بيستنجد بقاله سنين.

تسمرت في مكاني، والصوت المكتوم اللي طالع من تحت الأرض كان بيزيد حدة، خبطات رتيبة ومنتظمة كأنها نبض قلب مجهد بيحاول يعافر عشان يطلع للنور. ياسين سحب إيدي وجرني وراه ناحية أوضته، كان بيتحرك زي الآلة، وشه خالي من أي تعبير غير الرعب الصافي. أول ما فتح الباب، ريحة غريبة ضربت في مناخيري، ريحة تراب قديم مخلوط بحاجة زي البخور بس تقيلة وتكتم النفس.

ياسين زق السرير بعزم ما فيه، وظهر تحتيه باركيه خشب مخلوع ومحطوط مكانه سجادة صلاة قديمة ومهلهلة. ياسين.. إيه ده؟ إنت بتعمل إيه؟ صرخت فيه وأنا حاسة إن الدنيا بتلف بيا، لكنه مردش، وطى على الأرض وشال السجادة، وظهر تحتها باب خشب صغير سحارة مدهون بنفس لون الأرضية عشان ميتحسش بيه.

بقالها شهر بتنادي عليا يا خالتو.. كل ليلة، من بعد ما كملت ال 16، والصوت مبيسكتش قالها وهو بيشد الحلقة الحديد اللي في الباب. الخشب طلع صوت تزييق يقطع القلب، وفجأة ظهر قدامنا سلم ضيق ونازل لتحت في ضلمة كحل. الخبط وقف فجأة، وحل مكانه صوت نهجان تقيل، صوت حد بيحاول يفتكر إزاي يتنفس.

نزلت أول درجة ورجلي بتترعش، وياسين نور كشاف موبايله. السلم كان آخره أوضة صغيرة جداً، جدرانها متغطية بورق جرايد قديم من سنين فاتت، وفي الركن كان فيه سرير حديد مصدي وقاعدة عليه ست.. شعرها أبيض طويل ومغطي وشها كله، ولابسة هدوم كانت في يوم من الأيام فستان فرح

زينب اللي ضاع ليلتها. الست رفعت راسها ببطء، وعينها لما جت في عيني، صرخت صرخة مكتومة، ومدت إيدها اللي عبارة عن جلد على عضم وقالت بصوت ملهوش علاقة بالبشر تأخرتي ليه يا أختي؟ محمود قال إنك هتيجي تاخدي مكانك عشان أمشي أنا.

الكلمة نزلت عليا كأنها صاعقة، رجلي ملمستش الأرض وبقيت ساندة على جدار السرداب البارد وأنا مش مصدقة. آخد مكاني؟ زينب.. أنتي بتقولي إيه؟ صوتي طلع مبحوح، والست اللي قدامي بدأت تضحك ضحكة هستيرية، ضحكة خالية من أي روح، وهي بتشاور بإيدها المرتعشة على ركن الضلمة اللي وراها.

بصيت مطرح ما بتشاور، وشفت حاجة خلت عقلي يطير؛ كان فيه تسع تماثيل من الشمع، معمولين بدقة مرعبة، كل تمثال فيهم نسخة طبق الأصل من واحد من الولاد اللي ربيتهم ال 12 سنة اللي فاتوا، بس التماثيل كانت متوصلة بأسلاك نحاس نازلة من سقف السرداب وغارزة في قلب كل تمثال. محمود مبعش حد يا خالتو.. ياسين نطق الجملة دي وهو واقف ورايا، وصوته فجأة اتغير، بقى غليظ وعميق، محمود كان بيحمينا.. الثمن كان لازم يتدفع، والتبني مكنش لله وللوطن، دول مش أخواتي يا خالتو، دول القرابين اللي كان لازم يعيشوا وسطك عشان ياخدوا من روحك ويغذوا السرداب ده.

الست اللي مفروض إنها أختي قامت وقفت، طولها كان غير طبيعي، وبدأت تقرب مني وهي بتجر رجلها، والريحة التقيلة بقت لا تُطاق. ياسين كبر يا أختي.. وياسين هو الوحيد اللي من دمه، الباقي مجرد أوعية، ودلوقتي الدائرة لازم تتقفل.. أنتي سكنتي بيتي، وربيتي ولاده، ودلوقتي لازم تسكني مكاني عشان أنا أطلع أشوف الشمس اللي نسيت شكلها.

فجأة، الباب الخشب اللي فوق السلم اترزع بقوة، وسمعت صوت قفل بيتقفل من برا. النور اللي كان طالع من كشاف ياسين طفى، وبقينا في ضلمة تامة، مش سامعة فيها غير صوت نهجان الست اللي بتقرب مني، وصوت ياسين وهو بيهمق في ودني بكل برود متخافيش يا خالتو.. أنتي كنتي أم عظيمة، ومحمود مستنيكي فوق عشان يكمل الحكاية.

وفي وسط الضلمة دي، لمست إيد باردة زي التلج رقبتي، وبدأت أصابعها تضغط ببطء وهي بتقول قوليلي.. العيال اتعشوا ولا ناموا جعانين؟

حاولت أصرخ، لكن صوتي اتحبس في حلقي وكأن فيه إيد خفية بتخنق أحبالي الصوتية. الضلمة كانت تقيلة لدرجة إني مكنتش شايفة كف إيدي، بس كنت حاسة بوشها قريب من وشي، ريحة أنفاسها كانت تشبه ريحة الأرض المحروقة. العيال.. العيال كويسين يا زينب.. نطقت الكلمات دي بصعوبة وأنا بحاول أزق إيدها، لكن قوتها كانت مرعبة، قوة مش بشرية أبداً.

فجأة، بدأت التماثيل اللي في الركن تنور بضوء فوسفوري باهت، خيط رفيع من النور طالع من قلب كل تمثال ورايح ناحية السقف، وكأن البيت كله فوقنا بقى متوصل بيهم. مع كل نبضة نور، كنت بسمع صوت عيل من الولاد فوق وهو بيصرخ صرخة قصيرة ومكتومة، كأن حد بيسحب منهم حاجة غالية. ياسين! إلحق أخواتك يا ياسين! نديت عليه وأنا بلف أدور عليه في الضلمة، لكنه كان اختفى، مكنش فيه غير صوته اللي جاي من كل زاوية في الأوضة مفيش أخوات يا خالتو.. مفيش

 

غير العهد.

الست سابت رقبتي فجأة ووقعت على الأرض وهي بتئن، وجسمها بدأ يتنفض بشكل مرعب. في اللحظة دي، النور الفوسفوري زاد، وشفت الحيطة اللي ورا السرير بتتشقق، وظهر من وراها ممر تاني ضيق جداً، وطالع منه صوت خطوات تقيلة ومنتظمة.. خطوات محمود.

الخطوات كانت بتقرب، ومع كل خطوة كان البيت فوقنا بيتهز كأن فيه زلزال. عشر سنين يا زينب.. عشر سنين وأنا بجهز البديل، صوت محمود جه من الممر، بس مكنش صوته اللي أعرفه، كان صوت خشن ومحشرج زي صوت احتكاك الصخور ببعضها. ظهر محمود من الضلمة، بس مكنش كبر يوم واحد من ليلة الحادثة، لبسه لسه نضيف، وملامحه لسه شباب، وكأنه متجمد في الزمن.تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

بصلي ببرود مخيف وقال كنتي فاكرة إن الحادثة كانت قضاء وقدر؟ أنا اللي قلبت العربية، وأنا اللي سحبت زينب هنا قبل ما الشرطة توصل، كان لازم الناس تفتكر إننا متنا عشان نعيش الحقيقة هنا.. تحت الأرض. قرب من الست المرمية على الأرض ولمس راسها بحنان مرعب، وبعدين بصلي وعينه اتحولت للون أسود تماماً زينب خلصت طاقتها، والبيت محتاج روح جديدة تشيله.. روح عاشت وحبت وربت بصدق، زيك يا أختي.

ياسين ظهر فجأة جنب أبوه، وماسك في إيده خنجر قديم عليه رموز مكنتش قادرة أفهمها. ياسين.. أنا اللي ربيتك.. قولتله وأنا بنهار، بصلي بكسرة للحظة، لكنه سرعان ما استعاد جموده وقالي عشان كدة أنتي أحسن واحدة للعهد.. دمك هو اللي هيربط التماثيل ببعضها للأبد.

محمود بدأ يتمتم بكلمات غريبة، والتماثيل بدأت تتهز وتتحرك من مكانها، تقرب مني بخطوات خشبية تقيلة، وعيونها الشمعية بدأت تفتح.. وفي اللحظة اللي محمود رفع فيها إيده عشان يديني إشارة النهاية، سمعت صوت خبط عنيف على باب السرداب من فوق، وصوت حد من الولاد برا بيصرخ يا خالتو! ياسين بيحاول يقتلنا! افتحي الباب!

الخبط اللي فوق كان مرعب، وكأن البيت كله بيحاول يتهد على روسنا. محمود اتنفض وملامحه الهاوية اتحولت لغضب جحيمي، بص لياسين وزعق بصوت زلزل جدران السرداب اخلص! العهد بيتهز! لو حد دخل قبل ما الدم يسيل، السقف ده هينزل علينا كلنا!

ياسين رفع الخنجر وإيده كانت بتترعش، الدموع رجعت تلمع في عينه تاني، وكأنه بيصارع وحش جواه. مش قادر يا بابا.. دي خالتو، دي اللي أكلتني ونيمتني في حضنها لما ماما غابت!.. محمود ضربه بالقلم وقعه على الأرض، وسحب الخنجر منه وهو بيقرب مني وعينه مفيهاش ذرة رحمة يبقى أنا اللي هختم العهد.

الست اللي على الأرض زينب بدأت تزحف ناحية رجلي، بس مش عشان تهاجمني، دي كانت بتمسك في طرف جلابيتي وبتهز راسها يمين وشمال كأنها بتستغيث بيا أهرب. فجأة، صوت الخبط فوق اتحول لصوت تكسير خشب، ووقعت حتة من السقف الضيق، ونزل منها عمر، أكبر الولاد، كان ماسك فأس وبينهج وصدره بيعلو ويهبط من الرعب.

عمر شاف المنظر، شاف محمود اللي المفروض ميت، وشاف المسخ اللي كان في يوم من الأيام أمه، وشافني وأنا محشورة في الزاوية. بابا؟ همس بذهول، لكن محمود مدهوش فرصة يفهم، حدف الخنجر ناحيته بكل قوته. الخنجر مجاش في عمر،

جه في واحد من التماثيل الشمع اللي وراه.

في اللحظة دي، حصلت حاجة مكنتش تخطر على بال بشر؛ التمثال لما اتخبط، صرخ صرخة آدمية تقطع القلب، وبدأ دم حقيقي ينزف من الشمع ويغرق الأرضية. فجأة، كل التماثيل التانية بدأت تتحرك بعشوائية وتخبط في بعضها، والخيوط اللي واصلة للسقف بدأت تتشد لدرجة إن البيت فوق بدأ يميل.

محمود صرخ صرخة وجع وكأن روحه هي اللي بتتسحب لا! التوازن باظ! العهد اتكسر!.. الأرض تحتنا بدأت تتشقق وتطلع منها مية سوداء وليها ريحة كبريت. زينب قامت وقفت بجهد خرافي، وبصت لعمر وياسين، وبصوت فيه بحة الموت قالت خدوها واجروا.. المكان ده مش هيتحمل أكتر من كدة.. البيت ده كان سجن، والنهاردة السجن هينفجر.

ياسين قام من على الأرض وسحبني من إيدي، وعمر مسك إيدي التانية، وبدأنا نطلع السلم الضيق والدرجات بتنهار ورانا درجة درجة. بصيت ورايا لآخر مرة، شفت محمود وهو بيحاول يلم الدم اللي نازل من التماثيل بإيده، وزينب واقفة وراه وبتبتسم لي لأول مرة بملامحها القديمة وهي بتهمس سامحيني.

أول ما رجلينا لمست أرضية الأوضة فوق، البيت كله اتهز هزة أخيرة، والسرداب انهار تماماً وبلع كل اللي فيه. وقفنا في الصالة، أنا وال 9 ولاد، بنبص لبعض في ذهول وصمت قاتل، والمطر برا لسه شغال. وف وسط السكوت ده، تليفون البيت رن.. مشينا كلنا ناحيته بخوف، ياسين مد إيده وفتح السبيكر، وجالنا صوت محمود، بس المرة دي كان صوته هادي وطبيعي جداً زي زمان يا ولاد.. أنا خلصت الورق، ومستنيكم برا على الطريق، حد يفتح الباب.

بصينا لبعض برعب، وبصينا للباب اللي كان مقفول بالترباس من جوا.. وفجأة، سمعنا صوت مفتاح بيلف في الكالون من برا.

تسمرنا في أماكننا، والأنفاس محبوسة في الصدور. صوت المفتاح وهو بيلف في الكالون كان بيعمل صدى في قلوبنا قبل ودننا، تكة.. وراها تكة.. والباب بدأ يتفتح ببطء شديد. ياسين كان ماسك في إيدي لدرجة إن ضوافره غرزت في جلدي، وعمر رفع الفأس اللي في إيده وهو بيترعش.

الباب اتفتح تماماً، والهوا البارد والمطر دخلوا الصالة، وظهر قدامنا محمود.. بنفس الهدوم اللي خرج بيها من 12 سنة، مبلول من المطر، وفي إيده شنطة أوراقه الجلد. دخل البيت وهو بيمسح المية عن وشه وابتسم ابتسامة باهتة مالكم واقفين كدة ليه؟ كأني شفتوا عفريت؟ قولتلك يا هدى مش هغيب كتير، الطريق كان واقف بس.

بصيت لياسين، وبصيت للسرداب اللي لسه منهار تحتنا والتراب طالع من فتحة الأوضة، إزاي ده يكون محمود؟ وإيه اللي كان تحت ده؟ محمود؟ نطقت اسمه بصوت مهزوز، قرب مني ومد إيده عشان يلمس كتفي، لكن عمر صرخ فيه متقربش! أنت مين؟ اللي تحت ده كان مين؟

محمود عقد حواجبه باستغراب، وبص للحفرة اللي في أوضة ياسين ووشه فجأة اتحول لجمود غريب، الابتسامة اختفت وحل مكانها نظرة خالية من أي مشاعر. آه.. لحقتوا تفتحوا الهدايا؟ قالها ببرود وهو بيقفل باب الشقة وراه وبيرمي الترباس. كنت فاكر إن العهد هياخد وقت أكتر من كدة عشان يتفعل، بس الظاهر إن شوقكم لزينب كان أقوى من صبري.


وفجأة، النور قطع في البيت كله، وما بقيناش شايفين غير ضوء البرق اللي بيخطف العين من الشبابيك. وسط الضلمة، سمعنا صوت ضحكات أطفال جاية من كل ركن في الصالة، بس مكنتش ضحكات ولادي التسعة اللي واقفين جنبي.. دي كانت ضحكات تانية، رفيعة ومستفزة. أنا مجبتش أوراق يا هدى، صوت محمود كان بيتحرك في الصالة وكأنه في كل مكان في نفس الوقت، أنا جبت الباقي.. التماثيل اللي تحت كانت محتاجة أرواح عشان تنطق، والنهاردة البيت هيكمل عيلته.

ياسين ولع كشاف موبايله بسرعة، والنور جه على ركن الصالة.. شفت ال 9 ولاد بتوعي واقفين، بس ملامحهم كانت بتمسح، عيونهم بتختفي ويحل مكانها شمع أبيض بيسيح على وشوشهم. صرخت صرخة شقت السكون ووقعت على ركبي ولادي! عملت فيهم إيه يا محمود؟

محمود ظهر من ورايا، وهمس في ودني وهو بيحط إيده على راسي بنعومة مرعبة دول مكنوش ولادك أبداً يا هدى.. دول كانوا صيادين، وظيفتهم يجمعوا سنين عمرك وحنيتك ويخزنوها في السرداب عشان زينب ترجع شباب.. بس بما إن السرداب انهار، فإحنا هنغير الخطة.

بصيت لياسين، الوحيد اللي ملامحه لسه زي ما هي، وكان واقف بيبص لأبوه بذهول. محمود كمل وهو بيشاور على ياسين ياسين هو المفتاح.. هو اللي هيفتح الباب الكبير دلوقتي. وفجأة، الأرضية اللي تحتنا بدأت تتهز تاني، بس المرة دي مش السرداب اللي بيتفتح.. ده البيت كله كان بيغرق لتحت، وكأن الأرض بتبلعه باللي فيه.

وفي وسط الرعب ده، ياسين قرب من أبوه بخطوات ثابتة، ومسك إيده، وبصلي بابتسامة خبيثة مكنتش شفتها فيه قبل كدة، وقالي ببرود خالتي هدى.. أنتي لسه مصدقة إن فيه حد فينا كان ضحية؟

وفجأة، حسيت بإيدين كتير بتطلع من تحت الأرض، إيدين شمعية باردة بتمسك رجلي وبتشدني لتحت، وصوت محمود وياسين بقوا يترددوا في ودني بجملة واحدة أهلاً بيكي في عيلتنا الحقيقية.

الإيدين الشمعية كانت بتسحبني بقوة مش طبيعية، والبرودة اللي طالعة منها كانت بتخترق عضمي، وكأنها بتمص الدفا اللي في جسمي كله. حاولت أقاوم، أرفس برجلي، بس الأرضية تحت مني اتحولت لعجينة لزجة بتشدني لقرار البيت. بصيت لعمر، كنت بتمناه يلحقني، بس شفته هو كمان واقف بمنتهى البرود، ملامحه اللي كانت مرعوبة من لحظة اختفت، ووشه بقى زي القناع الخشبي.

حتى أنت يا عمر؟ صرخت والدموع مغرقة وشي. عمر موطاش يلحقني، بالعكس، ده داس على إيدي اللي كانت بتحاول تتشبت بحافة السجادة، وقالي بصوت هادي ومستقر أنتي كنتي وعاء ممتاز يا خالتو.. حنيتك دي هي اللي خلتنا نكبر بسرعة، لولا وجودك كان زماننا لسه مجرد تماثيل في ركن السرداب.

المسافة بيني وبين محمود وياسين كانت بتزيد وأنا بنزل لتحت، محمود ولع عود كبريت، وفي ضوءه الضعيف شفت وشوش ال 9 ولاد وهم محوطني، بس مكنوش ولاد.. كانوا كيانات غريبة، جلودهم بتلمع كأنها مدهونة بالزيت، وعيونهم وسعت لدرجة مخيفة. محمود رمى عود الكبريت في الفتحة اللي أنا بنزل فيها، وهو بيقول النار هي اللي بتشكل الشمع يا هدى.. والنار اللي جواكي هي اللي هتصهرنا كلنا في جسد

واحد.

وقعت فجأة في مكان واسع جداً ومظلم، بس مش هو السرداب اللي شفته من شوية. المكان ده كان ريحته رحم.. ريحة حياة بدائية وقديمة. النور الفوسفوري بدأ يظهر تاني، وشفت إن المكان مليان ممرات مش بتنتهي، وكل ممر فيه تماثيل لناس تانية خالص، ناس مكنتش أعرفهم بس شكلهم كان مألوف، وكأنهم سكان المنطقة اللي اختفوا على مدار السنين.

وفجأة، سمعت صوت زينب تاني، بس مكنش طالع من الست العجوزة، الصوت كان جاي من كل الجدران متخافيش.. الوجع لحظة، والخلود أبدي. حسيت بحاجة سخنة بتنصب فوق راسي، سائل لزوجته عالية وبدأ يغطي كتافي وينزل على جسمي.. شمع.

بدأت أتصلب، حركتي بدأت تتقل، وفي اللحظة اللي الشمع وصل فيها لوشي، شفت ياسين نازل من السلم اللي فوق وهو ماسك في إيده مراية قديمة. وقف قدامي ووجه المراية لوشي وهو بيهمس شوفي نفسك لآخر مرة.. قبل ما تبقى الأم لكل اللي جايين.

في المراية، مشفتش وشي.. شفت وش زينب، وشفت محمود وهو واقف وراها ليلة الحادثة، وشفت الحقيقة اللي كانت غايبة؛ مكنش فيه حادثة، ومكنش فيه اختفاء. محمود وزينب مكنوش بشر، والبيت ده مكنش سكن.. ده كان مصيدة بتدور على قلب طيب يغذيها كل 12 سنة.

الشمع غطى عيني تماماً، ومبقتش شايفة غير سواد، بس سمعت صوت محمود وهو بيقول بوضوح جهزي نفسك يا هدى.. فيه عيلة جديدة جاية بكرة، ولازم تستقبلي التسعة الجداد بضحكتك اللي بتطمن.. زي ما عملت زينب معاكي زمان.

فجأة، حسيت بقلبي بيقف، وبدأت أحس إني بقيت خفيفة.. خفيفة جداً، وكأني بقيت مجرد فكرة.. فكرة بتسكن تمثال. وفوق في الصالة، سمعت صوت تليفون البيت بيرن من تاني، وصوت ياسين وهو بيرد بمنتهى الأدب أيوة يا فندم.. إحنا 9 أطفال يتامى، ومحتاجين حد يرعانا في البيت ده.. حضرتك خالتنا اللي بابا حكالنا عنها؟

ساد الصمت للحظة، صمت تقيل كأنه وزن الجبل اللي انطبق على صدري. وفجأة، سمعت صوت شهقة قوية، كأن روحي بترجع لجسمي من مسافة بعيدة. فتحت عيني، لقيت نفسي واقفة في نص الصالة، النور شغال، والبيت هادي تماماً.. مفيش أثر لمية سودا، ولا سرداب، ولا شمع.

بصيت لإيدي، كانت طبيعية، مفيش أي أثر للحروق أو الشمع المتجمد. كان حلم؟ همست لنفسي وأنا بمسح العرق اللي مغرق وشي. لكن لما رفعت راسي، لقيت ال 9 ولاد واقفين حواليا في دايرة كاملة، سكتين، وعينيهم مركزة عليا بنظرة واحدة غريبة.. نظرة خالية من أي براءة.

ياسين قرب مني، كان لابس هدوم خروج نضيفة وريحته بخور من اللي كانت في السرداب. مد إيده وباس راسي وقال بصوت هادي يقطّع القلب حمد الله على السلامة يا ماما زينب.. أخيراً روحك استقرت في الوعاء الصح.

جسمي اتنفض، وحاولت أقوله أنا خالتك هدى، بس الصدمة لجمت لساني لما بصيت في مراية الصالة.. مكنتش هدى. الملامح اللي في المراية كانت ملامح أختي زينب بالظبط، حتى الحسنة اللي كانت جنب عينها، حتى النبرة اللي طلعت من حنجرتي لما حاولت أصرخ أنا فين؟.

محمود طلع من أوضته، كان لابس بدلة شيك وكأنه رايح مشوار مهم، قرب من المراية وعدّل الكرافتة بتاعته وبص لانعكاسي بابتسامة نصر هدى

 

راحت يا زينب.. الروح الطيبة اللي في هدى هي اللي غدّت جسمك ورجعتلك شبابك. هي دلوقتي اللي نايمة تحت في السرداب، في قالب الشمع اللي كان المفروض يكون ليكي.

فتحت باب الشقة بجنون وعايزة أهرب، عايزة أصوت وألم الناس، بس أول ما خرجت للشارع، وقفت مكاني من الرعب. الشارع كله كان فاضي، والبيوت اللي حوالينا كانت عبارة عن تماثيل ضخمة من الشمع بتسيح تحت المطر. مكنش فيه عالم برا، كان فيه مجرد فراغ وتماثيل تانية كتير بتتحرك ببطء وتقرب من بيتنا.

ياسين وقف جنبي على الباب، حط إيده في إيدي وقال ببرود مرعب متحاوليش يا ماما.. مفيش حد برا بيسمع. إحنا العيلة الوحيدة اللي فاضلة في المكان ده، والنهاردة بالليل، هنبدأ نجمع خالات جداد لباقي الأخوات.

دخلت البيت وأنا بنهار، وقفلت الباب ورايا. بصيت لولادي التسعة اللي ربيتهم بدم قلبي، لقيتهم بيبتسموا ليا نفس الابتسامة اللي كان محمود بيبتسمها. قعدت على الكرسي وأنا حاسة ببرودة بتبدأ تسري في أطرافي، برودة الشمع اللي بيعلن سيطرته على آخر حتة في روحي.

وفي اللحظة دي، رن جرس الباب.. خبطات هادية ومؤدبة. ياسين راح يفتح، وبصيت من بعيد، شفت ست واقفة برا، شايلة شنطة هدومها وبتبكي، وقالت بلوعة أنا هدى.. أخت زينب.. محمود كلمني وقالي إنكم محتاجين حد يراعيكم بعد الحادثة.

بصيت لروحي اللي واقفة برا الباب، وبصيت لمحمود اللي كان بيغني بصوت واطي وهو بيجهز السرداب من جديد، وعرفت إن الدايرة مش هتتقفل أبداً.. وإن هدى اللي برا، هي الضحية اللي جاية ل هدى اللي جوا. أغمضت عيني واستسلمت للشمع اللي بدأ يغطي ملامحي، وأنا بسمع ياسين بيقول للست اللي برا اتفضلي يا خالتو.. البيت بيتك.تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

تسمرت في مكاني، والصوت المكتوم اللي طالع من تحت الأرض كان بيزيد حدة، خبطات رتيبة ومنتظمة كأنها نبض قلب مجهد بيحاول يعافر عشان يطلع للنور. ياسين سحب إيدي وجرني وراه ناحية أوضته، كان بيتحرك زي الآلة، وشه خالي من أي تعبير غير الرعب الصافي. أول ما فتح الباب، ريحة غريبة ضربت في مناخيري، ريحة تراب قديم مخلوط بحاجة زي البخور بس تقيلة وتكتم النفس.

ياسين زق السرير بعزم ما فيه، وظهر تحتيه باركيه خشب مخلوع ومحطوط مكانه سجادة صلاة ة قديمة ومهلهلة. ياسين.. إيه ده؟ إنت بتعمل إيه؟ صرخت فيه وأنا حاسة إن الدنيا بتلف بيا، لكنه مردش، وطى على الأرض وشال السجادة، وظهر تحتها باب خشب صغير سحارة مدهون بنفس لون الأرضية عشان ميتحسش بيه.

بقالها شهر بتنادي عليا يا خالتو.. كل ليلة، من بعد ما كملت ال 16، والصوت مبيسكتش قالها وهو بيشد الحلقة الحديد اللي في الباب. الخشب طلع صوت تزييق يقطع القلب، وفجأة ظهر قدامنا سلم ضيق ونازل لتحت في ضلمة كحل. الخبط وقف فجأة، وحل مكانه صوت نهجان تقيل، صوت حد بيحاول يفتكر إزاي يتنفس.

نزلت أول درجة ورجلي بتترعش، وياسين نور كشاف موبايله. السلم كان آخره أوضة صغيرة جداً، جدرانها متغطية بورق جرايد قديم من سنين فاتت، وفي الركن كان فيه سرير حديد مصدي وقاعدة عليه ست.. شعرها

أبيض طويل ومغطي وشها كله، ولابسة هدوم كانت في يوم من الأيام فستان فرح زينب اللي ضاع ليلتها. الست رفعت راسها ببطء، وعينها لما جت في عيني، صرخت صرخة مكتومة، ومدت إيدها اللي عبارة عن جلد على عضم وقالت بصوت ملهوش علاقة بالبشر تأخرتي ليه يا أختي؟ محمود قال إنك هتيجي تاخدي مكانك عشان أمشي أنا.

 

الكلمة نزلت عليا كأنها صاعقة، رجلي ملمستش الأرض وبقيت ساندة على جدار السرداب البارد وأنا مش مصدقة. آخد مكاني؟ زينب.. أنتي بتقولي إيه؟ صوتي طلع مبحوح، والست اللي قدامي بدأت تضحك ضحكة هستيرية، ضحكة خالية من أي روح، وهي بتشاور بإيدها المرتعشة على ركن الضلمة اللي وراها.

بصيت مطرح ما بتشاور، وشفت حاجة خلت عقلي يطير؛ كان فيه تسع تماثيل من الشمع، معمولين بدقة مرعبة، كل تمثال فيهم نسخة طبق الأصل من واحد من الولاد اللي ربيتهم ال 12 سنة اللي فاتوا، بس التماثيل كانت متوصلة بأسلاك نحاس نازلة من سقف السرداب وغارزة في قلب كل تمثال. محمود مبعش حد يا خالتو.. ياسين نطق الجملة دي وهو واقف ورايا، وصوته فجأة اتغير، بقى غليظ وعميق، محمود كان بيحمينا.. الثمن كان لازم يتدفع، والتبني مكنش لله وللوطن، دول مش أخواتي يا خالتو، دول القرابين اللي كان لازم يعيشوا وسطك عشان ياخدوا من روحك ويغذوا السرداب ده.

الست اللي مفروض إنها أختي قامت وقفت، طولها كان غير طبيعي، وبدأت تقرب مني وهي بتجر رجلها، والريحة التقيلة بقت لا تُطاق. ياسين كبر يا أختي.. وياسين هو الوحيد اللي من دمه، الباقي مجرد أوعية، ودلوقتي الدائرة لازم تتقفل.. أنتي سكنتي بيتي، وربيتي ولاده، ودلوقتي لازم تسكني مكاني عشان أنا أطلع أشوف الشمس اللي نسيت شكلها.

فجأة، الباب الخشب اللي فوق السلم اترزع بقوة، وسمعت صوت قفل بيتقفل من برا. النور اللي كان طالع من كشاف ياسين طفى، وبقينا في ضلمة تامة، مش سامعة فيها غير صوت نهجان الست اللي بتقرب مني، وصوت ياسين وهو بيهمق في ودني بكل برود متخافيش يا خالتو.. أنتي كنتي أم عظيمة، ومحمود مستنيكي فوق عشان يكمل الحكاية.

وفي وسط الضلمة دي، لمست إيد باردة زي التلج رقبتي، وبدأت أصابعها تضغط ببطء وهي بتقول قوليلي.. العيال اتعشوا ولا ناموا جعانين؟

حاولت أصرخ، لكن صوتي اتحبس في حلقي وكأن فيه إيد خفية بتخنق أحبالي الصوتية. الضلمة كانت تقيلة لدرجة إني مكنتش شايفة كف إيدي، بس كنت حاسة بوشها قريب من وشي، ريحة أنفاسها كانت تشبه ريحة الأرض المحروقة. العيال.. العيال كويسين يا زينب.. نطقت الكلمات دي بصعوبة وأنا بحاول أزق إيدها، لكن قوتها كانت مرعبة، قوة مش بشرية أبداً.

فجأة، بدأت التماثيل اللي في الركن تنور بضوء فوسفوري باهت، خيط رفيع من النور طالع من قلب كل تمثال ورايح ناحية السقف، وكأن البيت كله فوقنا بقى متوصل بيهم. مع كل نبضة نور، كنت بسمع صوت عيل من الولاد فوق وهو بيصرخ صرخة قصيرة ومكتومة، كأن حد بيسحب منهم حاجة غالية. ياسين! إلحق أخواتك يا ياسين! نديت عليه وأنا بلف أدور عليه في الضلمة،

لكنه كان اختفى، مكنش فيه غير صوته اللي جاي من كل زاوية في الأوضة مفيش أخوات يا خالتو.. مفيش غير العهد.

الست سابت رقبتي فجأة ووقعت على الأرض وهي بتئن، وجسمها بدأ يتنفض بشكل مرعب. في اللحظة دي، النور الفوسفوري زاد، وشفت الحيطة اللي ورا السرير بتتشقق، وظهر من وراها ممر تاني ضيق جداً، وطالع منه صوت خطوات تقيلة ومنتظمة.. خطوات محمود.

الخطوات كانت بتقرب، ومع كل خطوة كان البيت فوقنا بيتهز كأن فيه زلزال. عشر سنين يا زينب.. عشر سنين وأنا بجهز البديل، صوت محمود جه من الممر، بس مكنش صوته اللي أعرفه، كان صوت خشن ومحشرج زي صوت احتكاك الصخور ببعضها. ظهر محمود من الضلمة، بس مكنش كبر يوم واحد من ليلة الحادثة، لبسه لسه نضيف، وملامحه لسه شباب، وكأنه متجمد في الزمن.

بصلي ببرود مخيف وقال كنتي فاكرة إن الحادثة كانت قضاء وقدر؟ أنا اللي قلبت العربية، وأنا اللي سحبت زينب هنا قبل ما الشرطة توصل، كان لازم الناس تفتكر إننا متنا عشان نعيش الحقيقة هنا.. تحت الأرض. قرب من الست المرمية على الأرض ولمس راسها بحنان مرعب، وبعدين بصلي وعينه اتحولت للون أسود تماماً زينب خلصت طاقتها، والبيت محتاج روح جديدة تشيله.. روح عاشت وحبت وربت بصدق، زيك يا أختي.

ياسين ظهر فجأة جنب أبوه، وماسك في إيده خنجر قديم عليه رموز مكنتش قادرة أفهمها. ياسين.. أنا اللي ربيتك.. قولتله وأنا بنهار، بصلي بكسرة للحظة، لكنه سرعان ما استعاد جموده وقالي عشان كدة أنتي أحسن واحدة للعهد.. دمك هو اللي هيربط التماثيل ببعضها للأبد.

محمود بدأ يتمتم بكلمات غريبة، والتماثيل بدأت تتهز وتتحرك من مكانها، تقرب مني بخطوات خشبية تقيلة، وعيونها الشمعية بدأت تفتح.. وفي اللحظة اللي محمود رفع فيها إيده عشان يديني إشارة النهاية، سمعت صوت خبط عنيف على باب السرداب من فوق، وصوت حد من الولاد برا بيصرخ يا خالتو! ياسين بيحاول يقتلنا! افتحي الباب!

الخبط اللي فوق كان مرعب، وكأن البيت كله بيحاول يتهد على روسنا. محمود اتنفض وملامحه الهاوية اتحولت لغضب جحيمي، بص لياسين وزعق بصوت زلزل جدران السرداب اخلص! العهد بيتهز! لو حد دخل قبل ما الدم يسيل، السقف ده هينزل علينا كلنا!

ياسين رفع الخنجر وإيده كانت بتترعش، الدموع رجعت تلمع في عينه تاني، وكأنه بيصارع وحش جواه. مش قادر يا بابا.. دي خالتو، دي اللي أكلتني ونيمتني في حضنها لما ماما غابت!.. محمود ضربه بالقلم وقعه على الأرض، وسحب الخنجر منه وهو بيقرب مني وعينه مفيهاش ذرة رحمة يبقى أنا اللي هختم العهد.

الست اللي على الأرض زينب بدأت تزحف ناحية رجلي، بس مش عشان تهاجمني، دي كانت بتمسك في طرف جلابيتي وبتهز راسها يمين وشمال كأنها بتستغيث بيا أهرب. فجأة، صوت الخبط فوق اتحول لصوت تكسير خشب، ووقعت حتة من السقف الضيق، ونزل منها عمر، أكبر الولاد، كان ماسك فأس وبينهج وصدره بيعلو ويهبط من الرعب.

عمر شاف المنظر، شاف محمود اللي المفروض ميت، وشاف المسخ اللي كان في يوم من الأيام أمه، وشافني وأنا محشورة

في الزاوية. بابا؟ همس بذهول، لكن محمود مدهوش فرصة يفهم، حدف الخنجر ناحيته بكل قوته. الخنجر مجاش في عمر، جه في واحد من التماثيل الشمع اللي وراه.

في اللحظة دي، حصلت حاجة مكنتش تخطر على بال بشر؛ التمثال لما اتخبط، صرخ صرخة آدمية تقطع القلب، وبدأ دم حقيقي ينزف من الشمع ويغرق الأرضية. فجأة، كل التماثيل التانية بدأت تتحرك بعشوائية وتخبط في بعضها، والخيوط اللي واصلة للسقف بدأت تتشد لدرجة إن البيت فوق بدأ يميل.

محمود صرخ صرخة وجع وكأن روحه هي اللي بتتسحب لا! التوازن باظ! العهد اتكسر!.. الأرض تحتنا بدأت تتشقق وتطلع منها مية سوداء وليها ريحة كبريت. زينب قامت وقفت بجهد خرافي، وبصت لعمر وياسين، وبصوت فيه بحة الموت قالت خدوها واجروا.. المكان ده مش هيتحمل أكتر من كدة.. البيت ده كان سجن، والنهاردة السجن هينفجر.

ياسين قام من على الأرض وسحبني من إيدي، وعمر مسك إيدي التانية، وبدأنا نطلع السلم الضيق والدرجات بتنهار ورانا درجة درجة. بصيت ورايا لآخر مرة، شفت محمود وهو بيحاول يلم الدم اللي نازل من التماثيل بإيده، وزينب واقفة وراه وبتبتسم لي لأول مرة بملامحها القديمة وهي بتهمس سامحيني.

أول ما رجلينا لمست أرضية الأوضة فوق، البيت كله اتهز هزة أخيرة، والسرداب انهار تماماً وبلع كل اللي فيه. وقفنا في الصالة، أنا وال 9 ولاد، بنبص لبعض في ذهول وصمت قاتل، والمطر برا لسه شغال. وف وسط السكوت ده، تليفون البيت رن.. مشينا كلنا ناحيته بخوف، ياسين مد إيده وفتح السبيكر، وجالنا صوت محمود، بس المرة دي كان صوته هادي وطبيعي جداً زي زمان يا ولاد.. أنا خلصت الورق، ومستنيكم برا على الطريق، حد يفتح الباب. تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

بصينا لبعض برعب، وبصينا للباب اللي كان مقفول بالترباس من جوا.. وفجأة، سمعنا صوت مفتاح بيلف في الكالون من برا.

تسمرنا في أماكننا، والأنفاس محبوسة في الصدور. صوت المفتاح وهو بيلف في الكالون كان بيعمل صدى في قلوبنا قبل ودننا، تكة.. وراها تكة.. والباب بدأ يتفتح ببطء شديد. ياسين كان ماسك في إيدي لدرجة إن ضوافره غرزت في جلدي، وعمر رفع الفأس اللي في إيده وهو بيترعش.

الباب اتفتح تماماً، والهوا البارد والمطر دخلوا الصالة، وظهر قدامنا محمود.. بنفس الهدوم اللي خرج بيها من 12 سنة، مبلول من المطر، وفي إيده شنطة أوراقه الجلد. دخل البيت وهو بيمسح المية عن وشه وابتسم ابتسامة باهتة مالكم واقفين كدة ليه؟ كأني شفتوا عفريت؟ قولتلك يا هدى مش هغيب كتير، الطريق كان واقف بس.

بصيت لياسين، وبصيت للسرداب اللي لسه منهار تحتنا والتراب طالع من فتحة الأوضة، إزاي ده يكون محمود؟ وإيه اللي كان تحت ده؟ محمود؟ نطقت اسمه بصوت مهزوز، قرب مني ومد إيده عشان يلمس كتفي، لكن عمر صرخ فيه متقربش! أنت مين؟ اللي تحت ده كان مين؟

محمود عقد حواجبه باستغراب، وبص للحفرة اللي في أوضة ياسين ووشه فجأة اتحول لجمود غريب، الابتسامة اختفت وحل مكانها نظرة خالية من أي مشاعر. آه.. لحقتوا تفتحوا الهدايا؟ قالها ببرود وهو بيقفل باب الشقة وراه وبيرمي الترباس. كنت فاكر إن

 

العهد هياخد وقت أكتر من كدة عشان يتفعل، بس الظاهر إن شوقكم لزينب كان أقوى من صبري.

وفجأة، النور قطع في البيت كله، وما بقيناش شايفين غير ضوء البرق اللي بيخطف العين من الشبابيك. وسط الضلمة، سمعنا صوت ضحكات أطفال جاية من كل ركن في الصالة، بس مكنتش ضحكات ولادي التسعة اللي واقفين جنبي.. دي كانت ضحكات تانية، رفيعة ومستفزة. أنا مجبتش أوراق يا هدى، صوت محمود كان بيتحرك في الصالة وكأنه في كل مكان في نفس الوقت، أنا جبت الباقي.. التماثيل اللي تحت كانت محتاجة أرواح عشان تنطق، والنهاردة البيت هيكمل عيلته.

ياسين ولع كشاف موبايله بسرعة، والنور جه على ركن الصالة.. شفت ال 9 ولاد بتوعي واقفين، بس ملامحهم كانت بتمسح، عيونهم بتختفي ويحل مكانها شمع أبيض بيسيح على وشوشهم. صرخت صرخة شقت السكون ووقعت على ركبي ولادي! عملت فيهم إيه يا محمود؟

محمود ظهر من ورايا، وهمس في ودني وهو بيحط إيده على راسي بنعومة مرعبة دول مكنوش ولادك أبداً يا هدى.. دول كانوا صيادين، وظيفتهم يجمعوا سنين عمرك وحنيتك ويخزنوها في السرداب عشان زينب ترجع شباب.. بس بما إن السرداب انهار، فإحنا هنغير الخطة.

بصيت لياسين، الوحيد اللي ملامحه لسه زي ما هي، وكان واقف بيبص لأبوه بذهول. محمود كمل وهو بيشاور على ياسين ياسين هو المفتاح.. هو اللي هيفتح الباب الكبير دلوقتي. وفجأة، الأرضية اللي تحتنا بدأت تتهز تاني، بس المرة دي مش السرداب اللي بيتفتح.. ده البيت كله كان بيغرق لتحت، وكأن الأرض بتبلعه باللي فيه.

وفي وسط الرعب ده، ياسين قرب من أبوه بخطوات ثابتة، ومسك إيده، وبصلي بابتسامة خبيثة مكنتش شفتها فيه قبل كدة، وقالي ببرود خالتي هدى.. أنتي لسه مصدقة إن فيه حد فينا كان ضحية؟

وفجأة، حسيت بإيدين كتير بتطلع من تحت الأرض، إيدين شمعية باردة بتمسك رجلي وبتشدني لتحت، وصوت محمود وياسين بقوا يترددوا في ودني بجملة واحدة أهلاً بيكي في عيلتنا الحقيقية.

الإيدين الشمعية كانت بتسحبني بقوة مش طبيعية، والبرودة اللي طالعة منها كانت بتخترق عضمي، وكأنها بتمص الدفا اللي في جسمي كله. حاولت أقاوم، أرفس برجلي، بس الأرضية تحت مني اتحولت لعجينة لزجة بتشدني لقرار البيت. بصيت لعمر، كنت بتمناه يلحقني، بس شفته هو كمان واقف بمنتهى البرود، ملامحه اللي كانت مرعوبة من لحظة اختفت، ووشه بقى زي القناع الخشبي.

حتى أنت يا عمر؟ صرخت والدموع مغرقة وشي. عمر موطاش يلحقني، بالعكس، ده داس على إيدي اللي كانت بتحاول تتشبت بحافة السجادة، وقالي بصوت هادي ومستقر أنتي كنتي وعاء ممتاز يا خالتو.. حنيتك دي هي اللي خلتنا نكبر بسرعة، لولا وجودك كان زماننا لسه مجرد تماثيل في ركن السرداب.

المسافة بيني وبين محمود وياسين كانت بتزيد

وأنا بنزل لتحت، محمود ولع عود كبريت، وفي ضوءه الضعيف شفت وشوش ال 9 ولاد وهم محوطني، بس مكنوش ولاد.. كانوا كيانات غريبة، جلودهم بتلمع كأنها مدهونة بالزيت، وعيونهم وسعت لدرجة مخيفة. محمود رمى عود الكبريت في الفتحة اللي أنا بنزل فيها، وهو بيقول النار هي اللي بتشكل الشمع يا هدى.. والنار اللي جواكي هي اللي هتصهرنا كلنا في جسد واحد.

وقعت فجأة في مكان واسع جداً ومظلم، بس مش هو السرداب اللي شفته من شوية. المكان ده كان ريحته رحم.. ريحة حياة بدائية وقديمة. النور الفوسفوري بدأ يظهر تاني، وشفت إن المكان مليان ممرات مش بتنتهي، وكل ممر فيه تماثيل لناس تانية خالص، ناس مكنتش أعرفهم بس شكلهم كان مألوف، وكأنهم سكان المنطقة اللي اختفوا على مدار السنين.

وفجأة، سمعت صوت زينب تاني، بس مكنش طالع من الست العجوزة، الصوت كان جاي من كل الجدران متخافيش.. الوجع لحظة، والخلود أبدي. حسيت بحاجة سخنة بتنصب فوق راسي، سائل لزوجته عالية وبدأ يغطي كتافي وينزل على جسمي.. شمع.

بدأت أتصلب، حركتي بدأت تتقل، وفي اللحظة اللي الشمع وصل فيها لوشي، شفت ياسين نازل من السلم اللي فوق وهو ماسك في إيده مراية قديمة. وقف قدامي ووجه المراية لوشي وهو بيهمس شوفي نفسك لآخر مرة.. قبل ما تبقى الأم لكل اللي جايين.

في المراية، مشفتش وشي.. شفت وش زينب، وشفت محمود وهو واقف وراها ليلة الحادثة، وشفت الحقيقة اللي كانت غايبة؛ مكنش فيه حادثة، ومكنش فيه اختفاء. محمود وزينب مكنوش بشر، والبيت ده مكنش سكن.. ده كان مصيدة بتدور على قلب طيب يغذيها كل 12 سنة.

الشمع غطى عيني تماماً، ومبقتش شايفة غير سواد، بس سمعت صوت محمود وهو بيقول بوضوح جهزي نفسك يا هدى.. فيه عيلة جديدة جاية بكرة، ولازم تستقبلي التسعة الجداد بضحكتك اللي بتطمن.. زي ما عملت زينب معاكي زمان.

فجأة، حسيت بقلبي بيقف، وبدأت أحس إني بقيت خفيفة.. خفيفة جداً، وكأني بقيت مجرد فكرة.. فكرة بتسكن تمثال. وفوق في الصالة، سمعت صوت تليفون البيت بيرن من تاني، وصوت ياسين وهو بيرد بمنتهى الأدب أيوة يا فندم.. إحنا 9 أطفال يتامى، ومحتاجين حد يرعانا في البيت ده.. حضرتك خالتنا اللي بابا حكالنا عنها؟تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

ساد الصمت للحظة، صمت تقيل كأنه وزن الجبل اللي انطبق على صدري. وفجأة، سمعت صوت شهقة قوية، كأن روحي بترجع لجسمي من مسافة بعيدة. فتحت عيني، لقيت نفسي واقفة في نص الصالة، النور شغال، والبيت هادي تماماً.. مفيش أثر لمية سودا، ولا سرداب، ولا شمع.

بصيت لإيدي، كانت طبيعية، مفيش أي أثر للحروق أو الشمع المتجمد. كان حلم؟ همست لنفسي وأنا بمسح العرق اللي مغرق وشي. لكن لما رفعت راسي، لقيت ال 9 ولاد واقفين حواليا في دايرة كاملة، سكتين، وعينيهم مركزة عليا

بنظرة واحدة غريبة.. نظرة خالية من أي براءة.

ياسين قرب مني، كان لابس هدوم خروج نضيفة وريحته بخور من اللي كانت في السرداب. مد إيده وباس راسي وقال بصوت هادي يقطّع القلب حمد الله على السلامة يا ماما زينب.. أخيراً روحك استقرت في الوعاء الصح.

جسمي اتنفض، وحاولت أقوله أنا خالتك هدى، بس الصدمة لجمت لساني لما بصيت في مراية الصالة.. مكنتش هدى. الملامح اللي في المراية كانت ملامح أختي زينب بالظبط، حتى الحسنة اللي كانت جنب عينها، حتى النبرة اللي طلعت من حنجرتي لما حاولت أصرخ أنا فين؟.

محمود طلع من أوضته، كان لابس بدلة شيك وكأنه رايح مشوار مهم، قرب من المراية وعدّل الكرافتة بتاعته وبص لانعكاسي بابتسامة نصر هدى راحت يا زينب.. الروح الطيبة اللي في هدى هي اللي غدّت جسمك ورجعتلك شبابك. هي دلوقتي اللي نايمة تحت في السرداب، في قالب الشمع اللي كان المفروض يكون ليكي.

فتحت باب الشقة بجنون وعايزة أهرب، عايزة أصوت وألم الناس، بس أول ما خرجت للشارع، وقفت مكاني من الرعب. الشارع كله كان فاضي، والبيوت اللي حوالينا كانت عبارة عن تماثيل ضخمة من الشمع بتسيح تحت المطر. مكنش فيه عالم برا، كان فيه مجرد فراغ وتماثيل تانية كتير بتتحرك ببطء وتقرب من بيتنا.

ياسين وقف جنبي على الباب، حط إيده في إيدي وقال ببرود مرعب متحاوليش يا ماما.. مفيش حد برا بيسمع. إحنا العيلة الوحيدة اللي فاضلة في المكان ده، والنهاردة بالليل، هنبدأ نجمع خالات جداد لباقي الأخوات.

دخلت البيت وأنا بنهار، وقفلت الباب ورايا. بصيت لولادي التسعة اللي ربيتهم بدم قلبي، لقيتهم بيبتسموا ليا نفس الابتسامة اللي كان محمود بيبتسمها. قعدت على الكرسي وأنا حاسة ببرودة بتبدأ تسري في أطرافي، برودة الشمع اللي بيعلن سيطرته على آخر حتة في روحي.

وفي اللحظة دي، رن جرس الباب.. خبطات هادية ومؤدبة. ياسين راح يفتح، وبصيت من بعيد، شفت ست واقفة برا، شايلة شنطة هدومها وبتبكي، وقالت بلوعة أنا هدى.. أخت زينب.. محمود كلمني وقالي إنكم محتاجين حد يراعيكم بعد الحادثة.

بصيت لروحي اللي واقفة برا الباب، وبصيت لمحمود اللي كان بيغني بصوت واطي وهو بيجهز السرداب من جديد، وعرفت إن الدايرة مش هتتقفل أبداً.. وإن هدى اللي برا، هي الضحية اللي جاية ل هدى اللي جوا. أغمضت عيني واستسلمت للشمع اللي بدأ يغطي ملامحي، وأنا بسمع ياسين بيقول للست اللي برا اتفضلي يا خالتو.. البيت بيتك.

فتحت هدى اللي واقفة على الباب الشنطة عشان تطلع مناديل تمسح دموعها، وفي اللحظة دي، شفت في عينها لمعة غريبة مكنتش موجودة فيا.. لمعة ذكاء وقوة مش انكسار. فجأة، الست دي ممدتش إيدها تسلم على ياسين، لكنها طلعت من الشنطة مصحف صغير ومبخره قديمة نحاس، وبدأت

بصوت جهوري يهز حيطان البيت تقرأ آيات من القرآن الكريم بصوت فيه ثبات يزلزل الأرض.

ياسين اتنفض ورجع لورا وهو بيصرخ صرخة مكتومة، وملامحه بدأت تسيح فعلاً بس مش عشان يبقى شمع، ده كان بيتحلل زي الدخان الأسود. محمود خرج من الأوضة وهو بيحاول يمنعها، لكنه أول ما قرب منها، النور اللي طالع من المصحف اللي في إيدها خلاه يتراجع وهو بيغطي وشه كأن النار بتاكل فيه.

أنا مش هدى يا محمود.. وأنا مش الضحية الجديدة، الست دي قالتها وهي بتدخل البيت بكل ثبات، أنا نورا.. الحفيدة اللي زينب بعتت لها رسالة في أحلامها من سنين، أنا اللي درست وراكم وعرفت إن البيت ده مش محتاج روح، البيت ده محتاج حق يرجع لأصحابه.

فجأة، الأرضية اللي كانت بتسحبني اتهزت بقوة، بس المرة دي الحفرة بدأت تطلع نور أبيض صافي. الست اللي كانت تحت زينب الحقيقية طلعت من السرداب، بس مكنتش عجوزة ولا مسخ، كانت روح بيضاء رقيقة. نورا كملت قراءتها، وفجأة التماثيل الشمع اللي في الأركان بدأت تتكسر وتتحول لتراب، ومع كل تمثال بيتكسر، كان واحد من الولاد بيفوق كأنه كان في غيبوبة، وعيونهم بترجع طبيعية مليانة دموع حقيقية.

محمود انكمش في ركن الصالة لحد ما بقى مجرد خيال باهت واختفى تماماً مع أول خيط شمس شق سماء الصالة، وكأن الفجر طلع فجأة عشان ينهي ليل بقاله 12 سنة. ياسين وقع على الأرض وهو بيبكي بجد خالتو هدى؟ أنا كنت فين؟ أنا حاسس إني كنت في كابوس طويل!

رجعت لملامحي الطبيعية، ورجعت هدى اللي أعرفها. جربت المس وشي، لقيت دموعي دافية وصادقة. نورا قربت مني وطبطبت على كتفي خلاص يا هدى.. العهد انكسر، ومحمود والكيانات اللي معاه رجعوا لمكانهم. زينب دلوقتي ارتاحت.

بصيت لزينب وهي بتتبخر في الهوا بابتسامة حقيقية، كأنها بتودعني وبتشكرني على ال 12 سنة اللي حمتلهم فيها ولادها. البيت رجع هادي، ريحة البخور والتراب اختفت وحل مكانها ريحة المطر والورد اللي في البلكونة.

خدت التسع ولاد في حضني، وكان المرة دي حضن حقيقي، مفهوش خوف ولا غموض. نورا فتحت الشبابيك كلها، والشمس دخلت ملت المكان دفى. وبصينا كلنا للطريق الصحراوي اللي كان في يوم سبب الوجع، ولقينا عربيات الشرطة والإسعاف جاية، مش عشان بلاغ عن حادثة، لكن عشان نورا كانت مبلغاهم ييجوا يفتحوا بيت كان مقفول على أسرار ميتة.

خرجنا كلنا من الباب، ولأول مرة من 12 سنة، محستش بالخوف وأنا بقفل الباب ورايا. مشينا في النور، والولاد بيضحكوا ضحكهم الطبيعي اللي كنت بفتقده، وعرفت إن الحنية والصدق اللي ربيتهم بيهم هما اللي كانوا الدرع اللي حمى البيت لحد ما الحق ظهر.

والنهاية مكنتش في السرداب.. النهاية كانت في اللمة الحقيقية على سفرة واحدة، في بيت جديد، تحت عين الشمس، ومن غير أي أسرار.

تمت

بقلم انجي الخطيب

 

تعليقات

التنقل السريع
    close