القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 سمُّ المظاهر كامله بقلم انجي الخطيب



سمُّ المظاهر كامله بقلم انجي الخطيب


الجزء الأول: تحت رجلين البرج

في ناس فاكرة إنها كسبت الحرب لمجرد إنهم شافوك في لحظة انكسار.. "إسماعيل الدمنهوري" كان واحد من الناس دي.

في الصبحية دي، إسماعيل كان حاسس بانتصار ملوش أول من آخر. بعد خمس سنين من الطلاق، القدر رماه في طريق طليقته صدفة.. بس مش في مطعم شيك، ولا في حفلة ساهرة، ولا في أي مكان يخليها ترفع راسها وتقول "أنا بخير".

شافها ببدلة تنظيف رمادية، واقفة قدام برج "الجوهرة" العملاق في شارع التسعين بالتجمع الخامس.. كانت بتكنس الرصيف في هدوء بعد زحمة الموظفين الصبح.

في اللحظة دي، إسماعيل حس إن الدنيا رجعت في إيده تاني، وإن كرامته اللي اتهانت زمان رجعتله وهو شايفها "خدامة".

"إنجي" مكنتش تتخيل أبداً إنها تقابل إسماعيل بالمنظر ده.. خصوصاً وهي ماسكة المقشة قدام واحد من أغلى وأفخم الأبراج الإدارية في مصر كلها.

الجو كان لسه فيه نسمة برد، والتجمع كان صاخب كالعادة.. أصوات الكلاكسات، طقطقة جزم الستات على الرخام، وهمسات الموظفين عن الصفقات والبورصة


والترقيات والفلوس. وفي وسط الهيلمة دي، كانت "إنجي" موطية راسها بتكنس في صمت، كأنها واحدة من العمال اللي مفيش حد بيفتكر ملامحهم بعد ثانيتين.

الاختفاء ده هو اللي أنقذها.. السنين اللي فاتت علمتها إن الهدوء هو اللي بيخليها تعيش وتربي ولادها بعيد عن العالم اللي كسر قلبها نصين.

قبل ما تنزل من بيتها الهادي في "المعادي"، وقفت كتير جنب سرير ولادها.. "تامر" وهو حاضن الدبدوب المقطوع بتاعه، و"ليلى" وهي نايمة وشعرها مفرود على المخدة وإيدها لسه على قصص "ميكي" اللي كانت بتقراها. باستهم في جبينهم وهمست: "ماما رايحة الشغل.. مش هتأخر عليكم".

دي كانت حياتها في الخمس سنين الأخيرة.. تصحى قبل الفجر، تروح أماكن محدش يتوقعها، تشتغل في صمت، تمضي أوراق، تدير أملاك، تخبي اسم عيلتها الحقيقي.. وتسيب العالم كله يصدق إن "إنجي" ضاعت واتدمرت بعد الطلاق.

محدش كان يعرف الحقيقة.. بعد وفاة والدتها، وبعدها والدها اللي كان بينهم جفاء سنين ومات فجأة بأزمة قلبية، ورثت منه كل حاجة.

مش بس

فلوس.. أراضي، أسهم في شركات، سلسلة محلات، وأبراج إدارية في أرقى حتت في القاهرة.. ومن ضمنهم "برج الجوهرة" اللي كانت بتكنس قدامه.

إنجي اتعلمت درس غالي أوي: **"الفلوس بتخلي الناس توصلك.. لكن الصمت بيخليك تعرف حقيقة الناس."**

وفعلاً، الحقيقة نزلت قدامها من عربية "مرسيدس" سودة فامييه.

نزل منها راجل شيك جداً، لبسه غالي، ريحته كانت لسه بتفكرها بالوجع القديم.. "إسماعيل الدمنهوري".

الراجل اللي وعدها بالحب للأبد، وكان أول واحد باعها لما وقعت.. الراجل اللي مضّاها على ورق الطلاق وهي لسه في المستشفى بعد ما جالها انهيار عصبي.. الراجل اللي ساب محاميه يطردها من الشقة ومن حياته ببرود.

ومن الباب التاني، نزلت واحدة تانية.. شعر أشقر متصفف بالملي، روج أحمر صارخ، فستان ضيق، وجزمة براند.. "نيرمين السيوفي"، خطيبته الجديدة. واحدة من بتوع المنظرة والطبقات الأرستقراطية اللي بتعرف تبتسم في وشك وهي بتغرز السكينة في ضهرك.

نيرمين عينيها وقعت على "إنجي".. ضحكت باستخفاف.

إسماعيل

بص مطرح ما هي بتبص.. وتجمد في مكانه.

"إنجي؟"

قال اسمها كأنه مش مصدق إن الكائن ده لسه موجود في كوكبه.

إنجي رفعت راسها ببطء.. ملامحها كانت ثابتة، مفيش فيها رعشة واحدة، ولا ذرة خوف.

"أهلاً.. عاش من شافك."

نيرمين قلعت النضارة وبصتلها من فوق لتحت.. البدلة الرمادي، الجوانتي، الجزمة القديمة.. وقالت بصوت عالي عشان اللي ماشي يسمع:

"يا خبر! معقولة؟ إسماعيل كان بيقولي إنك كنتِ من عيلة بسيطة، بس مش لدرجة كنس الشوارع! بجد حاجة تقطع القلب."

الموظفين بدأوا يهدوا خطواتهم.. أمن البرج بدأ يركز.. وإسماعيل، رغم الاحراج، فضل إنه يركب الموجه عشان يحس بانتصاره.

عدل جاكت بدلتة وقال: "على الأقل بتشتغل.. أحسن ما تعيش على أطلال الماضي."

نيرمين ضحكت: "لو مكاني، كنت هموت من الكسوف لو طليقي شافني بالمنظر ده.. بعد ما كنتِ ساكنة في بنتهاوس، تقعي الوقعة دي؟ صعبة أوي."

إنجي بصت في عينيهم وقالت بهدوء مخيف: "إنت لسه زي ما إنت يا إسماعيل.. لازم تدوس على غيرك عشان تحس إنك عالي."

إسماعيل وشّه اتغير: "قصدك إيه؟"

 

"قصدي إنك لسه مهزوز.. أنا بشتغل بشرفي، مابسرقش، ومابخونش حد آمن لي."

نيرمين ابتسمت بسخرية: "دي اسمها الحقيقة يا حبيبتي.. إنتِ دلوقتي في القاع."

إنجي قلعت الجوانتي بتاع الشغل ببرود، طبقته، وبصت في ساعتها وقالت: "المعاد قرب."

نيرمين كشرت: "معاد إيه؟"

إنجي ابتسمت لأول مرة.. ابتسمة غامضة:

"كمان نص ساعة.. هتفهموا كل حاجة."

إسماعيل سخر منها بكلمة، ونيرمين ضحكت، ودخلوا هما الاثنين البرج بكل غطرسة، وهمّ فاكرين إنهم وجهوا لـ"إنجي" الضربة القاضية.

ميعرفوش إن البرج اللي داخلينه ده.. هو ملك الست اللي كانت بتكنس قدامه.

**الجزء الثاني: صاحبة البيت**

"إسماعيل" و"نيرمين" دخلوا البرج وهما ماشيين على الرخام وكأنهم ممتلكين المكان، ميعرفوش إن البرود اللي قابلتهم بيه "إنجي" مكنش برود انكسار، ده كان "هدوء ما قبل العاصفة".

إنجي فضلت واقفة مكانها، بصت للسما، خدت نفس طويل، وطلعت موبايلها من جيب البدلة الرمادي.. اتصلت برقم متسجل عندها باسم "الأستاذة لمياء - المحامية".

"أيوة يا لمياء.. جهزي الإنذار. النهاردة هقفل الحنفية اللي بتغذي الأوهام دي."

لمياء ردت بصوت عملي: "كل حاجة جاهزة يا إنجي


هانم.. الـ 30 يوم مهلة إخلاء الشقة هتبدأ من بكرة، والتحويلات البنكية لشركة إسماعيل هتوقف بقرار رسمي النهاردة.. بس إنتِ متأكدة؟"

إنجي ردت وهي بتبص لمدخل البرج: "أنا مكنتش متأكدة من حاجة في حياتي قد ما أنا متأكدة دلوقتي.. الفلوس كانت مغطية على قذارة النفوس، والنهاردة الحقيقة هتبان عريانة."

بعد نص ساعة بالظبط، إسماعيل كان قاعد في مكتبه الفخم في الدور الـ 20، بيشرب قهوته وهو بيحكي لنيرمين عن "إنجي" وإزاي كانت "عبء" عليه زمان، وإزاي القدر أنصفه وخلاها تمسح رصيف مكتبه.

انجي الخطيب 

فجأة، الباب خبط.. دخل مدير أمن البرج، ومعاه اتنين موظفين من الإدارة المالية.

إسماعيل قام بترحيب: "أهلاً يا متر.. خير؟ الأوراق اللي طلبتها جهزت؟"

مدير الأمن بص للأرض بإحراج وقال: "يا إسماعيل بيه.. إحنا جالنا تعليمات فورية بإنهاء تعاقد شركتك مع البرج هنا.. وكمان في خطاب رسمي بخصوص شقة الزمالك اللي حضرتك ساكن فيها."

إسماعيل ضحك بسخرية: "إنت بتقول إيه يا راجل إنت؟ أنا دافع تأمين ولسه مخلصين العقود.. مين اللي يقدر ينهي التعاقد ده؟"

الموظف المالي رد بهدوء: "المالك الجديد يا فندم.. قصدي المالك


الحقيقي اللي إحنا بنتعامل معاه من سنين بالوكالة.. "مدام إنجي الخشاب" قررت تسحب كل التسهيلات."

نيرمين وقفت مذهولة: "إنجي مين؟ الشغالة اللي برة؟"

في اللحظة دي، الباب اتفتح.. دخلت "إنجي".

بس مكنتش لابسة البدلة الرمادي.. كانت قلعت الجاكيت، وسابت شعرها، ولابسة نضارة شمس شيك جداً، وفي إيدها الملف الجلدي اللي فيه عقود الملكية.

إنجي مشيت بخطوات ثابتة لحد ما وقفت قدام مكتب إسماعيل.. بصت له بنظرة مفيش فيها غل، كان فيها "شفق":

"المكان ده ملقش بيا يا إسماعيل كزوجة.. بس يليق بيا جداً كمالكة."

إسماعيل كان بيحاول ينطق، بس لسانه اتجمد.. "إنجي.. إزاي؟ إنتِ كنتِ بتكنسي برة!"

إنجي ابتسمت: "كنت بشوف بيتي.. كنت بشوف البرج اللي والدي سابهولي وتعب فيه سنين.. كنت بختبر نظرة الناس للشخص لما يقلع القناع الشيك.. وشفتك إنت ونيرمين بوضوح."

نيرمين حاولت تلم الموقف: "أكيد في سوء تفاهم.. إحنا.."

إنجي قاطعتها ببرود: "مفيش سوء تفاهم.. الشقة اللي إنتِ بتختاري فيها الستاير دلوقتي ملكي.. والعربية اللي جيتوا بيها النهاردة متأمن عليها من شركة تبعي.. وحتى البرستيج اللي إسماعيل عايش فيه، كان متغطي باسم

عيلتي."

بصت لإسماعيل وقالت: "إنت مكنتش غني يا إسماعيل.. إنت كنت "مدير" لثروتي من غير ما تعرف.. والمدير اللي يقل أدبه على صاحبة البيت، ملوش مكان غير الشارع."

إنجي سابتهم وخرجت.. سابت إسماعيل وهو بيتحول لراجل صغير جداً قدام موظفيه، ونيرمين وهي بتبص له بقرف وكأنها بدأت تدور على ضحية تانية.

رجعت إنجي لبيتها في المعادي.. لمت ولادها في حضنها.. تامر وليلى.. وحست لأول مرة إن الهوا اللي بتنفسه "نضيف".

بعد شهر، إسماعيل ساب الشقة، وبدأ يغرق في ديون كانت الثروة دي مدارية عليها.. ونيرمين سابته في أول محطة.

أما إنجي، ففتحت مطعم صغير في المعادي.. مش عشان الفلوس، بس عشان ترجع لروح "إنجي" القديمة اللي كانت بتحب المطبخ وريحة الأكل.. الناس كانت بتجيلها مخصوص، مش عشان هي صاحبة أبراج، لكن عشان روحها اللي بقت "حرة".

في يوم، شافت إسماعيل معدي من قدام المطعم.. كان باين عليه التعب والكسرة.. مديتلوش إيدها، ولا شمتت فيه.. بس بصت لساعتها، وابتسمت نفس الابتسامة بتاعة يوم البرج.. وقالت لنفسها:

**"الكرامة غالية أوي.. والناس اللي بتبيعها عشان المظاهر، بيكتشفوا في الآخر إنهم كانوا بيفرشوا بيتهم برمل."**

**النهاية.**

بقلم انجي الخطيب 

 

تعليقات

التنقل السريع
    close