المهانة
المهانة
الجزء الأول القناع والسكينة
جوزي رزّع وشي في تورتة عيد ميلاد ابننا.. وماكنش عارف هو بيذل مين بالظبط!
الموضوع ماكنش صدفة.
ولا كان هزار.
عملها ببطء.. بمنتهى القسوة.. وقدام الكل.
والألعن من كل ده؟ إن مراته التانية هي اللي كانت واقفة بتصور فيديو.
أنا قضيت أربعة أيام بجهز في التورتة دي.. أربعة أيام كاملة.
أول واحدة باظت مني عشان فتحت الفرن بدري، رميتها وبدأت من جديد. كنت بوفق بين الغسيل، ومذاكرة الولد، وشغلي، ومواعين المطبخ، وبين الخرس الزوجي اللي كان فارضه عليا من ساعة ما اتجوز عليا نهى من شهرين.
بس استتحملت وكملت.. عشان خاطر ياسين.
ياسين ابني، اللي تم ست سنين.. حتة من قلبي.
كان نفسه في تورتة زرقاء وعليها نجوم، وكنت عايزة يومه يبقى مثالي، حتى لو البيت بقاله كتير مشافش يوم عدل.
الحفلة كانت في جنينة بيتنا.. بالونات زرقاء، حلويات رصيتها بدقة، وسماعة صغيرة مشغلة أغاني أطفال.
معازيم كتير.. ناس بتبتسم لجوزي بس عمرهم ما بصوا في وشي بجد.
جوزي هشام المنشاوي.. فنان في التمثيل.
قدام الناس، هو الشخص اللطيف، الكريم، الزوج المثالي اللي فاتح بيتين ومعدل بينهم.
لكن ورا الأبواب المقفولة، هو عارف بالظبط يضغط فين عشان يخليني أحس إني ولا حاجة قدام الجديدة.
في اليوم ده، وياسين واقف قدام تورتته بيصقف بفرحة، هشام وقف جنبي وبنفس الابتسامة اللي اتعلمت أخاف منها..
ياسين طفى الشمع.. والكل صقف.
ضحكت عشان خاطر ابني.. وفي ثانية لقيت إيد هشام على قفايا.
في الأول افتكرت هيحضني.. بس لمحت صورته في مراية الشباك.
وعرفت.. دي مش مداعبة، ولا
احتفال.. ده غل.
وقبل ما أتحرك، كبس بإيده بكل قوته.. وغطس وشي في قلب التورتة.
الكريمة دخلت في مناخيري.. في بوقي.. في عيني. سناني خبطت في حاجة ناشفة تحت الطبقات.
وما شالش إيده فوراً.. ودي الحاجة اللي عمري ما هنساها.
ثبت راسي ثواني.. ثواني كفاية إن الكل يفهم إن ده مش هزار.
ثواني كفاية إن ابني يصرخ.. والجنينة كلها تسكت سكتة موت.
وبعدين سمعت ضحكة.
ضحكة واحدة.. حادة.. وشماتة واضحة.
نهى.. مراته التانية اللي صمم يحضرها العيد ميلاد عشان نكون عيلة واحدة.
كانت واقفة ماسكة موبايلها، بتصور ذلي ثانية بثانية، وعينها بتقولي شوفتي مين فينا الغالية؟
هشام أخيراً ساب راسي، وقال ببرود فكّي كدة.. متبقيش درامية وتنكدي علينا في اليوم ده.
حماتي ربعت إيدها وقالت كانت محتاجة تتهز شوية عشان تعرف إن فيه غيرها مالي عين جوزها.
شوية من المعازيم ضحكوا بإحراج، والباقي بص في الأرض.
محدش ساعدني.. ولا واحد.
إلا ابني.
ياسين نزل من على كرسيه وجري عليا وهو بيتكعبل في جزمته ماما! ماما!
حضن رجلي وهو بيعيط بحرقة.
في اللحظة دي، فيه حاجة جوايا سكتت تماماً.
مصرختش.. ملمتوش.. ممدتش إيدي عليه.
أنا بس بصيت لكل اللي واقفين، والكريمة على وشي وابني بيترعش تحت رجلي.. وفهمت.
هما مش مصدومين من اللي حصل.. هما مصدومين إني أخيراً شوفتهم على حقيقتهم.
خدت ابني في حضني ودخلت البيت من غير ولا كلمة.
ورايا، الحفلة كملت.. والضحك زاد.. وكأنهم بيحتفلوا بهزيمتي.
داخل الحمام، قفلت الباب بالمفتاح.
بصيت لنفسي في المراية.. الكريمة مغطية وشي، وشفتي بتنزف.
بس عيني كانت متغيرة.
لأول مرة من سنين، مشوفتش الزوجة الأولى المكسورة ولا الست اللي خايفة بيتها يتخرب.
أنا شوفت واحدة اتهانت بالقصد قدام ضرتها.. وده إحساس بيحرق أي خط رجعة.
ياسين كان لسه بيعيط ويسألني ماما.. إنتي بتوجعك؟
بصيت له ومسحت الكريمة من على عيني وقلت بصوت أبرد مما كنت أتخيل لأ يا حبيبي.. مفيش حاجة هتوجعني تاني.
ليلتها، متخانقتش مع هشام.. ولا حتى لما دخل ينام في أوضة نهى وهو بيضحك.
الساعة 3 الصبح، عملت مكالمة مكلمتهاش من سنين.
الصوت جالي من الناحية التانية.. صوت السيوفي الكبير.
أيوة؟
غمضت عيني وقلت يا بابا.. ده أنا.. صابرين.
سكت لحظة، وبعدين صوته هدي وقال كنت مستني المكالمة دي من يوم ما قفلتي بابي وراكي.
قلت بجمود الحساب تقل يا بابا.. وعايزة حقي.
رد بكلمة واحدة هزت كياني حضري شنطتك.. الأرض هتتهد تحتهم الصبح.
تاني يوم، هشام صحي لقى البيت مهجور.
لا مراته الكبيرة، ولا ابنه.. لا لبس، ولا دهب، ولا صور.
بس ورقة على السفرة مكتوب فيها
أنت مكسرتنيش.. أنت فوقتني لبنت السيوفي اللي كنت نسيتها.
بعد تلات أيام، بدأ هشام يفهم.
حسابه في البنك اتقفل.. العربية اتسحبت بموجب توكيل قديم كنت لغيت مفعوله.. وشغله اللي كان قايم على اسم عيلتي انتهى.
تليفونه مابقاش يرن..
والكل خلع منه.
لأني مكنتش مجرد صابرين الغلبانة اللي بيجيب عليها ضرة.
أنا صابرين السيوفي.. اللي باعت الدنيا عشانه، وجاية دلوقتي تشتري موته بالحيا.
لما هشام عرف يوصلي أخيراً، كان جاي يمثل دور الزوج النادم..
بس لما شافني واقفة في مكتب والدي، وحواليا جيش من المحامين..
عرف إن الست
اللي غطس وشها في التورتة دفنت نفسها وطلعت مكانها السيوفي اللي مبترحمش.
الجزء الثاني والنهائي
هشام فضل باصصلي ومبرق عينه.. الصدمة كانت لجمت لسانه. هو كان فاكر إنه هيجي ويقعد، ويبدأ مسلسل الترقيع بتاعه، وإني في الآخر هبكي وأسامحه زي كل مرة. بس المرة دي كانت مختلفة. مكنش قدامه صابرين، كان قدامه السيوفي بكل جبروتها.
فتحت درجي الهادي وطلعت منه ورقة.. ورقة صغيرة بس مفعولها أقوى من الرصاص. حطيتها قدامه على المكتب وقلتله بهدوء مميت دي دعوى خلع.. امضي عليها وأنت ساكت، ومشوفش وشك تاني في بيتي أو بيت السيوفي.
هشام مسك الورقة وإيده بتترعش.. بص فيها، وبص عليّ، وكأن الدنيا دارت بيه. مكنش قدامه خيار تاني. السيوفي كان حاصره من كل اتجاه. كان عارف إن أي عناد منه هيدمره أكتر.
مسك القلم ومضى على الورقة.. مضى على نهاية حياته الذليلة معايا. مضى وهو مكسور، مهزوم، وخسر كل حاجة.
بعد ما مضى، بصيت له وقلتله دلوقتي تقدري تروحي لمراته التانية.. وقوليلها إنك بقيت راجل حر.. بس حر من كل حاجة، حتى من كرامتك.
هشام طلع من المكتب وهو مطاطي راسه.. طلع وهو عارف إنه خسر الست اللي كانت بتحبه بجد، الست اللي كانت مستعدة تضحي بكل حاجة عشانه. خسر صابرين، وخسر السيوفي، وخسر نفسه.
وأنا؟ أنا وقفت مكاني، وبصيت من الشباك على جنينة بيتنا.. جنينة السيوفي. شفت ياسين وهو بيلعب، وبيضحك، وبيجري ورا الفراشات. شفت مستقبله، ومستقبلي أنا كمان. مستقبل حر، قوي، ومليان أمل. مستقبل مفيش فيه مكان للذل، أو الإهانة، أو الخيانة.
أنا مش بس صابرين، أنا صابرين السيوفي. وأنا رجعت تاني. ورجعت أقوى من الأول. ومهما حصل، مفيش حد هيقدر يكسرني تاني.

تعليقات
إرسال تعليق