قصه اخواتی جابولی مشتری علشان یبیعوا شقی عمری
قصه اخواتی جابولی مشتری علشان یبیعوا شقی عمری
"إخواتي جابولي المشتري لحد باب الورشة عشان يبيعوا شقى عمري.. بس 'الورقة' اللي طلعتها من درج المكنة قلبت الطرابيزة!"
صوت مكنة الخياطة القديمة في ورشة "زينب" في الحارة الشعبية كان بيغطي على صوت العربيات الفارهة اللي ركنت فجأة وسدت الشارع. 3 عربيات أحدث موديل نزل منهم "دكتور حازم" و"المهندس طارق"، إخواتها اللي كبرتهم وعلمتهم من عرق جبينها وإبرة الخياطة اللي صوابعها اتخرمت بسببها.
جوه الورشة اللي مابتكملش 10 متر، زينب (45 سنة)، مسحت إيديها في عبايتها البسيطة وهي بتبص للمشتري "شوقي بيه"، المقاول الجشع اللي عينه على أرض الورشة عشان يهدها ويبني مكانها عمارة. إخواتها كانوا متفقين معاه من وراها ومخلصين كل حاجة.
حازم وطارق، اللي زمان كانوا بياكلوا من إيدها وبيستخبوا في حضنها، دلوقتي بقوا يشوفوا الورشة دي "عرة" وماضيهم اللي عايزين يمسحوه بأستيكة عشان بريستيجهم قدام نسايبهم والمجتمع الراقي.تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
"امضي يا زينب.. الورشة دي مبقاش ليها لازمة، وإحنا محتاجين سيولة نكبر بيها شغلنا،" قالها حازم ببرود وهو بيمدلها القلم، كأن الـ 25 سنة اللي شقيت
فيهم عشان توصله لفتح عيادته في المهندسين كانت مجرد "مرحلة وانتهت".
زينب مابكتش ولا صرخت زي ما كانوا متوقعين. بصت لشوقي بيه اللي مطلع دفتر الشيكات وبيضحك بانتصار، وبصت لإخواتها اللي مستنيينها تبصم عشان يقسموا التورتة ويمشوا وميرجعوش الحارة دي تاني. في هدوء تام، فتحت درج مكنة الخياطة القديمة، الدرج اللي عمرهم ما فكروا يفتحوه ولا يعرفوا فيه إيه، وطلعت منه ظرف أصفر قديم ومتهالك.
"أنا مش همضي يا حازم.. الورشة دي مش بتاعتي عشان أبيعها، ولا بتاعتكم عشان تورثوها وتقسموها!" قالتها زينب بصوت ثابت.
طارق ضحك بسخرية وبص للمقاول: "أومال بتاعت مين؟ بتاعت الحكومة؟ ما تخلصي يا زينب وبلاش دراما، إحنا مش فاضيين!"
زينب فتحت الظرف ببطء، وطلعت منه عقد متسجل في الشهر العقاري ومختوم من 15 سنة. شوقي بيه المقاول لمح الاسم المكتوب في العقد، عينه وسعت، ودفتر الشيكات وقع من إيده على الأرض.
حازم وطارق قربوا عشان يقروا الاسم المكتوب، وفي ثانية واحدة، الغرور اللي كان مالي وشهم اتحول لرعب، ووشهم جاب ألوان، ولسانهم اتشل عن الكلام.
الصمت
اللي نزل على الورشة كان أتقل من جبل. طارق، المهندس اللي صوته كان مالي الشارع من ثواني، كان باصص للورقة وعينه بتتحرك يمين وشمال كأنه بيحاول يكذب اللي بيقراه.
"إيه ده يا زينب؟... الورقة دي مزورة صح؟ إزاي الورشة دي مكتوبة باسم... باسم 'عاصم بيه الرشيدي'؟!" طارق قالها وصوته بيترعش.
بمجرد ما اسم "عاصم بيه الرشيدي" اتقال، شوقي المقاول اللي كان نافش ريشه وبيتعالى على المكان، وشه جاب ألوان وبلع ريقه بصعوبة. عاصم الرشيدي مش مجرد اسم، ده "حوت" السوق، الراجل اللي شوقي شغال من الباطن في مشاريعه، واللي بكلمة واحدة منه يقدر يمحيه من الوجود ويقعده في بيته.
حازم قرب بسرعة ومسك العقد من إيد أخته، إيده كانت بتترعش وهو بيقرا الختم وتاريخ الشهر العقاري. بص لزينب اللي كانت واقفة زي الجبل، ملامحها هادية بس عينيها فيها قهر وتعب السنين كلها.
"مصدومين ليه؟" قالتها زينب بصوت مبحوح بس قوي، "كنتوا فاكرين إن خياطة الجلاليب وتصليح السوستة بـ ١٠ جنيه و٢٠ جنيه هما اللي دفعوا مصاريف كلياتكم الخاصة؟ هما اللي فتحولك عيادة في المهندسين يا دكتور؟ ولا هما اللي
عملولك مكتب هندسي يا باشمهندس؟"
الكلمات كانت بتنزل عليهم زي الكرابيج. زينب كملت وهي بتشاور على المكنة اللي كل حتة فيها بتشهد على سهرها: "من ١٥ سنة، لما أبوكم مات وسابنا غرقانين في ديون قد الجبل، الديانة كانوا هياخدوا الورشة والبيت وهنترمي في الشارع. روحت لعاصم بيه، كان زبون قديم عند أبوي وبيحترمه، اترجيته يشتري الورشة ويسدد الديون عشان متطردوش من كلياتكم ومستقبلكم يضيع. اشتراها.. بس سابهالي 'حق انتفاع' طول ما أنا عايشة."تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
مسحت دمعة هربت من عينها غصب عنها وكملت: "أنا مابعتش الورشة بس.. أنا بعت عمري، بعت حقي في الجواز والخلفة، بقيت مجرد آلة شغالة ليل نهار عشان أسدد أمانة أبوكم وأخليكم 'بني آدمين'. ولما كبرتوا وبقيتوا 'بشوات'، استعريتوا مني، وجيتوا تبيعوني للغريب عشان تداروا عاركم قدام نسايبكم!"
شوقي المقاول لم ورقه بسرعة وهو بيعتذر بصوت واطي وانسحب زي الحرامي، مش عايز أي شوشرة ولا مصيبة توصله بعاصم بيه.
حازم حاول يستوعب الموقف، قرب من زينب وقال بنبرة فيها انكسار مزيف: "يا زينب إحنا مكنش قصدنا.. إحنا بس كنا خايفين عليكي من قعدة الحارة و..."
بس قبل ما يكمل كدبته، صوت فرامل عربية فخمة جداً زمرت بره الورشة. الباب الخشب القديم اتفتح بهدوء، ودخل راجل في أواخر الستينات، هيبته تملى المكان، لابس بدلة راقية ووراه حارسين. كان "عاصم بيه الرشيدي" بشحمه ولحمه!
طارق وحازم اتسمروا مكانهم ومابقوش قادرين ياخدوا نفسهم. عاصم بيه بص لزينب بنظرة كلها احترام وتقدير، وبعدين حول نظره المرعب لإخواتها، وطلع من جيب الجاكيت ملف أحمر صغير ورماه على ترابيزة الخياطة.
وقال بصوت رجّ المكان: "أنا ساكت ومراقبكم من سنين احتراماً للست الأصيلة دي.. بس لحد هنا وكفاية. اللي في الملف ده هيخليكم تتمنوا إن الأرض تتشق وتبلعكم النهارده قبل بكرة!"
تفتكروا الملف ده فيه إيه؟ وإيه المفاجأة اللي عاصم بيه محضرها لحازم وطارق وهتخليهم يركعوا على رجليهم يبوسوا إيد زينب عشان تسامحهم؟
"الملف الأحمر اللي كسر غرور البشوات.. و'الخياطة' اللي بقت صاحبة الملايين!"
الصمت في الورشة كان يوجع الودان. عيون حازم وطارق متثبتة على الملف الأحمر اللي رماه "عاصم بيه" على ترابيزة الخياطة المتهالكة، كأنه قنبلة موقوتة.
عاصم بيه قعد على الكرسي الخشب القديم بكل هيبة، وشاور للحارس بتاعه يفتح
الملف. طلع منه ورق متدبس، ورماه قدامهم على الأرض.
"تفتكروا عيادتك اللي في المهندسين يا دكتور حازم، ومكتب المقاولات بتاعك في التجمع يا باشمهندس طارق، جم منين؟" عاصم بيه قالها بنبرة فيها سخرية لاذعة، "بشطارتكم؟ بتعبكم؟ ولا بنسبكم الجديد اللي بتتفشخروا بيه؟"
طارق بلع ريقه بصعوبة وقال بصوت مهزوز: "إحنا.. إحنا خدنا قروض من البنك وبدأنا من الصفر."
عاصم بيه ضحك بصوت عالي، ضحكة رعبت الاتنين: "قروض! البنوك مابتديش ملايين لشباب لسه متخرجين معندهمش ضمانات يا باشمهندس. الضامن الوحيد ليكم كان 'أنا'. أنا اللي اشتريت المستشفى اللي فيها عيادتك يا دكتور، وأنا الممول الخفي لشركة المقاولات اللي إنت شريك فيها بالاسم بس!"
الصدمة نزلت عليهم زي مية مغلية. حازم وشه جاب ألوان ووقع على ركبه وهو بيبص للورق اللي عليه توقيعات عاصم بيه.
عاصم كمل كلامه، بس المرة دي وعينه على زينب اللي كانت واقفة بتسمع ومذهولة زيهم: "من ١٥ سنة، لما أختكم رفضت تاخد مني مليم صدقة أو إحسان، ووافقت بس إني أشتري الورشة حق انتفاع عشان تسدد ديون أبوكم، أنا حلفت إني هقف في ضهرها. كنت براقبكم بتكبروا، ولما احتجتوا فلوس عشان تبدأوا حياتكم،
أنا اللي دخلت كشريك خفي. كنت فاكركم هتصونوها وتشيلوها فوق راسكم لما تكبروا.. بس للأسف، إنتوا طلعتوا 'قشرة'، اتكسفتوا من اللي شقيت عشان تبقوا بني آدمين!"
عاصم بيه وقف، وضرب بعكازه على الأرض بقوة: "أنا من بكرا الصبح، هسحب كل استثماراتي. المستشفى هتتباع، والشركة هتتصفى. هترجعوا للصفر اللي بدأتوا منه، بس المرة دي من غير الست الأصيلة اللي كانت سنداكم."تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
هنا طارق وحازم انهاروا تماماً. الغرور، البدل الغالية، البريستيج.. كله اتمسح. زحفوا على ركبهم لحد رجلين زينب، وحازم بيبكي زي العيل الصغير: "أبوس إيدك يا زينب ارحمينا.. شقانا ومستقبلنا هيضيع.. عيالنا هيتشردوا.. إحنا لحمك ودمك!"
طارق بيبوس في إيدها التانية: "غلطنا يا أختي.. الكبرياء عمانا.. سامحينا والنبي وكلمي عاصم بيه."
زينب بصت ليهم، ولأول مرة الدموع تنزل من عينيها. مش دموع ضعف، دي دموع قهر على الأخوة اللي ماتت، وعلى السنين اللي راحت في حضن ناس مابتقدرش. سحبت إيديها منهم بقوة، ومسحت دموعها ب كم عبايتها.
بصت لعاصم بيه وقالت بصوت هادي بس يقطع في الصخر: "عاصم بيه.. أنا طول عمري عايشة بكرامتي، وماربتش إخواتي عشان يبقوا شحاتين.. حتى لو بيشحتوا
مني."
رفعت الورق من على الأرض، وقطعته حتت صغيرة ورمته في وشهم، وكملت: "أنا متنازلة عن أي حق ليا في شركاتكم وعياداتكم. خدوا فلوسكم وخدوا مراكزكم، أنا مش محتاجة منكم حاجة. بس من اللحظة دي.. أنا مليش إخوات. الورشة دي هي عيلتي، والمكنة دي هي اللي بتسترني. اطلعوا برا وماتورونيش وشكم تاني!"
حازم وطارق وقفوا مكسورين، أذلاء، خدوا بعضهم وخرجوا من الورشة وهما عارفين إنهم خسروا أغلى وأطهر حاجة في حياتهم.. خسروا ظهرهم اللي كان سادد عنهم بلاوي الدنيا.
عاصم بيه ابتسم لزينب ابتسامة كلها فخر وقالها: "الأصيل بيفضل أصيل يا زينب. بس الورشة دي خلاص كدة دورها انتهى. أنا بفتح أكبر مصنع ملابس جاهزة في العاشر من رمضان، ومفيش حد أثق فيه يمسك إدارة المصنع ده، ويدرب العمال على 'الأمانة والنفسية النظيفة' غيرك. إيه رأيك يا ست البنات؟"
زينب بصت للمكنة القديمة، وابتسمت لأول مرة من سنين ابتسامة صافية، ومسكت مقصها وقالت: "نتوكل على الله يا بيه.. الشقى مابيعيبش، اللي يعيب هو قلة الأصل!"
تمت بحمد الله...
إيه رأيكم في تصرف زينب مع إخواتها؟ هل العفو عند المقدرة كان صح، ولا كانوا يستاهلوا يرجعوا للصفر ويخسروا كل حاجة
عشان يتربوا؟


تعليقات
إرسال تعليق