يوم فرحى كامله
يوم فرحى كامله
لأني محتاج وقت أفكر في اللي جاي.
سابني واقفة في وسط الأوضة بفستاني المنفوش اللي بقى تقيل زي الهم على قلبي. المكان اللي كان المفروض يجمعنا، بقى فجأة أضيق من السجن. بصيت في مراية التسريحة، شوفت واحدة غريبة عني، واحدة انكسرت فرحتها في قلب أوضة نومها، مكنتش أعرف إن الفستان الأبيض اللي لابساه هو في الحقيقة كفن لأوهام كبيرة عيشت نفسي فيها.
وقعت على ركبي فوق السجادة، وريحة البرفان بتاعها اللي علقت في هدومه لسه مالية الأوضة، وكأنها بتفكرني إنها حتى وهي مش موجودة، قدرت تخرجني من حياته ومن الأوضة دي قبل ما أدخلها.
صحيت نجلاء على صوت حركة غريبة في البيت، فتحت عينيها بصعوبة والوجع لسه بياكل في قلبها من أحداث ليلة امبارح. قامت من المكان اللي رمت فيه جسمها بتعب، واتجهت لمصدر الصوت في الصالة وهي مش مصدقة ودنها.
شافت اللي عمرها ما كانت تتخيله.. الباب مفتوح، وضياء واقف بيستقبل ورده بحفاوة وكأنها ملكة داخلة قصرها، مش واحدة غريبة داخلة بيت عروسة في صباحيتها. ضياء كان ماسك إيد ورده بلهفة، وعينيه فيها نظرة حب وندم مظهرتش لحظة واحدة لنجلاء طول الفرح.
أول ما شاف نجلاء واقفة مذهولة، ملامحه اتحولت للقسوة، وبص ل ورده وكأنه بيقدم
لها قربان عشان ترضى عنه، وقال بصوت عالي
تعالي يا نجلاء.. كويس إنك صحيتي عشان تقولي لستك وتاج راسك الحقيقة.
قرب منها بسرعة، وشدها من إيديها بقوة لدرجة وجعتها، ووقفها قدام ورده اللي كانت بتبص ل نجلاء من فوق لتحت بنظرة شماتة وتشفي تكسر أي ست. ضياء بص ل ورده وحلف بأعلى صوته
وحياة غلاوتك عندي يا ورده، ما لمستها، ولا قربت منها خطوة واحدة طول الليل. أنا فضلت صاحي مستني الفجر عشان تيجيلي وأثبتلك إنك لسه مراتي وحبيبتي الوحيدة، وإن الست دي مجرد مصلحة.. مجرد وعاء عشان الخلفة اللي أهلي صدعوني بيها، لكن قلبي وعقلي
وجسمي مبيعرفوش غيرك إنتي.
ضغط على إيد نجلاء أكتر وقال بحدة وهو بيجبرها تبص ل ورده
انطقي! قولي لها إني مدخلتش معاكي الأوضة.. أكدي لها إنك بالنسبة لي مجرد خلفه وبس، وإني عمري ما هعتبرك زوجة بجد طول ما هي في حياتي.. انطقي عشان تعرف إني مخلص ليها حتى وأنا متجوز علانية!
نجلاء حست إن الدنيا اسودت في وشها، والدموع جمدت في عينيها من كتر الصدمة. كانت واقفة مكسورة الجناح، بتسمع جوزها بيبعها بأرخص تمن قدام طليقته في أول يوم ليهم مع بعض، وورده واقفة بتستمتع بمنظر انكسارها وهي شايفة ضياء بيوطي يبوس إيدها تاني قدام تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
عيون نجلاء
دخلت ورده الشقة بخطوات واثقة، وبدأت تتمشى في الصالة وهي بتبص على العفش والفرش بنظرات تقييم باردة، كأنها بتعاين بضاعة مش داخلة بيت عروسة. لفت بوشها لـ ضياء اللي كان واقف مراقب حركاتها بلهفة، وتجاهلت وجود نجلاء تماماً وكأنها مش واقفة ومنهارة قدامهم.
قالت ورده بنبرة صوت واثقة ومسيطرة:
“الشقة ذوقها معقول يا ضياء.. عموماً، أنا وافقت على المهزلة دي وسمحت لك تتجوزها لسبب واحد بس، إنك تحافظ على ورثك من أهلك وتقفل بوقهم اللي مبيسكتش عن الخلفة.”
بصت لـ نجلاء بقرف ورجعت عينيها لـ ضياء وكملت:
“بس اسمع يا حبيبي، أنا عندي شروط عشان اللعبة دي تكمل.. ملمس إيد منك ليها مش عايزاه يحصل، إحنا مش في عصر الجاهلية. إنت هتاخدها وتطلعوا على أحسن مركز خصوبة، وتعملوا (تلقيح صناعي). وتختاروا نوع الجنين يكون (ولد)، عشان تضمن إن أهلك يشبعوا وما يفتحوش بوقهم تاني.”
ضياء كان بيسمعها وهو بيهز راسه بالموافقة على كل كلمة، ونجلاء حاسة إنها بتتباع في سوق النخاسة، مش بني آدمة ليها كرامة.
كملت ورده وهي بتعدل طرحتها قدام المراية ببرود:
“ومش بس ولد واحد، خليهم يحقنوا طفلين أو تلاتة مرة واحدة، عشان تخلص من هم الخلفة ده للأبد، ومحدش يطلب منك تتجوز تاني ولا تخلف تاني. وأول ما العيال دي تشرف وتنور، تطلقها فوراً.. تديها قرشين كويسين يستروا عليها، وتسيبلها الشقة دي تعيش فيها بعيد عننا، وتجيبلي ولادي أربيهم في حضني أنا.”
بص ضياء لـ نجلاء اللي كانت دموعها بتنزل بصمت رهيب، وقال لها بمنتهى القسوة:
“سمعتي يا نجلاء؟ ده اللي هيحصل، وده التمن اللي هتدفعيه عشان وافقتي تدخل حياتي وإنتي عارفة إني ملك لـ ورده. جهزي نفسك، بكرة هنروح للدكتور، وأي محاولة منك إنك تقربي مني أو تفتحي بوقك بكلمة، هتكون نهايتك قبل ما تبدأي.”
ورده ابتسمت بانتصار، وقربت من ضياء ودلعت عليه وهي بتقول:
“كده أقدر أقولك مبروك يا حبيبي.. ويالا بينا بقى، أنا مش طايقة القعدة هنا أكتر من كده.”
خرجت ورده من الشقة وهي ساحبة ضياء من إيده بمنتصرة، وسابوا نجلاء واقفة في وسط الصالة بقميص نومها اللي كان المفروض يكون لبس أجمل ليلة في عمرها، بس بقى لبس أكتر يوم اتهانت فيه.
بصت نجلاء حواليها في الشقة، كل ركن فيها بقى بيصرخ بوجعها. دخلت الأوضة، رمت نفسها على السرير وبدأت تشد في الملايات وتقطع في الورد اللي كان مفروش، وهي بتفتكر كلام ورده عن “التلقيح” و”الرحم” و”القرشين”. هي بالنسبة لهم كانت مجرد صفقة، آلة هتنتج أطفال وتترمي في الشارع.
فجأة، جرس الباب رن تانى. قامت نجلاء وهي بتمسح دموعها، افتكرت إن ضياء رجع أو نسي حاجة، بس لما فتحت لقت حماتها (أم ضياء) واقفة ومعاها شنتطتين أكل ووشها مليان زغاريد وفرحة.
أول ما دخلت وبصت لـ نجلاء، ملامحها اتغيرت لما شافت وشها المورم من العياط والشقة اللي متبهدلة. سألتها بخوف:
“في إيه يا بت يا نجلاء؟ فين ضياء؟ وإيه اللي عامل فيكي كده في صباحيتك؟”
نجلاء مكنتش قادرة تنطق، بس انكسارها كان أقوى من الصمت. حكت لحماتها كل اللي حصل، عن دخول ورده، وعن كلام ضياء، وعن “اتفاق” التلقيح الصناعي.
حماتها ملامحها اتحولت للغضب، وخبطت على صدرها وقالت:
“بقى هو ده اللي اتفقنا عليه؟ أنا قولت له اتجوز عشان تفتح بيت وتجيب عيل يملى علينا الدنيا، مش يروح يجيب الحرباية دي تتحكم فينا وفي عرضنا! بقى عايز يعمل عملية عشان ميسلمش نفسه ليكي؟”
مسكت حماتها إيد نجلاء وقالتلها بحزم:
“اسمعي يا بت، إنتي دلوقت مراته شرعاً وقانوناً. ومفيش عمليات هتتعمل، ولا (ورده) دي هتحط رجلها هنا تاني. قومي اغسلي وشك والبس أحلى ما عندك، وأنا اللي هقف لـ ضياء وللمحروسة بتاعته. البيت ده بيتك، والراجل ده جوزك، ومش هسمح ليهم يحولوكي لـ (دادة) لعيالها.”
في اللحظة دي، سمعوا صوت مفتاح ضياء بيفتح الباب وهو راجع، بس المرة دي مكنش لوحده، كان بيتخانق مع ورده على السلم لأنها كانت عايزة تاخد مفتاح الشقة معاها.
دخل ضياء وشاف أمه، اتصدم ووقف مكانه، وبص لـ نجلاء بنظرة توعد، بس أمه كانت أسرع منه وقالتله بصوت هز الشقة:
نورت البيت ياسيد العرسان ايه اللى انا سمعته ده
رمى ضياء المفاتيح على الترابيزة بعنف، وصوته طلع زي الرعد هز حيطان الشقة، وعينيه كانت بتطلع شرار وهو بيبص لأمه ومن وراها نجلاء اللي كانت مستخبية في خيال حماتها.
“أيوة يا أمي! هو ده اللي حصل وهو ده اللي هيحصل!” زعق ضياء وهو بيخبط بإيده على صدره بقوة: “أنا مش بحب غير ورده، ومش هقدر ألمس واحدة غيرها.. إنتي فاهمة يعني إيه؟ إنتي وأبويا اللي غصبتوا عليا، قولتوا لي البيت محتاج عيل، والورث محتاج وريث، وأنا طاوعتكم عشان أرضيكم، بس قلبي مش زرار هدوس عليه يشغل مشاعري لواحدة تانية بمجرد ما لبستني بدلة فرح!”
قرب من أمه خطوة وتحدى نظراتها الغاضبة:
“أنا مش خاين لـ ورده حتى وهي طليقتي، أنا جسمي بيترفض لمجرد التفكير إني أقرب من نجلاء. التلقيح اللي بتقولي عليه ده هو الحل الوحيد اللي يرضي كل الأطراف.. إنتي هتاخدي الحفيد اللي نفسك فيه، وأنا هفضل مخلص للست الوحيدة اللي ملأت عيني، ونجلاء هتاخد تمن اللي هتعمله ده شقة وفلوس تعيشها ملكة.. إيه اللي ناقص تاني؟”
بص لـ نجلاء بقرف وكمل كلامه الجارح:
“انطقي يا ست نجلاء! إنتي فاكرة إني لما شوفتك بالفستان الأبيض قلبي دق؟ أنا كنت شايفك خيال، كنت بشوف وش ورده في كل حتة.. أنا حاولت، حاولت إمبارح بس مقدرتش، حسيت إني بخون نفسي. أنا مش هعيش في كدبة، ومش هجبر نفسي على حاجة تقرفني!”
أمه رفعت إيدها وضربته بالقلم على وشه، قلم رن في هدوء الشقة القاتل. “تقرفك؟ دي مراتك يا ناقص الرباية! دي اللي صانت عرضك في ليلة دخلتها وإنت رايح تبوس إيد واحدة غريبة!”
ضياء مسح وشه ببرود مريب، وضحك بوجع وكسرة:
“اضربي يا أمي، اضربي كمان.. بس القلم ده مش هيخليني أحبها، ولا هيخليني أفتح لها باب أوضتي. أنا خارج، ومش راجع غير لما تخلصوا الوصلة دي، وكلمتي واحدة.. يا عملية وتلقيح والكل يرضى، يا إما هطلقها دلوقتي وأرمي الورث والفلوس تحت رجليكم وأروح لـ ورده حافي!”
رزع الباب وراه بكل قوته، لدرجة إن نجلاء وقعت على الكرسي وهي بتشهق من كتر العياط، وحماتها واقفة مكانها مصدومة من ابنها اللي “ورده” قدرت تمحي شخصيته وتخليه يبيع أهله وكرامته في ليلة وضحاها.ساد صمت تقيل في الشقة بعد رزعة الباب، حماته وقفت مذهولة، مش مصدقة إن ابنها اللي ربته وبنته بشقاها، يقول كلام زي ده ويجرح بنت ناس في كرامتها وعرضها عشان واحدة “مشيت وسابته”.
نجلاء كانت بتترعش، مش بس من العياط، لكن من القرف اللي حسته من كلام ضياء. مسحت دموعها بعنف وقامت وقفت قدام حماتها، ملامحها اتغيرت من الضعف لجمود غريب، وقالت بصوت واطي بس مسموع:
“سمعتي يا خالتو؟ سمعتي ابنك بيقول إيه؟ بيقول إني (بقرفه).. إني مجرد مصلحة ووعاء للورث.”
حماتها حاولت تطبطب عليها: “اهدي يا بنتي، ده تلاقيه مسحور، ورده دي طول عمرها عملاله عمل بقلبه وعقله، أنا هجيب له شيخ..”
قطعت نجلاء كلامها بصرخة مكتومة:
“شيخ إيه يا خالتو! ده سحر حبه ليها.. ده بيحلف بغلاوتها إنه ملمسنيش وكأن لمسي ده (خيانة)! أنا مش هقبل بالمهزلة دي، أنا مش آلة، ولا هروح لدكاترة عشان أحقن عيل لواحد بيكرهني وعايز يديه لواحدة تانية تربيه.”
في اللحظة دي، تليفون نجلاء رن، كانت رسالة من رقم غريب، فتحتها لقيتها صورة لـ ضياء وهو قاعد مع ورده في عربيتها تحت البيت، وكان بيبكي في حضنها وهي بتطبطب عليه بابتسامة نصر واضحة وصريحة للكاميرا.
نجلاء ورت الصورة لحماتها وقالت بمرارة:
“بصي يا خالتو، المخلص بتاعها قاعد في حضنها دلوقتي بيشتكي مني ومنك.. أنا عايزة أمشي من هنا، مش عايزة الشقة ولا عايزة الفلوس اللي قال عليها.”
حماتها مسكت إيدها بقوة وقالت بلهجة صعيدية حازمة:
“تمشي فين؟ تروحي لأهلك مكسورة في صباحيتك؟ لا يا نجلاء، إنتي تقعدي هنا وتكسري مناخيرهم الاتنين. ابنك ده لازم يعرف إن الله حق، والورث اللي خايف عليه ده، أنا اللي هقف له فيه لو مصلحش حاله معاكي. إنتي دلوقت (ست البيت) دي غصب عنه وعنها.”
فجأة، الباب اتفتح تاني، ودخل ضياء بس المرة دي كان وشه فيه برود غريب، وكأنه خد “جرعة شجاعة” من ورده. بص لـ نجلاء بجمود ورمى قدامها ورقة: تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
“دي ورقة من معمل التحاليل ومركز الخصوبة، محددين ميعاد بكرة الصبح.. البسي وانزلي معايا، وإلا وقسماً بالله يا نجلاء، هخرج من هنا أرد ورده لذمتي وأجيبها تعيش معانا هنا في الشقة دي، وتشوفوا بقى مين فيكم اللي كلمتها هتمشي!”
نجلاء بصت للورقة وبصت له، وضحكت ضحكة وجعت قلب حماتها، وقالت له:
“إنت فاكر إنك بتهددني يا ضياء؟ إنت بتهدد واحدة ميتة أصلاً من امبارح.. بس تمام، أنا هنزل معاك بكرة، بس افتكر كويس إنك إنت اللي بدأت اللعبة دي، والنهاية مش هتكون زي ما إنت و(ورده) راسمينها خالص
يوم فرحى الجزء الثالث
نزل ضياء وراحت حماتها وراه وهي بتدعي عليه وعلى اللي كانت السبب، وسابت نجلاء واقفة لوحدها في الصالة اللي كانت من ساعات قليلة مكان لفرحتها اللي ماتت.
بصت نجلاء لورقة المركز اللي على الترابيزة، وسحبت تليفونها وطلبت رقم أبوها. صوت أبوها جيه بلهفة: “يا صباحية مباركة يا ست البنات! طمنيني يا حبيبتي، ضياء عامل معاكي إيه؟”
حبست نجلاء دموعها بالعافية وقالت بصوت ثابت عكس اللي جواها: “يا بابا، أنا محتاجة أشوفك ضروري النهاردة.. ينفع تجيلي؟”
أبوها قلبه نقزه: “في إيه يا نجلاء؟ ضياء زعلك؟”
ردت بمرارة: “تعالى يا بابا وهحكيلك كل حاجة.. انا هبعتلك العنوان فى رساله هات اخواتى معاك ضرورى يا بابا
وبعدها
فضلت نجلاء واقفة في ركن بعيد في صالة انتظار العيادة، سانده ضهرها على الحيطة وحاسة إن الحيطان بتلف بيها. ريحة المعقمات في المكان كانت بتخنقها، وكل ما تبص حواليها وتشوف ستات جايين بلهفة عشان يحلموا بطفل، قلبها يتعصر بالوجع.. هي هنا مش عشان حلم، هي هنا عشان “بيعة”.
ضياء كان واقف الناحية التانية، ماسك تليفونه وبيتكلم بصوت واطي وبيرسم ابتسامة ملهوفة، عرفت فوراً إنه بيكلم ورده. خلص المكالمة وقرب منها بمنتهى البرود، وبص في ساعته وقال:
“الدكتور زمانه جاي.. شدي حيلك كده مش عايز دراما، إحنا جايين نخلص مصلحة. التحاليل اللي عملناها الصبح كويسة، والنهاردة هنبدأ أول خطوة عشان (الولد) اللي اتفقنا عليه.”
نجلاء بصت له بعيون خالية من أي تعبير وردت بصوت ميت:
“إنت بجد يا ضياء؟ بجد قادر تقف قدامي هنا وتتكلم عن (خلفة) وإنت لسه ملمستنيش؟ إنت مش حاسس بـ بشاعة اللي بتعمله؟”
ضحك ضياء بسخرية وهو بيعدل ياقة قميصه:
“قولتلك مية مرة، المشاعر دي خليها ليكي.. أنا هنا عشان الورث وبس، وعشان أرضي أهلي بعيل يشيل اسمي، وطالما ورده وافقت على الحل ده يبقى خلاص. إنتي هتاخدي قرشين وتعيشي ملكة في الشقة، وأنا هاخد ابني وأعيش حياتي مع الست اللي قلبي اختارها.. قولي يا رب بس تطلعي (خصبة) وتجيبي الولد من أول مرة عشان نخلص من الوش ده.”
في اللحظة دي، باب العيادة اتفتح ودخلت ورده بخطوات واثقة، كانت لابسة طقم شيك جداً ونظارة شمس غالية، وكأنها هي اللي جاية تكشف مش نجلاء. قربت من ضياء ودلعت عليه قدام الكل:
“تأخرت عليك يا حبيبي؟ قولت لازم أكون موجودة وأنا بختار (نوع الجنين) مع الدكتور، مش عايزة أي غلط، أنا عايزة ولد شبهك بالظبط يا ضياء.”
بصت لـ نجلاء من فوق لتحت وقالت ببرود مستفز:
“إيه يا حبيبتي؟ مالك واقفه كده ليه كأنك في عزا؟ افردي وشك ده إحنا هندفع مبالغ وقدرها عشان العملية دي تنجح.. قولي يا رب بس (الرحم) بتاعك يستجيب وما يتعبناش.”
نجلاء كانت بتسمع كلامهم وهي بتضغط على تليفونها في جيبها، كانت فاتحة “المايك” وأبوها وإخواتها سامعين كل كلمة بتتقال على الناحية التانية.. كانت بتمثل الثبات وهي شايفة جوزها وطليقته بيخططوا لمستقبل ابنها اللي لسه مجاش وكأنها مش موجودة.
ضياء مسك إيد ورده وقال لها بهيام: “متقلقيش يا روحي، الدكتور ده شاطر جداً وهيعمل اللي إنتي عايزاه بالظبط.”
هنا نجلاء لفت وشها ناحية باب العيادة، ولمحت خيال أبوها وإخواتها وهم داخلين زي الإعصار.. في اللحظة دي بس، ابتسمت نجلاء لأول مرة وقالت لضياء بصوت عالي:
“فعلاً يا ضياء.. يا رب العملية تنجح، بس مش زي ما إنت فاكر خالص!”
بمجرد ما الكلمة طلعت من بوق نجلاء، الباب اتفتح بعنف ودخل “عادل” أخوها الكبير، ومن وراه أبوها وإخواتها التانيين. الصالة اللي كانت هادية ومملة فجأة اتكهربت، والممرضات جريوا يحاولوا يفهموا في إيه.
ضياء اتنفض مكانه، ساب إيد ورده ووشه بقى لونه أصفر زي الكفن. بص لـ نجلاء بذهول وقال بصوت واطي ومرعوش:
“إيه ده؟ إيه اللي جابهم هنا؟ إنتي عملتي إيه؟”
أخوها “عادل” مدهوش فرصة يرد، قرب منه وبصوت هز حيطان العيادة قال:
“عملت الصح يا (شبه الراجل)! عملت اللي إنت معملتوش وصانت عرضها وفضحت وساختك إنت والحرباية اللي جنبك!”تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
ورده حاولت تداري رعبها ورا نظارتها السوداء وقالت ببرود مصطنع:
“في إيه يا جماعة؟ إحنا في مركز محترم، مش في الشارع عشان تلموا علينا الناس..”
أبو نجلاء قرب منها، وبص لها بنظرة احتقار خلتها تترعش:
“المحترم هو اللي بيصون بيته يا مدام، مش اللي جاية تشتري (عيل) من رحم واحدة تانية وتذلها في صباحيتها.. بنتي مش (داية) عندك ولا عند اللي مسمي نفسه راجل ده!”
لف الأب لـ ضياء اللي كان بيحاول يستخبى ورا المكتب:
“بقى دي الأمانة يا ضياء؟ تجيب بنتي هنا عشان تحقنها صناعي وإنت ملمستهاش أصلاً؟ وتجيب طليقتك تختار (نوع الجنين) وكأنكم بتنقوا قماش؟”
الناس في العيادة بدأوا يتجمعوا، والهمهمات زادت، والتليفونات طلعت تصور “الفضيحة” اللي بتحصل لايف. نجلاء وقفت في النص، شالت النضارة من على عينيها وبصت لـ ضياء وقالت بمنتهى القوة:
“سمعتهم يا ضياء؟ سمعت أهلي اللي إنت كنت فاكر إنك هتستغفلهم؟ أنا مشيت معاك للآخر عشان الكل يشهد على خستك.. عشان لما أطلق منك النهاردة، ميبقاش ليك عين تفتح بوقك بكلمة ولا تقول (مخلفناش ليه)!”
ضياء زعق بهستيريا وهو بيحاول يلم كرامته اللي اتهانت قدام الكل:
“أنا حر! والورقة أهي، وهي وافقت وجت معايا برضاها! أنا مش هكمل في الجوازة دي، أنا عايز ورده!”
أخو نجلاء الصغير هجم عليه ومسكه من رقابته:
“وهي كمان مش عايزة تكمل مع واحد زيك! المأذون زمانه على وصول لبيت أبوك، والورث اللي إنت خايف عليه، قسماً بالله ما هطول منه مليم بعد الفضيحة دي في البلد كلها!”
ورده حاولت تشد ضياء وتخرج: “يلا يا ضياء، المكان ده ملقش بينا..”
لكن نجلاء وقفت قدامها ومنعتها تخرج:
“لأ، مفيش خروج دلوقت.. الفضيحة لازم تكتمل. يا دكتور! يا دكاترة المركز! شوفوا الأستاذ اللي جاي يعمل (تلقيح) وهو ملمسش مراته، وجايب طليقته تتفق معاكم!”
المرضى في الصالة بدأوا يحدفوا ضياء وورده بنظرات قرف وكلمات سم، وضياء بقى يدور على أي جحر يستخبى فيه. في اللحظة دي، نجلاء حست ببرد غريب في قلبها، بس كان برد (راحة). بصت لأبوها وقالت:
“يلا يا بابا.. كفاية عليهم اللي شافوه، أنا مش عايزة منهم غير (ورقة طلاقي) وحقي يرجعلي بالقانون.”
خرجت نجلاء من العيادة وهي ماسكة إيد إخواتها، سابت ضياء وورده محاصرين بنظرات الناس وتصوير الكاميرات، وفضيحة “الرحم المأجور” بقت تريند في لحظتها، وكل حلم ضياء في “الوريث” و”الستر” ضاع وسط زفة الفضيحة اللي عملتها له نجلاء.
وصلت عربيات أهل نجلاء قدام بيت “عائلة الأكابر”، بيت ضياء اللي كان من كام ساعة بس بيستقبل المهنئين بالفرح، ودلوقتي هيستقبل أكبر فضيحة في تاريخه.
نزلت نجلاء ومعاها أبوها وإخواتها التلاتة، دخلوا من البوابة الكبيرة بصوت عالي خلى الشغالة والجيران يتجمعوا. أبو ضياء (الحج كامل) خرج من المكتب وهو مذهول، ومن وراه حماتها اللي وشها اصفر أول ما شافتهم بالحالة دي.
عادل (أخو نجلاء) زعق بأعلى صوته وهو واقف في وسط الصالة الكبيرة:
“يا حج كامل! انزل وشوف تربية إيدك.. انزل وشوف الفضيحة اللي ابنك عملها في بنتنا في صباحيتها!”تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
نزل الحج كامل وهو بيعدل جلبابه وبيرتعش:
“في إيه يا جماعة؟ وحدوا الله، إيه اللي حصل؟ نجلاء يا بنتي مالك؟”
أبو نجلاء خبط بعصايته على الأرض بقوة:
“لا إله إلا الله يا حج كامل.. ابنك اللي ائتمنته على عرضي، واخد بنتي النهاردة المركز عشان (يأجر رحمها)! جايب طليقته (ورده) تقعد معاهم وتختار (نوع الجنين) وتتفق مع الدكتور، وابنك بيحلف لها قدام الخلائق إنه ملمسش بنتي ولا هيلمسها!”
حماتها حاولت تتدخل وتلم الموضوع:
“يا جماعة اهدوا، ده ضياء بس مضغوط، وإحنا قولنا له اتجوز عشان الخلفة..”
نجلاء انفجرت فيها والدموع في عينيها بس صوتها قوي:
“خلفة إيه يا خالتو؟ الخلفة اللي تيجي بالحقن الصناعي وأنا لسه عروسة؟ الخلفة اللي طليقته هي اللي تختارها وتحدد ملامحها؟ إنتي كنتي عارفة يا خالتو؟ كنتي عارفة إن ابنك بايعني لـ (ورده) عشان الورث والفلوس؟”
في اللحظة دي، دخل ضياء ومعاه ورده، وكانوا بيحاولوا يتسللوا لجوّه، بس عادل قفش ضياء من رقابته ورميه تحت رجل أبوه:
“أهو.. البطل بتاعكم أهو! اللي راح يبوس إيد طليقته في العيادة قدام الناس كلها ويقول لنجلاء إنتي (مقرفة) بالنسبة لي ومجرد وعاء للعيال!”
الحج كامل بص لابنه بصدمة وقرف:
“الكلام ده حصل يا ضياء؟ بجد روحت العيادة ومعاك ورده؟”
ضياء سكت وعينه في الأرض، وورده حاولت تتكلم:
“يا عمي إحنا كنا بنحل المشكلة..”
الحج كامل رفع إيده وضرب ضياء بالقلم قدام الكل، قلم خلى صوته يرن في القصر كله:
“يا واطي! يا ناقص الرباية! دي الأصول اللي علمتهالك؟ تكسر بنت ناس وتفضحنا وسط البلد عشان خاطر واحدة رمتك قبل كده؟”
أبو نجلاء بص للحج كامل وقال بجمود:
“إحنا مش جايين نربي ابنك يا حج.. إحنا جايين ناخد حق بنتنا. المأذون ييجي حالا، وورقة طلاقها تطلع، وكل منقولاتها وشبكتها وقايمتها ترجع لنا تالت ومتلت، وإلا وقسماً بالله العظيم، الفيديوهات اللي اتصورت في العيادة لابنك وهو بيتهان هتكون على كل تليفون في البلد النهاردة!”
نجلاء وقفت بكل كبرياء، وبصت لـ ورده اللي كانت واقفة مرعوبة، وقالت لها:
“اشبعي بيه يا حبيبتي.. الراجل اللي يبيع عرضه عشان يرضيكي، بكره يبيعك إنتي كمان عشان يرضي غيرك. والبيت اللي كنتي فاكرة إنك هتدخليه ملكة، النهاردة بقى بيت الفضيحة بسببي وبسبب غباء ضياء.”
الحج كامل نكس راسه في الأرض وقال بحسرة:
“حقكم علينا.. المأذون هييجي، وكل اللي طلبتوه هيتنفذ. ابنك يا ضياء ضيعنا وضيع نفسه.”تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
خرجت نجلاء مع أهلها، وسابت البيت اللي كان حلمها يتحول لخرابة، وسابت ضياء وورده يواجهوا غضب الحج كامل وفضيحة البلد اللي مش هترحمهم
وصل الخبر لبيت أهل ورده زي الصاعقة، خصوصاً بعد ما الفيديوهات اللي اتصوت في العيادة بدأت تنتشر زي النار في الهشيم على جروبات “الواتساب” وصفحات البلد.
دخل أبو ورده البيت وهو وشه أسود من الغضب، وفي إيده الموبايل اللي فيه بنته وهي واقفة في العيادة وسط الزحمة وبتتخانق عشان تختار (نوع جنين) لرحم واحدة تانية. نده بصوت زلزل البيت:
“يا ورده! انزلي هنا يا فاجرة!”
نزلت ورده وهي لسه بلمحة الغرور اللي كانت فيها، بس أول ما شافت نظرة أبوها وإخواتها الرجالة اللي كانوا واقفين وعروقهم ناطرة، قلبها سقط في رجليها. أبوها رمى الموبايل في وشها وهو بيصرخ:
“دي آخرة الدلع؟ جايبة لنا الفضيحة لحد بيتنا؟ عايزة تشتري عيل من ضياء ومراته؟ خلتِ سيرتنا على كل لسان يا واطية!”
حاولت ورده تبرر: “يا بابا أنا كنت عايزة أرجع لضياء ونحافظ على..”
قاطعها أخوها الكبير بضربه قوية خلتها تقع على الأرض: “تطرديه من بيتنا وتطلقي منه، وبعدين تروحي تذلي بنت ناس في صباحيتها عشان ترجعيله؟ إحنا مالناش وش نمشي في البلد بسببك!”
أبوها خد قرار حاسم وهو بيشاور لإخواتها:
“خدوها على أوضتها.. الموبايل ده يتاخد منها، والباب يتقفل عليها بالترباس، ومفيش خروج ولا دخول ولا نفس يطلعلها. والجدع اللي اسمه ضياء ده، لو لمحت خياله قريب من البيت، دمه هيكون حلال!”
بكت ورده وصوتها ملأ البيت وهي بتترجى أبوها: “يا بابا ضياء هيجي يخطبني ويردني، هو وعدني..”
رد عليها أبوها بقسوة وهو بيقفل باب أوضتها بالمفتاح من بره:
“ضياء ده انتهى.. وأنتي بالنسبة لنا مُتي خلاص. مفيش رجوع لضياء، ولا فيه خروج من الأوضة دي لحد ما نشوف هنغسل عارنا ده إزاي. اشبعي بضياء وبأحلامك اللي ضيعت شرفنا!”
وقفت ورده ورا الباب، بتخبط وتصرخ، بس مفيش حد رد عليها. حست لأول مرة إن “اللعبة” اللي لعبتها عشان تكسر نجلاء وتسيطر على ضياء، انقلبت عليها وكسرتها هي، وخسرت حريتها وأهلها وضياء في لحظة واحدة.
وعلى الناحية التانية، كانت نجلاء قاعدة في حضن أبوها في بيتهم، بتتنفس حرية لأول مرة، وهي عارفة إن العدالة اتحققت، وإن اللي بيبني سعادته على كسر غيره، نهايته دايماً بتكون خلف الأبواب المقفولة وبالفضيحة.
حمرت الأيام والأسابيع، وضياء حاله بيسوء يوم عن يوم. القصر اللي كان بيحلم يملأه عزوة وولاد، بقى مهجور ومقبض، وأبوه الحج كامل قاطع الكلام معاه وطرده من المكتب ومن حسابات الشركة، وقاله بمرارة: “إنت ضيعت اسم العيلة في التراب عشان واحدة باعتك ودلوقتي أهلها حابسينها ومنعينك عنها.. اشبع بقهـرك.”
حاول ضياء يوصل لـ ورده بكل الطرق؛ راح لبيتها وطردوه إخواتها وضربوه قدام الجيران، اتصل بكل صحابها لقيهم عملوا له “بلوك” بأمر من أهلها، حتى البوابين في منطقتها كانوا بياخدوا منه فلوس ويوهموه إنهم هيوصلوا له رسالة وفي الآخر يضحكوا عليه.
بدأ ضياء يسهر لوحده في الصالة، يشغل نور خافت ويهيأ له إن ورده قاعدة جنبه بالفستان الأبيض بتاع الفرح. بدأ يكلم الحيطان ويقول: “شوفتي يا ورده؟ أنا نفذت كل اللي قولتيه.. أنا طلقت نجلاء وفضحت نفسي في العيادة عشانك.. إنتي فين؟”
في ليلة، حماته السابقة (أم ضياء) دخلت عليه الأوضة لقت حالته تصعب على الكافر؛ كان لابس بدلة فرحه اللي مبهدلة، وقاعد قدام المراية بيحلق دقنه بآلة حادة وهو بيضحك ويقول: “النهاردة فرحي على ورده.. لازم أكون شيك.”
لما قربت منه، صرخ فيها وهو مش شايفها: “ابعدي يا نجلاء! مش هتحقني عيل لورده؟ إنتي وعاء.. إنتي مجرد وعاء!”
بدأ يجيله هلاوس سمعية وبصرية، يشوف نجلاء واقفة في ركن الأوضة وبتضحك عليه، ويشوف ورده بتجري منه وهي ماسكة إيد راجل تاني. حالته اتدهورت لدرجة إنه بدأ يكسر عفش البيت ويصرخ بأسماءهم في نص الليل، والبلد كلها بقت تتفرج على “ابن الأكابر” وهو بيضيع.
الحج كامل ملقاش حل غير إنه يطلب له الإسعاف. المنظر كان يقطع القلب؛ ضياء وهو مربوط في “القميص الأبيض” بتاع المستشفى النفسية، وبيتحمل في العربية وهو بيصوت: “ورده استني! الدكتور مستنينا في العيادة.. الولد يا ورده.. الولد اللي هيشيل الورث!”
اتحجز ضياء في مستشفى الأمراض النفسية، بقى يقضي يومه باصص للسقف، وفي كل مرة يدخل عليه ممرض، يسأله بهمس مرعب: “هي ورده جت؟ قولهالها إن الرحم جاهز.. والورقة معايا.”
انتهت حكاية ضياء بين أربع حيطان باردة، خسر كرامته، خسر أهله، وخسر عقله، عشان خاطر “وهم” بناه على كسر خاطر إنسانة بريئة.. وسابت ذكراه في البلد مجرد عبرة لكل واحد يفتكر إن “الرجولة” هي كسر الستات واللعب بمشاعرهم

تعليقات
إرسال تعليق