القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 زوجة ابي 



زوجة ابي 


مـرات أبـويا سـح,بتني مـن شـعري وقفلـت عليا برا البيت والدنبا بتمط,ر بسبـب طبـق مكـ,سور… وفـي اللحـظة دي، عربية أبـويا دخـلت الجـراج.ورد فعله كسـ،رني,

مـش البـرد ه و أول حاجة حسيت بيها… الألـم الحاد اللي بيولع في فروة را,سي، بسبب صو,,ابع نجلاء وظوافرها الطويلة المتظبطة اللي مسكت بيها شعري.

“يا قليلة الأدب! يا ناكرة الجميل!”

قالتها وهي بته,مس بصو,ت كله سم… الصوت اللي كنت عارفة إنه معناه رعب.. .

كان عندي ١٤, سنة… ووزني بالعافية معدي الخمسين كيلو… وما كانش عندي أي فرصة قدام غضبها.

شدتني لورا بعـنف…

رجلي الحافية زحلقت على أرضية المطبخ المبلولة… وركبي خبطت جامد في الأرض… ب,س هي ما سابتش شعري…

فضلت تجـرني مـن جـذوره,… لحد ما عدينا الصالة ال,كبيرة بتاعتـنا… بيت شكله مثالي في حي راقي ف,ي القاهرة الجديدة… وكل حاجة فيه شكلها فخم.

كنت بعيط وبترجـاها بكل, قوتي: “يا طنط… بالله عليكي! أنا آسفة! كان غصب عني!”

بس ما كانش فارق معاها… عمره ما كان فارق.

الموضوع ما كانش طبق اتكسر…

الموضوع كان لمين الحاجة دي أصلاً.

قطع الطبق اللي اتكسر كـانت بتـاعه أمـي الله يرحمـها.

طـبق قديم مزخرف بنقوش زرقا… واحد من آخر حاجات فاضلة من طقم كانت أمي جابته قبل ما السرطان ياخدها مننا من خمس سنين.

نجلاء كانت بتكره كل حاجة أمي سابتها.

بتكره الصور اللي أبويا محتفظ بيها.

بتكره إن عيوني شبه عيونها.

وأكتر من أي حاجة… كانت بتكرهني أنا.

بآخر دفعة عنيـفة… زقـتني بـرا الباب.

وقعـت علـى عتبة البيت… وركبي اتخبطت في الأرض الخشنه…وقبل ما ألحق آخد نفسي حتى… سمعت صوت القفل وهو بيتقفل…لفيت بسرعة…

الباب اتقفل.حكـايات أسمـا السيـد

كان نص نوفمبر… والدنيا ساقعة جدًا… حوالي ٣ درجات… ومطر تقيل نازل على الحي كله.

كنت لابسة تيشيرت خفيف وبنطلون بيت بس…

حتى مش لابسة شراب…في ثواني… المطر غرقني… والهدوم لزقت في جسمي اللي بيترعش… والهوا كان بيقطع في عظمي.

خبطت على الباب وأنا بصرخ: “يا طنط! بالله عليكي افتحي! برد! أنا آسفة!”

من ورا الإزاز… شفتها.

كانت واقفة… بتبصلي.

وبتشرب من كاسها بهدوء… وكأنها بتتفرج على عرض.

كانت مستمتعة…كانت بتعاقب ذكرى أمي… فيّ أنا.

بصيت حواليّا بسرعة…

الشارع كله كان فاضي بسبب المطر.

غير ست جارنا… مدام سناء.حكـايات أسمـا السيـد

ست كبيرة… بتحب تراقب كل حاجة من شباكها.

شفتها… فاتحة الستارة سنة صغيرة.

شافتني… وأنا متأكدة إنها شافتني…طفلة عندها ١٤ سنة… حافية… بترتعش… وبتعيط في المطر…بصتلها برجاء: “ساعديني…”بس وشها اتشد… وقفلت الستارة.

وقتها حسيت قلبي بيتكسر بجد…في الحتة دي… طول ما الشكل العام كويس… محدش بيسأل إيه اللي بيحصل جوا البيوت.حكـايات أسمـا السيـد

حـضنت نفسي… وسناني بتخبط في بعض من البرد.


تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

إيدي بدأت تنمل… شفايفي اتخشبت.

سندت ضهري على الحيطة… بحاول أستخبى من المطر اللي بييجي عليّد بالعرض.

افتكرت عم حسن البواب… كان لسه ماشي من شوية… دايمًا بيسلم عليّ وبيسألني على المدرسة.

يا ريت كان لسه موجود…

يا ريت أي حد يعدي…الدنيا بدأت تلف بيا…

نزلت على الأرض… ولمّيت نفسي… وضمّيت رجلي لصدرى…”بابا…”

حكـايات أسمـا السيـد

قلت وأنا بعيّط…”إنت فين؟”

أبويا… سامح… محامي كبير… من بعد ما أمي ماتت وهو عايش في شغله.

بيرجع متأخر كل يوم… عشان ما يواجهش الحقيقة…

وسايبني لوحدي مع الست دي.

يمكن هو مش عارف حقيقتها…

#أسـما_السـيد

أو يمكن… مش عايز يعرف.سندت راسي على رجلي… وكنت مستعدة أستنى بالساعات لحد ما يرجع…

بس فجأة—نور عربيه قوي قطع المطر…

وصوت موتور عالي… واضح…

عربية دخلت على البيت…. وووو صلي على محمد وتابع👇👇


العربية وقفت قدام الباب ورش الميه اتناثر حوالين الجناين الصغيرة اللي على الجنب وأنا رفعت راسي بالعافية من بين دراعاتي وشفت نور الفوانيس بيقطع الضلمة وقلبي دق بعنف لدرجة حسيت إنه هيطلع من صدري

كانت عربية أبويا فعلًا

في اللحظة دي ما حسيتش بالدفا ولا بالأمان زي ما كنت متخيلة

حسيت بالخوف

خوف غريب ومربك

لأن جزء جوايا كان لسه متعلق بأمل قديم أوي

أمل إن أول ما يشوفني بالشكل ده هيعرف الحقيقة كلها من غير ما أتكلم

وهيفتح الباب ويشدني لحضنه ويقوللي إن كل اللي حصل انتهى

لكن جزء تاني كان حافظ صمته وحافظ غيابه وحافظ نظراته المطفية من بعد موت أمي

العربية دخلت الجراج ببطء وبعدين الموتور سكت

فضلت باصة ناحية الباب الجانبي وأنا بحاول أقف

رجلي كانت متيبسة وركبي واجعاني وشعري لازق في وشي ومش قادرة حتى أمسح المطر عن عيني

الباب اتفتح

وأبويا نزل

لابس بدلته الكحلي ومعاه الشنطة الجلد اللي عمره ما بيسيبها

وقف ثانية تحت البلكونة وبص ناحيتي

أنا لحد اللحظة دي فاكرة النظرة دي

لأنها ما كانتش نظرة صدمة خالصة

ولا كانت نظرة غضب

كانت نظرة واحد اتقبض عليه وهو بيتجاهل حاجة كان عارفها من زمان

قلت بصوت مبحوح يا بابا

جريت ناحيته خطوتين وبعدين جسمي خانني واتعوجت

هو مد إيده بسرعة ومسك دراعي قبل ما أقع

ولما لمسني حسيت قد إيه إيدي كانت ساقعة

وشه اتغير ساعتها

قال بصوت منخفض إيه اللي حصل

أنا كنت بترعش ومش قادرة أطلع الكلام

كل اللي عرفته أقوله إن طنط نجلاء طلعتني بره وقفلت عليا

عينيه اتحركت ناحية باب البيت المقفول

وبعدين رجع بصلي

قال من إمتى

قلت من كتير

ما عرفش قد إيه عدت

ربع ساعة

ساعة

يمكن أكتر

في البرد كانت الدقايق بتتمطط وتكبر زي السنين

مسك كتفي ونزع الجاكت بتاعه وحطه عليا

الجاكت كان دافي وريحته كانت خليط من البرفان والورق والعربية والسجائر اللي بيقول لنا عمره ما بيدخنها

لفه حواليا كويس وبعدين قرب من الباب

دق الجرس مرة

واتنين

وتلاتة

وبعدين خبط بإيده على الباب الخشب خبطتين جامدين

وانا واقفة وراه برتعش وببص على الإزاز اللي شفت نجلاء واقفة وراه من شوية

ثواني والباب اتفتح

نجلاء ظهرت

لابسة روب حرير خمري وشعرها متسرح كأنها خارجة من إعلان

وفي إيدها نفس الكوباية

بصت لي

وبعدين بصت له

وبصوت هادي جدًا قالت سامح إنت جيت بدري النهاردة

أبويا ما ردش على الجملة

قال فقط ليه البنت دي واقفة بره في المطر

نجلاء رمشت مرتين كأنها متفاجئة من السؤال نفسه

وقالت بنت دي

أنا كنت بربيها

كسرت طقم غالي وردت عليا بقلة أدب وجريت بره لوحدها

كنت لسه هفتح لها

أنا حسيت الدم بيغلي في جسمي

جريت خطوة لقدام وقلت كدابة

هي اللي شدتني من شعري وزقتني بره

نجلاء بصتلي بابتسامة خفيفة السم فيها أوضح من أي صريخ

وقالت شوفت

لسانها طويل إزاي

أنا كنت متوقعة إن أبويا هيصرخ

هيزعق

هيسأل

هيبص في شعري المبلول وركبي المجروحة

لكنه فضل ساكت ثواني

الثواني دي كانت عذاب

كان المطر لسه بينزل حوالينا وأنا واقفة حافية وبستنى الحكم

بعدها قال بصوت جامد ادخلوا

دخلنا الصالة الواسعة اللي كل حاجة فيها بتلمع

النجف الأصفر

السجاد الفخم

الريحة النظيفة

البيت من جوه كان شبه صور المجلات

ولا حاجة فيه تقول إن طفلة لسه كانت مرمية بره الباب

الدفا ضرب جسمي مرة واحدة فحسيت بألم أكتر

لما الجسم يبدأ يفوق البرد بيكتشف مصيبته

أبويا قال للخدامة اللي ظهرت من المطبخ هاتي بطانية وفوطة وتعالي بسرعة

الخدامة كانت ست اسمها أميرة

عينها اتملت خوف أول ما شافتني

جريت وجابت البطانية

لفتها حواليا وهي بتقول بهمس يا حبيبتي يا بنتي

ونجلاء كانت واقفة بعيد حاطة إيديها على صدرها كأنها صاحبة حق

أبويا بص لنجلاء وقال المكتب

هي رفعت حاجبها وقالت دلوقتي

قال دلوقتي

روحت وراهما بعيني وأنا قاعدة على الكنبة

الباب اتقفل

أميرة كانت بتنشف شعري وهي ساكتة

لكن أنا كنت سامعة أصواتهم من جوا

الأول كانوا واطيين

بعدين عليوا

صوت نجلاء كان حاد ومتقطع

وصوت أبويا كان أقل لكنه أثقل

ما قدرتش أفهم كل الكلام

لكن سمعت جملة واحدة واضحة جدًا

إنتي لمستي بنتي

بعدها سكتة

وبعدين صوت زجاج اتكسر

أميرة اتجمدت وقالت يا ساتر

أنا قلبي كان بيدق بعنف

عمري ما سمعت أبويا بيتكلم بالطريقة دي

بعد شوية باب المكتب اتفتح بعنف

نجلاء خرجت

وشها كان متحول

مش من البكاء

من الغضب

كانت باصالي كأني أنا السبب في كل حاجة

كأن الجريمة مش إنها رمتني في المطر

الجريمة إني نجوت وفضلت موجودة

طلعت على السلم من غير كلمة

وأبويا خرج بعدها

وقف قدامي وبصلي طويل

أول مرة من سنين يحاول يشوفني فعلًا

مش كجزء من البيت

مش كواجب

لكن كابنته

ركع قدامي على مستوى عيني

ولمس شعري بحذر

أنا شهقت

لأن فروة راسي كانت بتولع

لما شاف رد فعلي سحب إيده فورًا

وبص على جذور الشعر عند ودني

يمكن وقتها لاحظ المكان اللي احمر واتورم

قال بهدوء مين عمل كده

قلت وهي

وعيني على السلم

سكت شوية وقال لأميرة اتصلي بالدكتورة هالة حالًا وخليها تيجي البيت

وبعدين بصلي وقال هتفضلي الليلة في أوضة أمك

الجملة نزلت عليا زي حاجة غريبة ودافيه في نفس الوقت

أوضة أمي من بعد وفاتها كانت شبه متحف مغلق

تتنضف كل أسبوع لكن ما حدش بينام فيها

ما حدش يلمس حاجتها

حتى أنا كنت بدخلها قليل

مش لأني ما عايزاش

لكن لأن رائحتها اللي فضلت فيها كانت بتكسرني

أميرة خدتني فوق

وأنا طالعة لقيت باب أوضة نجلاء مقفول بعنف

من جواه كان في صوت أدراج بتتفتح وتتقفل

واضح إنها بتكسر الدنيا

في أوضة أمي كل حاجة كانت ثابتة كأن الزمن وقف فيها

الستارة الكريمي

السرير الحديد الأبيض

الكتاب المفتوح على الكومود

الوشاح الأزرق على الكرسي

وقفت في نص الأوضة وأنا بتنفس بصعوبة

أميرة غيرتلي هدومي وجابتلي بيجامة قديمة من دولاب أمي

كانت واسعة عليا

بس ناعمة ودافية

وبعدين دخلت الدكتورة

فحصتني وقالت إن عندي بداية انخفاض في الحرارة وكدمة في الركبة والتهاب في فروة الرأس من الشد

سألتني وأنا لوحدي لو حصل قبل كده

أنا بصيت لأبويا

كان واقف عند الباب

نصفه جوه الأوضة ونصفه بره

زي طول عمره

قلت حصل شوية

سكتت الدكتورة وبصت له

هو ما قالش حاجة

بعد ما مشيت فضلت أنا وهو لوحدنا

الساعة كانت قربت من اتناشر

وأنا على السرير متكومة تحت البطانية

قلت له بهمس أنا آسفة على الطبق

هو فضل ساكت ثانيتين

بعدين قال الطبق مش مهم

ابتسمت بسخرية صغيرة من غير ما أقصد

وقلت لها هو كان مهم عندها عشان بتاع ماما

أبويا ساب الكرسي وقرب من الشباك

فتح الستارة شوية وبص على المطر

وقال أنا افتكرت إني لما اتجوزت تاني البيت هيستقر

افتكرت إن وجود ست في البيت هيساعدك

افتكرت غلط

أنا سمعته وبطني اتقبضت

لأن دي كانت أول مرة يعترف قدامي إنه غلط

قلت له إنت ما كنتش شايف

رد من غير ما يلف شايف حاجات وما كنتش عايز أشوف الباقي

التعب يا سارة بيخلي الإنسان جبان

لما أمك ماتت حسيت إني أنا كمان مت من جوا

روحت للشغل أكتر عشان ما أرجعش البيت الفاضي

ولما نجلاء دخلت حياتنا تعلقت بفكرة إن حد تاني هيشيل عني

لكن اللي شال عني كان إنتي

إنتي اللي شلتي الصمت والوحدة والبيت كله

وأنا سبتك تدفعي التمن

أنا ما فهمتش كل كلامه وقتها

لكن قلبي وجعني

لأن اعترافه جاء متأخر أوي

قلت له وأنا بعيط أنا كنت بخاف أقولك عشان عمرك ما كنت موجود

لف وبصلي

وكان واضح جدًا إن الجملة دي دخلت فيه زي السكين

قرب وقعد على طرف السرير

وقال من النهاردة هكون موجود

ما صدقتهوش كامل

ومع ذلك تمنيت أصدقه

في الصبح صحيت على صوت حركة كتير تحت

قمت وروحت للشباك

لقيت شنط سفر عند باب الفيلا

وعم حسن واقف مع سواق بيحطوا الشنط في عربية صغيرة

بعدها بشوية شفت نجلاء نازلة السلم بنضارة كبيرة رغم إن الشمس ما كانتش طلعت قوي

ما بصتش فوق

ما بصتش عليا

كانت ماشية بسرعة وكبرياء مجروح

وأبويا ماشي وراها

وقف عند العربية وقال لها حاجة ما سمعتهاش

هي ردت بعنف

وبعدين ركبت ومشيت

وقفت أبص لحد ما العربية اختفت

ما حسيتش بالنصر

حسيت بهدوء مرهق

زي بعد العاصفة

أبويا طلع بعد نص ساعة

خبط على الباب ودخل

وقال نجلاء مش هترجع البيت تاني

أنا بصيت له وسكت

قال أنا كلمت المحامي بتاعي

هي هتخرج من كل حاجة تخصك

وكل حاجة تخص أمك هتفضل زي ما هي

وبعدين سكت وقال وأهم حاجة إنتي

إنتي هتبدئي مع دكتورة نفسية من الأسبوع الجاي

اعترضت فورًا وقلت أنا مش مجنونة

قال بهدوء وأنا كمان مش مجنون لكن كان لازم أطلب مساعدة من زمان

وده كان درس تاني جديد

أبويا لأول مرة ما بيتصرفش كأنه الحل الوحيد

في الأيام اللي بعدها البيت اتغير

مش بقى سعيد

بس بقى صادق أكتر

كان فيه صمت

لكن صمت مش مخنوق

أميرة بقت تضحك أحيانًا

عم حسن كان بيطمن عليا كل يوم

وأبويا بدأ يرجع بدري مرتين في الأسبوع

يقعد معايا على السفرة

يسألني عن المدرسة تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

يحاول يعرف أنا بحب إيه

كان غريب أوي إن الواحد يكتشف أبوه بعد كل السنين دي

وفي نفس الوقت كنت مترددة

كل مرة يقرب خطوة كنت أفتكر مئات الخطوات اللي غابها

الدكتورة النفسية اسمها دكتورة مريم

مكتبها كان صغير وهادي وفيه رائحة نعناع

أول جلستين قضيتهم ساكتة

وبعدها مرة واحدة اتكلمت

عن أمي

عن شعري

عن الباب المقفول

عن مدام سناء اللي قفلت الستارة

عن ليالي كنت باكل فيها بسرعة وأطلع أوضتي عشان ما أقعدش مع نجلاء

عن طريقتها وهي تناديني يا بنت الهانم بنبرة تشبه الشتيمة

عن إحساسي بالذنب لما أفتكر ماما

كأني لو نسيتها أبقى خنتها ولو افتكرتها أبقى استدعيت غضب نجلاء

الدكتورة سمعتني من غير ما تقاطعني

وقالتلي جملة فضلت معايا سنين

إن الطفل لما يتأذى بيفتكر إن الذنب ذنبه عشان العالم يفضل مفهوم

لأن فكرة إن الكبار ممكن يكونوا قساة بلا سبب مخيفة جدًا

أنا رجعت البيت يومها أفكر في الجملة دي

يمكن عشان كده كنت كل مرة أقول أنا آسفة حتى لما ما أبقاش غلطانة

كان أسهل ألوم نفسي من إني أصدق إن اللي حوالي ممكن يتعمدوا وجعي

في المدرسة كنت هادية بزيادة

مش بصاحب حد بسهولة

لكن في سنة أولى ثانوي دخلت بنت جديدة اسمها فرح

كانت عكسى تمامًا

صوتها عالي وضحكتها أسرع من تفكيرها

شافتني مرة باكل لوحدي في الفسحة وقعدت جنبي من غير استئذان

وقالت لي بصي أنا مش بحب الناس الهادية أوي لأنهم بيبقوا بيحكموا علينا من جواهم

فإما نكون صحاب وإما أسيبك في حالك بصراحة

ضحكت لأول مرة من شهور

وبقينا صحاب

فرح كانت أول حد أقوله جزء من اللي حصل

ما حكتش كل حاجة

لكن قلت لها إن مرات أبويا كانت مؤذية

هي ما قالتش ولا كلمة من نوعية ما تبالغي أو أكيد كانت عصبية

قالت فقط طب وإنتي دلوقتي عاملة إيه

السؤال ده كان مريح أوي

لأنه بيركز على نجاتي مش على إثبات الألم

مرت الشهور

القضية بين أبويا ونجلاء كانت ماشية بهدوء وبرد

هي حاولت تبعت رسائل

مرة تعتذر

مرة تهدد

مرة تقول إنني أنا اللي خربت بيتها

أبويا ما كانش بيديني أشوف كل حاجة

لكن مرة لقيته جالس في المكتب ماسك رسالة مطبوعة

وشه شاحب

سألته في إيه

قال حاولت تاخد جزء من ممتلكات أمك عن طريق تزوير ورق قديم

قلت له وإنت كنت عارف

قال كنت شاكك

نفس البرود رجعلي ساعتها

لأن كل اكتشاف جديد كان بيأكد إن البيت كان مليان شروخ وهو سايبني أعيش جواها

لكن على الأقل المرة دي ما سكتش

رفع قضية

واسترجع كل حاجة

وباع الشقة اللي كانت باسمها

وحط فلوسها في حساب تعليمي باسمي

أنا ما كنتش فاهمة في الورق والقانون

لكن كنت فاهمة إنه أخيرًا بطل يهرب

بعد سنة تقريبًا في يوم شتا تاني كنت راجعة من المدرسة ولقيت مدام سناء واقفة عند باب بيتها

كبرت فجأة

أو يمكن أنا اللي كبرت

وشها كان منكمش وعينيها متعبة

لما شافتني نادتني وقالت يا سارة

وقفت

قالت ممكن دقيقة

أنا قلبي اتشد

وقفت قدامها من غير ما أقرب

قالت أنا عمري ما نسيت الليلة دي

كنت مستنية منها اعتذار صريح

لكن الناس نادرًا بتعرف تعتذر ببساطة

كملت وقالت جوزي الله يرحمه كان بيضربني سنين طويلة

وكل مرة كنت أستخبى وأسكت

ولما شوفتك الليلة دي رجعت طفلة ضعيفة زي زمان

قفلت الستارة عشان ما أشوفش نفسي فيكي

الكلام نزل عليا غريب

مش مريح

ومش مزعج بس

معقد

قلت لها كنت محتاجة حد يفتح الباب

قالت وأنا كنت محتاجة حد يعلمني الشجاعة

سكتنا

بعدين قالت أنا آسفة

المرادي قالتها فعلًا

أنا ما سامحتهاش فورًا

لكن لأول مرة حسيت إن الضعف بينتقل زي المرض

والسكوت كمان

وإن كسر الدائرة محتاج حد يقف في النص ويقول كفاية

أنا لما خلصت المدرسة قررت أدخل حقوق

الناس افتكرت السبب إني متأثرة بأبويا

لكن الحقيقة إني كنت عايزة أفهم السلطة

أفهم إزاي الورق بيحمي ناس ويضيع ناس

إزاي البيوت الأنيقة بتخبي عنف

وإزاي طفل ممكن يبقى صوته ضعيف قدام ست كبيرة لكن قوي قدام قاض أو قانون لو لقى حد يسمعه

أبويا اتفاجئ من الاختيار

لكنه فرح

وكان دي يمكن أول حاجة نختارها مع بعض من غير صراع

في الجامعة بقى عندي صوت أكتر

مش أعلى

لكن أوضح

بدأت أشارك في أنشطة تخص حماية النساء والأطفال

أعمل أبحاث صغيرة

أروح مع دكاترتي لزيارات ميدانية

وأسمع قصص تشبه قصتي وتختلف عنها

كل مرة كنت بافتكر الليلة دي

المطر

الشعر

القفل

وأقول لنفسي إني لو نجيت يبقى لازم نجاتي تبقى لها معنى

أما أبويا فكان بيتغير ببطء شديد

التغيير الحقيقي عمره ما بيكون استعراض

بقى يسأل قبل ما يقرر

يسمع لما أتكلم

ما يحاولش يصلح كل حاجة بالفلوس

أحيانًا كنا بنتخانق

وأحيانًا كنت أقول له كلام قاسي

عن غيابه

عن جبنه

عن إنه شاف وما اتحركش

وكان أحيانًا يدافع عن نفسه

وأحيانًا أخرى يسكت

لكن عمره ما قال لي انسي

ودي كانت نعمة

ما طلبش مني أنسى عشان يرتاح

واجه

مرة وأنا في سنة تالتة جامعة دخلت مكتبه لقيته فاتح ألبوم صور أمي

كان باصص لصورة قديمة ليها وهي في المصيف ضاحكة

قال لي تعرفي

أنا كنت فاكر الحب يكفي

كنت فاكر إني بحب أمك كفاية لدرجة تمنعني من خيانة ذكراها

لكن الحقيقة إني خنتها لما سبت حد يكره بنتها داخل بيتها تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

أنا قعدت قدامه وسكت

لأن بعض الجمل ما لهاش رد

في السنة اللي بعدها أصيب بأزمة قلبية خفيفة

مش مميتة لكن مخوفة

قضينا أسبوع في المستشفى

وأنا اللي كنت قاعدة جنب سريره أراجع أدويته وأرد على اتصالات مكتبه

المفارقة وجعتني

لأن جزء مني افتكر ليلة المطر

وجزء تاني كان عارف إن الإنسان مش بيتحول إلى وحش واحد طول العمر ولا إلى بطل واحد

إحنا خليط من التقصير والمحاولة

من الجرح والترميم

لما خرج من المستشفى قالي أنا لو مت بكرة

قاطعته بعصبية وبلاش الكلام ده

ابتسم وقال اسمعي بس

أنا لو مت بكرة عايزك تعرفي إن أكتر حاجة ندمان عليها إني ما حميتكش وقت ما كنتي محتاجة حماية

وأكتر حاجة فخور بيها إنك عرفتي تحمي نفسك بعدين

أنا بكيت وقتها

مش عشان الصفح الكامل

لكن عشان الصدق أخيرًا وصل

بعد التخرج اشتغلت مع مكتب محاماة كبير وبعدين سيبته وفتحت مع زميلتين ليا مركز قانوني صغير يقدم استشارات للنساء والمراهقين اللي بيتعرضوا للعنف الأسري

الناس قالت إن المشروع مش هيكسب

وإحنا فعلًا في أول سنتين كنا بنصارع الإيجار والرواتب والكهربا

لكن كل بنت كانت تدخل تبكي وتقول أنا فاكرة إن محدش هيصدقني كانت بتفكرني بنفسي

وكل مرة أقول لها أنا مصدقاكي كانت روحي تتحرك من مكانها القديم

أبويا كان بيساعد في البداية من بعيد

ينصحنا قانونيًا

يراجع العقود

وبعدين صار يحضر بعض الندوات معنا

في واحدة منهم وقف وقال قدام قاعة مليانة ناس

أنا محامي وفشلت في حماية أقرب حد ليا لأنني أقنعت نفسي إن السكوت حياد

والسكوت عمره ما كان حياد

السكوت انحياز للأقوى

وأنا حسيت وقتها إني بتفرج على إنسان بيحاسب نفسه علنًا

يمكن ده ما يمحيش الماضي

لكن بيمنع تكراره

بعد سنين طويلة جدًا

في شتا جديد

رجعت نفس الشارع القديم

الفيلا ما عادتش فيلتنا

بعناها بعد وفاة أبويا

آه

مات بعدها بثلاث سنين في هدوء وهو قاعد في الجنينة بيشرب قهوته

موته كان هادئ على عكس حياة طويلة من الصخب المكبوت

رجعت الشارع بدعوة من جمعية في الحي كانت بتكرمني على شغلي

وقفت قدام البيت

الباب اتغير

اللون اتغير

حتى الشجر كبر

لكن العتبة نفسها كانت هناك

نفس الحجر الخشن اللي وقعت عليه وأنا عندي أربعة عشر سنة




وقفت تحت مطر خفيف

مش قارس زي زمان

بس كفاية يرجع الذكرى

قفلت عيني

وشفت البنت الصغيرة الحافية

المبلولة

المتكومة

اللي بتقول بابا إنت فين

وقفت جنبها في خيالي

أنا بنفسي

بعمري اللي كبر وصوتي اللي اتعلم

وقلت لها أنا هنا

يمكن ده معنى النجاة الحقيقي

إننا نرجع لأنفسنا القديمة ونقول لها إن القصة ما انتهتش عند الباب المقفول

إن الليلة اللي انكسرت فيها ما كانتش النهاية

كانت البداية

بداية الوعي

بداية الغضب

بداية الصوت

يمكن نجلاء كسرت فيا حاجات كتير

يمكن برد نوفمبر سرق مني براءة كتير

لكن اللي ما عرفتش تكسره هو القدرة على التحول

على إني أبقى أكتر من ضحية

أكتر من بنت مرمية بره البيت

بقيت شاهدة

وبقيت سند

وبقيت باب بيتفتح لما حد يخبط

وفي كل مرة بنت صغيرة تقعد قدامي وتقوللي أنا خايفة ما حدش يصدقني

أفتكر نور العربية وهو بيشق المطر

وأفتكر إني زمان استنيت الإنقاذ من بره

لكن دلوقتي أعرف إن الإنقاذ الحقيقي لما حد يبصلك ويقول أنا شايف

أنا مصدق

وأنا مش هسيبك بره تاني

هذه كانت الحكاية التي بدأت بطبق مكسور

لكنها في الحقيقة كانت حكاية قلب صغير اتعلم من بدري إن البيت مش شرط يكون أمان

ثم قضى عمره كله يبني معنى جديد لكلمة أمان

حجر فوق حجر

قضية وراء قضية

دمعة بعد دمعة

حتى صار المطر نفسه لا يخيفه

صار فقط يذكره أن أشد الليالي بردًا قد ينشق فيها الضوء فجأة

وأن طفلة واحدة نجت قد تنير الطريق لغيرها

وأن رد فعل واحد متأخر قد لا يمحو ما جرى

لكنه أحيانًا يفتح أول باب في طريق طويل نحو العدالة

وأنا لحد النهاردة لما المطر ينزل في نص نوفمبر

أقفل الشبابيك جيدًا

وأعمل كوب شاي دافي

وأدعي لأمي

وأدعي للبنت اللي كنتها

وأدعي لكل طفل واقف الآن خلف باب مغلق

أن يسمع صوت محرك قريب

وصوت قلب شجاع

وصوت حقيقة أخيرًا لا تخاف أن تظهر


تعليقات

التنقل السريع
    close