القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

وضع جوزها مخدة واحدة بينهم على السرير لمدة 18 سنة كاملة بسبب “القرف”، لحد ما كشف ملف في التأمينات الحقيقة الصادمة.

 وضع جوزها مخدة واحدة بينهم على السرير لمدة 18 سنة كاملة بسبب “القرف”، لحد ما كشف ملف في التأمينات الحقيقة الصادمة.





وضع جوزها مخدة واحدة بينهم على السرير لمدة 18 سنة كاملة بسبب “القرف”، لحد ما كشف ملف في التأمينات الحقيقة الصادمة.


لمدة 18 سنة بالظبط، ما لمسش سيد مراته منى… حتى بالغلط.


 


كل ليلة، كان يحط مخدة قديمة في نص السرير، عامل بينهم حيطه من التلج والصمت. ومنى كانت بتقبل الوضع ده من غير ما تشتكي، لأنها جواها كانت عارفة إنها تستاهل العقاب.


 


هي اللي خنته خيانة بشعة.


 


بدأت الحكاية عصر يوم مكتوم في شبرا الخيمة، الجو فيه ريحة تراب مبلول ودخان عربيات وريحة درة مشوية طالعة من أول الشارع. كانت منى واقفة في صيدلية، زهقانة من حياتها، بتحسب كل جنيه، ومستنية جوزها سيد اللي كان كل يوم يرجع من الورشة مهدود ومكسور من الشغل.


 


اسم الراجل التاني كان رامي.


 


ماكانش غني ولا أوسم من سيد، بس كان بيعرف يدخل لقلوب الستات بالكلام الحلو. كان يسمعها، يضحكها، ويحسسها إنها ست ليها قيمة… مش مجرد خدامة في بيت وجوز وعيال.


 


الموضوع بدأ برسالتين واتساب الصبح… وبعدين قهاوي مستخبية… وبعدين لمسات… لحد ما في يوم الساعة واحدة الضهر، دخلت معاه أوضة في فندق شعبي في المرج.


 


قبل ما تطلع فوق، قلعت دبلة جوازها وسابتها جنب الريسبشن.


 


وفي نفس الليلة رجعت البيت وشعرها مبلول، وقلبها بيتحرق من الذنب.


 


سيد كان قاعد ياكل في المطبخ.


حكايات رومانى مكرم


لا شتمها… ولا ضربها… ولا حتى سألها كانت فين.


 


بص بس على إيديها الفاضية من الدبلة، وقال بصوت ساقع يخوف:


 


— ادخلي اتحمي يا منى… ريحتك فيها ريحة راجل غريب.


 


الكلمة نزلت عليها زي السكينة.


 


انهارت تعيط وتصرخ واعترفتله بكل حاجة. افتكرت إنه هيطردها… أو يفضحها وسط أهلها… أو يمكن يمد إيده عليها.


 


بس سيد عمل حاجة عمرها ما توقعتها.


حكايات رومانى مكرم


قام فتح الدولاب، طلع مخدة قديمة، وحطها في نص السرير بينهم. وبعدين نام مديها ضهره.


 


ومن الليلة دي… ما لمسهاش تاني.


 


قدام الناس كان الزوج المثالي. ينزل يجيب الطلبات. يديها المصروف كامل. يفتح لها باب العربية القديمة بفخر.


 


الجيران كانوا يقولوا لها بحسد: — يا بختك يا منى… ده راجل ابن حلال، الزمن ده مابقاش فيه زيه.


 


وهي كانت تبتسم بالعافية، وتبلع وجعها في صمت. واتعلمت إن الراجل ممكن يدفنك بالحياة… من غير ما يعلي صوته حتى.


 


لكن السر كله انفجر في صباح يوم راح سيد يخلص ورق المعاش.



راحوا سوا مستشفى التأمين الصحي في شبرا، والزحمة كالعادة خانقة، والناس بتزعق، والممرضات بتنادي بالأسماء.


 


الدكتور بص في التحاليل الجديدة، وسكت فجأة. بعدها فتح درج قديم وطلع ملف أصفر عليه تراب السنين.


 


قال بصوت متردد: — يا أستاذ سيد… الموضوع ده مش جديد.


 


منى اتجمد الدم في عروقها. وقالت بخضة: — ماله جوزي يا دكتور؟


 


الدكتور طلع ورقة قديمة. سيد حاول يخطفها من إيده، لكن إيده كانت بتترعش جامد والورقة وقعت على الأرض.


 


الدكتور بص لمنى مباشرة وقال: — يا مدام… قبل ما أقولك تشخيص النهارده… لازم أعرف، جوزك قالك قبل كده إيه اللي حصل هنا من 18 سنة؟


#الكاتب_رومانى_مكرم


الأوضة كلها سكتت.


 


منى بصت لسيد… لقته وشه أصفر، وعرقان عرق ساقع، وعينيه مقفولين وهو بيهمس برجاء:


 


— لا يا دكتور… بالله عليك… بلاش.


 


انحنى الدكتور ورفع الورقة من الأرض، وبدأ يقرأ التقرير القديم بصوت هادئ، بينما كان سيد يرتجف وكأنه يواجه حكم الإعدام.


نظر الدكتور لمنى وقال:


— “التقرير ده تاريخه قبل واقعة خيانتك بسبع شهور يا مدام. أستاذ سيد جالي هنا زمان، وكان بيعاني من عجز كامل نتيجة إصابة عمل قديمة في الورشة، أثرت على الأعصاب بشكل دائم.”


وقعت الكلمات على منى كالصاعقة. اتسعت عيناها وهي تنظر لسيد الذي انهار على الكرسي وخبأ وجهه بين يديه. تابعت منى بذهول:


— “عجز؟ يعني إيه يا دكتور؟ يعني هو كان…”


قاطعها الدكتور بأسى:


— “يعني أستاذ سيد من 18 سنة وهو عارف إنه مش هيقدر يمارس حياته كراجل مرة تانية. هو كان بيتعالج هنا في السر، والتقرير ده بيقول إن حالته كانت مستحيلة وقتها.”


في تلك اللحظة، دارت الدنيا بمنى. تذكرت ليلة “المخدة”، وتذكرت جملته الشهيرة “ريحتك فيها ريحة راجل غريب”. أدركت الحقيقة البشعة التي أخفاها سيد طوال هذه السنين.


سيد لم يضع المخدة لأنه “قرفان” منها، ولم يبتعد عنها عقاباً لها على الخيانة.. سيد استغل خيانتها ليغطي على عجزه هو!

تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

لقد جعلها تعيش 18 سنة في سجن من الذنب وجلد الذات، أقنعها أنها “ناقصة” ومجرمة، بينما كان هو يختبئ خلف خطيئتها ليحمي كبرياءه الذكوري. كان يرى دموعها كل ليلة وتوسلاتها لكي يسامحها، وكان يستمتع بدور “الضحية الشريف” وهو يعلم يقيناً أنه حتى لو أراد الاقتراب منها، لم يكن ليقدر.


قامت منى من مكانها، كانت خطواتها ثقيلة وهي تقترب من سيد الذي لم يرفع عينه عن الأرض. همست بصوت مخنوق:



— “يعني المخدة دي ما كانتش سد بيني وبينك عشان خنتك؟ دي كانت ساتر عشان ما كشفش خيبتك؟ 18 سنة بتخليني أحس إني حشرة وأنا بدفع ثمن غلطة.. وأنت كنت بتداري ورايا؟”


رفع سيد رأسه، وكانت عيناه حمراوين من القهر، وقال بفحيح مكتوم:


— “كنتي عايزاني أعمل إيه؟ أقولك إني مابقتش راجل؟ استنيت اللحظة اللي تغلطي فيها عشان أمسك عليكي ذلة تعيشي بيها خدامة تحت رجلي.. وفعلاً عملتيها، وريحتيني من نار السؤال كل يوم: ليه مابتلمسنيش يا سيد؟”


خرجت منى من المستشفى تجري في شوارع شبرا، لا تعرف هل تبكي على خيانتها القديمة، أم على عمرها الذي ضاع في سجن بناه زوجها بذكاء وشيطنة، مستغلاً لحظة ضعفها ليحولها إلى جارية للذنب.



عادت منى إلى البيت، لكنها لم تكن منى التي غادرته في الصباح. كانت تمشي كأنها جثة تتحرك، دخلت غرفة النوم، ونظرت إلى تلك “المخدة” اللعينة التي توسطت السرير لـ 18 سنة. أمسكت بها ومزقتها بيديها، والريش يتطاير حولها مثل رماد ذكرياتها المحترقة.


دخل سيد البيت بعدها بساعة، كان منكسراً، لكن كبرياءه كان لا يزال يحاول النجاة. وجدها جالسة وسط الريش، تمسك بجراب دبلتها القديمة التي لم تلبسها منذ ذلك اليوم المشؤوم.


نظر إليها ببرود مصطنع وقال:


— “هتعملي فيها ضحية؟ نسيتي إنك روحتي الفندق؟ نسيتي إنك قلعتي دبلتي بإيديكي؟ أنا داريت عجزي.. بس أنتِ داريتي وساختك.”


رفعت منى رأسها، وكانت عيناها جافتين تماماً من الدموع، وقالت بهدوء مخيف:


— “أنا مانسيتش يا سيد. أنا مذنبة، وعشت 18 سنة ببوس رجلك عشان تسامحني. بس الفرق بيني وبينك، إني لما غلطت كنتِ بني آدمة ضعيفة، لكن أنت لما انتقمت كنت شيطان.”


تابعت وهي تقف وتواجهه:


— “أنت ما كنتش بتعاقبني عشان بتحبني ومجروح.. أنت كنت بتستخدمني ‘شماعة’. كنت بتشوفني بتذلل لك كل يوم وأنت بتكبر في نظر نفسك وتلبس ثوب الواعظ الشريف، وأنت من جواك عارف إنك كداب. أنت قتلتني بالحيا عشان خايف من نظرة الناس لو عرفوا إنك ‘عاجز’.”


سيد صرخ فيها:


— “أنا سترت عليكي! كان ممكن أفضحك في المنطقة كلها، كان ممكن أخلي سيرتك على كل لسان!”


ضحكت منى ضحكة مريرة وقالت:


— “لا يا سيد، أنت سترت على نفسك. لو كنت طلقتني أو فضحتني، كنت هتضطر تتجوز غيري، وساعتها السر كان هيكشف. أنت لقت فيا ‘الكنز’.. الست اللي مكسورة عينها، اللي مش هتطلب حقها الشرعي، اللي هتفضل تخدمك وهي حاسة إنها مديونة لك بعمرها.”


اقتربت منه حتى لفتت أنفاسها وجهه وقالت:


— “عارف إيه اللي بيوجع أكتر من الخيانة؟ إنك خلتني أفتكر إن ‘القرف’ هو اللي منعك عني، في حين إنك كنت بتموت عشان تلمسني بس مش قادر. الـ 18 سنة اللي عشناهم، أنا كنت بدفع تمن غلطة يوم.. لكن أنت كنت بتغلط في حقي كل ثانية.”


سيد تراجع للخلف، شعر لأول مرة أن القوة التي كان يستمدها من “ذنبها” قد تلاشت. لم تعد منى تخاف منه، ولم تعد تراه ذلك العملاق الطاهر.


قالت وهي تلم غياراتها في شنطة قديمة:


— “أنا ماشية يا سيد. مش عشان رامي، رامي ده كان وهم وخلص من زمان. أنا ماشية عشان مش قادرة أبص في وشك وأشوف ‘المخدة’ اللي كانت بتداري وراها حقيقتك.”


سيد وقف مذهولاً وسألها:


— “هتقولي للناس إيه؟ هتقولي لعيالك إيه؟”

التفتت له عند باب الشقة وقالت بابتسامة باهتة:


— “هقولهم إننا كنا عايشين في كدبة كبيرة.. أنت بطلها، وأنا كنت فيها الكومبارس اللي صدق الدور بزيادة.”


**#الكاتب_رومانى_مكرم**


نزلت منى السلم وهي شايلة شنطة هدومها، وكل خطوة كانت بتحس إن جبل كان فوق كتافها وبيقع. لكن سيد ما سكتش، جري وراها على السلم وهو بيزعق بصوت عالي عشان الجيران تسمع، رجع يلعب لعبته القديمة، لعبة “الرجل الشريف” اللي مراته بتسيبه.


— “رايحة فين يا منى؟ بتسيبيني وأنا عيان؟ بعد كل اللي عملته عشانك؟ الناس تقول عليكي إيه؟”


منى وقفت في نص المدخل، والجيران بدأت تفتح الأبواب وتتفرج. سيد كان فاكر إنها هتخاف من الفضيحة زي كل مرة وتدخل جوه، لكن منى لفتت له وبصت له نظرة خلت ريقه ينشف. وقالت بصوت مسموع للكل:


— “الناس تقول اللي تقوله يا سيد.. أنا عشت 18 سنة خايفة من كلام الناس، وخايفة من نظرة عينيك، وخايفة من ربنا. بس النهارده اكتشفت إنك كنت بتخوفني ببعبع ملوش وجود عشان تداري نقصك.”


سيد ارتبك وبدأ يوشوشها:


— “ادخلي جوه يا ولية هتفضحينا.. الورقة اللي في التأمينات دي أنا هفهمك قصتها، الدكتور فاهم غلط.”


منى ضحكت بصوت عالي، ضحكة فيها وجع وسخرية:


— “الدكتور فاهم غلط؟ والـ 18 سنة مخدة بيننا كانت غلط؟ والذل اللي كنت بتذلهولي كل ليلة وأنا بترجاك تسامحني وأنت بتمثل دور القرفان كان غلط؟”


في اللحظة دي، طلع ابنهم الكبير “أحمد” من الشقة، كان واقف بيسمع الحوار وعينيه مليانة حيرة. بص لأبوه اللي كان دايماً قدوته في الشرف والأدب، وبص لأمه اللي كانت دايماً مطأطأة راسها.


سيد حاول يلم الموضوع بسرعة:


— “أحمد.. تعالى خد أمك دخلها جوه، دي اتجننت وبتقول كلام ملوش لزمة.”


لكن منى طلعت ورقة من الشنطة، كانت صورة من تقرير المعاش اللي قدرت تخطفها وهي خارجة من المستشفى، ورمتها في إيد ابنها وقالت له:


— “اقرأ يا أحمد.. اقرأ وشوف أبوك اللي كان بيحسسني إني مش بني آدمة عشان خنت تفكيري في يوم.. كان بيعمل كده ليه. أبوك كان عاجز من قبل ما الحكاية تبدأ، واستخدم غلطتي عشان يغطي على عيبه ويضمن إني أفضل تحت رجله لآخر العمر.”


أحمد بدأ يقرأ، وملامح وشه بتتغير من الصدمة للذهول. سيد حاول يشد الورقة منه، لكن أحمد زقه بإيده وهو مش مصدق. وبص لأبوه وقال بنبرة غريبة:


— “يعني كل اللي كنت بتقولهولنا عن كرامة الراجل، وعن إن الست لازم تدفع ثمن غلطها.. كان تمثيل؟ أنت كنت سايب أمي تموت قدامنا من القهر وأنت عارف إن العيب فيك أنت؟”



سيد انهار وقعد على السلم، مابقاش فيه قوة يدافع بيها عن كدبته اللي عاشت 18 سنة.


منى بصت لسيد نظرة أخيرة وقالت له:


— “أنا مش هفضحك يا سيد، مش عشان خاطرك، عشان خاطر العيال اللي مالهمش ذنب. أنا هروح بيت أبويا، والورقة دي هتفضل معايا.. مش عشان أذلك بيها، لكن عشان لو فكرت في يوم تبص لي بنظرة ‘القرف’ اللي كنت بتمثلها، أطلعها لك وأفكرك إننا كلنا في الآخر.. بني آدمين ناقصين.”


مشيت منى وسابت البيت، لكن وهي ماشية في الشارع، شافت “رامي” بالصدفة واقف على أول الشارع، كأنه القدر بيمتحنها تاني. رامي شافها بشنطتها، وقرب منها بابتسامته الصفراء وقال:


— “منى؟ مالك يا ست الستات؟ إيه الشنطة دي؟ قولتلك من زمان سيد ده مش وش نعمة.. تعالي معايا وأنا أعوضك.”


منى وقفت، وبصت لرامي، وبعدين بصت للسما.. وخدت قرار غير كل التوقعات.

وقفت منى أمام رامي، الرجل الذي كان يمثل في خيالها يوماً ما باب الخروج من جحيمها، لكنها الآن تراه على حقيقته.. مجرد “ندبة” أخرى في حياتها.


نظر إليها رامي بطمع، ظناً منه أن اللحظة التي انتظرها لسنوات قد جاءت، وأن “صيده” أصبح سهلاً بعدما تركت بيت زوجها. مد يده ليأخذ منها الشنطة وهو يقول بنعومة:


— “خلاص يا منى، الحكاية انتهت. سيد طردك مش كدة؟ ولا عرف حاجة؟ المهم إنك دلوقتي حرة.. وأنا لسه عند وعدي، شقتي مفتوحة لك.”


نظرت منى ليده الممدودة، ثم رفعت عينيها لعينيه وقالت بصوت هادئ ومستقر:


— “أنت فاكر إني سيبت سيد عشان أجيلك يا رامي؟ أنت فاكر إن الـ 18 سنة ذل اللي عشتهم كانوا عشانك أنت؟”

تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

ارتبك رامي وقال:


— “أنا قصدي إني هحاميكي.. أنا الوحيد اللي عارف قيمتك.”


ضحكت منى بمرارة وقالت:


— “أنت أكتر واحد رخصتني يا رامي. سيد ظلمني لما استغل غلطتي ودارى ورايا عيبه، لكن أنت كنت “الغلطة” اللي سمحت له يركب فوق رقبتي. أنت والساعة اللي قضيتها معاك في الفندق هما اللي خلوا سيد يقدر يحط المخدة بيني وبينه 18 سنة.”


ثم تابعت وهي تدفعه بعيداً عنها:


— “أنا مش خارجة من سجن سيد عشان أدخل سجنك. أنا النهاردة بس فهمت إنك أنت وسيد وجهين لعملة واحدة.. هو استغل ضعفي عشان يحمي رجولته، وأنت استغليت فراغي عشان ترضي شهوتك. امشِ من قدامي يا رامي، ومشوفش وشك تاني في حياتي.”


تركته واقفا مذهولاً، ومشت في طريقها وهي تشعر لأول مرة برياح الحرية تلمح وجهها. لم تذهب لبيت أبيها كما قالت لسيد، فهي تعلم أن أهلها سيجبرونها على العودة أو يجلدونها بكلامهم. ذهبت إلى شقة صغيرة كانت تملكها من ميراث أمها، شقة أغلقتها السنين وأكلها التراب.


بينما كانت منى تنظف شقتها الجديدة، كان سيد في البيت يواجه “أحمد” وابنته الصغيرة “هبة”.


أحمد كان ينظر لأبيه بنظرة غريبة، لم تكن نظرة كره، بل كانت نظرة “شفقة”.. وهي النظرة التي كان سيد يهرب منها طوال حياته.


قال سيد بضعف:


— “يا ابني أنا كنت بحافظ على شكل البيت.. كنت عايزها تفضل مكسورة عشان ما تفكرش تكررها.”


رد أحمد بصدمة:


— “كنت بتكسرها بالكدب يا بابا؟ كنت بتخلينا نشوفها وهي بتعيط ونقول “تستاهل” عشان هي اللي غلطت في حق الراجل “المثالي”؟ أنت مش بس خدعت أمي، أنت خدعتنا إحنا كمان.”


وفي منتصف الليل، رن جرس باب شقة منى الجديدة. فتحت الباب لتجد سيد واقفاً، لكنه لم يكن يحمل قناعه القديم. كان يحمل في يده “المخدة” القديمة التي مزقتها منى، بعد أن حاول جمع بعض ريشها.

نظر إليها وقال بصوت مكسور:


— “منى.. أنا مش قادر أنام في البيت والسر بقى برا الحيطان. أنا جيت أقولك حاجة واحدة.. أنا فعلاً قرفت، بس ما قرفتش منك.. أنا قرفت من نفسي.”


نظرت إليه منى بجمود، وسألته:


— “وجاي ليه يا سيد؟ عايزني أرجع أداري عليك تاني؟”


سيد نزل على ركبتيه أمام الباب وقال جملة قلبت كل الموازين:


— “أنا جيت أقولك إن التقرير اللي الدكتور قرأه.. مكنش التقرير الوحيد في الملف يا منى.”


**#الكاتب_رومانى_مكرم**


 


تجمدت منى في مكانها، وبردت أطرافها وهي تنظر لسيد الراكع عند قدميها. الكلمات خرجت من بين شفتيه كأنها اعتراف أخير من رجل يلفظ أنفاسه الأخيرة.


سألته بصوت يرتجف:


— “يعني إيه يا سيد؟ إيه اللي كان في الملف تاني والدكتور ما قالهوش؟”


سيد غمض عينيه بقهر، والدموع نزلت على وشه لأول مرة من سنين، وقال بصوت مخنوق:


— “الملف كان فيه تقرير تاني بتاريخ أحدث.. بعد الحادثة بتاعتي بسنتين. التقرير بيقول إن حالتي كانت بدأت تتحسن، وإني رجعت طبيعي بنسبة كبيرة.. يعني الـ 16 سنة الأخيرة، أنا ماكنتش عاجز يا منى.”


شهقت منى وتراجعت لورا وهي بتسند على الحيطة عشان ما تقعش. الصدمة المرة دي كانت أقوى من قدرتها على الاحتمال. همست بذهول:


— “يعني إيه؟ يعني أنت كنت سليم؟ كنت بتقدر تعيش معايا حياة طبيعية؟”


سيد هز راسه بالإيجاب وهو بيبكي بنحيب:


— “أيوه.. خفيت وبقيت كويس. بس كنت استحلفتلك.. كنت استمتعت بدور القاضي اللي بيجلدك كل يوم بنظراته. خفت لو رجعت لك طبيعي، تنسي غلطتك، أو ترفعي راسك في عيني تاني. حبيت أشوفك مكسورة، حبيت أحس إني بمتلكك بالذنب مش بالحب. المخدة اللي كانت بيننا، ماكانتش ساتر لعجز جسمي في السنين الأخيرة.. كانت ساتر لمرض قلبي وسواد نفسي.”


منى صرخت فيه بوجع هز جدران العمارة:


— “يا جبروتك يا شيخ! 16 سنة حارمني وحارم نفسك عشان تذلني؟ 16 سنة بتشوفني بدبل قدام عينك وبموت في اليوم ميت مرة وأنا فاكرة إني نجستك، وأنت كنت سليم وبتمثل؟ أنت كنت بتعاقبني ولا كنت بتنتقم من ربنا فيا؟”

تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

سيد حاول يمسك إيدها وهو بيترجى:


— “كنت خايف تضيعي مني يا منى.. قولت الذنب هو الحبل اللي هيربطك في رقبة السرير ومايخليكيش تبصي لبره تاني. كنت فاكر إن كسر عينك هو الضمان الوحيد لولائك.”


منى نفضت إيده بقرف، وبصت له بنظرة خلت سيد يحس إنه هو اللي بقى “الحشرة” دلوقتي. وقالت له بصوت طالع من قاع جرح ملوش دواء:


— “أنت عارف يا سيد.. أنا لما خنتك، خنتك في لحظة جهل وضعف، وندمت عليها بكل ذرة في كياني. لكن أنت خنتني في كل ثانية، وفي كل لقمة أكلناها سوا، وفي كل نظرة عطف كنت بتمثلها قدام الناس. خيانتك أنت أبشع بكتير.. لأنها خيانة “عشرة” و”عيش وملح” و”روح” كانت بتتسحب مني بالبطيء وأنت بتتفرج ومبسوط.”



قامت منى وفتحت باب الشقة على آخره، وشاورت له لبره بجمود:


— “اخرج يا سيد.. اخرج وخد المخدة دي معاك. اخرج وقول للناس وللعيال إنك خفيت، وقولهم إنك كنت سليم، بس قولهم كمان إنك كنت ميت من جوه. أنا النهاردة مش بس طلقتك في قلبي.. أنا دفنتك.”


خرج سيد وهو بيجر أذيال الخيبة، والمخدة في إيده بقت زي الكفن.


لكن الحكاية لسه ما خلصتش.. لأن منى وهي بتقفل الباب، لقت رسالة محطوطة تحت العتبة، رسالة بخط إيد بنتها “هبة”، وفيها سر تاني هيغير مسار حياة منى للأبد.


**#الكاتب_رومانى_مكرم**


فتحت منى الرسالة بيد ترتعش، كانت تتوقع عتاباً من ابنتها أو توسلاً للعودة، لكن الكلمات المكتوبة بمداد القهر كانت زلزالاً آخر:


> “أمي.. أنا عارفة كل حاجة. مش بس اللي حصل في المستشفى، أنا عارفة السر اللي خلاه يفضل حاطط المخدة دي طول السنين اللي فاتت حتى وهو سليم. بابا ما كانش بيعاقبك أنتِ بس.. بابا كان بيعاقب نفسه فيكِ. يوم ما شفتك مع الراجل ده في المرج، أنا كنت هناك يا أمي.. كنت ماشية وراكي وأنا عندي 12 سنة، وشفتك وأنتِ بتقلعي الدبلة. بس اللي بابا ما يعرفوش، إني شفته هو كمان واقـف بعيد بيراقبك، وشافك وأنتِ طالعة، وما منعكيش.. سابك تطلعي عشان يمسك عليكي السكين اللي يدبحك بيها العمر كله.”


>


سقطت الورقة من يد منى. لم يكن سيد “ضحية” صدفة، بل كان “صياداً” صبر حتى تقع في الفخ ليضمن عبوديتها للأبد.


### المواجهة الأخيرة


عادت منى إلى بيت سيد للمرة الأخيرة، ليس لتعيش، بل لتبصق في وجه الخديعة. وجدت سيد جالساً في الصالة، وحيداً مع مخدته الممزقة. ألقت بالرسالة في حجره وقالت:


— “كنت واقف وشايفني؟ كنت تقدر تمنعني من أرخص لحظة في حياتي وتنقذ بيتك، بس فضلت إنك تخسر شرفك عشان تكسب “ذلّتي”؟”


سيد لم ينطق، كانت عيناه فارغتين، فقد سقطت كل الأقنعة ولم يبقَ إلا الحطام.


### النهاية


قررت منى ألا تعيش في جلباب الضحية مرة أخرى. لم تعد لرامي، ولم تبقَ مع سيد.


* **سيد:** عاش ما تبقى من عمره وحيداً، ينام في بيت واسع لكنه بارد كالقبر، يحيط نفسه بمخدات الصمت التي صنعها بيديه.


* **منى:** بدأت تعمل في مشغل خياطة صغير، استردت كرامتها بالعمل والتوبة الحقيقية بينها وبين الله، بعيداً عن “صكوك الغفران” التي كان يمنحها لها بشر كاذب.


* **الأبناء:** تعلموا الدرس الأقسى؛ أن البيوت التي تُبنى على “الذلة” و”كسر العين” هي بيوت أوهن من بيت العنكبوت، وأن الصدق -مهما كان مراً- هو الناجي الوحيد.



غادرت منى المنطقة كلها، وفي ليلة شتوية تشبه الليلة التي بدأت فيها مأساتها، أخذت تلك المخدة القديمة وأشعلت فيها النار في أرض خالية. راقبت الدخان وهو يتصاعد، وشعرت لأول مرة منذ 18 سنة، أنها تستطيع أن تنفس بعمق.. بلا قرف، وبلا ذنب، وبلا سيد.


## **تمت.**


تعليقات

التنقل السريع
    close