دولابي
دولابي
جوزي مسافر من شهرين بس بنتي الصغيره همست في ودني بخوف..ياماما بابا مش مسافر...هو معانا في الشقه وبيكلمني بالليل كل يوم
في الأول، افتكرت "سوسو" بتألف أي كلام.
بنت عندها خمس سنين، خيالها دايماً واسع ومتروس حاجات أغرب من كرتون الأطفال.
قدام بوابة الحضانة، جريت عليا وحضنتني، ولفّت إيديها الصغيرة حوالين رقبتي، وهمست في ودني بخوف:
"ماما.. بابا مش في إسكندرية."
"بابا موجود جوه بيتنا."
وقفت مكاني متسمرة، ورجعت ابتسمت، وربطت على ضهرها بحنية:
"يا حبيبتي لا، بابا مسافر شغل بقاله شهرين.. ده حتى بعتلك الدبدوب بتاعك الأسبوع اللي فات."
"بس أنا شفته يا ماما بجد."
صوتها كان واطي جداً، كأنها خايفة حد يسمعنا.
"بابا موجود جوه دولاب الهدوم الكبير اللي في أوضتنا."
قعدت قدامها عشان أبقى في مستوى عينيها، وحاولت ألمح أي علامة هزار أو لعب في وشها.
مفيش.
كانت جدية لدرجة تخوف، ومبينة إنها مقهورة شوية.
"بالليل لما قمت أدخل الحمام، شفت بابا خارج من أوضتكم."
"لقيته داخل المطبخ بيشرب ميه، ولما شافني قالي إنه بيلعب معايا
استغماية."
"وقالي إني لازم أكون أمينة ومقولش لحد."
سوسو بدأت تعد على صوابعها، وصوتها كان واثق جداً:
"أنا عديت يا ماما.. بابا قالي أخبي السر ده ستين يوم."
ستين يوم.
عمر، جوزي، مسافر بقاله.. بالظبط ستين يوم.
وأنا سايقة في طريق العودة، كنت ماسكة الدريكسيون بإيدي الاتنين، وعقلي بيوديني ويجيبني.
سوسو كانت قاعدة ورا بتغني أغاني أطفال، ولا هي هنا، مش عارفة إن الكلام اللي قالته ده زي القنبلة اللي انفجرت جوه دماغي.
قلت لنفسي: "اهدي يا بنتي، بلاش أفكار سودة.. أكيد البت بتحلم أو بتخرف."
بس التفاصيل.. "داخل المطبخ يشرب ميه"، "بيلعب استغماية"، "ستين يوم".
طفلة عندها 5 سنين.. مستحيل تألف تفاصيل دقيقة زي دي.
وصلت البيت، قعدت سوسو قدام التليفزيون، ودخلت أوضة النوم لوحدي.
الدولاب كان في ركن الأوضة، ضخم، واصل للسقف، بدرف جرار خشب لونه بني غامق.
الدولاب ده عمر هو اللي صممه بنفسه لما جددنا الشقة، قال عشان يعلق فيه البالطوهات الطويلة.
وقتها قلت عليه رومانسي ومهتم.. دلوقتي، وأنا واقفة قدامه، حسيت إن فيه حاجة غلط.
مديت إيدي أمك السكرة (المقبض).
اترعبت ثواني.
وبعدين شديته بقوة.
الدولاب مليان هدوم.
الناحية الشمال هدومي، والناحية اليمين هدوم عمر.
الأدراج اللي تحت مترتبة، مفيش أي حاجة متغيرة.
مفيش حد.
أخدت نفسي براحة، وضحكت على غبائي. "هو أنا في فيلم رعب؟ أكيد الدولاب فاضي".
بالليل، وأنا بحمي سوسو، فجأة سألتني:
"ماما.. هو بابا مبقاش بيحبني؟"
اتخضيت: "ليه بتقولي كده يا حبيبتي؟"
"عشان كل ما يخرج بيبقى متخبي.. مش بيلعب معايا.. بيقولي ادخلي نامي."
كشرت وشها وقالت: "كنت عايزاه يحكيلي حدوتة، قالي ماينفعش.. عشان ماما ما تاخدش بالها."
إيدي اتجمدت وهي بتسرح شعرها.
"بابا قالك.. ماما تاخد بالها؟"
"أيوة، قالي دي مهمة سرية.. لو ماما عرفت، هنخسر اللعبة."
لو ده كذب..
طفلة في سنها مستحيل تركب المنطق ده على بعضه.
الليل ده، بعد ما نيمت سوسو، قعدت في الصالة في الضلمة.
تليفوني نور.
رسالة على "الواتساب" من عمر.
صورة لإسكندرية بالليل والأنوار منورة، مكتوب عليها:
"خلصت شغل، ونازل أتمشى شوية.. وحشتوني."
كل حاجة مثالية.
مثالية لدرجة إن مفيش فيها أي غلطة.
بس كلام سوسو كان بيتردد في ودني زي الشريط.
قمت..
دخلت أوضة النوم.
قفلت الباب.
الأوضة ضلمة إلا من نور الشارع الضعيف اللي داخل من الشيش.
قربت من الدولاب.
حطيت ودني على الخشب.
كان بارد جداً.
حبست أنفاسي.
في الأول.. مفيش حاجة.
مسمعتش غير دقات قلبي.
وفجأة—
سمعت صوت خلاني وقعت من طولي .......
صوت خفيف جداً.
مرة.. اتنين.
كأن حد بيتقلب جوه.
صوت قماش بيتحك في بعضه.
و.. صوت نَفَس.
هادي جداً.
مكتوم بالعافية.
بس موجود.
جسمي كله تلج.
رجعت لورا، خبطت في التسريحة.
شويه برطمانات إزاز وقعت، وعملت دوشة كبيرة.
الصوت اللي جوه الدولاب.. سكت فوراً.
كأن اللي جوه بيحبس أنفاسه هو كمان.
مش فاكرة خرجت من الأوضة إزاي.
فاكرة بس إيدي كانت بتترعش وأنا بقفل باب الأوضة بالمفتاح تلات مرات.
اتزحلقت على الأرض وقعدت ضهري للباب.
جوه الدولاب.. فيه حد.
مش تهيؤات.
مش خيال.
فيه حد.. عايش في الدولاب بتاعي بقاله ستين يوم.
وعمر.. ساب البيت بقاله ستين يوم.
الفكرة دي لما جت في بالي—
الشقة كلها بقت غريبة.
الحيطان، السيراميك، العفش..
حسيت إن فيه عين بتراقبني من كل حتة.
مسكت التليفون، ورجعت سيبته.
أبلغ البوليس؟
أقولهم جوزي بيستخبى في الدولاب؟
مين هيصدقني؟
في الآخر، أخدت البطانية ورحت أوضة سوسو.
قفلت الباب بالمفتاح.
وحضنت سوسو وهي نايمة.
مغمضتش عيني طول الليل.
كل صوت صغير كان بيوقف قلبي.
صوت التكييف.
صوت عربية في الشارع.
صوت الستارة وهي بتتحرك.
كنت بحاول أسمع..
هل باب الدولاب بيفتح؟
هل فيه حد بيخرج؟
طلع النهار.
الخوف قل شوية.. بس مكانه حل غضب.
لو اللي جوه ده عمر بجد—
هو بيعمل إيه؟ وليه بيعمل كده؟
الصبح، حاولت أبين إني طبيعية.
"ماما، عينيكي حمراء ليه؟"
"معلش يا حبيبتي، حلمت كابوس."
"حلمتي بإيه؟"
"حلمت إن الكيكة اللي كنت بعملها اتحرقت."
سوسو ضحكت: "ماما هبلة."
وأنا بوديها الحضانة، سألتها:
"بابا كان بيلبس إيه لما بيخرج من الدولاب؟"
"ساعات بيجامة.. وساعات هدوم الشغل."
"بيكون لابس كرافتة؟"
"أيوة يا ماما."
كرافتة.. جوه الدولاب؟
سيبتها في الحضانة، وفضلت قاعدة في العربية فترة طويلة.
كان لازم أعرف حاجتين—
مين اللي جوه الدولاب.
وليه بيعمل كده.
أخدت أجازة من الشغل.
وسقت لحد "مول التكنولوجيا".
"عايزة كاميرا صغيرة، بتتوصل بالموبايل، وتكون مستخبية.
"
نقيت أصغر واحدة.
بتلزق بمغناطيس.
وفيها رؤية ليلية.
اتعلمت أشغلها في عشر دقايق.
ورجعت البيت.
وقفت قدام باب الشقة.. كنت مترددة جداً.
أنا خايفة من إيه؟ ده بيتي.
دخلت.
الهدوء كان مسيطر على المكان.
كل حاجة نظيفة، مترتبة، وطبيعية.
دخلت أوضة النوم.
الدولاب مقفول.
مفيش أي صوت.
بسرعة لزقت الكاميرا ورا البرواز اللي قدام السرير.
ظبطت الزاوية.
اتأكدت إنها جايبة الدولاب كله.
خلصت.
وقفت في الأوضة، قلبي بيدق بسرعة البرق.
مستنية..
أشوف مين اللي هيخرج النهاردة—
من الدولاب ده.
فضلت طول اليوم قاعدة في الصالة، ماسكة الموبايل ومثبتة عيني على شاشة التطبيق اللي متوصل بالكاميرا. قلبي بيدق بسرعة، والهدوء في الشقة كان تقيل لدرجة إني سامعة صوت نفسي.
الساعة بقت تلاتة الفجر. النور في الأوضة كان مطفي، بس الكاميرا جايبة تفاصيل الدولاب بوضوح بفضل خاصية الرؤية الليلية.
فجأة، حسيت بحركة.
درفة الدولاب اتحركت.. اتفتحت ببطء شديد، بدون أي صوت، كأنها مدهونة زيت.
حبست أنفاسي. طلع راجل.. مش "عمر". كان راجل غريب، شعره منكوش، ولبسه متبهدل، بس كان لابس "كرافتة" عمر، الكرافتة اللي كان بيحب يلبسها في مقابلات الشغل.
بص ناحية
باب الأوضة، اتأكد إني مش موجودة، وبعدين بدأ يتحرك بخفة في الأوضة. راح ناحية التسريحة، فتح الدرج بتاعي، وطلع "برفان" عمر، رش منه على هدومه، وبدأ يشمشم فيه باستمتاع مرضي!
جسمي كله قشعر. ده مش لص.. ده حد مهووس بجوزي!
قام وقف قدام المراية، وبدأ يقلد حركات عمر، بيعدل ياقة القميص، وبيبتسم لنفسه ابتسامة باردة.
وفجأة.. الموبايل في إيدي رنّ. كانت رسالة تانية من "عمر" على الواتساب: "وحشتوني يا أغلى الناس، راجع بكره".
الراجل اللي جوه الأوضة اتجمد مكانه، وبص للموبايل اللي كان سايبه على التسريحة. مسكه، وفتح الرسالة، وبدأ يكتب رد!
في اللحظة دي، فهمت كل حاجة. ده مش مجرد دخيل.. ده شخص كان بيتحكم في كل تفاصيل حياتي، بيوهم سوسو إنه باباها، وبيوهمنا كلنا إنه لسه موجود ومسافر.
الخوف اتجمع في قلبي، بس الغضب كان أقوى. قمت بالراحة، دخلت المطبخ، وخدت "السكينة" الكبيرة.
رجعت وقفت قدام باب أوضة النوم، وفتحت الباب بقوة وبصرخة طالعة من أعماقي: "أنت مين؟ وعملت في جوزي إيه؟!"
الراجل اتفزع ووقع الموبايل من إيده. بصلي وعينه كانت مليانة نظرة غريبة.. نظرة شفقة!
قال بصوت واطي ومبحوح: "انتي لسه بتسألي؟ بصي في المراية يا فلانة.."
بصيت
في المراية اللي قدامي.. اتجمدت.
مفيش حد في المراية غيري.
الراجل ده بدأ يبهت.. يختفي زي خيال بيتبخر، لحد ما ملامحه بقت مشوشة تماماً.
"عمر ماماتش في حادثة من ستين يوم يا فلانة.. عمر سابك وسافر بجد، بس انتي اللي رفضتي تصدقي. أنا مش حد غريب.. أنا الكذبة اللي انتي خلقتيها عشان متواجهيش الحقيقة."
وقعت السكينة من إيدي. سمعت صوت سوسو وهي بتفتح باب أوضتها وبتقولي: "ماما؟ بتكلمي مين؟ مفيش حد هنا، زي كل يوم."
بصيت لـ سوسو، كانت ماسكة الدبدوب اللي "بابا" بعته.. بصيت للدبدوب، لقيت فيه جهاز تسجيل صغير، كان بيبث صوت "عمر" المسجل عشان يخلي سوسو تصدق إنه لسه موجود.
وقعت على الأرض، وانهارت من العياط.
لقيت إيد سوسو بتطبطب على كتفي: "ماما، خلاص اللعبة خلصت.. بابا مش هييجي، وأنا اللي كنت بفتح الدولاب عشان أسمع صوته المسجل اللي كان مخبيهولي عشان مسيبكيش لوحدك."
في اللحظة دي، عرفت إن الحقيقة كانت أبشع من أي شبح أو حرامي.. الحقيقة كانت إني فضلت عايشة ستين يوم في كدبة، بطلتها بنتي اللي كانت بتحاول تحميني من وجع الفراق، وأنا اللي كنت عايشة في "الدولاب" الخاص بيا.. دولاب الإنكار.
ودلوقتي.. البيت بقى واسع وفاضي، بس لأول مرة من ستين يوم، حاسة إني صحيت من كابوس، حتى لو الحقيقة هي اللي بقت كابوسي الجديد.

تعليقات
إرسال تعليق