رجع من القبر… لكن اللي كان واقف على الباب أخطر من الموت 😳🔥
رجع من القبر… لكن اللي كان واقف على الباب أخطر من الموت 😳🔥
تجمّدتُ في مكاني.
قرأتُ ذلك السطر الأخير ثلاث مرات، وكأنّ تكراره سيجعله أقلَّ فظاعة:
"إذا عرف أبي قبل أن تسمعني… ستكون أمي في خطر."
قبضتُ على المقود بكلتا يديّ لأنني شعرت أنّني على وشك الإغماء. في الخارج، بدا الشارع كما هو دائمًا: دراجات نارية تمرّ، أضواء صيدليات، أشخاص يحتسون القهوة ويدخنون، وزوجان يتجادلان بجانب سيارة أجرة. كل شيء كان يتحرك وكأن العالم لم ينقسم للتو إلى نصفين.
أخي… حيّ.
ثماني سنوات. ثماني سنوات وأنا أرى أمي تكبر أمام قبرٍ فارغ. ثماني سنوات وأنا أسمع أبي يقول إن علينا أن نترك الموتى يرقدون بسلام. والآن… هذه الورقة. لا تخبر أبي. أمي في خطر.
شعرتُ بإحساس مروّع يتصاعد من داخلي. لم يكن خوفًا بعد… بل شيء أقذر. شكّ قديم… وجد شكله أخيرًا.
أبي.
أخرجتُ هاتفي لأتصل بأمي، لكنني توقفت. إذا كان مصعب على حق… وإذا كان هناك من يراقب… وإذا كان من المهم إلى هذا الحد أن لا يعرف أبي… فإن مكالمة عادية قد تكون كافية لتدمير كل شيء.
أخذتُ نفسًا عميقًا… وفتحتُ الموقع على الخريطة.
بحري – حي الديوم الشرقية – شارع 17 – منزل 12.
كان يبعد نحو عشرين دقيقة، حسب حركة السير. نظرتُ إلى الساعة. كانت 10:47 مساءً.
كان بإمكاني العودة إلى المنزل. أن أندفع إلى غرفة والديّ، أوقظ أمي، أصرخ في وجه أبي، وأطالبه بالحقيقة. لكن شيئًا بداخلي كان يعلم… أنه إن فعلت ذلك، فلن تنجو الحقيقة.
كان أبي دائمًا يمتلك طريقة غريبة في إخماد الأمور
قبل أن تنفجر. ليس بالعنف، ولا بالفضائح… بل بالصمت. بأوامر تُقال بهدوء. بذلك البرود الذي يبدو تحكّمًا… والذي كان أحيانًا مجرد فراغ قاتل.
أدرتُ السيارة.
طوال الطريق إلى بحري، شعرتُ وكأن أحدًا يلاحقني. كنتُ أنظر في المرآة الخلفية كل دقيقتين. سيارة بيضاء بقيت خلفي لعدة إشارات، مما زاد توتري، لكنها انعطفت في النهاية. ومع ذلك، عندما وصلتُ إلى الحي، لم أركن مباشرة. دُرتُ حول شارعين، مررتُ بالعنوان مرة، ثم واصلت.
المنزل رقم 12 كان صغيرًا… طابقًا واحدًا، بطلاءٍ باهت متقشّر، وبوابة سوداء. لا شيء مميز. لا شيء يوحي بأن شخصًا ميتًا يختبئ هنا.
لم تكن هناك أضواء خارجية. أوقفتُ السيارة على بعد نصف شارع، وأطفأتُ المحرك. كانت الساعة 11:26.
مرّت دقيقتان… ثم ثلاث.
عند 11:31، فُتح الباب الأمامي قليلًا. لم يخرج أحد. رأيت فقط شقًا من الظلام. انتظرت عشر ثوانٍ… ثم نزلتُ من السيارة.
شعرت بأن ساقيّ لا تحملانني. مشيتُ نحو البوابة، أنظر حولي، أترقّب سماع اسمي، صوت محرك… أي شيء. لا شيء. كان الشارع شبه خالٍ. نبح كلب في البعيد. وصوت تلفاز مرتفع في منزل مقابل.
دفعتُ البوابة. لم تكن مغلقة. وقبل أن أطرق… فُتح الباب.
وكان هو.
مصعب.
أنحف، نعم. ملامحه أقسى. ظلّ داكن تحت عينيه لم أتذكره. لكنه هو. أخي الأكبر. الذي علّمني ركوب الدراجة. الذي دافع عني يومًا. الذي بكيت عليه حتى فقدت صوتي.
رأيته… فجسدي تحرّك قبل عقلي. احتضنته… أو بالأحرى اصطدمت به.
تجمّد
لثانية، كأنه لا يعرف كيف يتعامل مع شخص ما زال يريده حيًا. ثم احتضنني… وهناك فقط انهرت.
"كنت أظنك ميتًا"، قلتُ وأنا أبكي.
ابتلع بصعوبة:
"أعرف."
"لقد دفنّاك يا مصعب… أمي دفنتك."
"أعرف"، قالها بصوت متكسّر.
ابتعدتُ فجأة وضربته على كتفه:
"لا! أنت لا تعرف شيئًا! ثماني سنوات! ثماني سنوات كاملة!"
لم يدافع عن نفسه… لم يمنعني… فقط نظر إلى الأرض.
"ادخل… لا أريد أن يرانا أحد."
دخلتُ وأنا أرتجف.
رائحة المكان كانت رطوبة وقهوة باردة ودواء. أثاث بسيط: طاولة، كرسيان، أريكة قديمة، تلفاز صغير، وستائر مغلقة دائمًا.
لم يكن منزلًا… بل مخبأ.
في الزاوية حقيبة مفتوحة، وعلى الطاولة هاتف بسيط، دفتر… ومسدس.
تجمّدت.
قال وهو يلاحظ نظرتي:
"لن أستخدمه ضدك."
"ماذا حدث لك؟"
لم يكن سؤالًا واحدًا… بل عشرات.
أغلق الباب بإحكام… وأقفل المزلاج.
ذلك التصرف وحده… كان أسوأ من السلاح.
"اجلس."
لم أجلس.
قلت:
"ابدأ من البداية… وإلا أقسم أنني سأذهب الآن إلى أمي… ثم إلى الشرطة."
ضحك بمرارة:
"الشرطة… أول شيء فقد قيمته منذ زمن."
نظرت إليه بغضب:
"لا تتحدث معي بهذه الطريقة بعد أن اختفيت ثماني سنوات."
رفع عينيه أخيرًا… وكان فيهما شيء ثقيل… تعب… وخوف قديم.
"لم أخطط للاختفاء… كنت سأغيب أسبوعًا فقط."
"إلى أين؟"
"إلى مدني… أو هكذا كان المفترض. لكنني لم أكن سأصل."
"والحادث؟"
"لم يكن حادثي."
تمسّكت بالكرسي:
"جثة من كانت؟"
سكت لحظة…
"شخص كان ميتًا أصلًا.
"
شعرت بالغثيان:
"ماذا تقول؟"
مرّر يده على وجهه وقال:
"في ذلك اليوم… طلب مني أبي خدمة."
وهنا… بدأ كل شيء.
أبي.
قال إن أبي أعطاه أوراقًا وشاحنة، وطلب منه أن يذهب إلى نقطة على الطريق. ثم اكتشف أن كل شيء كان مدبّرًا… أن الحريق كان مقصودًا… وأن الجثة والأغراض وُضعت عمدًا.
وحين حاول التراجع…
كان أبي هناك.
قال له:
"الأمر انتهى… أمامك خياران: تساعدني… أو تكون التالي."
توقّف نفسي.
"تساعده بماذا؟"
"بالصمت."
ابتعدتُ عنه:
"لا… أبي لا يمكن أن…"
قال ببرود:
"بل يمكن."
ثم أخبرني…
أن الأمر لم يكن تجارة عادية.
مخازن… شحن… بضائع… أموال…
ومن يعرف أكثر من اللازم… يختفي.
قال إنه وجد دفترًا… فيه أسماء وتواريخ.
أراد مواجهته…
وكان ذلك أكبر خطأ.
في تلك الليلة… أخذه رجال أبي.
نقلوه… حتى تمكّن من الهرب.
"وعشت كل هذه السنوات مختبئًا؟"
"عدت مرتين."
"متى؟"
"بعد سنة… ورأيت المنزل… وسياراتهم أمامه. فهمت الرسالة."
"والمرة الثانية؟"
"يوم تخرجك."
لم أستطع الكلام.
"لماذا الآن؟"
نظر إلى الجدار:
"لأنني سمعت شيئًا."
"ماذا؟"
قال بصوت منخفض:
"أن أمي… لم تعد آمنة."
تجمّدت:
"ماذا يعني هذا؟"
"أبوك يظن أنها قد تتكلم… وهو لا يخاطر."
ثم قال:
"سمعته يقول: يجب أن ننهي الأمر قبل أن تفضحنا."
وقفت فجأة:
"نذهب إليها الآن!"
هزّ رأسه:
"ليس بهذه الطريقة."
"إذًا كيف؟"
فتح الدفتر:
"غدًا… تذهب إلى المقبرة في أم درمان."
نظرتُ إليه بدهشة،
وعيناي تفتشان في ملامحه عن أي أثرٍ للشك:
"كيف تعرف؟"
تنفّس ببطء، وكأنّه يسترجع تفاصيل محفورة في ذاكرته لا يمكن محوها، ثم قال بثبات:
"في السادس عشر من كل شهر… دائمًا."
ارتجف شيءٌ داخلي.
كان محقًا.
أمي… لم تُخطئ يومًا هذا الموعد.
حتى في أسوأ أيامها… حتى حين كانت بالكاد تقف على قدميها… كانت تذهب. تحمل الزهور بيديها المرتجفتين، وتجثو أمام القبر لساعات، وكأنها تحاول إقناع التراب أن يعيد إليها ابنها.
بلعتُ ريقي بصعوبة، وقلت:
"إذًا… نلتقي بها هناك؟"
أومأ برأسه:
"نعم. نصل قبلها. تذهبين أنتِ كعادتك… وعندما تكون وحدها… أقترب. نخرجها من الخلف… من جهة القبور القديمة. هناك ممر لا يراقبه أحد."
"ثم ماذا؟"
صمت.
نظرت إليه بحدّة:
"أين سنأخذها؟"
لم يُجب.
فهمتُ من صمته أكثر مما لو تكلم.
كلما قلّ ما أعرف… كنتُ أكثر أمانًا.
ضحكتُ فجأة، ضحكة قصيرة ومتوترة خرجت رغماً عني:
"لا أصدق… عدتَ من الموت… وما زلتَ تتصرف كأخٍ أكبر يتحكم بكل شيء."
رفع عينيه نحوي… وابتسم.
ابتسامة صغيرة… بالكاد تُرى… لكنها كانت كفيلة بأن تعيدني
سنواتٍ إلى الوراء.
إلى أيامٍ كان كل شيء فيها بسيطًا.
إلى قبل أن يصبح الموت… خدعة.
لكن تلك اللحظة… لم تدم.
فجأة—
رنّ الهاتف.
كان الصوت حادًا في صمت الغرفة، كأنه طعنة في الهواء.
التفتنا إليه في اللحظة نفسها.
كانت الشاشة مضيئة…
والاسم واضحًا.
أبي.
شعرتُ بقلبي يصعد إلى حلقي.
نظرت إلى مصعب ببطء:
"هل… يعلم أنك هنا؟"
هزّ رأسه ببطء:
"لا يجب."
توقّف الهاتف.
سكون ثقيل.
خمسة ثوانٍ فقط…
ثم عاد يرنّ.
لكن هذه المرة… لم يكن هاتفه وحده.
اهتزّ هاتفي داخل حقيبتي.
مددتُ يدي ببطء، أصابعي باردة… وسحبت الهاتف.
رسالة.
من أبي.
فتحتها.
"أين أنت؟ أمك مريضة. تعال فورًا. ولا ترد على أرقام غريبة."
قرأتُ الرسالة مرة… ثم ثانية… ثم رفعتُ عيني نحوه.
مصعب لم يعد يبدو متفاجئًا.
لم
يعد مرتبكًا.
بل على العكس…
كان وجهه هادئًا بشكلٍ مخيف.
كأن كل شيء يحدث الآن… كان يتوقعه.
أو… يخشاه.
قلتُ بصوت منخفض:
"ماذا يعني هذا؟"
لم يجب فورًا.
مدّ يده ببطء… والتقط المسدس من فوق الطاولة.
حركة سريعة… محترفة… كأنها تكررت آلاف المرات.
تفحّصه، ثم أغلقه بإحكام.
قال دون أن ينظر إليّ:
"هذا يعني… أننا تأخرنا."
شعرتُ ببرودة تسري في ظهري:
"تأخرنا عن ماذا؟"
رفع رأسه أخيرًا، ونظر مباشرة إلى النافذة.
"عن الخروج بهدوء."
في البداية… لم أسمع شيئًا.
فقط صوت الثلاجة القديمة… وطنين الكهرباء.
ثم—
صوت بعيد.
محرك.
توقّف.
ثم محرك آخر.
أقرب.
تجمّدتُ في مكاني.
تبادلنا النظرات.
لم نحتج للكلام.
تقدّم مصعب بخطوات بطيئة نحو الستارة… وأزاحها جزءًا صغيرًا جدًا، بالكاد يسمح برؤية
الخارج.
تصلّب جسده فورًا.
همس:
"وصلوا."
شعرتُ بأن الأرض تميد بي:
"من؟"
لم يُجب.
لكنني عرفت.
اقتربتُ ببطء… رغم أنني لم أكن أريد أن أرى.
نظرتُ من الفتحة الضيقة…
سيارة سوداء كبيرة توقفت أمام المنزل.
ثم أخرى خلفها.
الأبواب فُتحت.
رجال.
ظلّهم فقط كان كافيًا ليُفهم كل شيء.
لم يكونوا جيرانًا.
ولم يأتوا للزيارة.
تراجعتُ خطوة إلى الخلف، يدي على فمي:
"أبي…"
لم أستطع إكمال الكلمة.
قال مصعب بصوت منخفض، لكنه حاسم:
"اسمعي لي جيدًا… من الآن، لا تتصرفي بعاطفة."
نظرت إليه، وعيناي ممتلئتان بالذعر:
"ماذا سنفعل؟"
لم يصرخ.
لم يتوتر.
بل اقترب… ووضع يده على كتفي.
"سنخرج."
"من أين؟ الباب؟!"
هزّ رأسه:
"من الخلف."
ثم أضاف، وهو ينظر مباشرة في عينيّ:
"وإذا لم نتحرك الآن… فلن نخرج
أبدًا."
وفي تلك اللحظة…
دوّى صوت طرقٍ قوي على الباب.
مرة.
ثم مرتين.
ثم صوتٌ أعرفه جيدًا… أكثر مما أريد.
صوت أبي.
"افتح الباب."


تعليقات
إرسال تعليق