فكيت خطوبتى
فكّيت خطوبتي امبارح… والسبب كان أمها.
أنا شغال برّه مصر، ومن الصبح كلمت خطيبتي أعيد عليها، وقلت لها إني بعتلها 2500 جنيه عيدية على فودافون كاش،
غير مصاريف اللبس والحاجات اللي كنت ببعتها طول الوقت، وكمان أهلي هروحو بعد العشا يعيدوا عليها ويدوهالها عيدية تانية.
المكالمة خلصت بينا بكل هدوء واحترام، وماكانش فيه أي مشكلة خالص.
لكن بعد العصر فوجئت بأمها بتكلمني بطريقة مستفزة جدًا، وتقولي:
“هو دي تبقى عيدية؟ بنت خالتها خطيبها بعتلها 5000 جنيه!”
ساعتها حسيت إن الموضوع بقى مقارنة ومزايدة، وإن التقدير بقى بالمبلغ مش بالنية ولا بالاحترام. اتعصبت جدًا، ورديت عليها بعصبية، وقلت كلام كان سببه إني حسيت بالإهانة والاستغلال، وإن اللي يهمهم الفلوس أكتر من أي حاجة تانية.
في حدود الساعة أربعة العصر، كان محمود قاعد في سكنه بالغربة، ماسك الموبايل وبيشرب قهوته بعد يوم شغل طويل. كان حاسس براحة غريبة… أول عيد يعدّي وهو مرتبط رسمي، وفرحان إنه قدر يفرّح خطيبته حتى وهو بعيد.
المكالمة اللي بينهم الصبح كانت هادية جدًا.
هي ضحكت لما قالها: “روحي اسحبي الـ2500 جنيه قبل الزحمة.”
وقالتله بدلع: “ليه تعبت نفسك بس؟”
رد وهو مبتسم: “عيدية خطيبتي لازم تبقى حلوة.”
وقبل ما يقفل قالها: “وأهلي بعد العشا هيعدّوا عليكم، ومعاهم عيدية تانية ليكي.”
سمع فرحتها في صوتها، وقفل وهو مرتاح.
لكن الراحة دي ماكملتش.
الموبايل رن فجأة، وظهر اسم أم خطيبته.
استغرب، لكنه رد باحترام: “ألو يا طنط، كل سنة وحضرتك طيبة.”
جاله صوت ناشف جدًا: “وإنت طيب… هو إنت شايف إن اللي بعتّه ده عيدية؟”
اتلخبط وقال: “يعني إيه يا طنط؟”
قالت بسخرية واضحة: “بنت خالتها خطيبها بعتلها خمسة آلاف جنيه، وده غير الدهب والهدايا.”
سكت ثانيتين وهو مش مستوعب الكلام.
هي كملت: “أصل البنت لما تتخطب لواحد مسافر برّه تبقى متدلعة شوية… ولا إيه؟”
وشه قلب، وحس إن كل اللي بيعمله بقى بيتحسب بالأرقام.
قال بهدوء بالعافية: “يا طنط أنا عمري ما قصّرت معاها.”
ردت بسرعة: “ماحدش قال قصّرت… بس الناس مستويات.”
الكلمة الأخيرة نزلت عليه كأنها إهانة مباشرة.
قام من مكانه بعصبية، وقال: “يعني إيه مستويات؟ حضرتك بتقارنيني بحد؟”
قالت ببرود: “أنا بفهمك بس إن البنت ليها قدر.”
وقتها انفجر.
كل الضغوط، والغربة، والشغل، والمصاريف، والإحساس إنه طول الوقت مطلوب منه أكتر… طلع مرة واحدة.
قال بصوت عالي: “لو التقدير بالفلوس بس يبقى أنا داخل المكان الغلط.”
سكتت ثواني، لكنه كمل بعصبية: “أنا بعت عيدية بمحبة، مش داخل مزاد!”
بدأ النفس يعلى عنده وهو بيتكلم: “كل شوية مقارنة… فلان بعت كام وفلان جاب إيه… أنا مش ماكينة ATM.”
قالتله بحدة: “إنت شكلك اتضايقت أوي من كلمة حق.”
#الكاتب_رومانى_مكرم
رد وهو خارج عن شعوره: “لأ، اتضايقت إني حسيت إنكم بصين لجيبي مش ليا.”
وفجأة سمع صوت خطيبته في الخلفية: “ماما خلاص بقى…”
لكن أمها خطفت منها التليفون وقالت: “إحنا مانجبرش حد على حاجة.”
.
ساعتها محمود سكت لحظة… وبعدين قال جملته الأخيرة
ساعتها محمود سكت لحظة… وبعدين قال جملته الأخيرة وهو نفسه عالي وصوته طالع من قهر وغربة: “وأنا ما بحبش أكون في مكان مش مقدرني. كل شيء قسمة ونصيب، وكل واحد يروح لحاله، والشبكة والهدايا حلال عليكم.”
عدّت الليلة دي على محمود كأنها سنة. النوم ما عرفش يوصل لعينيه، وكل ما يغمض، يفتكر كلمة “الناس مستويات” ونبرة السخرية اللي في صوت أمها. كان بيبص لأوضته الغريبة، للحيطان اللي شهدت على تعبه وسهره وشقاه عشان يجهّز نفسه ويأمن مستقبله معاها، ويقول لنفسه: “هو أنا قصرت في إيه؟”
تاني يوم الصبح، محمود نزل شغله وهو مش شايف قدامه، مطبق ومش مركز. في نص اليوم، تليفونه رن… المرة دي كان أبوه.
محمود اتنهد ورد: “أيوة يا حاج، كل سنة وإنت طيب.”
صوت أبوه كان فيه نبرة عتاب وهدوء حكيم: “وإنت طيب يا بني وبصحة وسلامة. إيه اللي جرى امبارح ده يا محمود؟ أختك كلمت خطيبتك عشان ينسقوا النزول والزيارة، لقتها بتعيط وانهارت، وقالت إنك فركشت الخطوبة في التليفون!”
محمود قعد على كرسي قريّب وقال بوجع: “يا حاج، أنا ما فركشتش من فراغ. أمها كلمتني بعد العصر وهانتني، وقارنتني بغيري، وبصت للقرشين اللي ببعتهم وبعتّهم بمحبة على إنهم قليلين، وقالتلي الناس مستويات!”
أبوه سكت شوية، وبعدين قال: “يا بني، البيوت أسرار، والستات الكبار ساعات كلامهم بيخونهم، أو بيبقوا عايزين يطمنوا على بناتهم بطريقة غلط. إنت برضه اتعصبت، والراجل حمال قسية، ما كانش ينفع تقطع حبل الود في مكالمة تليفون وإنت برّه البلد.”
محمود صوته علي شوية من الضغط: “يا حاج أنا مش حمال قلة قيمة! أنا في غربة، وبحرم نفسي من حاجات كتير عشان مأخرش عنهم طلب. لما يبقى ده تقديرهم من أولها، أومال لما نتجوز وأقفل علينا باب واحد هيعملوا فيا إيه؟ كل خطوة هبقى فيها تحت الميكروسكوب ومقارنات مع طوب الأرض؟”
أبوه قال الكلمة اللي محمود كان خايف منها: “البنت ملهاش ذنب يا محمود. البنت شرياك، وأمها كلمت أمك الصبح واعتذرت، وقالت إنها كانت بتهزر ومقصدتش، وإنها متأثرة بلمة العيد وكلام قرايبها. كبّر مخك يا بني، وماتخربش بيتك بإيدك عشان مكالمة نرفزة.”
كلام أبوه حطه في حيرة أكبر. هل ييجي على كرامته عشان خاطر حب البنت وأهله اللي عايزين يفرحوا بيه؟ ولا يصر على موقفه لأن البدايات المكسورة مابتجيبش غير نهايات أشد وجعاً؟
تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
رجع محمود سكنه بعد المغرب، فتح الواتساب لقى رانيا بعتاله رسايل كتير وفويس كرايد. فتح الفويس وهو متردد، صوتها كان مخنوق من العياط: “محمود… أنا ماليش ذنب في اللي ماما قالته. أنا اتخانقت معاها امبارح بسبك، والبيت كله مقلوب. أنا بحبك ومستنياك، ومستعدة أتنازل عن أي حاجة بس ما تبعدش. مامتك كلمت ماما والنفوس بدأت تهدى، أرجوك ما تضيعش تعبنا عشان لحظة غضب.”
محمود حس كأن حد ضربه قلم على وشه. عرف فوراً إن الكلام متلقح عليه، وإن رانيا حكت ل بنت خالتها، وبنت خالتها نزلت البوست ده عشان تكيدهم وتصغر منه.
كل مشاعر التراجع واللين اللي كانت جواه اتخرست في ثانية. الغضب رجع يغلي في عروقه تاني، وحس إن حياته وبيته المستقبلي بقوا مشاع على السوشيال ميديا وللفرجة بين القرايب.
مسك الموبايل، وطلب رقم رانيا مباشرة… وفوراً فتحت الخط ولهفتها باينة: “محمود! الحمد لله إنك كلمتني…”
قاطعها بصوت حاد، ناشف، خالي من أي عاطفة: “رانيا… البوست اللي بنت خالتك منزلاه دلوقتي، ومكتوب فيه كلام يخصني ويخص غربتي، إنتي اللي حكتيلها صح؟”
رانيا ارتبكت وصوتها اتهز: “محمود… أنا كنت مخنوقة وكنت بفضفض معاها، ماكنتش أعرف إنها هتنزل حاجة…”
محمود ضحك بسخرية وجع خطفت نفسه: “تفضفضي؟ تفضفضي مع البنت اللي أمك كانت بتقارني بخطيبها امبارح؟ يعني أسرارنا، ومشاكلنا، وكرامتي بقت لبانة في بق قرايبكم عشان يتمنظروا عليا؟”
رانيا بدأت تعيط: “والله العظيم ما قصدت، أنا هخليها تمسحه حالا…”
محمود قال بقوة وحسم: “تمسحه أو تخليه، مابقاش يفرق معايا في حاجة يا رانيا. أنا كنت هسمع كلام أبويا وأقول معلش وأعديها عشان خاطرك، لكن دلوقتي أنا اتأكدت إن لو رجعت، هعيش حياتي كلها في بيت من إيجاز، أي حد من أهلك يقدر يكسره بكلامه.”
أخد نفس عميق وقال الكلمة اللي مفيش بعدها رجوع: “الخطوبة دي انتهت يا رانيا، وفعلياً المرة دي. قفلي على الموضوع، وأنا هكلم الحاج يروح ياخد حاجتي من عندكم الأدب احترام، وإنتي وأهلك للأسف… ما احترمتونيش.”
رانيا صرخت في التليفون صرخة هزت قلب محمود، وقالت بنبرة فيها قهر وخوف حقيقي: “محمود لأ! أرجوك بلاش تعمل فينا كده، أنا بحبك ومقدرش أعيش من غيرك، البوست هيتمسح حالا والله، ومحدش هيعرف عننا حاجة تاني!”
لكن محمود كان أخد قراره، الكرامة لما بتتجرح في الغربة مبيصلحهاش دموع. قفل السكة للمرة الأخيرة، وعمل لرانيا “بلوك” من كل حتة عشان يقفل الباب ده تماماً وميتراجعش تحت ضغط مشاعره.
قعد على السرير، وجسمه كله بيترعش من كتمة الغضب والزعل. مسك التليفون وطلب أبوه تاني.
أبوه رد بلهفة: “ها يا بني، طمني، كلمت البنت وصالحتها؟”
محمود قال بصوت ناشف وثابت: “يا حاج، أنا قفلت الموضوع ده نهائي، ومفيش رجوع. رانيا خرجت أسرار بيتنا لبيت خالتها، والستات قالبينها تلقيح كلام وتريقة عليا وعلى غربتي على الفيسبوك. أنا راجل، ومقبلش أكون لبانة في بق الناس، ولا أقبل إن كرامتي وكرامة بيتكوا تتهان عشان خاطر حد.”
أبوه سكت لثواني، والنبرة الحكيمة اتغيرت لنبرة حزم وفخر بابنه: “طالما وصلت لتلقيح الكلام وقلة القيمة يا بني، يبقى معاك حق. إحنا نشتري البنت اللي تصون سر جوزها، مش اللي تفضح مشاكله مع قرايبها. خلاص يا محمود، اقفل الصفحة دي وركز في شغلك، وأنا وأعمامك هننزل 내일 الصبح نروح لبيتهم، ناخد شبكتك وحاجتك كلها بالأصول والاحترام، ومحدش فينا هيغلط فيهم، عشان إحنا ولاد أصول ونعرف الأصول.”
محمود حس كأن جبل انزاح من على صدره لما لقى أبوه واقف في ظهره ومقّدر وجعه. قال: “تسلملي يا حاج، ربنا يخليك ليا. كل شيء قسمة ونصيب.”
قفل مع أبوه، وبص للصورة اللي كانت مجمعاه برانيا على مكتبه. قام شالها وحطها في الدرج. كان حاسس بشرخ كبير في قلبه، الحب مابيموتش في ثانية، بس الاحترام لما بيروح، الحب بيبقى ملوش قيمة.
عدت ليلتين، ومحمود حابس نفسه بين الشغل والسكن، بيحاول يهرب من التفكير. وفي اليوم الثالث، تليفونه رن… المرة دي كان رقم غريب، بس الكود من مصر.
رد محمود بنبرة رسمية: “ألو، مين معايا؟”
جاله صوت راجل كبار، صوته فيه هيبة ووقار، وعرف نفسه: “السلام عليكم يا بني، أنا الحاج عبد الحميد، عم رانيا الكبر.”
محمود اعتدل في قعدته وقال باحترام: “أهلاً وسهلاً يا حاج عبد الحميد، خطوة عزيزة، كل سنة وحضرتك طيب.”
الحاج عبد الحميد قال بنبرة هادية ومؤثرة: “وإنت طيب وبصحة وسلامة يا بني. أنا بكلمك وعارف إنك شايل وزعلان، وعارف إن اللي حصل من أم رانيا وبنت خالتها غلط كبير في حقك وفي حق رجولتك وغربتك. أنا عرفت الموضوع كله امبارح بالليل لما والدك اتصل بيا ينسق عشان ييجي ياخد الحاجة، وجمعت العيلة كلها امبارح وعنّفت أمها، وخليت بنت خالتها تمسح البوست وتعتذر.”
محمود سكت، فالحاج عبد الحميد كمل كلامه: “رانيا يا بني منهارة ومبتأكلش ومقاطعة أمها، والبنت ملهاش ذنب في جهل الستات الكبار ولا في غيرة البنات. أنا بكلمك بصفة كبر العيلة، وبقولك حقك عليا أنا، والمرة دي أنا اللي بضمنلك إن محدش هيتدخل في حياتكم تاني، ولا كلمة مقارنة تطلع. إحنا شاريينك يا محمود وعارفين إنك راجل وجدع وشقيان، فماتكسرش بخاطر البنت عشان غلطة غيرها.”
محمود اتنهد تنهيدة حارة طلعت من أعماق قلبه، كلام عمها رجّع الصراع تاني جواه. الراجل الكبير بيكلمه وبيعتذرله، ورانيا ملهاش ذنب فعلياً غير إنها اشتكت ل بنت خالتها بغباء.
هل يوافق ويدي فرصة أخيرة عشان خاطر عمها البار بأصوله وحب رانيا؟ ولا يصر على موقفه لأن اللي اتكسر عمره ما بيتصلح؟
محمود سكت لفترة طويلة، كلام الحاج عبد الحميد كان موزون وبيمس الأصول، ودايماً الكبار ليهم هيبة وصوتهم بيلخبط الحسابات. أخد نفس عميق وقال: “يا حاج عبد الحميد، حضرتك على راسي من فوق، وكلامك وعتابك ليا شرف. أنا عمري ما شوفت من حضرتك غير كل احترام، وعارف إنك راجل صاحب أصول.”
سكت محمود ثواني وكمل بنبرة هادية بس مليانة حسم: “لكن يا حاج، الموضوع مابقاش مجرد غلطة وراحت لحالها. رانيا امبارح لما حكت ل بنت خالتها، أثبتتلي إنها لسه مش ناضجة كفاية عشان تشيل سر بيتي. أنا راجل مغترب، يعني حياتي كلها مبنية على الثقة إن اللي سايبها في مصر قادرة تحميني في غيابي، وتحمي اسمي وسري. لما نختلف في مكالمة، تروح تحكي لقرايبها والناس تتفرج علينا؟ أنا مش هعيش في الغربة وعيني على الفيسبوك أشوف مين لمّح عليا ومين اتمسخر على تعبي.”
لحاج عبد الحميد اتنهد وقال: “معاك حق يا بني في كل كلمة، والبنت غلطت وغلطها كبير، بس دي قلة خبرة في الدنيا، والكل بيتعلم. رانيا شرياك يا محمود، وإنت راجل، والراجل بيعلم مراته ويوجهها، مش بيمشي من أول قلم.”
محمود حس إن الكلام بيضغط على جرحه، فقال بوجع: “التوجيه بيبقى في بيت الزوجية يا حاج، لما نكون بنبني مع بعض. إنما إحنا لسه في البر، والبدايات دي مابتطمنش. أنا مش عايز أظلمها معايا، ولا عايز أعيش عمري كله شايل هم إن أي مشكلة بيننا هتبقى مشاع للعيلة كلها. حقك عليا يا حاج، بس أنا شايف إن ده القرار الصح للطرفين.”
تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
الحاج عبد الحميد حس بحسم محمود، وعرف إن الراجل كرامته اتوجعت بزيادة، فقال بنبرة فيها أسف: “خلاص يا بني، طالما ده قرارك الأخير وأنت مش مرتاح، أنا مش هضغط عليك أكتر من كده. إحنا برضه نشتري راجل، وطالما النفوس مش صافية، يبقى الفركشة بالمعروف أحسن. أبوك كلمني وهيعدي عليا بكرة، وحاجتكم هتوصلكم كاملة ومعاها كل احترام وتقدير لبيتكم.”
محمود قال: “تسلم يا حاج عبد الحميد، وتعيش وتفضل كبير لأصولك.”
قفل محمود المكالمة، وحس إن في جزء من قلبه اتقطع، بس عقله كان مرتاح. قعد على مكتبه، وبدأ يراجع حساباته لشغله، ويحاول يرمي كل اللي حصل ورا ظهره ويقنع نفسه إن ربنا شايلّه الأحسن.
مر يومين، وأبو محمود كلمّه وبلّغه إنهم راحوا وقابلوا الحاج عبد الحميد، واستلموا الشبكة وكل الهدايا اللي محمود كان جايبها بالأصول، والموضوع انتهى رسمياً من غير أي خناق أو قلة قيمة، احترماً للراجل الكبير اللي دخل في الموضوع.
محمود بدأ يرجع لروتين حياته الطبيعي، الشغل من الصبح للمغرب، والجمعة بينام أو بيقعد مع صحابه في السكن. افتكر إن العيد خلص، والضغط خف، وبدأ ينسى تدريجياً… أو كده كان فاكر.
بعد أسبوعين من الموضوع، محمود كان قاعد في كافيه قريّب من سكنه مع صاحبه مصطفى، اللي شغال معاه في نفس الشركة. مصطفى كان باصص في تليفونه وفجأة ملامح وشه اتغيرت، وبص لمحمود بنظرة غريبة فيها شك وشفقة.
محمود لاحظ وقال بابتسامة: “مالك يا مصطفى؟ باصصلي كده ليه كأنك شايف عفريت؟”
مصطفى هرس في شعره بارتباك وقال: “محمود… هو إنت قاطع أخبار رانيا خالص؟”
محمود وشه قلب وقال بحدة: “أيوة، الموضوع اتقفل من أسبوعين وكل واحد راح لحاله، بتفتح السيرة دي ليه دلوقتي؟”
مصطفى لف التليفون ووراهاله وقال بصوت واطي: “طب بص على البوست ده كده… ده نازل من صفحة رانيا الشخصية من ساعتين.”
محمود مد إيده وأخد التليفون وهو قلبه بدأ يدق بسرعة تاني. بص للصورة… كانت صورة لرانيا وهي لابسة دبلة تانية خالص في إيدها اليمين، ومعاها بوست مكتوب فيه:
سبحان مغير الأحوال… لما ربنا يعوضك باللي يشوفك غالية ويقدرك من أول دقيقة، وميبخلش عليكي بروح قبل فلوسه. خطوبتي النهاردة على المهندس أحمد، وعقبال كل البنات.”
محمود تنّح قدام الشاشة، الصدمة شلّت تفكيره. أسبوعين بس؟ أسبوعين من العياط والانهيار والاعتذارات وعمها اللي بيكلمه؟ هل الحق حقيقي كان مع أمها وهو اللي كان مغفل؟ ولا الموضوع كان متترتب من الأول؟
الدم حسيته جمد في عروقي، وعيني فضلت مبرقة في الشاشة مش قادرة تتحرك. الصدمة ما كانتش بس إنها اتخطبت بعد أسبوعين، الصدمة كانت في إحساس الغدر، إني اتلعب بيا لعبة قذرة… دموعها، مكالماتها، عياطها في الفويسات، وحتى دخلة عمها الحاج عبد الحميد بأصوله! كل ده كان تمثيلية عشان يطلعوا هما اللي مظلومين، ويغطوا على “المهندس أحمد” اللي كان جاهز ومستني على الباب؟
مصطفى سحب التليفون من إيدي بالراحة وهو مكسوف، وقال بنبرة كلها أسف: “معلش يا محمود.. يا بني احمد ربنا، دي كده ظهرت على حقيقتها بدري أوي. دي باعتك في ثانية، والموضوع واضح إنه كان جاهز، والسبب بتاع العيدية ده كان مجرد حجة عشان يطفشوك!”
أنا ما ردتش.. كنت سامع طنين في وداني، وضحكة سخرية مريرة طلعت من قلبي قبل بقّي. قمت وقفت، حاسس إن الأرض بتلف بيا، بس في نفس الوقت، حاسس بنار الغضب بدأت تتحول لبرود غريب.. برود الراجل اللي بيكتشف إنه كان بيحارب في المعركة الغلط، وعشان الناس الغلط.
جعت السكن، وقبل ما أعمل أي حاجة، طلبت أبويا في مصر.
أبويا رد، ومن نبرة صوتي عرف إن فيه حاجة. قال بخوف: “مالك يا محمود؟ صوتك مش عاجبني يا بني، فيك إيه؟”
قلتله بصوت ناشف زي الحجر: “يا حاج.. إنتو لما رحتوا تاخدوا الشبكة، شوفتوا رانيا؟ أو حد لمح أي حاجة غريبة في البيت؟”
أبويا سكت لحظة واستغرب، وقال: “لا يا بني، إحنا قابلنا الحاج عبد الحميد في صالون لوحده، والشبكة كانت جاهزة ومتغلفة، ومحدش من الحريم ظهر خالص.. ليه؟ إيه اللي حصل؟”
قلتله والضحكة الحزينة كاتمة نفسي: “رانيا اتخطبت النهاردة يا حاج.. لمهندس اسمه أحمد. أسبوعين بالتمام والكمال من يوم ما قفلنا.”
أبويا صدمته كانت أقوى من صدمتي، سمعت شهقته وهو بيقول: “يا نهار مش فايت! أسبوعين؟ دي تلحق تتجوز وتتخطب وتتفق في أسبوعين؟ دي الناس دي كانت متبتة في التاني، وأمها كانت بتطردك بأدب عشان تخلص من قيدها معاك!”
أبويا كمل بغضب وصوته بيترعش: “والله العظيم أنا هكلم عبد الحميد دلوقتي، وأعرفه إنهم ناس معندهمش أصل، وإنهم غشونا!”
قلتله بسرعة وحسم: “لأ يا حاج.. أرجوك إوعى تتصل ولا تعاتب ولا تظهر إننا مكسورين أو فارق معانا. اللي يروح يروح، والحمد لله إن الحقيقة ظهرت فوق الأرض مش تحت السقف. أنا بس عايزك ترتاح، وإحنا ولاد أصول ومش هننزل لمستواهم.”
فلت مع أبويا، وقعدت على مكتبى. فتحت اللاب توب بتاعي، وبصيت لصوري في الغربة.. شقايا، تعبي، السهر، التوفير، الخوف من المستقبل.. كل ده كان عشان واحدة ما تستاهلش حتى دقيقة تفكير.
فتحت الفيسبوك من أكونت تاني مش متبلك، ودخلت على صفحتها. بصيت للصورة تاني.. المهندس أحمد لابس بدلة، وهي واقفة جنبه بضحكة عريضة، مفيش أي أثر للدموع والانهيار اللي كانت بتسمعهوني في التليفون من أسبوعين.
في لحظتها، حسيت إن جرح قلبي بدأ يقفل.. مش عشان نسيت، بس لأن الصدمة صغّرتهم في عيني لدرجة إني مابقتش شايفهم.
مسكت تليفوني، وفتحت الجروب اللي بجمّع فيه أصحابي المغتربين، وكتبت بوست واحد بس، من غير ما أذكر أسماء ولا ألمّح لحد، كتبت كلام طالع من وسط الوجع والغربة:
“الغربة بتعلمك إنك ما تأمنش للوشوش الناعمة، وإن في ناس بتبكيك بإيد، والإيد التانية ماسكة دبلة العريس الجديد. الحمد لله على كشف الأقنعة.. بكرة النزول لمصر، وبداية صفحة جديدة، بس المرة دي.. للي يستاهل فعلاً.”
قفلت التليفون، ودمعة واحدة بس نزلت من عيني.. دمعة على محمود القديم اللي كان مغفل، ومسحتها بسرعة وأنا باصص للشنطة اللي هحضرها عشان نازل مصر إجازة بعد يومين.. نازل وأنا رافع راسي، والمرة دي، مفيش أي حاجة ه تكسرني.
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
نزلت مصر.. وكانت خطوتي على أرض المطار مختلفة تماماً عن كل مرة. المرة دي ما كنتش نازل بلهفة المشتاق اللي بيعد الأيام عشان يشوف خطيبته، كنت نازل بقلب هادي، صافي، وفايق.. كأن الغشاوة انزاحت عن عيني.
أهلي استقبلوني بالدموع والأحضان، وأبويا خدنّي في حضنه وطبطب على كتفي وقالّي جملة ريّحت قلبي: “يا بني، السهم اللي ما يصيبكش، بيعلمك إزاي تقف صح في المرة اللي جاية. إنت راجل، وتعبك وشقاك في الغربة مخلوق عشان يبني بيت أصول، والبيت اللي اتبنى على غش كان هيقع على دماغك في الآخر”.
بعد كام يوم من نزولي، عرفت بالصدفة من قرايبنا إن “المهندس أحمد” ده كان متقدّم لرانيا من قبل ما أخطبها، وأمها كانت هتموت عليه عشان فلوسه ومستواه، ولما أنا خطبتها، كانت الأم بتتحجج بأي مشكلة عشان تطفشني، ومكالمة “العيدية” كانت الفرصة الذهبية اللي استغلوها عشان يطلعوني أنا الغلطان وبخيل ويتخلصوا من الالتزام اللي بيننا.
ساعتها ضحكت من كل قلبي.. ضحكت لأني عرفت إن ربنا نجاني من عيلة كنت هعيش معاهم في تمثيلية مابتخلصش، وإن “القرشين” اللي استقلت بيهم أمها، كانوا السبب في إني كسبت كرامتي وعمري اللي جاي.
قعدت في بلكونة بيتنا، وسط لمتنا وأهلي حواليا، ماسك كوباية الشاي، وباصص للسما وبحمد ربنا على كل خطوة.
### الحكمة من الحكاية:
* **الكرامة أولاً وأخيراً:** الراجل في غربته وتعبه مبيستحملش قلة القيمة. البيوت اللي بتتبني على المقارنات والمزايدات والمظاهر، بتبقى بيوت هشّة من برّه رخام ومن جوّه رماد. اللي ما يقدرش تعبك ومحبتك في القليل، عمره ما هيملى عينه الكتير.
* **البدايات تكشف النهايات:** تلقيح الكلام، وإفشاء أسرار البيوت، ودخول القرايب في المشاكل الشخصية.. كلها علامات خطر بتقولك إنك ماشي في الطريق الغلط. البنت اللي ما تصونش سر خطيبها وتحميه في غيابه، مش هتقدر تشيل اسمه في المستقبل.
لخيرة فيما اختاره الله:** ساعات ربنا بيوجعك بصدمة فوق ما تتحملها، بس الصدمة دي بتكون هي “المشرط” اللي بيشيل الورم من حياتك قبل ما ينتشر. الفركشة بالمعروف والبعد عن ناس مبيقدروش.. هو المكسب الحقيقي، والتعويض دايماً بييجي من عند ربنا للقلوب اللي صانت الأصول.


تعليقات
إرسال تعليق