سلفتى كاملة
سلفتى كاملة
سلفتى وصلت لجوزى لمرحله أنه يقول يا بخت اخويا بمراته
طول الوقت تتعمد تخليه طالع او نازله على السلم وتعمل نفسها بتنفض سجاده وهى لابسه لبس خفيف
مره كاش مره استرتش المهم انها تبقى لابسه حاجه ملفته مبينه جسمها
ولما تشوف جوزى تعمل انها مش قاصده وتجرى على شقتها واتكررت الحركه دى كذا مره
حكيت لحماتى قالتلى اكيد مش قاصده انتى بتتوهمى
تحب تبين قصاد جوزى انها الضيفه فى شقتها وفى نفسها وتبدأ تقولى انتى مابتعمليش الماسك ده ليه ده بيفتح الجسم والوش عشان تبين إن مش وشها بس الابيض
ولما أقولها عيب كده جوزى قاعد
تقولى ده زى أخويا لو شافنى نايمه يغطينى
كنت بستغرب من طريقتها لان فى عيلتى مافيش الكلام ده
وفى يوم كنا قاعدين عند حماتى،
دعاء كانت لابسة لبس ضيق شوية ومهتمة بنفسها زيادة عن العادة، ومن أول ما أبو مالك دخل وهى مبتبطلش كلام وضحك.
وفجأة قالت وهى بتبصله:
ـ قولي يا أبو مالك… بصراحة كده، أنا أبيض ولا مريم؟
ضحكت ضحكة متوترة وأنا مستنية منه يوقف الكلام عند حده.
لكن الصدمة إنه ضحك وقال:
ـ لا والله يا دعاء إنتى فاتحة شوية عنها.
دعاء ابتسمت بانتصار وقالت:
ـ شوفتى يا مريم؟ مش أنا بقولك؟
حسيت إن الدم ضرب فى دماغى، لكن حاولت أمسك نفسى.
بعدها بثوانى لقيتها بتلم شعرها كله على جنب وتقول:
ـ طب قولي الصراحة بقى… مين شعرها أحلى؟ أنا ولا مريم؟
بصلها أبو مالك وقال:
ـ لا… شعرك أطول أكيد.
دعاء ضحكت وقالت:
ـ وأنا كمان شايفة كده.
أما أنا فكنت قاعدة زى اللى حد بيلطمه بالقلم قدام الناس.
قولت بعصبية:
ـ هو إحنا فى مسابقة؟
ردت دعاء بسرعة:
ـ يا بنتى بهزر.
لكن أبو مالك كمل الكلام وقال:
ـ لا عادى يعنى، هى بتسأل سؤال وبنجاوب.
ومن هنا الحوار قلب مقارنة كاملة.
دعاء قالت:
ـ طب مين شكله أصغر فى السن؟
أبو مالك قال بعد ما بص لنا إحنا الاتنين:
ـ إنتى باينة أصغر شوية.
ضحكت دعاء بصوت عالى وقالت:
ـ يا نهار أبيض! أهو حد بيقول الحقيقة.
وبعدين بصتلى وقالت:
ـ متزعليش يا مريم، الجمال أرزاق.
الجملة نزلت عليا زى النار.
حماتى كانت قاعدة مبسوطة وبتضحك، ولا كأن فى إهانة بتحصل قدامها.
أما أبو مالك فكان مسترسل فى الكلام وكأنه نسى إنى مراته وقاعدة قدامه.
وقتها حسيت إن المشكلة ما بقتش فى دعاء بس…
المشكلة الحقيقية إن جوزى كان مستمتع بالمقارنات دى، وبيشارك فيها بكل أريحية.
ولأول مرة دخل قلبى إحساس مرعب…
إن دعاء كل مرة كانت بتجر شكل الكلام للمقارنة، وأبو مالك كان بيديها بالضبط الردود اللى نفسها تسمعها.
طلعنا شقتنا وواجهته إن ده ماينفعش وحرام كان رده انى بغير منها عشان هى احلى واصغر وقالى الكلمه اللى خلتنى افوق بجد اذا كان وشها كده يبقى جسمها إزاى ؟؟
وقتها حسيت إن فى حاجة غلط والموضوع مش بس مقارنات دى عايزه تثبتلى حاجه
الجملة دي نزلت عليا زي جبل تلج جمد الدم في عروقي.. “إذا كان وشها كده، يبقى جسمها إزاي؟”.. الكلمة فضلت ترن في ودني، وكأن الصوت جاي من حتة بعيدة، مش من الراجل اللي عشت معاه وصنت بيته.
بصيتله وأنا مش مصدقة، عينيا كانت بتلف في الصالة، وحاسة إن الحيطان بتلف بيا. سألته بصوت مرعوش بس مليان غل:
ـ إنت بتقول إيه؟ إنت وعيت للكلمة اللي طلعت منك دي؟ إنت بتبص على جسم سلفتك؟
رد عليا ببرود ونفخ بضيق وهو بيبعد عينه عني:
ـ يووه بقى يا مريم، ما تقعديش تمسكي في الكلمة وتقلبيلنا البيت نكد! أنا قصدي يعني إنها بتهتم بنفسها والماسك اللي كانت بتتكلم عنه مخلّي وشها رايق، فكيد باقي جسمها كده.. عادي يعني كلام عابر، إنتي اللي نيتك سودة وبتقفشي على الواحدة.
كلامه كان بيثبتلي أكتر إن الموضوع عدى مرحلة الهزار ودخل في منطقة تانية خالص.. منطقة مرعبة. افتكرت على طول وقفتها على السلم، الكاشات الخفيفة اللي كانت بتعمل نفسها بتنفض بيها السجاد أول ما تسمع صوت خطوته، جريتها المصطنعة وشقتها اللي بتتوارب.. كل حاجة اتجمعت في دماغي زي المكعبات، والصورة وضحت بالملي.
دعاء مش بس بتلفت نظره، دعاء مستغلة إن جوزها الله يرحمه ميت، وإنها قاعدة في البيت لوحدها، ونازلة تلاغى في جوزي عيني عينك، ونجحت فعلاً إنها تخليه يتخيلها!
نمت ليلتها وأنا ضهري ليه، ودموعي بتنزل على المخدة من غير صوت. كنت حاسة بقهرة تكسر الضلوع.. القهرة مش إنها أحلى أو أصغر زي ما هو فاهم، القهرة إن جوزي قلل مني وداس على كرامتي قدام واحدة ميت جوزها وبدل ما تحترم غيبته، بتعرض نفسها على أخوه وهو بيسايرها بكل أريحية.
تاني يوم الصبح، نزلت شقة حماتي عشان كنت ورايا كام حاجة هعملها معاها. أول ما دخلت، لقيت دعاء قاعدة، حاطة رجل على رجل، وبتشرب قهوتها بكل برود. أول ما شافتني، ابتسمت ابتسامة صفرا وقالت:
ـ صباح الخير يا مريم.. إيه ده؟ مال وشك دبلان وتعبان كده ليه؟ شكلك مانمتيش كويس إمبارح.. أصل الصراحة قعدة إمبارح كانت ترد الروح، أبو مالك ده دمه زي العسل وقعدته مايتشبعش منها.
حماتي ضحكت وقالت:
ـ اه والله يا دعاء، تملي واخد حتة من قلبي الواد ده، بيهزر ويجبر الخواطر.
الكلام كان متلقح عليا، وكلهم بيتعاملوا وكأن اللي حصل إمبارح ده بطولة مش قلة أصل. بصيت لدعاء وقولت بنبرة حادة وصوت قاطع:
ـ أبو مالك دمه عسل في بيته ومع مراته يا دعاء.. وياريت تفتكري إن حدود الهزار ليها آخر، عشان اللي حصل إمبارح ده لو اتكرر تاني، أنا مش هسكت، والمرة الجاية الكلام مش هيبقى ودي خالص.. أنا هقلب الدنيا على الكل، وأعتقد حُرمة السكن هنا لازم تتراعى، ولا إيه يا حماتي؟
أول ما اتكلمت بحدة، وشها اتقلب وألوانه خطفت، وحماتي اتعدلت في قعدتها وقالت بزعيق:
ـ جرى إيه يا مريم! إنتي جاية تخربي البيت على الصبح؟ البت بتهزر وإنتي قلبك أسود وشايلة منها.. دي يتيمة مكسورة الجناح بعد أخو جوزك الله يرحمه، هتروحي تعملي مشكلة من كلمتين؟
دعاء لوت بوزها وعملت نفسها صعبان عليها وحبكت دور الضحية:
ـ خلاص يا ماما سيباها.. أنا غلطانة إني بعتبره زي أخويا الصغير وبحبه وبحترم رأيه.. خلاص يا ستي، مش هكلم جوزك تاني، بس بلاش التلقيح والغمز ده.
سيبتهم ونزلت وأنا غلياني بيزيد. أنا مبقتش طايقة البيت، ولا طايقة النظرات.
مر كام يوم، وأنا مقاطعة النزول ومقاطعة الكلام مع أبو مالك إلا في الضيق. لحد ما جه يوم الجمعة.. أبو مالك كان نازل يصلي، وأنا واقفة في المطبخ بعمل الغدا، ولمحت من شباك المطبخ اللي بيطل على المنور والسلالم حاجة وقفتلي قلبي.
سمعت صوت ضحكة دعاء المكتومة.. وبصيت من الشباك بالراحة..
كانت واقفة على بسطة السلم، لابسة عباية بيتي ضيقة جداً ومفتوحة من فوق، وعاملة نفسها بتعدل اللمبة بتاعة السلم.. وأبو مالك كان طالع من الصلاة، أول ما شافها وقف.. مكملش طلوع لشقتنا.. وقف يتفرج ويتكلم، وهي نزلت خصلة من شعرها وبتتلوى قدامه وبتقول بنعومة:
ـ أصلها معلقة يا أبو مالك، ومش عارفة أطولها.. قولي صحيح، الماتش بتاع إمبارح عملتوا فيه إيه؟
أبو مالك قرب خطوة، وعينه كانت نازلة وطالعة عليها، وقال بصوت واطي ومبتسم:
ـ هاتي.. هاتي أنا هعملهالك.. بس إيه الحلاوة دي؟ العباية دي جديدة ولا إيه؟
وقتها أنا مبقتش شايفة قدامي.. كل الخطوط الحمرا اتمسحت، وحسيت إن اللحظة دي هي اللي هتحدد يا إما هعيش مداسة في البيت ده، يا إما هحط حد للمهزلة دي وللأبد. نفضت إيدي من الأكل، وخرجت وفتحت باب الشقة على آخره..
نزلت السلم وزي ما أكون طايرة، عيني مكنتش شايفه قدامي غير منظرهم وهما واقفين يتمايلوا على بعض. أول ما رجلي دبت على البسطة، هما الاتنين اتنفضوا.
جوزي اتهز ورجع خطوة لورا وشهاق دعاء المكتوم سمعته قبل ما المح وشها اللي جاب مية لون. لمت العباية على جسمها بسرعة وهي بتترعش وعملت نفسها بتتعدل.
بصيت لأبو مالك وقولت بصوت عالي، هز جدران البيت كله:
ـ إيه يا أبو مالك؟ الصلاة كانت هنا ولا إيه؟ اللمبة مابتحلوش غير وقت طلوعك؟ ولا العباية هي اللي لفتت نظرك لدرجة إنك نسيت إن عندك ولايا فوق مستنيينك؟
جوزي وشه احمر وبقى زي الدم، وبص حواليه بخوف ليكون حد من الجيران سمع، وقال بزعيق يداري بيه خيبته:
ـ جرى إيه يا مريم! إنتي اتجننتي؟ بتعلّي صوتك في وسط السلم؟ البت كانت بتعدل اللمبة وطلبت مني مساعدة، إيه القرف والظن السيء اللي عايشة فيه ده!
دعاء هنا حست إن جوزي ساندها، راحت داخلة في الكلام بنبرة مسكنة ومصطنعة وعينيها دمعت:
ـ حرام عليكي يا مريم.. ظلماني دايماً ومقعداني في بيتي خايفة أتحرك.. أنا قولت أخو جوزي الله يرحمه وهيساعدني، مكنتش أعرف إنك هتقطعي في فروتي وتتهميني في شرفي على السلم!
في اللحظة دي، باب شقة حماتي اتفتح على الصرخة، وخرجت تجري وهي بتصوت:
ـ في إيه؟ صوتكم جايب آخر الشارع ليه؟ جرى إيه يا مريم؟ مابتتعبش من المشاكل؟ عِدمانة الرباية والذوق واقفلهم على السلم تتبلي على البت الغلبانة؟
وقفت في وسطهم هما التلاتة وأنا حاسة إني لوحدي، بس القهرة جمدت قلبي ومبقتش خايفة من حد. بصيت لحماتي وقولت بقوة عمري ما حسيت بيها قبل كده:
ـ البت الغلبانة دي يا حماتي، لو غلبانة بجد كانت احترمت جوزها اللي تحت التراب، وكانت لمت جسمها وهي طالعة ونازلة! الغلبانة مابتوقفش جوز تلميستها على السلم بالمنظر ده وتتمايل وتتلوى وتقوله العباية جديدة ولا لأ!
دعاء حطت إيدها على وشها وعملت نفسها بتبكي بحرقة وجريت على شقتها وقفتلت الباب برزع هز السلم.
حماتي قربت مني وعينها بتطق شرار وقالتلي:
ـ ورب العزة يا مريم لو ما لميتي لسانك وطلعتي على شقتك لأكون ممشياكي من البيت ده الليلة.. إنتي واحدة غيورة وعينك صفرا عشان شايفاها ست البنات وأحلى منك!
بصيت لجوزي مستنية كلمة، مستنية يدافع عني أو حتى يستحي من اللي شوفته بعيني.. لقيته واقف باصص الأرض ووشه عرقان، وراح بيبصلي بغضب وقال:
ـ اطلعي فوق يا مريم.. اطلعي عشان حسابك معايا فوق.. فضحتيني وقدام أمي وسلفتك!
طلعت السلم وأنا بضحك ضحكة وجع وهستيرية.. فضحتك؟ أنا اللي فضحتك ولا قلة حياكم وسخافتكم هي اللي فضحتكم؟
دخلت شقتي ورزعت الباب ورايا. ثواني ولقيته داخل ورايا زي الإعصار، وعينه جاحظة، مسكني من دراعي بغل وقال:
ـ إنتي إزاي تكسريني وتصغريني قدامهم كده؟ إنتي فاكرة نفسك إيه؟ عشان شوية شك ومرض في دماغك تبهدلي الدنيا؟
فضيت دراعي منه بكل قوتي وزقيته لورا وصرخت فيه:
ـ شك؟ إنت لسه هتقولي شك؟ إنت نسيت كلمتك إمبارح؟ نسيت “إذا كان وشها كده يبقى جسمها إزاي”؟ إنت عينك زاغت عليها يا أبو مالك، وهي لقت فيك الصيد السهل اللي يملى فراغها ويحسسها إنها لسه مرغوبة! إنت رخصتني ورخصت نفسك عشان واحدة بتلعب بيك!
أبو مالك وقف مبهوت، مش عارف يرد، الكلمة بتاعة إمبارح كبست على نفسه وماقدرش ينكرها.. ملامحه اتمطت بالغدر، وقال بنبرة واطية بس كلها سم:
ـ اه.. مش هكدب عليكي يا مريم.. دعاء ست تفتح النفس، وبتهتم بنفسها، مش زيك طول النهار بريحة البصل والمنظفات ووشك مقلوب! الراجل مننا بيحب الكلمة الحلوة والضحكة، وهي مابتستخسرش.. وأنا راجل ومن حقي أبص وأشوف!
الكلمات دي كانت رصاصة الرحمة اللي قتلت أي باقي من مشاعر أو احترام للراجل ده في قلبي.. حسيت إن الغمامة انزاحت عن عيني تماماً، والموضوع مابقاش موضوع مقارنات.. الموضوع إن القناع وقع، وأنا فوقت على كابوس.
بصيتله بكل برود وثبات هز البيت، وقولتله:
ـ تمام يا أبو مالك.. طالما هي تفتح النفس وجسمها مشغل تفكيرك.. يبقى إنت متلزمكش اللي بريحة البصل.
مشيت من قدامه ودخلت الأوضة، طلعت الشنطة الكبيرة من فوق الدولاب، وبدأت ألم هدومي وهدوم ولادي بكل عزم فيا.. وهو واقف على الباب مبرق ومش مصدق إني باخد خطوة بجد
كان واقف مكانه، مذهول، ملامحه اتغيرت من الغضب للاستغراب.. يمكن كان متخيل إني بتهدد بس، زي كل مرة، وإن “مريم” الهادية الغلبانة مش ممكن تاخد قرار يهد بيتها. بس أنا في اللحظة دي، كنت حاسة إن قلبي ميت، مفيش غير نبضات سريعة بتزقني أخلص وأمشي.
لما شافني بطلع شنطة تانية، بدا يتوتر، وصوته اتغير من القسوة لنبرة فيها “تهديد مبطن” بخلطة خوف:
ـ إنتي بتعملي إيه؟ بتلمي هدومك ورايحة فين؟ افتحي الشنطة دي وطلعي الهدوم، بلاش هبل وجنان في دماغك.
مبصتلوش، كملت لم هدومي بسرعة، كأنها بتخلص من ذكريات سامة. قولتله بصوت بارد، مفيش فيه ولا ذرة عتاب:
ـ رايحة في مكان فيه كرامتي، مكان مفيش فيه حد بيقارن جسمي بجسم غيري، ولا راجل بيخون مراته بعينه وهو في بيته.. البيت ده بقى ريحته خنقة يا أبو مالك، ومش قادرة أتنفس فيه دقيقة تانية.
قرب مني ومسك الشنطة، وقال بزعيق:
ـ إنتي مفكرة إن الدنيا سايبة؟ هتخرجي من هنا إزاي وأبوكي وأهلك مش موجودين؟ ولو خرجتي، يبقى اعتبري نفسك طالق.. ومش هتشوفي ولادك!
كلمة “طالق” اللي كان بيستخدمها كتهديد عشان يكسرني، خلتني أقف وأبصله في عينه بكل ثبات. ضحكت ضحكة هزته من جواه:
ـ طالق؟ دي بقت أمنيتي.. أما ولادي، فدول في حضني، والقانون والشرع اللي إنت نسيته في وسط لعبك مع سلفتك، هو اللي هيجيبلي حقي.
ساب الشنطة من إيده، ووشه اصفرّ، كان فاكر إن الورقة دي هي اللي بتذلني.. بس هو ميعرفش إن اللي اتكسر جواه مبيتصلحش. لقيته بدأ يغير نبرته، نبرة “الاستعطاف” اللي بيمثلها لما يكون غلطان:
ـ مريم.. اهدي، إنتي فاهمني غلط، أنا كنت بهزر، والله العظيم كنت بهزر معاكي ومعاها، إنتي عارفة إني بحبك ومقدرش أستغنى عنك.. الموضوع كبر في دماغك أوي.
بصيتله بقرف، وأنا بقفل سوستة الشنطة:
ـ الهزار اللي يخلي الراجل يبص لجسم ست تانية ويقارنها بمراته، ده مش هزار، ده “قلة أصل”. والهزار اللي يخليك تستمتع وهي بتعرض نفسها عليك، ده “خيانة”. أنا مش هكمل حياتي مع راجل عينيه زايغة، ولا في بيت فيه ست زي دي بتلعب على الحبال.
شلت الشنطة وخدت ولادي من إيديهم، كانوا خايفين ومستغربين، بس مسكتهم بقوة. وهو فضل واقف، مش عارف يعمل إيه، بيبصلي وكأنه بيشوفني لأول مرة، بشخصية تانية خالص.
نزلت السلم، وكل خطوة كانت بتخلع من قلبي حتة كانت متعلقة بيه. عديت من قدام شقة حماتي.. كانت الباب موارب، وسمعت صوت دعاء وهي بتقول بحسرة مصطنعة: “يا عيني يا مريم، دي أكيد اتجننت وخرجت عشان غيرتها القاتلة”..
وقفت قدام باب شقة حماتي، فتحته بضهر إيدي بكل قوتي ودخلت وشي في وشهم. دعاء اتخضت وقامت وقفت، وحماتي بصتلي بصدمة. بصيت لدعاء وقلتلها:
ـ اتجننت عشان شفت الحقيقة يا دعاء.. عقبالك لما تشوفي “نفسك” اللي أنتي عارضاها دي هتوصلك لفين.
طلعت من البيت، ورميت ورايا سنين من الصبر والوجع. وأول ما طلعت للشارع، حسيت بهوا نضيف، لأول مرة من سنين.. الدنيا بدأت تبان قدامي واضحة، مش ضبابية زي ما هو كان راسمها لي.
ركبت التاكسي وأنا بمسح دموعي اللي نزلت غصب عني، بس مش دموع ضعف.. دي دموع بداية جديدة، بعيد عن بيت فيه “سلفتي” بتلعب، و”جوزي” بيتفرج
طول الطريق في التاكسي، كنت ضامة ولادي لحضني، وهما ساكتين من الخضة. عيونهم كانت مليانة أسئلة، بس نظرة الوجع والقوة اللي في عيني خلتهم ميتكلموش. نزلت دموعي السخنة، بس المرة دي مكنتش دموع ضعف، كانت دموع غسيل لكل القهر والظلم اللي عشته وسط العيلة دي. مسحت وشي بكبرياء وأنا ببص من الشباك، وبقول لنفسي: “خلاص يا مريم.. اللي فات كوم، واللي جاي كوم تاني خالص”.
وصلت بيت أهلي، وأول ما أمي فتحت الباب وشافت الشنط والولاد، شهقت وحطت إيدها على صدرها:
ـ يا نهار أبيض! في إيه يا مريم؟ جرى إيه يا بنتي؟ إنتي اتخانقتي مع أبو مالك؟
دخلت الشنط وقفلت الباب ورايا، وحسيت إن جبل كان كاتم على نفسي وانزاح. قعدت على الكنبة وأنا بتنفس بصعوبة، وحكيت لأمي وأخويا كل حاجة من طقاطق للسلام عليكم.. من أول كاشات السلم، لحد مقارنات القعدة، والكلمة السم اللي قالها لي في الشقة، وفضحتهم على السلم.
أخويا وقّف عروق دماغه برزت من الغضب، وقام وقف وزعق:
ـ نعم؟! هو فاكر نفسه إيه؟ وإلا السنيورة سلفتك دي فاكرة البيت سايب؟ ده أنا هروح أطيّن عيشتهم وأعرفه يعني إيه يقل بأصله مع الوليّة اللي صاينة بيته!
أمي مسكته وهي بتبكي وبتهديه:
ـ اهدى يا ابني عشان خاطر الولاد.. حسبنا الله ونعم الوكيل فيهم، البت ميت جوزها وبدل ما تراعي ربنا في غيبته، بتلف على أخوه؟ وهو الخايب بيمشي وراها! بس الطلاق مش سهل يا مريم، فكري في عيالك.
بصيت لأمي بمنتهى الحسم وقولت:
ـ العيال دول يا أمي مش هيتربوا في بيت أبوهم بيبص فيه لمرات أخوه الميت، ويتخيل جسمها! العيال دول لازم يشوفوا أمهم برأس مرفوعة، ومش هكسر كرامتي عشان “لقمة” أو “حيطة” تلمنا مع ناس معندهاش ريحة الدم.
تاني يوم، تليفوني متبطّلش رن.
أبو مالك رن فوق العشرين مرة، ومردتش. وبعدها لقيت حماتي بتتصل، قولت أرد عشان أعرف آخرهم إيه. أول ما فتحت الخط، لقيت صوتها جاي حنين ومتبدل تماماً، ولا كأنها كانت بتشتم فيا على السلم إمبارح:
ـ إيه يا مريم يا بنتي؟ كل ده غضب؟ اخص عليكي، تهوني عليكي شيل الشنط والبهدلة دي في الشوارع؟ أبو مالك هيموت من زعله، والبت دعاء بتبكي من إمبارح وتقول مكنتش أقصد ومريم فهمتني غلط.. خلاص يا بنتي، عفا الله عما سلف، وأبو مالك جاي ياخدك الليلة.
ضحكت بصوت عالي سمّعها من السماعة وقولت:
ـ جاية تاخديني بالسهولة دي يا حماتي؟ بعد ما اتقال لي في وشي “إذا كان وشها كده يبقى جسمها إزاي”؟ بعد ما شوفت ابنك واقف يملّي عينه من عبايتها الجديدة على السلم؟ قولوا لدعاء توفر دموعها، عشان اللي زيها مابيبكيش على الغلط، دي بتبكي عشان اتفضحت.. وأبو مالك لو راجل بجد، يجي يقابل أخويا ويطلقني بالمعروف، ويديني حقوقي وحقوق ولادي.
قفلت السكة في وشها قبل ما تنطق بكلمة.
بعدها بساعتين، لقيت رسالة مبعوتة لي من رقم غريب على الواتساب.. فتحتها، وكانت الصدمة التانية. الرسالة كانت من دعاء! كاتبالي فيها بلؤم وشماتة متدارية ورا كلام مسموم:
“يا مريم، أنا بعتالك عشان أصفي النية.. أنا مليش ذنب إن جوزك بيبصلي، هو اللي تملي عينه زايغة وبيتلكك عشان يكلمني.. وعموماً لو أنتي مش مالية عينه، دي مشكلتك أنتي مش مشكلتي.. أنا ست صغيرة وحلوة ومن حقي أعيش سني في بيتي، وجوزك هو اللي المفروض تلميه.. بلاش تخربي بيتك بإيدك وتسيبيلي البيت يفضى عليا أنا وهو.. فكري بعقل وارجعي.”
الرسالة دي كانت القشة اللي قطمت ضهر البعير.. دي مش بس بتلاغيه، دي بتتحدااااني وبتأكد لي إنها كانت قاصدة تكسرني في عيشتي وتطردني من البيت عشان يفضالها الجو مع “أبو مالك”!.
الدم غلي في عروقي، وقومت وقفت في وسط الصالة، وريت الرسالة لأخويا وأنا ببتسم ابتسامة رعب.. وقولتله:
ـ لحد هنا ولعب العيال ده خلص.. السنيورة فاكرة إنها كسبت الجولة.. أنا هعرفها وهعرف جوزي المصون المقام العالي اللي هقعدهم فيه.. اللعب دلوقتي هيبقى على المكشوف.
أخويا أول ما قرأ الرسالة، وشه اتقلب لونه أزرق من كتر الغضب، وعروق رقبته كانت هتطق. رمى التليفون من إيده وقال بصوت كتمه بالعافية عشان أمي والولاد ما يتخضوش:
ـ العتب مش عليها، العتب على الديوث اللي سايبها تسرح وتمرح وتطاول على مراته! أنتي مش هتردي على الرسالة دي يا مريم.. الرد بتاعي أنا وأنتي هيبقى في المحكمة وفي وسط منطقتهم، عشان يعرفوا إن ليكي ضهر يقطم رقابهم.
قعدت مكاني وأنا حاطة إيد على إيد، وفجأة حسيت بهدوء رهيب نزل على قلبي. مفيش دموع، مفيش حرقة دم، في بس رغبة حاسمة إني آخد حقي تالت ومتلت. قولت لأخويا بنبرة باردة زي التلج:
ـ أنا مش هرفع قضية طلاق عادية يا أحمد.. أنا هرفع قضية خلع ونفقة وتبديد منقولات، وهعمل محضر عدم تعرض. والبيت اللي هي فاكرة إنه هيفضالها هي وهو؟ الشقة دي بتاعتي بتمكين رسمي عشان معايا حضانة العيال.. يعني هي وحماتي اللي هيتفرجوا عليا وأنا راجعة وقاعدة فوق دماغهم بالقانون، وهي اللي هتقعد في شقتها زي الفأر المذعور.
أخويا ابتسم ابتسامة فخر وقالي:
ـ وهو ده الكلام.. بكرا الصبح هنكون عند المحامي.
يومين بالظبط، وأبو مالك لقى المحضرين بيخبطوا على باب شقته وباب شقة أمه. قضايا نفقة للولاد، وقضية تمكين من الشقة، وإنذار على يد محضر. الدنيا اتقلبت في بيت عيلتهم، والراجل اللي كان عايش دور “دنجوان السلم” اللي الستات بتتخانق عليه، لقى نفسه مهدد بالحبس في تبديد القائمة، ومرمغ في المحاكم.
بعد أسبوع، لقيت تليفون أمي بيرن.. كان أبو مالك. أمي فتحت المايك عشان أسمع. صوته كان مكسور، مفيش فيه ولا ذرة من الكبرياء والبرود اللي كان بيكلمني بيهم. قال لأمي بنبرة مستعطفة:
يا حمايا.. يرضيكي اللي مريم بتعمله ده؟ المحاكم والمحضرين شوهوا سمعتي في وسط حتتي وشغلي! أنا ابنكم برضه، والصلح خير.. أنا مستعد أعملها كل اللي هي عايزاه، بس بلاش المحاكم وفضايح القضايا.
أخدت التليفون من أمي وقولتله ببرود:
ـ أهلاً يا أبو مالك.. الفضايح دي أنتي ودعاء اللي عملتوها لما وقفتوا تلاغوا بعض في وسط السلم والناس طالعة ونازلة. المحاكم دي عشان بس تفوق وتعرف إن الست اللي ريحتها بصل ومنظفات، تقدر في ثانية تهد المعبد على دماغ اللي خلفوك.. شروطي مفيهاش فصال: حقوقي كاملة تجيلي لحد عندي، ومؤخر الصداق، ونفقة عيالي هتدفعها بالملي وأنت صاغر.. وأما الشقة، فأنا راجعة أخدها بقوة القانون عشان أربي فيها ولادي، والمنور اللي كنت بتبص منه على سلفتك، هقفله بالآجر والإسمنت عشان تفتكر دايماً إن الله حق.
صوته اتهز وقال:
ـ يعني مفيش أمل نرجع؟ يا مريم فكري في العشرة..
قاطعت كلامه وقولتله:
ـ العشرة دي أنت اللي دوست عليها برجليك لما قولتلي “إذا كان وشها كده يبقى جسمها إزاي”.. روح بقى اسألها السؤال ده في المحكمة.. سلام يا أبو مالك.
قفلت السكة وأنا حاسة بنصر حقيقي. دعاء بعد اليوم ده مابقتش تجرؤ ترفع عينها في السلم، وبقت لما تسمع صوت حد طالع، تقفل بابها بمليون قفل عشان عارفة إن الفضيحة لفتت نظر الجيران للي كانت بتعمله..
أما أنا، فكنت واقفة في بلكونة بيت أهلي، ببص للسما، وبحمد ربنا إن القلم اللي أخدته فوّقني قبل ما العمر يجري بيا وأنا عايشة مع راجل مبيصونش غيبتي، وسط عيلة بتبرر قلة الأصل باسم “الهزار”.
تمت


تعليقات
إرسال تعليق