القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 الفتاه الفقيرة



الفتاه الفقيرة


الجميع صوّروا الحادث، لكن الفتاة الفقيرة قفزت لتنقذ ملياردير من طائرة غارقة وفي الصباح، خمس سيارات كاديلاك سوداء كانت أمام غرفتها في الموتيل.

اصطدمت الطائرة بنهر أوهايو وكأن قطعة من السماء فقدت قبضتها أخيرًا. لثانية واحدة مذهولة، بدا وكأن مدينة لويفيل كلها توقفت عن التنفس. ثم جاء الصوت. المعدن صرخ. الزجاج انفجر. النار تدحرجت على الماء في طبقة برتقالية لامعة، والناس على ممشى النهر تراجعوا للخلف وكأن النهر نفسه تحول إلى كائن حي بأسنان.

جناح دار مرة، ضرب السطح، وغرق. الدخان تسلق في هواء المساء، داكن وكثيف، يبتلع آخر ضوء وردي فوق كنتاكي.

اتصلوا ب! 

فيه حد جوة! 

ارجعوا! هتنفجر!

الهواتف طلعت قبل الأيدي. الناس صرخوا. الناس بكوا. الناس صلّوا بشفاه مرتجفة. لكن محدش اتحرك ناحية الحطام اللي بيطفو على بعد 30 ياردة من الشاطئ، حيث كان رجل بقميص أبيض ممزق محشور نصه تحت لوح معدني معووج، ووجهه بالكاد فوق المية السودا.

محدش اتحرك غير مايا ريد، بنت عندها 12 سنة. كانت بتبيع مية معدنية من كولر مخبوط جنب ممشى النهر، بتحاول تجمع فلوس بخاخ الربو لأخوها الصغير. الكوتشي بتاعها كان فيه خرم في الصوباعين. الهودي بتاعها كان خفيف على برد مارس. إيديها ريحتها تلج سايح وفلوس معدن.

مكنتش تعرف الراجل اللي في المية. مكنتش تعرف إن اسمه ألكسندر زاندر كين، المؤسس والمدير التنفيذي


لشركة كين للطيران، واحدة من أقوى شركات الفضاء الخاصة في أمريكا. مكنتش تعرف إن اتنين من حكام الولايات، وتلاتة من أعضاء مجلس الشيوخ، ونص وول ستريت هيطلبوا قريب دليل إنه عايش. مكنتش تعرف إنه مع شروق الشمس، خمس عربيات كاديلاك سودا هتدخل الباركينج المشقق بتاع موتيل ريفرسايد ستار، مكان حتى عربيات الشرطة نادرًا ما بتيجي له إلا لو فيه حد مات خلاص.

كل اللي مايا كانت عارفاه إن إيد الراجل طلعت مرة فوق المية. وبعدين اختفت.

ست جنبها مسكت كمها. يا بنتي، إياكي تعملي كده. 

مايا شدت إيدها. أخويا مبيعرفش يعوم، قالت، رغم إن الجملة ملهاش معنى لأي حد غيرها. 

وبعدين جريت.

الكولر بتاعها اتقلب وراها، الإزايز وقعت على الأسفلت، اتدحرجت تحت رجول الناس. مايا نطت من فوق السور الواطي، نزلت جامد على الضفة الطين، ورمت نفسها في النهر قبل ما الخوف يلحقها.

البرد ضربها الأول. خطف نفسها من صدرها لدرجة إنها كانت هتبلع مية. التيار زقها للجنب. الوقود المحترق بيلمع على السطح قدامها، وحت بلاستيك وعازل خبطت في وشها. هي كملت رفس ناحية الراجل المحبوس، مدكنة دقنها ومثبتة عينيها على بياض قميصه.

وراها، الأصوات اتحولت لصريخة واحدة طويلة. 

يا بنت! ارجعي! 

مايا! 

اطلعي من هناك!

وهي مطلعتش. لما وصلت له، كان بيغرق تاني. كتفه مزنوق تحت حتة معدن مسننة، ودراعه عايم من غير فايدة

جنبه. الدم نازل من جرح جنب صدغه، مخلي المية حوالين وشه غامقة.

مايا شبكت إيدها في ياقة قميصه. 

يا! صرخت، وضربت خده بصوابعها المتجمدة. اصحى!

جفونه اتحركت، بس مردش. المعدن اتحرك. راسه نزلت تحت المية. 

لأ، لأ، لأ. مايا غطست.

تحت المية، الحطام كان شكله ضخم ومستحيل. هيكل كرسي اتلوى فوق كتفه زي مصيدة. مايا ثبتت رجليها الاتنين على لوح غرقان وزقت بكل جسمها. مفيش حاجة اتحركت. رئتها بتتحرق. طلعت، شهقت، كحت، وغطست تاني.

المرة دي لقت الحزام اللي ملفوف عليه. صوابعها اتزحلقت منه. عضت طرف الحزام، شدته، وحست إنه ارتخى. المعدن أنّ. جسم الراجل اتحرك شبر. شبر كان كفاية يخليها تصدق.

زقت تاني، وهي بتعيط تحت المية من غير صوت، ولما اللوح أخيرًا اترفع، شدته لفوق بقوة عمرها ما هتعرف تشرحها.

طلعوا سوا للسطح. هو كان تقيل. تقيل أوي. التيار بيشد رجليه، ودراعات مايا بتترعش حوالين صدره. رفست ناحية الضفة، بس كل ضربة بتقربهم حاجة بسيطة بس. مرتين وشه نزل تحت المية. مرتين هي شدته لفوق تاني.

متوتش، همست في ودنه وهي بتنهج. والله، إياك تموت.

راسه مالت على كتفها. على الشط، راجل أخيرًا دخل المية لحد ركبته، وبعدين واحد تاني. ظابط شرطة وصل بيجري من على الكوبري. سوا، مدوا إيديهم لمايا وهي قربت كفاية إنها تلمسهم.

خدوه! صرخت. 

الإيدين مسكت الراجل الأول. وبعدين مايا.

وقعت في الطين،

بتترعش لدرجة إن سنانها بتخبط في بعض. الراجل كان نايم جنبها، ساكت زي الحجر. حد صرخ مش بيتنفس!

الإسعاف لسه موصلش. ظابط ركع، بس إيده كانت مترددة في الهوا. مايا زحفت على ركبها المتعورة. كانت شافت ممرضة المدرسة بتشرح الإنعاش القلبي مرة في اجتماع السلامة، ونص الفصل بيضحك وبيرمي ورق. مايا مضحكتش. كانت متخيلة أخوها جونا وهو بيزرق وقت نوبة ربو، واتفرجت على كل حركة.

حطت إيديها الصغيرة على صدر الراجل. 

كده، قالت، رغم إن محدش سألها. 

ضغطت. مرة. اتنين. تاني.

صدر الراجل بالكاد اتحرك. 

أقوى، الظابط قال. 

أنا بضغط! ضغطت لحد ما دراعاتها وجعتها. حد كان بيعد. حد كان بيعيط. النار بتطقطق وراهم. صفارات الإسعاف قربت، بس لسه مش قريبة كفاية.

وبعدين الراجل كح. مية طلعت من بقه. جسمه اتنفض وهو بيسحب نفس خشن وعنيف. 

هتاف طلع من الزحمة. مايا وقعت لورا، بتبص له. هو عايش.

الراجل فتح عينيه لثانية واحدة قصيرة. كانت رمادي، مش مركزة، ومليانة وجع. لقت وش مايا. شفايفه اتحركت. هي قربت أكتر. 

إيه؟


الجزء 2 الدين

شفايفه كانت بتترعش. صوته طلع خشن، بالعافية، وكأنه طالع من بير غرقان. 

اسمك. كلمة واحدة بس. سؤال وأمر في نفس الوقت.

مايا بلعت ريقها. ريحة الوقود والطين لسه في بوقها. 

مايا... مايا ريد.

عينيه الرمادي ثبتت عليها ثانية كمان، كأنه بيحفر الاسم في دماغه قبل ما يغمى عليه تاني. الإسعاف وصل

 


أخيرًا. المسعفين جروا، زقوا مايا على جنب بالراحة، وغطوا الراجل ببطانية حراري. الناس اللي كانت بتصور من دقيقة، دلوقتي بتصقف. حد رمى جاكيت على كتاف مايا المبلولة. حد تاني مد لها إزازة مية من اللي وقعوا من الكولر بتاعها.

ظابط لمس كتفها. يا بطلة، أنتِ كويسة؟ محتاجين ناخد أقوالك.

مايا هزت راسها، سنانها لسه بتخبط. أخويا... البخاخ بتاعه. لازم أرجع له.

محدش فهم، ومحدش سمع. عربية الإسعاف قفلت بابها على زاندر كين وخدته وهي بتجري. الزحمة بدأت تفك. الكاميرات نزلت. والبطلة الصغيرة امها نسيوها في الطين، بالهودي المبلول والكوتشي المخرّم.

مايا رجعت الموتيل على رجليها. المشوار خد ساعة في البرد. جونا كان قاعد على المرتبة، صدره بيزيق مع كل نفس. لما شافها مبلولة وبتترعش، عينيه وسعت من الرعب. 

مايا؟ عملتي إيه؟ 

جبت لك البخاخ بكرة، كدبت وهي بتضحك عشان تطمنه. النهاردة كسبت خناقة مع النهر بس.

نامت من التعب بهدومها المبلولة. محدش خبط على بابهم. محدش سأل.

الساعة 547 الصبح.

صوت موتور تقيل صحّى نص الموتيل. مايا فتحت عينها بالعافية وبصت من فتحة الشباك المشروخ. 

خمس عربيات كاديلاك سودا، بتلمع تحت نور العمود، واقفة صف واحد قدام أوضتهم. الزجاج متفيم بالكامل. مفيش لوحات.

الباب الخشب بتاع الأوضة خبط. خبطة واحدة بس. تقيلة، واثقة، ومش مستعجلة.

جونا اتخض. مين؟ 

مايا وقفت، قلبها بيجري. ريحة النهر لسه في شعرها. فتحت الباب سنة صغيرة، السلسلة الحديد مصدية وماسكة.

قدامها كان واقف راجل لابس بدلة سودا، طوله مترين، وشه زي الحجر. وراه راجل تاني، شايل صندوق خشب صغير. 

آنسة مايا ريد؟ صوته كان واطي بس واصل. 

أيوه؟ 

السيد كين فاق. طلب حاجتين بس.

مايا بلعت ريقها. إيه هما؟ 

الراجل اللي لابس بدلة شاور للراجل

التاني. الصندوق الخشب اتفتح. جواه، كان فيه بخاخ ربو جديد، متبرشم. وجنبه ظرف أبيض تقيل، مختوم بختم شمع أحمر عليه حرف C.

الحاجة الأولى، الراجل كمل، دي لجونا. قال إنك قلتي لأخوه مبيعرفش يعوم. هو افتكر.

جونا شهق من وراها. مايا ممدتش إيدها. كانت متسمرة.

والحاجة التانية؟ سألت بصوت واطي.

الراجل اللي لابس بدلة اتحرك خطوة لورا. باب عربية من الكاديلاك اللي في النص اتفتح. واحد نزل على كرسي متحرك، دراعه متجبس، وشاش على راسه، بس عينيه الرمادي هي هي. كانت صاحية، حادة، وبتبص لها مباشر. زاندر كين.

بص لها من أول راسها المبلولة لحد الكوتشي المخرم. وبعدين بص للظرف اللي في الصندوق. 

الحاجة التانية، زاندر قال بصوته الخشن، هي إنك تفتحي الظرف ده. فيه وظيفة. مش ليكي. لأمك.

مايا اتجمدت. أمي... ميتة من 3 سنين.

الدنيا سكتت لثانية. حتى الرجالة اللي لابسين بدل اتلخبطوا. زاندر ضيق عينيه، وبص للراجل اللي لابس بدلة. الراجل هز راسه بسرعة، وطلع موبايل، واتأكد من حاجة.

زاندر رجع بص لمايا، ولأول مرة، القناع بتاع الملياردير اتشرخ. بان عليه تعب حقيقي، وارتباك. 

أنا... آسف. الملف اللي جالي قال إنك عايشة مع والدتك.

مايا هزت كتفها، ودمعة واحدة نزلت غصب عنها. الملفات بتغلط. الموتيل ده كله غلط.

زاندر سكت لحظة. وبعدين زق الكرسي بتاعه لقدام بنفسه، متجاهل الحارس اللي كان عايز يساعده. وصل لحد عتبة الباب. مد إيده السليمة، وخد الظرف الأبيض بنفسه.

يبقى الظرف ده ليكي أنتِ، مايا ريد. فتحه قدامها. جواه مكنش فيه ورق تعيين. كان فيه مفتاح بيت، وورقة صغيرة مكتوب فيها عنوان في أرقى حي في لويفيل. وآخر حاجة، شيك.

مايا بصت للرقم. صفر، صفر، صفر... عدت الأصفار. ستة. مليون دولار.

صوتها ضاع. ده... ده ليه؟

زاندر كين بص للنهر اللي كان بيبان من بعيد ورا

الموتيل. وبعدين بص في عينيها. 

لما كل الناس طلعت موبايلاتها، أنتِ نطيتي. لما كلهم صرخوا، أنتِ مديتي إيدك. المليون ده مش تمن حياتي يا مايا. محدش يقدر يدفع تمن حياة.

وقف الكرسي. المليون ده تمن إنك فكرتيني إن لسه في ناس بتتحرك. أنتِ مديونة لأخوكي ببخاخ. وأنا مديون للعالم كله بيكي.

لف الكرسي عشان يمشي، وبعدين وقف وبص لها من فوق كتفه. 

البيت فيه أوضة لجونا، ومدرسة كويسة جنبه. العربية الأولى في الصف هتستناكي لحد ما تلمي حاجتكم. خدي وقتك.

الخمس كاديلاك فضلت واقفة. الراجل اللي لابس بدلة حط الصندوق على الأرض جنب رجلها، وانحنى باحترام.

مايا كانت واقفة في باب أوضة الموتيل المشققة، ماسكة مفتاح بيت بمليون دولار، وأخوها بيكح وراها، والشمس بتطلع على كنتاكي.

امبارح كانت بتبيع مية عشان بخاخ. 

النهاردة، الملياردير اللي أنقذته جه يدفع الدين.


النهاية الدين اللي مبيتردش

مايا فضلت واقفة دقيقة كاملة، المفتاح البارد في إيدها، وعينها على الخمس كاديلاك. لا فرحت، ولا صرخت. بس بصت لجونا وهو بيكح، وبصت للكوتشي المخرم بتاعها.

قفلت صوابعها على المفتاح، ورجعت خطوة لورا، ودخلت الأوضة. 

قفلت الباب في وش الرجالة البدل.

الدنيا سكتت. الحارس اللي لابس بدلة اتلخبط. زاندر كين وقف الكرسي المتحرك وبص للباب المقفول. لأول مرة من 20 سنة، حد قاله لأ من غير ما يتكلم.

الباب اتفتح تاني بعد ثواني. مايا طلعت، شايلة الكولر الفاضي بتاعها في إيد، وساندة جونا في الإيد التانية. البخاخ الجديد كان في جيب الهودي بتاعها. الشيك والمفتاح سابتهم على الأرض.

مشيت لحد الكرسي بتاع زاندر، وعينيها في مستوى عينيه. 

أخدت البخاخ. عشان أنت وعدت، وأنا وعدت جونا. صوتها كان ثابت. بس مش هاخد البيت ولا المليون.

زاندر استغرب. ليه؟ ده أقل حاجة أقدر

أعملها. 

عشان لو خدتهم، مايا قالت، يبقى كل اللي عملته امبارح كان ليه تمن. وأنا لما نطيت، مكنتش بفكر في تمن. كنت بفكر في أخويا اللي مبيعرفش يعوم. كنت بفكر إنك بني آدم بيغرق.

سكتت، وبصت للعربيات. لو عايز

ترد الدين بجد، متدينيش فلوس. افتح مستشفى للأطفال اللي زي جونا، اللي أهلهم مش لاقيين تمن البخاخ. علّم الناس اللي صورت ووقفت تتفرج إن الإيد اللي بتتمد أهم من الكاميرا اللي بتصور. ساعتها هتبقى رديت الدين للعالم كله، مش ليا أنا.

زاندر كين، الراجل اللي بيحرك مليارات وبيشتري شركات، ملقاش كلام يرد بيه على بنت 12 سنة لابسة هودي مبلول.

ابتسم. ابتسامة حقيقية، تعبانة، بس حقيقية. 

اتفاق. قالها وهو بيمد إيده السليمة. مستشفى مايا ريد للأطفال. وجنبها مدرسة تعلم الشجاعة قبل الرياضيات.

مايا سلمت عليه. إيدها صغيرة وباردة، وإيده كبيرة ومتجبسة. بس الاتفاق تم.

الكاديلاك مشيت كلها بعد ساعة. مفيش بيت جديد، ومفيش مليون دولار. 

بعد 6 شهور.

مايا كانت راجعة من المدرسة الحكومية اللي جنب الموتيل. جونا كان بيجري قدامها، بيتنفس كويس بالبخاخ الجديد. على الناصية، كان فيه مبنى ضخم بيتبني. يافطة كبيرة مكتوب عليها جاري إنشاء مستشفى مايا ريد للأطفال التبرع الأساسي مؤسسة كين للطيران.

مايا وقفت تقرأ اليافطة كل يوم وهي مروحة. مبتسمة.

في نفس اليوم، في مكتبه في الدور ال، زاندر كين كان بيبص من الشباك على المدينة. على مكتبه، مفيش صور لطيارات ولا جوايز. فيه حاجة واحدة بس، في برواز غالي.

كانت إزازة مية معدنية فاضية، مخبوطة، وجنبها ورقة مكتوبة بخط إيد مرتعش 

أخويا مبيعرفش يعوم. مايا

تحت الإزازة، كاتبين جملة واحدة بالدهبي 

الديون الحقيقية، مبتتسدش بفلوس. بتتسد لما تتحرك.

والموتيل؟ لسه موجود. بس بقى أنضف موتيل في كنتاكي، عشان صاحبه الجديد بيدفع الإيجار لكل السكان من غير ما يقول لحد.

تمت.

 

أنت الان في اول موضوع

تعليقات

التنقل السريع
    close