القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 كنت اغسل قمصاني



كنت اغسل قمصاني

 

كنتُ أغسل قمصان زوجي حين لمست أصابعي شيئًا داخل الجيب العلوي.


مفتاحًا معدنيًا صغيرًا.


ولم يكن يشبه أي مفتاح في بيتنا.


تجمّد قلبي، بينما اشتعل وجهي حرارة.


بقيت واقفة في غرفة الغسيل، ويداي لا تزالان مغطاتين بالصابون، أحدّق في القطعة المعدنية المستلقية فوق كفّي. كان محفورًا عليها رقم صغير: 17.


جلست على الأرض وسط الملابس المبعثرة، وهناك فقط فهمت لأول مرة حقيقة كنت أهرب منها منذ شهور:


زوجي يخفي عني شيئًا كبيرًا.


ليس لأنه تغير فجأة… بل لأن كل شيء فيه أصبح محسوبًا بدقة غريبة.


رائحة دخان لا تشبه سجائره على ياقة قميصه. عودته المتأخرة بحجة “اجتماعات العملاء”. طريقته في قلب الهاتف على وجهه كلما دخلت الغرفة. وتلك النظرة الشاردة التي أصبحت تسكن عينيه، كأن عقله يعيش في مكان آخر لا أعرفه.


أنا كنت أرى كل ذلك…


واخترت


ألا أسأل.

لأن السؤال أحيانًا يفتح بابًا لا يمكن إغلاقه.


وضعت المفتاح في جيب بنطالي وصعدت إلى الأعلى.


كان لوكاس لا يزال يستحم. صوت الماء يتدفق، وهو يصفّر لحنًا قديمًا كنت أحبّه يومًا ما.


رأيت هاتفه على الطاولة الجانبية.


طوال سبعة عشر عامًا، لم ألمسه أبدًا.


لكن تلك الليلة… فعلت.


كانت كلمة المرور تاريخ زواجنا.


شيء ما انكسر داخلي بصمت.


دخلت إلى الرسائل.


لا صور. لا نساء. لا شيء مما تخيلته يومًا.


لكن كانت هناك عشرات المحادثات المشفرة، وتحويلات مالية، وملفات بأسماء غريبة.


وأكثر اسم تكرر أمامي كان:


“نورك”.


فتحت إحدى الرسائل الأخيرة:


“المرحلة الأخيرة تبدأ الجمعة. المفتاح لازم يفضل بعيد عن أي حد.”


ثم رسالة أخرى:


“هل كلارا ما زالت لا تعرف شيئًا؟”


شعرت ببرودة تسري في أطرافي.


لم أكن أقرأ أسرار زوج يخفي


حياة أخرى…

بل أسرار رجل يعيش داخل شبكة كاملة من الأكاذيب.

تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

وفي تلك اللحظة، خرج لوكاس من الحمام.


— “يا عجوزتي، شفتي ربطة عنقي الزرقا؟”


رفعت عيني نحوه.


ابتسمت.


ابتسامة هادئة أخفت العاصفة التي بدأت بداخلي.


— “في الدرج الثاني يا حبيبي.”


أعاد الهاتف إلى جيبه دون أن يلاحظ شيئًا.


أما أنا…


فلم أنم تلك الليلة.


ظللت أراقب السقف في الظلام، بينما فكرة واحدة فقط تكبر داخل رأسي:


ما الذي يخشاه لوكاس إلى هذا الحد؟


في صباح اليوم التالي، خرج مبكرًا كعادته.


لكن قبل أن يغلق الباب، التفت نحوي فجأة وقال:


— “لو لقيتي أي مفتاح غريب في البيت… ما تفتحيش بيه أي حاجة.”


ثم خرج.


توقفت أنفاسي.


إذن هو يعرف أنني وجدته.


اقتربت من المكتب ببطء.


بحثت طويلًا حتى وجدت درجًا صغيرًا مغلقًا أسفل الخزانة.


أدخلت المفتاح.


نقرة خافتة.


ثم انفتح الدرج ببطء…


وفي الداخل كانت هناك فلاش ميموري سوداء، وملف قديم مكتوب عليه بخط واضح:


“MINDEZ ARCHIVE — 17”


اسمي.


تراجعت خطوة.


لماذا يرتبط اسمي بكل هذا؟


وضعت الفلاش في اللابتوب.


ظهرت ملفات كثيرة، لكن أول فيديو بدأ يعمل تلقائيًا.


رجل مسن يجلس داخل غرفة مظلمة.


وحين رفع وجهه نحو الكاميرا…


تجمد الدم في عروقي.


أبي.


أبي الذي قيل لي إنه مات منذ خمسة عشر عامًا.


نظر إلى الكاميرا وقال بصوت متعب:


— “لو وصلتي للفيديو ده يا كلارا… يبقى الحقيقة بدأت تطلع للنور.”


شعرت أن الأرض تميد بي.


ثم أكمل:


— “ما تصدقيش أي حد بسهولة… حتى لو كان أقرب الناس ليكي.”


وفجأة…


انطفأ اللابتوب.


والبيت كله غرق في الظلام.


ثم جاء صوت فتح باب الشقة ببطء.


خطوات هادئة.


ثابتة.


وصوت امرأة يقول من الخارج:


— “كلارا… أخيرًا


لقيتي المفتاح.”تجمدت في مكاني.

الصوت لم يكن غريبًا فقط… كان مألوفًا بطريقة مزعجة، كأن ذاكرتي تحاول أن ترفضه لكنها لا تستطيع.


تقدمت خطوات بطيئة داخل الشقة.



 

لم تفتح الباب بعنف… بل كأن الباب كان مفتوحًا لها دائمًا.


ثم ظهرت.


امرأة في منتصف الأربعينات تقريبًا، ترتدي معطفًا داكنًا، وملامحها هادئة بشكل غير مريح. لا توتر، لا استعجال… فقط ثقة شخص يعرف أنه وصل في الوقت الصحيح.


نظرت مباشرة نحوي.


— “أخيرًا…” قالت بهدوء.


لم أجب.


يدي كانت ما زالت على اللابتوب، كأنني أستطيع حمايته من مجرد وجودها.


اقتربت خطوة أخرى.


— “إنتِ كلارا مينديز… صح؟”


ابتلعت ريقي.


— “مين إنتِ؟”


ابتسمت.


ابتسامة قصيرة، بلا دفء.


— “أنا اللي كنتِ بتدوري عليها من غير ما تعرفي.”


صمتت لحظة، ثم أضافت:


— “ومش لوحدك.”


تجمد الهواء في صدري.


رفعت عيني نحو الباب خلفها.


كان


مغلقًا… لكني شعرت كأن الشقة نفسها لم تعد ملكي.

— “إنتِ دخلتي هنا إزاي؟” سألت.


ردّت بهدوء:


— “زي ما كل حاجة دخلت حياتك من غير ما تنتبهي.”


ثم أشارت بعينيها نحو اللابتوب.


— “فتحتي الملف.”


قلبي انقبض.


— “أبوكي…” همست.


هزّت رأسها ببطء.


— “لسه عايش في النظام… مش في الدنيا.”

تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

جلست على طرف الكرسي أمامي، كأنها في بيتها.


ثم قالت الجملة التي قلبت كل شيء:


— “الخزنة 17 مش مكان… دي مرحلة.”


سكتت لحظة، ثم أضافت:


— “وإنتِ دلوقتي دخلتي المرحلة.”


قبل أن أستوعب كلامها، سُمع صوت خفيف من خلف الشقة.


خطوة واحدة.


ثم صوت لوكاس.


لكنه لم يكن كصوته المعتاد.


كان منخفضًا… حادًا… مختلفًا تمامًا.



“كان لازم ما تفتحيش الملف.”

التفتُّ بسرعة.


كان واقفًا عند باب الغرفة.


ملابسه غير مرتبة، ووجهه شاحب كأنه لم ينم منذ أيام.


نظرت بينه وبين المرأة.


— “إيه اللي بيحصل هنا؟” صرخت.


رفع يده قليلًا كأنه يطلب مني الهدوء.


لكن المرأة تكلمت قبله:


— “هو اللي كان بيحاول يبعدك عن الحقيقة.”


لوكاس رد بسرعة:


— “أنا كنت بحميها.”


ضحكت المرأة بخفة.


— “من مين؟ مني؟ ولا من أبوها؟ ولا من النظام اللي إنت نفسك جزء منه؟”


صمت.


وهنا فهمت أول شرخ حقيقي.


لم يعد هناك “طرف واحد يكذب”.


بل أطراف متعددة… وكلهم يعرفون أكثر مني.


خطوت للخلف.


— “أنا مش فاهمة حاجة… أنا عايزة أخرج من ده كله.”


نظرت إليّ المرأة


مباشرة.

— “مافيش خروج بعد المفتاح.”


ثم أشارت نحو الشاشة التي عادت للعمل فجأة من تلقاء نفسها.


ظهر ملف جديد:


“CLARA — FINAL ACCESS READY”


التفتُّ إلى لوكاس.


— “ده إيه؟”


خفض عينيه.


ولأول مرة قال الحقيقة بدون تزيين:


— “ده اختيارك الأخير.”


سكت لحظة.


ثم أضاف:


— “يا تفتحي الخزنة 17… يا كل حاجة هتتفتح عليكِ إنتِ.”


وفجأة…


انطفأت الأنوار مرة أخرى.


لكن هذه المرة لم يكن الظلام هو المشكلة.


بل الصوت القادم من الخارج.


سيارات تتوقف.


أبواب تُغلق.


وأشخاص يصعدون السلم بخطوات منظمة.


المرأة وقفت فورًا.


لوكاس همس:


— “اتأخروا… مش المفروض يكونوا هنا دلوقتي.”


ونظرت إليّ لأول مرة بجدية كاملة:



“قرري بسرعة يا كلارا.”

ثم همست:


— “لأنهم مش جايين يسألوا… هم جايين ياخدوا المفتاح منك.”


وفي تلك اللحظة…


فهمت أن أي قرار سأخذه بعد الآن…


لن يغيّر مصيري وحدي فقط.


 

تعليقات

التنقل السريع
    close