انا الملك وهى جارية كاملة
انا الملك وهى جارية كاملة
بحب اشوف مراتى عنيها مكسوره بحس وقتها انى راجل بجد وخصوصاً ضعفها
من غير ما أرفع إيدي عليها، ومن غير ما تطلع مني كلمه شتيمة واحدة .. الكلمة بتطلع من بوقي متقاسة بالمسطرة، عارف مكان الوجع فين وبدوس. نظرة عينيها وهي بتدور على أي أمان أو كلمة تطيب خاطرها في قعدتنا وسط الناس، وردي البارد اللي بيخليها تصغر وتتمنى الأرض تنشق وتبلعها.. هي دي متعتي الحقيقية.
لما بنكون في وسط العيلة، وأي حد يفتح بوقه، بكون أنا أول واحد يجي عليها ويسخّف من كلامها، أصلها لازم تفهم إن مالهاش ضهر غيري، وإن قيمتها بتاخدها مني أنا وبس.
لما بنرجع بيتنا وتقفل علينا أوضتنا، وألاقيها واقفة في ركن، كتافها هابطة، ورموشها بتنزل وتطلع وهي بتحبس الدموع بالعافية عشان ما تضعفش أكتر.. بحس وقتها بالنشوة. بحس إني الملك المتوج في البيت ده، وهي مجرد جارية مستنية الرضا. ضعفها ده هو اللي بيغذّي رجولتي، وانكسار عينيها هو الشهادة اللي بتقول إني مسيطر، وإني راجل بجد.
في يوم، رجعت من الشغل لقيت الأصوات جايبة لآخر الشارع. مراتي واقفة في البلكونة وشها جايب ألوان، وبتتخانق مع أم سيد جارتنا اللي في الدور اللي فوقينا. السبب؟ أم سيد نشرت غسيلها وهو بينقط مية بخلطة غريبة بوظت لمراتي غسيلها اللي كانت تعبانة فيه طول النهار. مراتي كانت بتتكلم بحرقة وصوتها طالع فيه بحة قهر، وأم سيد بترد ببرود وبجاحة.
أنا وقفت في مدخل البيت، اتفرجت ثواني، ورسمت على وشي علامات الغضب.. بس مش من أم سيد، منها هي!
طلعت الشقة، دخلت البلكونة وعيني بتطق شرار. مراتي أول ما شافتني عينيها لمعت، افتكرت السند جه، وافتكرت إني هجيب لها حقها. وقفت ورايا وهي بتقول: “شفت يا أبو العيال، يرضيك اللي بتعمله ده؟”
بمنتهى البرود، لفيت وبصيت لها ونزلت عليها بدش بارد زلزل الأرض تحت رجليها. قلت لها بصوت عالي سَمّع الشارع كله:
“جرى إيه يا ولية إنتِ؟ ما عادش وراكي غير الردح والمشاكل؟ أم سيد ست عاقلة وما تقصدش، وإنتِ اللي غاوية نكد وبتعملي من الحبة قبة! ادخلي جوة مش عايز اسمع صوتك، ولمي دورك بدل ما ألمك أنا!”
مراتي وقفت مكانها مصدومة. بلمت، وعينيها اتسعت وهي مش مصدقة. كانت بتبص لي وكأنها بتشوفني لأول مرة، الدموع اتحبست في عينيها، وشفايفها كانت بترتعش بس الكلمة ماتت جوة بوقها. أم سيد فوق بدأت تبتسم بانتصار، وقالت بنبرة شماتة: “الله يكرم أصلك يا أبو العيال، طول عمرك راجل وسيد الرجالة وتعرف الأصول.”
أنا سيبت مراتي واقفة في البلكونة زي التماثيل ودخلت قعدت حاطط رجل على رجل.
من اليوم ده، مراتي انكسرت كسر مش طبيعي. مابقتش قادرة ترفع عينها في أم سيد خالص. بقيت أراقبها من ورا الشيش وهي نازلة على السلم، لما تقابل أم سيد بالصدفة، أم سيد تبص لها من فوق لتحت وتقول لها بتهديد مبطن: “أهو غسيلنا منشر هه.. وريني بقى هتقولي إيه، ولا أقول لجوزك وهو يتصرف؟”
شكلك من النوع اللى مش بتيجى غير بالض.رب
مراتي تلتفت وتجري على تحت وعينيها في الأرض، وشها يحمر من الخوف والكسوف زي العيلة الصغيرة اللي بتتهدد بأبوها لما تغلط وتخاف تتضرب. المنظر ده بيخليني أحس بإحساس غريب من العظمة، بقيت أنا البعبع اللي الكل بيبتزها بيه، وهي مالهاش غير إنها تطاطي وتستخبى في ضلي وهي مرعوبة.
الموضوع ما وقفش عند جارتنا، اللعبة دي بقت كيفي وبقيت أطبقها وسط أهلي أنا بالذات عشان أكسر عينها بزيادة.
في العزومة السنوية عند أمي، البيت كان مليان أعمامي وعماتي وعيالهم. مراتي كانت واقفة في المطبخ من النجمة، قايمة بالعزومة كلها ووشها دبلان من التعب.
أول ما الأكل نزل، قعدت “ندى” بنت عمي؛ مهتمة بنفسها ولبسها على السنير. بصيت لمراتي وهي بتحط الصواني وهدومها متبهدلة من المطبخ، وقررت أبدأ اللعبة.
ندى لوت بوقها وقالت بدلع: “ياي يا جماعة، السمنة كتير أوي في المحشي، أنا دايت ومش هقدر آكل من ده.”
قبل ما مراتي تنطق، ضحكت بصوت عالي سَمّع الصالة كلها وقلت:
“عندك حق يا نودا يا حبيبتي شوفى نفسك فى ايه وانا اجبهولك والاكل ده ارميه عادى
مراتي وقفت مكانها والصينية في إيدها، وشها جاب ألوان وبصت لي بنظرة مكسورة مذهولة.
أنا ما اكتفيتش بكدة، قمت وروحت قعدت جنب ندى، وبصيت في عينيها بإعجاب مفتعل وقلت: “بس قولي لي يا قمر.. إيه الشياكة دي كلها؟ الواحد بقاله سنين ما شافش ستات تفتح النفس بجد.”
ندى ضحكت بدلع ومدت إيدها تظبط لياقة قميصي وقالت: “ميرسي يا سامح، طول عمرك ذوق.”
في اللحظة دي، وعيني في عين مراتي اللي دموعها اتجمدت في عينيها، أخدت إيد ندى وبستها من ضهرها وقلت: “دي مش مجاملة يا حبيبتي، إيد النواعم دي ما ينفعش تمسك غير الحرير، مش زي ناس إيديهم قشفت
مراتي الصينية كانت هتقع من إيدها. كرامتها وأنوثتها اتداس عليهم بالجزام وسط عيلتي، وبنت عمي بتبص لها بشماتة. سابت الصينية ولفت وشها وجريت على المطبخ وهي كاتمة شهقتها بالعافية عشان أمي ما تزيدش عليها.
أمي فضلت مراقبة الموقف كله من بعيد، ملامح وشها كانت بتقول إنها مش راضية عن اللي حصل. أول ما ناهد جرت على المطبخ وهي بتعيط، وندى قامت تدخل الحمام تظبط مكياجها، أمي قعدت جنبي على السفرة وهزت راسها بأسف.
بصت لي بنظرة عتاب وقالت بصوت واطي ومكتوم عشان محدش يسمعنا:
“إيه اللي أنت عملته ده يا سامح؟ ما يصحش اللي حصل ده واصل! البت تطلع وتدخل وتخدمنا من النجمة، تقوم تكسر بخاطرها وتهينها بالطريقة دي قدام الغريب والقريب؟ وعشان مين.. عشان بنت عمك؟”
لوحت بإيدي ببرود وقلت لها: “يا أمي ما تكبريش الموضوع، أنا بهزر معاهم وبعدين ندى بتفهم في الشياكة والأصول، إنما اللي عندي دي…”
قطعت كلامي بحدة وقالت: “جرى لك إيه يا ابن بطني؟ مراتبك غلبانة وبنت أصول، وشايلانا وشايلاك في عنيها وعمرها ما اشتكت ولا فتحت بوقها. كسر الخواطر ده ذنبه كبير عند ربنا، والراجل بجد هو اللي يكرم مراته قدام أهله، مش اللي يدوس عليها عشان يبان إنه مسيطر. روح يا ابني طيب خاطرها، ومتخليش الشيطان يعميك عن نعمة ربنا اللي في إيدك.”
كلام أمي خلاني أبتسم ببرود، بس جوة نفسي كنت حاسس بانتصار أكبر؛ حتى أمي اللي هي أمي واقفت في صفها وشايفة إنها مكسورة، وده معناه إن خطتي ناجحة بالملي، وإن ناهد فعلاً بقت تصعب على الكافر
قمت من جنب أمي وأنا برمي الكلمة ورا ضهري ومستخف بكلامها، ودخلت المطبخ بحجة إني رايح أجيب مية، بس في الحقيقة كنت رايح أشوف أثر الكرباج اللي علم على قلبها.
لقيتها واقفة مدياني ضهرها، ساندة راسها على حيطة المطبخ، وجسمها كله بيترعش من كتمة العياط. أول ما حست بخطواتي، لفت بسرعة ومسحت عينيها بظهر إيدها وحاولت تداري وشها في ضل الثلاجة.
وقفت قدامها وساند إيد على الباب بمنتهى البرود، وبصيت لها من فوق لتحت وقلت بنبرة واطية بس حامية زي الموس:
“جرى إيه يا هانم؟ قمصتِ؟ مش عاجبك الكلام ولا إيه؟ أصلك لو فاكرة إن حركات الشحتفة وعياط المطبخ ده هيخلي أمي تصعب عليا وتبوس راسك تبقى غلطانة.. أنا اللي أقوله في البيت ده يمشي، والي أمدحه يترفع، واللي أقلل منه يفضل طول عمره في الأرض.”
بصت لي وعينيها حمرا دم، والدموع اللي محبوسة في رموشها نزلت غصب عنها، وقالت بصوت مخنوق ومكسور:
“أنا قصرت معاك في إيه يا سامح؟ طب لو مش عامل حساب ليا، مش عامل حساب لأهلك؟ بتهيني قدام بنت عمك وتخليها تتنطط عليا؟”
قربت منها خطوة لحد ما نفسنا بقى في وش بعض، وضغطت على سناني وقلت لها:
“عشان تفهمي مقامك كويس، وعشان تفتكري دايماً إنك من غيري ولا حاجة.. ندى بنت عمي ست البنات، والشياكة والرقة اللي فيها أنتِ عمرك ما هتحصلي ربعها. لمي دمعتينك دول واغسلي وشك واطلعي شوفي الناس برة، مش عايز نكد، وإلا وقسماً بالله أسيبك هنا وأروح أوصل ندى بعربيتي وأنزلك قدام الكل.”
الكلمة لجمتها تماماً. الخوف من الفضيحة الأكبر وسط العيلة خلاها تبلع ريقها المر، وهزت راسها من غير ما تنطق بحرف. لفت وشها للحنفية وبدأت تغسل وشها بمية ساقعة وهي بتبلع شهقاتها.
خرجت أنا الصالة وحطيت رجل على رجل، وأنا حاسس بقمة السيطرة.. ناهد بقت عجينة في إيدي، أصلّبها وقت ما أعوز، وأكسرها وقت ما أحب.
رجعنا البيت والهدوء كان مخيم على العربية طول الطريق. ناهد كانت باصة من شباك العربية، دموعها نشفت، بس عيونها لسة فيها انكسار بيحرق الأعصاب. أول ما دخلنا البيت، رميت مفاتيحي على التربيزة وقلت لها بنبرة ساخرة: “ادخلي غيري هدومك دي، ريحة المطبخ لسه فيكي، شكلِك يقطع الخميرة.”
دخلت الأوضة من غير ولا كلمة، زي المأمور، وأنا قعدت على الكنبة وطلعت تليفوني. من غير ما أهتم بوجودها اللي بقى باهت، اتصلت بـ “ندى”.
سمعت صوتها بيضحك من أول رنة: “ألو.. يا سامح؟ لسه مروحين؟”
عليت صوتي عمدًا عشان ناهد تسمع كل حرف، وبدأت أتكلم بدلع ومياعة: “يا نودا، البيت من غير ضحكتك بقى ضلمة. العزومة كانت وحشة جداً، لولا إنك كنتِ موجودة كانت تبقى يوم كئيب.”
ندى ضحكت بدلع وقالت: “يا واد يا بكاش، ومراتك اللي كانت واقفة جنبك دي؟”
رديت عليها وأنا بوزع نظراتي على ناهد اللي وقفت ورا باب الأوضة، جسمها بيتنفض من القهر: “مرات مين؟ دي؟ دي يا بنتي مجرد خدامة في البيت ده، بتسد خانة وبتشيل قرفنا، بس فينها وفين رقتك؟ دي لو لبست إيه، ما يجيش في ضفرك. كفاية إنها بتخاف مني زي العيال الصغيرة، مش زيك إنتِ يا ست البنات، إنتِ اللي تملي العين وتستاهلي الدلال.”
ندى زادت في الضحك وقالت كلام يغذي غروري، وأنا كملت في الكلام السام اللي بيقطع في ناهد، وهي واقفة مسمّرة مكانها، عينيها مكسورة تماماً، ومبقاش عندها حتى طاقة ترد.. هي عارفة دلوقتي إنها بقت في نظري مجرد “أداة”، وإن قيمتها الحقيقية في الأرض، تحت رجلي ورجل اللي بختارهم عشان أغيظها بيهم.
اليوم ده كان مختلف عن كل يوم فات. العادة إنها بعد كل بهدلة، تدخل تنام من كتر التعب والقهر، لكن الليلة دي ناهد مانمتش. فضلت صاحية طول الليل.
الساعة بقت تلاتة الصبح، وأنا نايم في سريري ماليش دعوة بحاجة، قمت أشرب، لقيت النور مطفي في الصالة، بس هي قاعدة في الضلمة على الكنبة. رجليها ملمومة عند صدرها، ومقرفصة زي اللي مستنية مصيبة، وعينيها مبرقة في الفراغ. الهدوء اللي كان طالع منها ليلتها كان مرعب، مش هدوء الخوف بتاع كل مرة، لأ.. ده كان هدوء غريب ومريب، كأن في فكرة تانية خالص بتدور في دماغها.
قربت منها وقلت بمنتهى البجاجة: “جرى إيه يا سنيورة؟ قعدة زي العفاريت في الضلمة ليه؟ خشّي اتخمدي وراكي تنضيف من النجمة.”
ما ردتش، ولا حتى اتخضت من صوتي المفاجئ. يدوب لفت راسها براحة وبصت لي.. النور اللي جاي من الشارع كان ضارب في عينيها، وشفت لمعة غريبة مش مفهومة. ما عيطتش، ولا نزلت دمعة واحدة، كانت بتبص لي بنظرة طويلة، باردة، وخالية من أي مشاعر.. نظرة خلتني لأول مرة أحس بنغزة قلق صغيرة جوة قلبي، بس كابرت وولعت النور وقلت لها: “أنا مابحبش الجنان ده، اتعدلي بدل ما أعدلك!”
قامت براحة من غير ما تنطق بحرف، ودخلت المطبخ. فضلت واقف وراها بمراقبها، لقيتها بتعمل كوباية شاي بحركات بطيئة وموزونة بالمسطرة، إيديها ما كانتش بترتعش زي العادة. قعدت على طرابيزة المطبخ وفضلت صاحية لحد ما الفجر أذن والنور بدأ يشقشق.. والكسرة اللي في عينيها اتحولت لشيء غامض، كأنها بتعيد حسابات كل السنين اللي فاتت في ليلة واحدة، وبتخطط لحاجة أنا لسه مش قاريها.
نزلت الشغل الصبح وسبتها على حالها ده، وقلت في بالي أخرها يومين وهترجع زي الكلبة تدور على رضايا. طول النهار في الشغل وأنا بالي مشغول بالنظرة الغريبة اللي ورتهالي بالليل، بس كنت بصبر نفسي وأقول “دي حلاوة روح.. مسيرها تطاطي”.
رجعت البيت على الميعاد، فتحت الباب وكنت متوقع أشم ريحة الأكل أو ألاقيها بتجري تجهز السفرة عشان تصالحني.. بس الصدمة إن البيت كان هادي زي المقابر. مفيش قشة اتحركت من مكانها، ولا حتى حلة ارفعت على النار.
دخلت الصالة لقيتها قاعدة في نفس مكانها، باصة للفراغ ببرود. وقفت فوق راسها وزعقت:
“جرى إيه يا هانم؟ إيه الكسل ده؟ فين الغدا؟”
بصت لي براحة ومن غير ما تتخض وقالت بنبرة باردة ومستفزة:
“تعبت من يوم إمبارح.. ماليش نفس أعمل حاجة، اطلب غدا من برة.”
الكلام نزل عليا زي المية الساقعة، البرود ده عصبني. قلت لما أرجعها لحجمها الطبيعي وأكسرها بالكلام زي كل مرة عشان تلم نفسها، فضحكت بسخرية وقلت:
“تعبتي من إيه يا حيلتها؟ من الوقفة في المطبخ؟ ما أنتِ طول عمرك خايبة وإيدك غشيمة، ولا تعبتي من كتر العياط لما شفتي ندى ست البنات وهي بتاخد الدلال كله وأنتِ واقفة زي الخدامة؟”
كنت مستني الكلمة تنزل تقسمها نصين، وتخلي دموعها تنزل وأشوف كسرة عينها اللي بتمزجني.. بس المرة دي ما عيطتش. ناهد قامت وقفت، وربعت إيدها، وبصت في عيني بمنتهى القوة والتحقير، وقالت كلام خلاني انهار من طولي.
قالت لي بضحكة استهزاء هزت كياني:
“أنت مش راجل يا سامح.. فاكر لما تعمل الحركات الناقصة دي وتقلل مني قدام جارتك ولا بنت عمك، الناس هتقول عليك راجل مسيطر؟ لاء يا حبيبي، الكل عارف إنك ناقص وبتداري نقصك فيا. أنا استحملتك واستحملت قرفك وسواد قلبك السنين دي كلها وأنت بتزيد فيها.. بتزيد على إيه يا حسرة؟ ده أنت أحمد ربنا إن أنا رضيت بيك أصلاً واتنازلت واتجوزتك!”
الكلام كان زي طعنات السكاكين في رجولتي وغروري. الدنيا لفت بيا، والدموية طلعت لفوخ عيني. لأول مرة أحس إن السيطرة هربت من إيدي، وإن البعبع اللي كنت مخوفها بيه اتهد في ثانية. مِدرتش بنفسي، ولا شفت قدامي.. من كتر الغل والانهيار، رفعت إيدي ولأول مرة في حياتي أمد إيدي عليها ونزلت ضرب فيها بكل غلي، عشان أخرس الصوت اللي كشف حقيقتي وعرّت نقصي قدام نفسي.
كل ما أرفع إيدي عنها عشان أخد نفسي، وأفتكر إنها خلاص جابت آخرها وهتركع وتعيط عشان أرحمها، ألاقيها تبص لي من وسط الوجع بابتسامة سخرية تقيد فيا النار من جديد.
تمسح الدم من على بوقها وبمنتهى البرود تقولي: “اضرب كمان.. وريني أخرك إيه يا سامح، ما هو أنت مش فالح غير في دي.. طول عمرك قليل وهتفضل قليل”.
الكلام كان بيطلع منها زي الكرباج على كرامتي ورجولتي. مكنتش فاهم هي بتعمل كده ليه؟ المفروض تخاف، المفروض تتلم وتستخبى زي كل مرة! لكن النبرة دي، والنظرة اللي كلها تحقير ليّ خلتني أتحول لوحش. كل اللي كان مسيطر على دماغي وعقلي في اللحظة دي إني لازم أكسرها، لازم أهدم الوش الخشب اللي هي حطاه ده لحد ما ترجع زي ما كانت.. البنت الضعيفة، العيلة الصغيرة اللي بتخاف من خيالها وتستنى الرضا مني.
نزلت فيها ضرب تاني وتالت، وكل ما تقع، أقومها وأضربها، وهي تضحك بوجع وتقولي: “برضه مش هتبقى راجل في عيني”.
كنت بضرب بغل وعمى، مكنتش شايف قدامي ولا حاسس بالوقت، وكل همي أسمع منها كلمة “حرمت” أو أشوف في عينيها نظرة الانكسار اللي عيشتني ملك السنين اللي فاتت.. بس هي المرة دي كانت بايعة كل حاجة، وكأنها كانت بتقصد تستفزني عشان أطلع أسوأ ما فيا.
أول ما إيدي تعبت من كتر الضرب، وقفت وأنا بنهج ونفسي مقطوع، والغل اللي جوايا بدأ يهدأ ويتحول لذهول وأنا شايفها غرقانة في دمها بس لسه بتبص لي بنفس الشماتة. في اللحظة دي بالذات، فهمت هي كانت بتعمل كده ليه.. فهمت إنها وصلت لللي هي عايزاه بالملي.
ملامحها تبدلت في ثانية، والبرود والابتسامة اختفوا، وبدأت تصوت بصوت عالي وهستيري سَمّع عمارة كلها. صريخ مرعب يخلي أي حد يفتكر إنها بتتق*تل.
قبل ما أستوعب أو أتحرك خطوة واحدة عشان أكتم بوقها، لقتّها جريت على باب الشقة وفتحته، وخرجت تجري في السيب وهي بتصوت وتلطم، وتخبط على أبواب الجيران بهستيريا. الشارع كله اتقلب، والجيران طلعت على الصوت، وشافوها بالمنظر ده.. وشها متبهدل، وهدومها مقطعة، ودمها مغرق الأرض.
وقفت أنا على باب الشقة مسمّر، مش قادر أنطق ولا أدافع عن نفسي، والكل بيبص لي بنظرات رعب وقرف، حتى أم سيد جارتنا اللي كانت بتشمت فيها، وقفت حاطة إيدها على صدرها ومبرقة من الصدمة. ناهد ما ادّتنيش فرصة، وبصوتها المبحوح صرخت فيهم: “الحقوني.. كان هيقت*لني! ودوّني القسم!”
وفعلاً، نزلت مع الجيران وهي بالحالة دي، وراحت على طول على القسم. هناك عملت لي محضر ضرب وإهانة، وأرفقت معاه تقرير طبي بكل إصابة وكل خبطة أنا علمّت بيها على جسمها بغباوتي وغروري.
قعدت في القسم وأنا مش مستوعب اللي بيحصل حواليا، الصدمة كانت شلاني. الوش الخشب اللي كنت بقابل بيه ناهد اتبخر، وبقيت بكلم نفسي زي المجانين. في وسط ذهولي، العساكر سحبوني ودخلوني مكتب الظابط عشان يفتح معايا التحقيق.
الظابط بص في التقرير الطبي اللي ناهد عملته، وبعدين رفع عينه وبص لي من فوق لتحت بنظرة كلها قرف واشمئزاز. رمى الورق على المكتب وقال بنبرة حامية زي الموس:
“أنت فاكر نفسك راجل لما تمد إيدك على ست وتجيب دمها بالمنظر ده؟ دي بني آدمة لحم ودم، مش حتة جماد ملوش ثمن!”
حاولت أتكلم وأدافع عن نفسي بنبرة مهزوزة: “يا فندم دي مراتي وكانت بتستفزني وهي…”
قاطعني بزعير هز المكتب: “اشسسس! مش عايز أسمع صوتك! الستات برة بتتبهدل وتخدم وفي الآخر تقع في إيد أشكال ضالة زيك.”
لف الظابط ونده على العسكري، وبصوت مسموع وواضح، مال على ودن العسكري وغمز له وقال: “خده يا عسكري على الحجز.. ووصي عليه الرجالة جوة، عشان يعرفوا الـ ‘راجل’ ده الأصول اللي على حق.”
العسكري شدني من قفايا ونزل بيا على الحجز تحت. أول ما الباب الحديدي الكبير اتفتح واتقفل ورايا برزعة خضتني، لقيت نفسي جوة ضلمة ومكان ريحته تخنق، والعيون كلها اتمحورت عليا.
واحد من المساجين، ضخم وجسمه مليان علامات، قام وقف وقرب مني وهو بيطقطق صوابعه، وبص للباجين وقال بضحكة صفرا: “يا مرحب.. الباشا الظابط بيوصيكم على سيد الرجالة اللي بيستقوى على الحريم.”
في ثواني، ملقيتش نفسي غير وأنا باخد علقة موت مروعة، ضرب من كل حتة وركل بالرجلين. كنت بصرخ وبستغيث ومفيش مخلوق عبرني. كل قلم وكل خبطة كانت بتنزِّل كرامتي في الأرض، ودقت جوة الحجز نفس الوجع والكسرة والمهانة اللي كنت بدوقها لناهد السنين اللي فاتت كلها، بس المرة دي كنت أنا اللي مرمي في الأرض، عاجز، وعيني مكسورة بجد ومش عارف أرفعها في حد.
ياريت الموضوع وقف لحد هنا واللى عملته بعد كده خلانى احس انى بتعامل مع واحده لاول مره واحده فى حياتى واحده ماعندهاس ذره من الرحمه بعد اللى عملته فيه وكنت بتمنى إن الموضوع كان وقف عند القسم لكن اللى عملته فيه كان فوق توقعات اى حد
فضلت مرمي على أرضية الحجز ليلتها، مش قادر أتحرك، وجسمي كله حتة واحدة بتوجعني. الكلابشات في إيدي، والدموع اللي كنت بتمزج وأنا شايفها محبوسة في عين ناهد، نزلت مني أنا الليلة دي مغرقة تراب الزنزانة. لأول مرة أدوق طعم الذل الحقيقي، ولأول مرة أفهم إن القوة اللي كنت مفكرها في إيدي كانت مجرد وهم أنا عشته على حساب غلبها.
تاني يوم الصبح، سحبوني وأنا بجر رجلي ورايا عشان أتعرض على النيابة. كنت ماشي وسط العساكر وعيني في الأرض، خايف المح وش حد أعرفه، خايف من نظرة الشماتة اللي كنت بوزعها ببلاش على ناهد قدام الناس.
أول ما وصلت سرايا النيابة، لقيت المحامي بتاعي واقف، وجنبه أخو ناهد الكبير. جريت عليه بلهفة وكنت بنطق بالعافية من ورم شفايفي: “إلحقني يا أبو نسب.. خلي ناهد تتنازل، أنا اتبهدلت جوة والظالم والمظلوم علموا عليا!”
أخوها بص لي بنظرة كلها قرف، ومسكني من ياقتي براحة وقال بصوت واطي ومسموع:
“تتنازل؟ ده بُعدك يا سامح. ناهد خلاص فكت العمل اللي كنت عاملهولها، والتقرير الطبي اللي معاها يوديك ورا الشمس. إحنا مش جايين عشان نتنازل.. إحنا جايين نبلغك إن قضية الطلاق اترفعت النهاردة الصبح، وقضية النفقة والتبديد في السكة.”
المحامي بتاعي وطى راسه في الأرض وقال لي بنبرة يائسة: “الموقف صعب وصباعك تحت ضرسهم يا سامح، والمحضر اللي معمولك في القسم مع التقرير الطبي مخلّي موقفنا في النيابة ضعيف جداً.. أنت هتتحبس احتياطي على ذمة التحقيق.”
الدنيا اسودت في عيني، ووقعت من طولى على الكرسي اللي جنبي. شريط السنين كلها عدى قدام عيني في ثانية؛ افتكرت جارتنا، وافتكرت نظرات ندى بنت عمي الشمتانة، وافتكرت أمي وهي بتقولي “الراجل بجد هو اللي يكرم مراته”. كل الكبر والفرعنة والغرور اتهدوا فوق راسي، وبقيت أنا اللي واقف عاجز، عيني مكسورة، ومستني حكم القاضي عشان يكمل عليا الباقي.
جوه الحجز، الخوف أكل اللي باقي من عقلي. مكنتش شايف قدامي غير الضلمة، والكلابشات اللي في إيدي بقت زي القيد اللي كاتم على نفسي. طلعت عيني عشان عسكري يرضى يخليني أعمل مكالمة واحدة من تليفون القسم.. ومكنش في دماغي غير أمي؛ هي الوحيدة اللي تقدر تلم الليلة، تروح لناهد، تبوس على راسها، وتخليها تيجي تتنازل عن المحضر وتنقذني من المستنقع ده.
طلبت الرقم وإيدي بترتعش، وأول ما سمعت صوتها، صرخت بلهفة ودموعي نازلة:
“ألو.. الحقيني يا أمي! أنا محبوس في القسم وخدت علقة موت، والنيابة هتجدد لي حبس. روحي لناهد يا أمي، خديها في حضنك وخليها تيجي تتنازل، أنا بتموت هنا!”
الناحية التانية كان فيه سكون قاتل. مسمعتش صوت شهقة ولا خضة، مفيش غير نفس طويل وبارد، وبعدها صوت أمي طلع مليان قسوة وأسى وهدوء غريب جمد الدم في عروقي. قالت لي:
“أروح لمين يا سامح؟ أروح للغلبانة اللي أنت دليتها وكسرت نفسها قدام الغريب والقريب؟”
صوتي اتخنق وقلت لها: “يا أمي أنا ابنك! هوني عليا، أنا اتهنت جوة!”
ردت عليا بنبرة حاسمة وقاطعة:
“أنت اللي هنت نفسك يا ابني لما استقويت على ولية مالهاش ضهر غيرك. أنا حذرتك كذا مرة، وفضلت أنصح فيك وأقولك اتقي الله في بنت الأصول، وأخرها كان يوم العزومة لما قطعت بيا وكسرت بخاطرها عشان خاطر بنت عمك.. بس أنت كان التعالي عميك ومكنتش بتسمع غير لنفسك ونقصك. ناهد مش هتمشي خطوة واحدة للقسم، وأنا مش هرفع سماعة تليفون عليها أصلاً.”
نزلت الكلمة عليا زي الصاعقة، صرخت: “يعني ه تسيبيني هنا يا أمي؟!”
قالت لي بقلب وجيع بس صلب:
“أهو أنت قُلتها.. شيل شيلتك يا ابن بطني، والي زرعته بايدك احصده لوحدك. ربنا يهديك.”
الخط قطع.. الصوت اختفى ومبقاش فيه غير زنة التليفون البايخة. بصيت للعسكري وأنا مبلّم، والدموع مغرقة وشي المورم. التليفون وقع من إيدي، وحسيت إن الدنيا كلها فضيت من حواليا. أمي اللي كنت فاكرها هتشيلني، نفضت إيدها مني؛ والكل سابني أواجه مصيري لوحدي في الضلمة، وبقيت أنا اللي عيني مكسورة بجد، ويدوب مستني العسكري يسحبني ويرجعني الزنزانة تاني وأنا ماليش قيمة ولا ضهر.
الشهور اللي قضيتها ورا القضبان كانت أطول وأقسى شهور مرت في حياتي، بس القسوة الحقيقية ما كانتش في جدران الحجز ولا في لمت المساجين حواليا.. القسوة كانت في الأخبار اللي بتوصلي من برة عن “ناهد”.
ناهد ما قعدتش تبكي على الأطلال، ولا اكتفت بالمحضر؛ دي شمرت إيديها وبدأت معركة قانونية منظمة بالمسطرة، وكأنها كانت دارسة كل خطوة من سنين ومستنية اللحظة الصح. المحامي بتاعي كان بيجيلي الزيارة وشه جايب ألوان، يرمي الورق قدامي ويقولي بقلة حيلة:
“مراتك مابتضيعش وقت يا سامح.. رفعت قضية خلع وكسبتها في وقت قياسي بسبب التقارير الطبية ومحضر الحجز، ومش بس كده، دي حجزت على الشقة بتمكين، وأخدت حكم بنفقة متعة مؤخر، وقضية تبديد المنقولات (القايمة) هتحبسك تاني لو ما سددتش تمنها كاش.. الست قفلت عليك كل الأبواب وقانوناً أنت اتفرمت، وخصوصاً إن مفيش بينكم عيال يربطوها أو يخلوا العيلة تتدخل للصلح.”
كنت بسمع الكلام ده وأنا بفرك إيدي بقلة حيلة، بس الضربة القاضية اللي قطعت خلفي ما كانتش القانون.. الضربة كانت في “شرفي ورجولتي” وسط الناس.
في يوم، جالي ابن عمي يزورني، كان بيبص لي بنظرة غريبة، نظرة فيها خجل وكسوف وعينيه مش جاية في عيني. سألته بلهفة: “في إيه يا حازم؟ برة الشارع بيقول إيه؟ وأمي عاملة إيه؟”
حازم سكت، فرك إيده وقال بصوت واطي وهو بيموت من الكسوف:
“مراتك خربت بيتك يا سامح.. ناهد ما سابتش حد في المنطقة، ولا في العيلة، ولا حتى أصحابك في الشغل إلا ووصلت لهم كلام خلى وشنا كلنا في الأرض.”
سندت على السلك وقلت برعب: “كلام إيه؟ ما كله عارف إني ضربتها!”
حازم بلع ريقه وقال: “الناس كلها دلوقتي بتتكلم وتقول إنك كنت بتستقوى عليها وتضربها وتذلها بالمنظر ده.. لأنك ‘عاجز جنسياً’ وما بتعرفش تبقى راجل معاها في الأوضة المقفولة، وبقوا يقولوا إن ده السبب الحقيقي لإنكم ما خلفتوش طول سنين جوازكم! طلعت الإشاعة دي وكل الناس صدقتها، وبقوا يقولوا إن عقدة النقص اللي عندك وعجزك هما اللي كانوا بيخلوك تكسر عينها قدام الناس عشان تداري خيبتك الذكورية وتثبت لنفسك إنك مسيطر!”
الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة، حسيت بركبي سابت والدنيا لفت بيا. ناهد ما كسرنيش بس بالقانون، دي داست على الحتة اللي كنت ببني فيها رجولتي المزيفة. الإشاعة دي كانت ألعن من الحبس ميت مرة.. خلت كل نظرة شماتة كنت ببصها لها زمان، ترجع لي أضعاف مضاعفة من أصغر عيل في الحارة لغاية أكبر راجل في العيلة.
حتى ندى بنت عمي، عرفت بعد كده إنها قاطعت سيرتي وبقت تقرف لما حد يجيب اسمي قدامها. ناهد ردت لي القلم قلمين، وحطت عيني في الأرض العمر كله، وبقيت قاعد في زنزانتي، مش بس مسجون وجسمي متبهدل.. لأ، بقيت مسجون وسمعتي في الأرض، وعاجز بجد عن إني أرفع عيني في وش أي مخلوق.
بعد ما حازم مشي وسابني، حسيت إن جدران الحجز بتطبق على نفسي. الكلام اللي قاله كان بيلف في دماغي زي الإعصار، بياكل في اللي باقي من كرامتي. “عاجز جنسياً”.. الكلمة كانت بتخترق ودني وتخليني عايز أصرخ وأهد الحيطة، بس مكنش في إيدي أي حاجة أعملها. الغرور اللي عيشت بيه السنين اللي فاتت اتهد بالكامل، وبقيت مجرد ج*ثة هامدة قاعدة في ركن الزنزانة.
المساجين حواليا نظراتهم اتغيرت؛ اللي كان بيبص لي على إني راجل مفتري وجاحد، بقى بيبص لي بنظرة سخرية وقرف، كأني ملقح ملوش أي لزمة. الهمس واللمز مكنش بيبطل، وكل ما اتنين يوشوشوا بعض ويبصوا ناحيتي، كنت بحس بنار بتولع في دمي، بس كنت ببلع جزمتي وأسكت، الخوف من علقة جديدة كان مخرسني تماماً.
مرت الأيام لغاية ما جه ميعاد الجلسة. خرجت من عربية الترحيلات والكلابشات في إيدي، عيني كانت في الأرض ومكنتش قادر أرفعها خطوة واحدة. أول ما دخلت قاعة المحكمة، عيني جت في عينها غصب عني.
ناهد كانت واقفة جنب أخوها والمحامي بتاعها.. ملامحها كانت متغيرة تماماً؛ الوش الباهت، المكسور، اللي عليه علامات الخوف والذل اختفى. كانت واقفة ليد رِجل، لابة ومظبطة نفسها، وفي عينيها نظرة قوة عمري ما شفتها فيها طول سنين جوازنا. بصت لي من فوق لتحت ببرود، ومن غير حتى ما تظهر أي شماتة، كأني بالنسبالها بقيت مجرد حشرة أو دبانة ملهاش عازة.
المحامي بتاعها قدم للمحكمة كل المستندات، والتقرير الطبي، وصورة محضر الحجز، وبدأ يتكلم بثقة:
“سيادة القاضي، موكلتي عانت الأمرين مع المتهم، وطالبة الخلع لعدم قدرتها على الاستمرار في حياة مهددة فيها بالقت*ل، فضلاً عن الأسباب الحقيقية التي دفعت المتهم للبطش بها لمواراة عيب شرعي ونقص عجز عن إثبات عكسه طوال سنوات الزواج.”
القاعة كلها همست، وأنا حسيت إن وشي بيتحرق من الخجل والمهانة. المحامي بتاعي حاول يتكلم ويدافع، بس الموقف كان مقفول بالضبة والمفتاح، والأدلة كبست على نفسنا. القاضي بص في الورق، وهز راسه، ونطق بالحكم:
“حكمت المحكمة بقبول دعوى الخلع، وتطليق المدعية طلقة بائنة، مع إلزام المدعى عليه بالمصاريف، وإحالة الشق الجنائي لمحكمة الجنح.”
أول ما الحكم نطق، ناهد لفت ضهرها ومشت براحة بثقة من غير ما تبص وراها، وأنا العسكري شدني من إيدي ورجعني على الممر. في اللحظة دي، وأنا بتسحب زي الذبيحة، فهمت إن ناهد مش بس خدت حريتها وحقوقها.. دي سابتني عايش ميت، مسجون جوه زنزانتي، ومسجون جوه الفضيحة والعار اللي هيفضلوا ملاحقيني لآخر يوم في عمري.
مرت الشهور وأنا مدفون ورا القضبان، بدفع تمن كل قلم وكل كلمة إهانة قُلتها في حق ناهد. وفي الوقت اللي كنت فاكر فيه إن حياتها وقفت بسببي، كانت هي بتكتب شهادة ميلاد جديدة لنفسها، بعيد عن سمومي وسواد قلبي.
ناهد ما رضيتش تعيش يوم واحد زيادة في الشقة اللي شهدت على ذلها وكسرتها؛ الشقة اللي كل ركن فيها كان بيفكرها بليلة غبرة أو كلمة تجرح. سابت المكان كله من غير ما تلتفت وراها، ورجعت عاشت مع أهلها اللي فتحوا لها دراعاتهم وبقوا ضهرها وسندها الحقيقي. وبمنتهى الذكاء والقوة، باعت العفش والمنقولات كلها بالقرش، ما سابتش حتى مسمار يربطها بماضيها معايا، وأخدت الفلوس دي كلها حطتها وديعة في البنك باسمها.
ما اكتفتش بكده؛ ناهد نزلت سوق العمل، شمرت عن إيدها واشتغلت وشقيت، وقدرت تبني نفسها خطوة بخطوة من الصفر. بمرتبها وفلوس العفش، قدمت على شقة تمليك باسمها في الإسكان، وربنا فتحها في وشها وجتلها الشقة فعلاً.. بقت صاحبة ملك، مستقلة، وراسها مرفوعة في السماء، ومبقتش محتاجة لراجل ولا مستنية حد يمن عليها بلقمة أو كلمة دلال مزيفة.
وبعد ما المدة خلصت، انفتح باب السجن وخرجت للدنيا.. بس خرجت إنسان تاني خالص؛ خرجت مكسور، عاجز، وسمعتي في الأرض، ومفيش في جيبي الأبيض ولا الأسود بعد ما المحاكم والتعويضات نفضتني.
أول حاجة فكرت فيها وأنا واقف في الشارع بهدومي الدبلانة، هي ناهد. كنت زي المجنون عايز أوصل لها؛ مش عشان أستقوي عليها تاني، لأ.. أنا كنت بدور عليها وعيني في الأرض، ممزوع من الندم، ونفسي بس ألمح طرف طيفها عشان أترجاها تسامحني، أو أطلب منها تديني فرصة ثانية أعيش فيها تحت رجليها بعد ما عرفت قيمتها وعرفت إني من غيرها ولا حاجة.
بدأت ألف في الشوارع وأسأل طوب الأرض عليها وعلى مكان شقتها الجديدة، بس الكل كان بيبص لي بقرف ويقفل الباب في وشي، وكأنهم بيطردوا وباء.. بقيت ساير في الملكوت، أنا اللي عيني مكسورة بجد وبدور على ضلي في سكتها.
فضلت ألف وراها زي المجنون، أسأل هنا وهنا، لحد ما رجلي قادتني للمنطقة الجديدة اللي ساكنة فيها. وقفت قدام عمارتها وأنا ببلع ريقي، قلبي بيدق رعب ولهفة، ومستنيها تظهر.
وبعد طول انتظار، لمحتها جاية من بعيد.. الصدمة لجمتني؛ ناهد ما كانتش لوحدها. كانت ماشية ووشها منور، بتضحك من قلبها ضحكة عمري ما شفتها معاها، وجنبها راجل باين عليه الهيبة والوقار، ماسك إيديها بحنية وخوف وكأنها حتة ألماظ، وفي إيده التانية أكياس طلبات البيت. ناهد ارتبطت وشافت حياتها، لقت الراجل بجد اللي صانها وعوضها عن كل سواد السنين اللي عاشتها معايا.
المنظر حرق دمي وعصر قلبي، بس الندم والكسرة كانوا أقوى من أي غيرة. أول ما الراجل سابها ثانية ودخل السوبر ماركت اللي تحت العمارة، جريت عليها ووقفت قدامها زي الشحات.
أول ما شافتني، خطوتها وقفت، ملامحها اتصلبت، بس مفيش في عينيها أي خوف.. النظرة اللي كانت بتبصها لي زمان وهي مرعوبة اتمحت. وقفت مكاني ونزلت على ركبي قدامها وسط الشارع، الدموع مغرقة وشي، ومسكت طرف العباية بتاعتها وبدأت أبوس إيديها ورجلها بهستيريا وأنا بذل نفسي:
“سامحيني يا ناهد.. أرجوكي ارحميني، أنا اتكسرت واتهنت ودقت المر في غيابك، أبوس رجلك ارجعي لي ولو خدام تحت رجليكي، أنا عرفت قيمتك والله وعرفت إني كنت ناقص!”
بصت لي من فوق لتحت بمنتهى القرف والاشمئزاز، ونفضت إيديها ورجليها مني بقوة لدرجة إني اترميت لورا على الرصيف زي الكلب الأجرب.
زعقت فيا بصوت واطي بس حامي زي الموس:
“إياك تلمسني تاني يا سامح! أنت خلاص بقيت صفحة قذرة وقفتها من حياتي ورميتها في الزبالة. أنت لا كنت راجل معايا ولا حتى صنت العيش والملح. ربنا عوضني بنظافتي وصبري بالراجل اللي شايلني فوق راسه وبيتقي الله فيا.. اتمشى من هنا بدل ما ألم عليك أمة لا إله إلا الله وأخلي جوزي يدفنك مكانك!”
وقفت مذهول وأنا شايفها بتلف ضهرها وتمشي بثقة لداخل العمارة أول ما جوزها خرج، من غير ما تلتفت وراها ولا تظهر أي ذرة شفقة عليا. فضلت مرمي على الرصيف، عيني مكسورة بالكامل، والتراب مغرق وشي.. فهمت الليلة دي إن القطار فاتني، وإن اللي يكسر بنت أصول بالرخص ده، نهايته يفضل مرمي تحت الرجلين ومفيش مخلوق يسمي عليه.


تعليقات
إرسال تعليق