القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 العوده بعد المو-ت 



العوده بعد المو-ت 

من تلات سنين، واحدة من بنتيّ التوأم، “مريم”، تعبت فجأة جدًا، فخدناها على مستشفى في القاهرة. كانت حرارتها عالية على طول، وجسمها ضعيف بشكل مخي-ف.


الدكاترة عملوا تحاليل وفحوصات كتير، لكن محدش قدر يقولنا عندها إيه بالظبط. قالوا غالبًا التهاب سحائي.


بعد كام يوم… مريم ماتت.


أنا كنت في حالة صدمة، لدرجة إني مش فاكرة أغلب اللي حصل وقتها.


اتحجزت أنا كمان في المستشفى، وركبولي محاليل.


الأيام دي كلها كانت ضباب. جوزي “أحمد” وحماتي هما اللي خلصوا إجراءات الدفنة وأنا لسه تعبانة ومش قادرة أقف على رجلي.


حتى يوم العزا، كنت حاسة إني مش موجودة.


بعدها بسنين، حاولت أعيش علشان بنتي التانية “ليان”.


عدّى تلات سنين… والوجع عمره ما راح.


اقترحت على أحمد إننا ننقل من إسكندرية لمكان جديد نبدأ فيه حياتنا من أول وجديد.


بعنا الشقة القديمة واشترينا بيت في المنصورة، بعيد جدًا عن كل الذكريات.


بعد النقل، ليان كانت داخلة أولى ابتدائي.


في أول يوم مدرسة، وصلتها الصبح.


وبعد الضهر، روحت آخدها.


كانت بتحط الكتب في الشنطة، وفجأة المدرسة، الأبلة “هالة”، قربت مني بابتسامة وقالت:


“بصراحة، البنتين بتوعك شاطرين جدًا.”


ابتسمت بتوتر وقلت:

“حضرتك أكيد غلطانة… أنا عندي بنت واحدة بس، ليان.”


الأبلة هالة استغربت وقالت:

“غريبة… أصل ليان عندها أخت توأم شبهها بالظبط. أنا افتكرت إنهم أخوات فعلًا.”


قلبي بدأ يدق بعنف، لكن الأبلة كملت كلامها:


“إحنا مقسمين الفصل مجموعتين… وعلى فكرة، المجموعة التانية لسه عندها الحصة الأخيرة. تعالي أوريكي البنت.”


جسمي كله تلّج.


مشيت وراها وأنا مش فاهمة أي حاجة.


دخلنا فصل تاني… والأبلة شارت على طفلة قاعدة في آخر الديسك وقالت:


“اهي… أخت ليان التوأم.”


بصيت للبنت…


واتجمد مكاني.


لأن اللي كانت قاعدة قدامي…


كانت مريم.


حسّيت إن نفسي اتسحب مني.


البنت رفعت عينيها وبصّتلي… نفس الملامح، نفس الابتسامة الصغيرة، وحتى الحسنة اللي تحت عينها الشمال.


إيديا بدأت تترعش.


همست بصوت مخنوق:

“مريم؟”


البنت قامت ببطء، وبصّتلي بخوف.


الأبلة هالة استغربت وقالت:

“حضرتك تعرفيها؟ اسمها هنا سارة.”


ركبي كانت هتخونّي.


قربت منها وأنا قلبي هيقف.


“إنتِ… اسمك إيه يا حبيبتي؟”


البنت ردت بهدوء:

“سارة أحمد عبدالسلام.”


نفس اسم جوزي بالكامل.


الدنيا لفت بيا.


بصّيت للأبلة هالة وأنا مش قادرة أتنفس:

“مين اللي جابها المدرسة؟”


قالت:

“والدها طبعًا… الأستاذ أحمد. هو اللي قدّم الورق بنفسه.”


في اللحظة دي، حسّيت إن الأرض اتشقّت تحت رجلي.


خرجت من الفصل وأنا مش شايفة قدامي.


أحمد… جوزي… كان عارف؟


رجعت البيت وأنا جسمي كله بيرتعش.


أول ما دخل أحمد، واجهته فورًا:

“مريم عايشة؟!”


لونه اتسحب فجأة.


ولأول مرة من سنين… شفته خايف.


قعد على الكنبة وسكت شوية، وبعدها قال بصوت مكسور:

“أنا كنت فاكر إني بحميكي.”


صرخت فيه:

“تحميني بإيه؟! تقولّي بنتي ماتت وهي عايشة؟!”


بدأ يحكي…


يوم ما مريم تعبت، الدكاترة شكّوا إنها عندها مرض معدي وخطير جدًا. حالتها كانت نادرة، واضطروا ينقلوها لمستشفى متخصص في القاهرة.


في الوقت ده أنا كنت منهارة تمامًا، والدكاترة قالوا إن حالتي النفسية والجسدية ما تستحملش أي صدمات زيادة.


لكن الحقيقة اللي خباها أحمد كانت أبشع.


حماتي أقنعته إن وجود مريم بعيد عني مؤقتًا أحسن… لحد ما تتحسن.


لكن الأيام قلبت لشهور.


ومع الوقت، خاف يقول الحقيقة.


وخاف يخسرني.


فكّر إن بعد السنين خلاص مستحيل يعرف يرجّع كل حاجة زي الأول.


كنت بسمعه وأنا حاسة إني بتكسر من جوا.


“يعني بنتي كانت عايشة… وكل يوم كنت بنام وأنا ببكي عليها؟!”


أحمد انهار من العياط:

“والله ندمت كل يوم… بس كنت جبان.”


في اللحظة دي، سمعت صوت صغير ورايا.


لفّيت…


لقيت ليان واقفة ماسكة إيد مريم.


الاتنين شبه بعض بشكل يخض.


ومريم بصّتلي بعين مليانة دموع وقالت:

“هو إنتِ فعلًا ماما؟”


وقتها… مقدرتش أتكلم.


جريت عليها وحضنتها بكل قوتي، وأنا بعيط بطريقة عمري ما عيطتها قبل كده.


بعد تلات سنين من الحزن… بنتي رجعت لحضني من جديد.


فضلت حضنا لبعض وقت طويل… لدرجة إن ليان نفسها بدأت تعيط من كتر التأثر.


مريم كانت مترددة في الأول، كأنها خايفة أبعدها عنها تاني.


لكن كل ما كنت أضمها أكتر، كانت تتمسك بيا أكتر.


في الليلة دي، محدش نام.


قعدت أنا والبنتين على السرير، أفضل أبصلهم بالساعات.


كل تفصيلة في مريم كنت فاكرة إني فقدتها للأبد.


ضحكتها… طريقة كلامها… حتى الحركة الصغيرة اللي كانت بتعملها بإيديها وهي متوترة.


لكن وسط فرحتي، كان فيه سؤال بيقتلني:


“إزاي قدرتوا تخبوا عليا كل ده؟”


أحمد اعترف إن حماتي هي اللي رتبت كل حاجة.


لما مريم اتحسنت بعد شهور، حماتي رفضت ترجعها البيت.


قالتله:

“مراتك بدأت تتعافى… لو عرفت الحقيقة ممكن تنهار وتموت.”


ومع الوقت، بقت مريم متسجلة باسم مختلف في حضانة بعيدة، وبعدها مدرسة جديدة.


ولأن مريم كانت صغيرة، أقنعوها إن مامتها تعبانة ومينفعش تشوفها.


كل كلمة كنت بسمعها كانت بتقطع قلبي.


تاني يوم، روحت عند حماتي.


أول ما فتحت الباب وشافتني، وشها اصفر.


دخلت من غير ما أستأذن.


قلت لها وأنا ببص في عينيها:

“إنتِ دفنتيني بالحيا.”


حاولت تدافع عن نفسها:

“كنت خايفة عليكي…”


لكنّي قاطعتها:

“لا. إنتِ كنتِ بتقرري حياتي بدالي.”


لأول مرة، حماتي سكتت.


مبقاش عندها أي مبرر.


بعدها بأيام، أخدت قرار إني أبدأ جلسات علاج نفسي ليا ولمريم وليان كمان.


لأن اللي حصل مكانش طبيعي.


مريم كانت عندها خوف دائم إني أختفي فجأة.


وليان كانت متلخبطة، مش فاهمة إزاي أختها “رجعت من المو-ت”.


حكايات المجهول


أما أنا… فكنت بحاول أتعلم أعيش بين مشاعر متناقضة:

فرحة رجوع بنتي… وغضب السنين اللي اتسرقت مني.


وبعد شهور طويلة، في يوم عادي جدًا، كنت بجهز الفطار للبنات قبل المدرسة.


سمعت ضحكتهم الاتنين جاية من الأوضة.


وقفت لحظة أسمعهم.


نفس الضحكة… نفس الروح.


وقتها بس حسّيت إن البيت رجع بيتنا من تاني.


وإن رغم كل اللي ضاع… لسه فيه فرصة نبدأ من جديد.


لكن الحقيقة… كانت لسه مستخبية.


بعد حوالي شهر، مريم بدأت تتغير.


بقت تصحى من النوم مفزوعة، وتستخبى تحت الترابيزة أول ما تسمع صوت عالي.


وفي مرة، وأنا بسرّح لها شعرها، سألتها بهدوء:

“يا حبيبتي… إنتِ كنتِ عايشة فين طول السنين دي؟”


سكتت شوية، وبعدها قالت:

“تيتا قالتلي إني لو سألت عنك… هتزعلي مني.”


قلبي وجعني.


لكن اللي قالته بعد كده كان أصعب.


همست:

“وفي راجل كان بييجي البيت دايمًا… وأنا كنت بخاف منه.”


اتجمدت مكاني.


سألتها بسرعة:

“مين الراجل ده؟”


قالت:

“معرفش اسمه… بس تيتا كانت بتخليني أدخل الأوضة وأقفل الباب لما ييجي.”


في الليلة دي، مقدرتش أنام.


حسّيت إن فيه حاجة أكبر مستخبية.


بدأت أدور ورا حماتي.


وبعد أيام، اكتشفت الحقيقة اللي قلبت حياتي كلها.


حماتي كانت واخدة فلوس من جمعية خيرية على أساس إن مريم “طفلة مريضة ومهجورة”.


وكان الراجل اللي بييجي… محامي بيساعدها في الورق والتبرعات.


يعني بنتي كانت وسيلة لكسب الفلوس.


أحمد أول ما عرف انهار تمامًا.


قال إنه عمره ما كان يعرف أي حاجة عن الموضوع ده، وإن أمه كانت بتقوله إن المصاريف العلاجية جاية من تبرعات المستشفى.


المرة دي، مقدرتش أسكت.


بلغت الشرطة.


والتحقيقات بدأت.


حماتي حاولت تبكي وتستعطفني:

“أنا عملت كده علشان مريم… علشان علاجها.”


لكن الأوراق أثبتت إنها كانت بتاخد فلوس أكتر بكتير من مصاريف العلاج.


ومع ضغط التحقيقات، اعترفت إنها في البداية كانت ناوية ترجع مريم بعد ما تتحسن… لكن لما الناس بدأت تساعدها بالفلوس، خافت كل الحقيقة تتكشف.


القضية قلبت العيلة كلها.


فيه ناس اتهموني إني قاسية علشان بلغت عن ست كبيرة.


وناس قالت إني كان لازم أسامح.


لكن كل مرة كنت ببص لمريم وهي نايمة، كنت أفتكر إني اتحرمت منها تلات سنين كاملين.


وفي يوم المحكمة، القاضي بص لحماتي وقال:

“أكبر جريمة مش السرقة… أكبر جريمة إنك حرمتي أم من بنتها.”


حماتي انهارت من العياط.


أما أنا… فكنت حاسة بحزن أكتر من الانتصار.


لأن مهما حصل، السنين اللي ضاعت مستحيل ترجع.


لكن بعد سنة كاملة من العلاج والمحاولات، مريم بدأت تناديني “ماما” من غير تردد.


وفي أول عيد ميلاد احتفلنا بيه كلنا سوا، البنتين طفوا الشمع جنب بعض.


ساعتها ليان بصت لأختها وقالت بابتسامة:

“المرة دي… محدش هيبعدنا عن بعض.”


ومريم حضنتها بقوة.


وأنا وقتها عرفت إن مهما كان الماضي مؤ-لم… إحنا أخيرًا بقينا عيلة حقيقية من جديد.


تعليقات

التنقل السريع
    close