الانتقام
الانتقام
مضيت على ورق الطلاق وفي نفس اليوم بالليل حماتي عملت عزومة ملكية عشان تقدم العروسة الجديدة اللي جابوها مكاني بس أول ما الفاتورة وصلت، لقيتها بتكلمني وهي مرعوبة وبتموت من الفضيحة: «ليلى.. هو ليه الفيزا بتاعتي.. اترفضت؟!»”
الجزء الأول: التوقيع الأخير
مضيت على ورق الطلاق الساعة 10:17 الصبح في يوم ثلاثاء ممطر، واستخدمت قلم حبر أسود بتاع محامي جوزي.
إيدي ماتهزتش ولا ثانية. الموضوع ده صدم كل اللي قاعدين في أوضة الاجتماعات، خصوصاً جوزي نادر، اللي كان عمال يبصلي ومبرق كأنه مستني ينزل مني دموع. يمكن كان عاوز يشوف دموعي، يمكن كان محتاج يحس بنشوة الانتصار ويثبت لنفسه إن سيبانه ليا عشان واحدة أصغر مني كسرني ودمرني تماماً.
رجعت القلم للمحامي ووقفت على رجلي.
وقلت بثقة: “كده خلاص؟ كله تمام؟”
محاميه هز رأسه وقال: “تمام يا فندم. أول ما القاضي يوقع، الاتفاق هيبقى نهائي ورسمي. مدام ليلى هتحتفظ ببيت التجمع، وحسابات الادخار والتأمين، وشركة (ليلى لخدمات البوفيه وتنظيم الحفلات). والأستاذ نادر هيحتفظ بعربيته الشخصية، ومحفظة الاستثمار، وشقة وسط البلد.”
فك نادر اتشنج أول ما المحامي جاب سيرة شركة البوفيه وتنظيم الحفلات (Catering).
الشركة دي طول عمرها في الكلام والمنظرة قدام الناس كانت “شركتنا إحنا الاتنين”، بس في الورق والقانون كانت بتاعتي أنا لوحدي. أنا اللي بدأتها من الصفر وفي جراج بيتنا القديم، من قبل ما نادر يعرف أصلاً الفرق بين منيو الأكل وخصم الضرائب. هو كان كل شغلانته يقف يبتسم في وش الزباين وياخد اللقطة، وأنا اللي كنت بطبخ، وأعين الشغيلة، وأتفاوض، وأدفع للموردين، وألحق الشركة من الإفلاس في كل مرة كان بيطلع بفكره عبقرية وفاشلة تكلفنا ألوف مؤلفة.
أمه بقى، الحجة ماجدة، عمرها ما تقبلت الحقيقة دي.
بالنسبة لها، نادر هو العبقري والملهم، وأنا مجرد الشغالة اللي بتعبّي علب الأكل وبتلف المحشي.
الحفلة المسمومة
بالليل في نفس اليوم، وأنا واقفة في أوضة نومي بلم فستان فرحي من الدولاب وبحطه في كرتونة تبرعات عشان أخلص من ريحته، تليفوني اتهز ووصلتني صورة من واحدة صاحبتنا مشتركة.
الحجة ماجدة عملت حفلة وعزومة كببرة.
مش عشا صغير لِم لِم.. لأ، دي عملت مأدبة ملكية وبوفيه مفتوح!
32 فرد من قرايبهم وأصحابهم قاعدين تحت النجف الكريستال في قاعة “Bellamy Hall”، ودي واحدة من أغلى قاعات المناسبات في البلد. وفي نص التربيزة الرئيسية، كان قاعد نادر، باين عليه عدم الارتياح في بدلته الكحلي، وجنبه العروسة الجديدة أمنية قاعدة بتتبسم بفستان ستان أبيض.
والحجة ماجدة كانت واقفة وراهم ورافعة كاس الشربات وبتضحك من قلبها.
الكلام اللي مكتوب تحت الصورة جابلي غثيان: “لبدايات جديدة وسعيدة.. نورتي عيلتنا يا أمنية يا حبيبتي.”
فضلت باصة في الصورة دقيقة بحالها. بعدين ضحكت ضحكة واطية، مش عشان الموضوع يضحك، لأ، عشان ده طبع الحجة ماجدة وعمرها ما هتغيره. هي مابتكتفيش بإنها تبدل الناس أو تظلمهم، هي لازم تعمل شو وإعلان رسمي وتكيدهم قدام الكل.
الساعة 9:46 بالليل، تليفوني رن.
المتصل: الحجة ماجدة.
كنت هسيب التليفون يرن ومردش، بس فيه فضول وحاجة جوايا قالتلي: “ردي وشوفي.”
أول ما فتحت الخط، صوتها كان طالع حاد، مخنوق، ومليان ذل وفضيحة:
— “ليلى! هو ليه الفيزا بتاعتي بـتترفض ومبتسحبش؟”
لفيت وشي وبصيت على المطبخ، حيث كان فيه تلات فواتير لموردين لسه مدفعتش محطوطين جنب اللاب توب بتاعي.
قلت بكل برود وهدوء: “فيزا إيه يا حجة؟”
زعقت بصوت مسرسع وزي الحية: “الفيزا بتاعة العيلة! اللي مربوطة بحساب شركة البوفيه! المدير بتاع المطعم واقف فوق دماغي وبيقولي العملية اترفضت ومش راضية تمر!”
غمضت عيني وابتسمت.
بقالها 12 سنة، الحجة ماجدة شايلة في محفظتها فيزا تابعة لشركتي أنا، فيزا أنا عمري ما وافقت لها تستخدمها لمصاريفها الشخصية. نادر زمان قعد يبوس على إيدي ويترجاني عشان ما واجههاش ولا أعمل مشكلة وقاللي: “معلش يا ليلى، أمي بس بتحب تحس إنها معانا وجزء من الشغل.” ومن يومها وهي عايشة بيها: تشتري ورد، حجوزات سبا ومساج، غدا وعشا مع صحابها، هدايا، وحجزت بيها مرة رحلة كروز بحرية.. وكل ده كان بينزل تحت بند “علاقات عامة مع الزباين”!
بس الظهر، وأول ما حبر قلم الطلاق نشف على الورق، أنا عملت حاجة واحدة صغيرة جداً وبسيطة.
دخلت على حساب الشركة، وقفت ولغيت كل الكروت والفيز الفرعية اللي متفرعة من الحساب الرئبسي بتاعي.حكايات علي ابو الدهب
قلت لها بكل ثبات: “يا حجة ماجدة.. الفيزا دي بتاعة شركتي أنا.. مش بتاعة عيلتكم أنتوا.”
الخط فجأة سكت تماماً. مكنش مسموع غير خبط شوك وسكاكين بعيد، وأصوات همس ولملمة، وحالة رعب وبانيك بدأت تظهر في المكان عندهم.
همست بصوت مرعوش وهي هتموت من الخوف: “لازم تصرفي وتحلي الموضوع ده حالا.. الفاتورة واصلة لأكتر من 18 ألف دولار!”
بصيت تاني للصورة اللي مبعوتالي، لـ أمنية وهي قاعدة بالفستان الأبيض وبتضحك.
وقلت لها: “لأ يا حجة.. الحقيقة أنا مش لازم أعمل أي حاجة.. شيلوا شيلتكم بقى.” الكاتب علي ابو الدهب
أول ما قفلت السكة في وش الحجة ماجدة، رميت التليفون على السرير ونفخت برياحة عمري ما حسيت بيها من 12 سنة. صبّيت لنفسي كاس عصير، وقعدت على اللاب توب أتابع الجروب المشترك بتاع الأصحاب والمعارف. كنت عارفة إن العزومة دي مش هتعدي على خير، بس مكنتش متخيلة إن العرض الكوميدي هيبدأ بالسرعة دي.
الساعة بقت 10:15 بالليل.
الرسائل على الجروب بدأت تنزل زي المطر، وصاحبتي اللي هناك بدأتتبعتلي لايف بالصوت والصورة.
في القاعة الملكية، الجو اتقلب 180 درجة. الضحكات الواسعة والمنظرة اختفت، وحل مكانها همس ووشوشة بين المعازيم الـ 32. نادر كان واقف عند الكاشير، وشه جايب ألوان، وعمال يمرر كارت ورا كارت من كروته الشخصية، والماكينة تطلع نفس الصفارة الرخمة: “الرصيد غير كافٍ”.
طبعاً نادر عايش طول عمره على حس حسابات الشركة اللي أنا بضخ فيها الفلوس، ومحفظته الاستثمارية اللي دافع فيها دم قلبي عبارة عن أصول مجمدة مايعرفش يسحب منها مليم في وقتها. أما العروسة الجديدة “أمنية”، فكانت قاعدة على التربيزة، وشها أحمر من الكسوف، وبتلف السلسلة الدهب اللي في رقبتها بصباعها وهي بتبص للأرض، بعد ما اكتشفت إن “العريس اللقطة” وأمه طلعوا “فشنك”.
العرض الملكي يتحول إلى ورطة
مدير الصالة في “Bellamy Hall” مكنش راجل سهل. القاعة دي بتتعامل مع رجال أعمال ودبلوماسيين، ومبتسمحش بـ “الحركات دي”. لما لقى المماطلة دخلت في نص ساعة، والفيز كلها اترفضت، والحجة ماجدة بدأت تعلي صوتها وتقول: “أنت مش عارف أنا مين؟ إحنا عيلة أبو الدهب!”، المدير بكل هدوء طلب أمن الفندق، وبلغ شرطة السياحة والنصب.
صاحبتي بعتتلي تسجيل صوتي للحجة ماجدة وهي بتصرخ في وسط القاعة:
”يا نادر اتصرف! كلم أي حد من أصحابك! الفضيحة بقت بجلاجل.. قرايبنا بيبصوا علينا إزاي! أمنية هتقول علينا إيه في أول ليلة؟!”
ونادر بيرد عليها بزعيق مكتوم وفاضح في نفس الوقت:
”أكلم مين يا أمي في الوقت ده؟ ومين هيدفع 18 ألف دولار كاش دلوقتي؟! أنا قولتلك بلاش بوفيه مفتوح وأغلى منيو في المكان! قولتلك ليلى هي اللي بتدير الحاجات دي، أنتي اللي صممتي تعملي لقطة!”
في اللحظة دي، دخل اتنين من أمناء الشرطة مع ظابط سياحة بالبدلة الميري. المشهد كان غريب جداً؛ المعازيم بدأوا يتسللوا واحد ورا تاني من الباب الخلفي عشان ما يتمش احتجازهم أو يدخلوا في سين وجيم، لدرجة إن التربيزة الكبيرة مابقاش قاعد عليها غير نادر وأمه، وأمنية وأهلها اللي كانوا بيبصوا لنادر وكأنهم عاوزين يأكلوه سنانهم.
المكالمة الأخيرة.. والاستسلام
الساعة 11:12 بالليل، تليفوني رن تاني. المرة دي مكنتش الحجة ماجدة.. كان نادر.
رديت وفتحت الاسبيكر وأنا ببرد ضوافري ببرود شديد.
— “ليلى.. أرجوكي.. أنا عارف إن إحنا اطلقنا، بس ميوصلش الموضوع للحبس والفضيحة وسط الناس.. حولي المبلغ ده من حساب الشركة على حساب القاعة، وأنا هكتبلك شيك بيه وهديهولك الصبح والله!”
ضحكت بصوت عالي سَمّع في السماعة وقلت له:
— “شيك إيه يا نادر؟ أنت نسيت المحامي قال إيه الصبح؟ شركة البوفيه بتاعتي أنا لوحدي، وفلوسها دي شقايا وتعب السنين اللي كنت بتديه لأمك تمنظر بيه قرايبها. أدفعلك 18 ألف دولار عشان بتأكلوا العروسة الجديدة كافيار وجمبري بفلوسي؟ أنت اتجننت؟”
نادر صوته اتكسر وبدأ يترجى:
— “طيب عشان خاطري.. عشان العشرة اللي كانت بينا.. الظابط واقف وعاوز ياخدني أنا وأمي على القسم بتهمة النصب وعدم دفع الحساب.. حماتي الجديدة طلبت الطلاق لبنتها قبل ما يدخلوا الشقة! بيتي بيتهد يا ليلى!”
وقفت من مكاني، ورحت وقفت قدام المراية، وبصيت لنفسي وفستاني الأسود الأنيق وقلت له بكل حسم:
— “العشرة دي أنت اللي دوست عليها برجلك لما خونتني وطلبت الطلاق عشان تتمنظر بواحدة تصغرك بـ 15 سنة. وأمك هي اللي هدت بيتك لما افتكرت إنها ممكن تعيش ملكة بفلوس الشغالة اللي بتلف المحشي. خلي العروسة الجديدة وأهلها ينفعوك.. وياريت ما تتصلش بالرقم ده تاني، عشان المحامي بتاعي هيبلغ عنك بتهمة إزعاج وتهديد.”
النهاية.. البداية الحقيقية
قفلت السكة، وعملت “بلوك” لنادر، وللحجة ماجدة، ولكل حد تبعهم.
تاني يوم الصبح، الأخبار كانت مالية الجروبات: نادر وأمه قضوا الليلة في القسم لحد ما جه عمّه الصبح، واضطر يبيع حتة أرض من ورثهم بالخسارة عشان يدفع الفاتورة ويسوي المحضر ويخرجهم من الحبس. أمنية قفلت تليفونها ورفعت قضية طلاق للضرر وسابت له الفستان الأبيض في كيس زبالة قدام باب شقة وسط البلد.
أما أنا؟ الساعة 9:00 الصبح، كنت قاعدة في مكتبي بشركة (ليلى لخدمات البوفيه)، وبشرب قهوتي وبمضي على عقود توريد جديدة لتلات فنادق كبار.
بصيت لقلم الحبر الأسود اللي في إيدي، وابتسمت.. الطلاق مكنش النهاية، ده كان مجرد “القصة” اللي نضفت حياتي من الناس الغلط، عشان تبدأ روايتي الحقيقية.. وأنا البطلة الوحيدة فيها.


تعليقات
إرسال تعليق