القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 كسرة طفل








كسرة طفل


"الواد ده مش جاي معانا تركيا.. هو مش مننا!".. الكلمة دي رمتها حماتي في وشي وهي بتحجز التذاكر لجوزي وابني الصغير، وكل ده قدام ابني الكبير. بصيت لابني، شوفت الكسرة في عينيه، وفي لحظة خدت قراري ومن سكات. وعلى ما فهموا أنا نويت على إيه، كان القطر فاتهم خلاص..

حماتي حجزت لتركيا لجوزي وابني الصغير إياد، وبصت لابني الكبير "ياسين" وقالت ببرود: "هو مش هييجي.. هو مش تبعنا."

ياسين سمع كل كلمة.. وفي لحظتها، حال البيت كله اتقلب.

أنا اسمي "هناء". عندي 35 سنة، كنت واقفة في مطبخي في التجمع، وشايلة شنطة الخضار على دراعي، وياسين ابني عنده 8 سنين واقف جنبي ماسك في طرف عبايتي وبيحاول يمسك دموعه قدام ناس لسه قايلين له بمنتهى القسوة إنه "مش من العيلة" ومايلزمهمش في الفسحة.

الصغير "إياد" ده ابن جوزي "هاني".. لكن ياسين ابني من جوزي الأولاني.

أنا قولت لهاني من أول يوم: "لو فرقت بين العيال أو خليت واحد فيهم يحس بكسرة، مش هكمل معاك ثانية واحدة."

واضح إنه افتكرني بكلم بؤ وخلاص.

حماته، "الحاجة فوزية"، كانت قاعدة على بار المطبخ وفاتحة شنطتها، وفردت ورق حجز الرحلة على الرخام كأنها بتوزع جوايز. إسطنبول، أنطاليا، 7 أيام.. جناح ليها هي وهاني وإياد. حتى الأنشطة العائلية كانت معلمة عليها بالماركر.

ياسين سأل بصوت واطي وفيه أمل زي أي طفل لسه فاكر إن الكبار عندهم دم: "وأنا هقعد فين يا تيتة؟"

فوزية ماردتش بلهفة، قالت بنعومة سامة خلت شعري يقشعر: "يا حبيبي أنت مش هتيجي.. دي رحلة للعيلة الحقيقية بس، وأنت مش مننا."

ياسين اتصدم.. لا صوت، ولا دراما، ولا عياط.

الموضوع كان أصعب.


. وقف مكانه بيتلقى الصدمة كأنه بيحاول يفهم هو الحب له شروط وقواعد محدش قاله عليها قبل كدة؟

بصيت لجوزي "هاني".. كان سامع كل حاجة.

وشايف وش ياسين المكسور.

وشايف إيدي وهي على كتف ابني وبتحاول تسانده.

ومع ذلك، كل اللي قاله: "ماما تقصد إن الموضوع معقد شوية يا ياسين."

معقد!

كلمة شيك قوي عشان يوصف بيها قسوة بتترمي في وش طفل عنده 8 سنين في نص المطبخ.

ضغطت على إيد ياسين تحت الرخامة عشان حسيت بصوابعه بتترعش. الغضب اللي جوايا كان صافي لدرجة إنه قلب ببرود وهدوء مرعب. كنت عايزة أرمي التذاكر في وش فوزية، وأسأل هاني هو أنت مش بتبقى أب غير للي من صلبك بس؟ كنت عايزة أهد المطبخ فوق دماغهم.

بس معملتش كدة.

بدل ده، نزلت لمستوى ياسين وقولت له: "روح يا حبيبي حضر شنطتك عشان هتبات عند تيتا (مامتك) النهاردة."

بص لي وهو متلخبط: "يعني أنا بجد مش هسافر؟"

بست دماغه وقولت له بهدوء: "لا يا حبيبي، مش هتسافر معاهم."

وقفت وبصيت لجوزي وأمه، وخدت القرار اللي هيعيشوا يندموا عليه بقية عمرهم.

ابتسمت وقولت: "طبعاً.. لازم تسافروا وتنبسطوا جداً بالرحلة دي."

محدش فيهم فهم الخطر اللي ورا الجملة دي.. لسه بدري عليهم.

التكملة في الكومنتات..

خدت ياسين في حضني ووصلته لبيت والدتي، وطول الطريق كنت بكلم نفسي: "بقى هي كده يا هاني؟ ماشي". رجعت البيت لقيتهم بيجهزوا الشنط وهما في قمة الانبساط، ولا كأنهم كسروا خاطر طفل ملوش ذنب في حاجة.

قعدت معاهم، شربت القهوة ببرود أعصاب يحرق الدم، وقولت لهاني: "يا حبيبي فعلًا ماما عندها حق، السفرية دي محتاجة خصوصية، وأنا كمان محتاجة شوية وقت لنفسي، روحوا


انتم وانبسطوا". هاني اتطمن وافتكر إن الموضوع عدى بسلام،  وقالي: "كنت عارف إنك عاقلة وهتتفهمي".

يوم السفر، ودعتهم لحد باب العربية بالمناديل والابتسامات. أول ما العربية اختفت من قدام عيني، دخلت الشقة.. الهدوء كان مرعب، بس كان هدوء ما قبل العاصفة.

فتحت اللابتوب بتاعي، ودخلت على حساب البنك المشترك اللي هاني حاطط فيه "تحويشة العمر" واللي كان عاملي توكيل رسمي عليه من وقت ما اتجوزنا عشان "الثقة". سحبت مبلغ محترم، المبلغ اللي يخليني أبدأ حياة جديدة أنا وياسين في مكان بعيد.

وبعدين عملت كام تليفون:

الأول: للمحامي بتاعي، وقولت له: "ارفع قضية خلع، والورق يوصل له على المطار وهو راجع".

التاني: لشركة شحن، وفي ظرف ساعتين كانت كل عفشي وحاجتي وحاجة ياسين بتتحمل في عربيات، ومسحت أي أثر ليا في الشقة.

التالت: لصاحب الشقة اللي كنت مأجراها من وراه بالسر كـ "خطة بديلة" وجهزتها في يومين.

قبل ما أقفل تليفوني وأرمي الشريحة، بعت رسالة واحدة لهاني وهو لسه في طيارته لتركيا:

"يا هاني، بما إننا مش من 'العيلة الحقيقية' بتاعتكم، فقررنا نسيبكم تستمتعوا ببعض للأبد. الشقة فاضية زي قلبك، والورق عند المحامي. رحلة سعيدة يا 'أبو إياد'.. إنت وماما".

قعدت في شقتي الجديدة، وياسين نايم في حضني ومطمن، وأنا ببتسم وبقول لنفسي: "اللي يكسر خاطر ابني، أكسر حياته كلها وميرمش ليا جفن".

الدرس كان غالي يا فوزية.. بس يستاهل.

بص يا سيدي، الحكاية لسه فيها "التحلية" اللي تخلي هاني ووالدته يلفوا حولين نفسهم.

وهما هناك في تركيا، هاني اكتشف إن مفيش مليم في جيبه ينفع يتسحب، و"فوزية" بدأت

تلطم وتقول "الحقني يا هاني، الفندق بيطالبنا بفلوس زيادة عشان الحجز فيه مشكلة". هاني حاول يتصل بالبنك، لقى إن الحساب المشترك اللي كان فاكر إنه "أمانه" مكنش مجرد حساب، ده كان "القشة" اللي قصمت ضهر البعير.

هاني بعت رسالة أخيرة كلها غل: "هحبسك يا هناء، الفلوس دي حقي".

رديت عليه بكل روقان وأنا في مطار القاهرة وبقطع تذاكر "ديزني لاند" لياسين:

"يا هاني يا حبيبي، اسأل المحامي بتاعك عن 'قائمة المنقولات' وعن حقوقي المتأخرة، وعن المصاريف اللي صرفتها على ابنك 'إياد' من مالي الخاص طول السنين اللي فاتت.. الفلوس اللي خدتها دي متجيش ربع اللي ليا عندك.. اشرب بقى قهوة تركي وسقّع قلبك."

وعشان أكمل "الواجب" مع ست الكل فوزية، بعت لها صورة لياسين وهو بيضحك وماسك تذكرة طيارة تانية خالص وقولت لها:

"يا طنط، ياسين طلع فعلًا مش تبعكم.. هو مقامه أعلى بكتير. شكراً إنك فتحتي عيني على الحقيقة قبل ما أضيع عمري مع ناس 'قلبهم حجر'."

هاني رجع من تركيا بعد يومين بالظبط "شحططة" لأن مكنش معاهم يكملوا الرحلة، رجع لقى الشقة حرفياً "ع البلاط". حتى النجف فكيته، والستاير شيلتها، مسبتلوش غير "المشاية" اللي قدام الباب عشان يمسح فيها جراحه.

أما أنا وياسين، فكنا بنتصور قدام برج إيفل، وياسين ماسك إيدي وفرحان، ونسي تماماً الكلمة اللي وجعته. عرف إن عيلته "الحقيقية" هي اللي تصونه وتكبر بيه، مش اللي تستخسر فيه تذكرة طيارة.

النهاردة، هاني بيحاول يكلمني عشان يشوف ابنه إياد، رديت عليه بكلمة واحدة: "الموضوع معقد يا هاني.. روح اسأل مامتك إزاي يتحل!"

وادي يا سيدي نهاية اللي يجي على طفل ملوش ذنب.. البيت اللي يتبني على كسرة خاطر، مبيعيش.


تعليقات

التنقل السريع
    close