سر جدي
سر جدي
عمي قال على جدي انه بقى حمل تقيل عليه ورفض يتكفل بيه فزقه علينا علشان نراعيه ووقتها بدأت مشاكلي مع مراتي بس اللي شوفته في اوضة الكراكيب اللي سكناه فيها صدمني صدمة عمري !!!!!!
الأوضة اللي خصصناها لجدي كانت عبارة عن أوضة وصالة صغيرة، بس في الحقيقة كانت أشبه ب عشة خشب مبنية جنب البيت الأساسي، مساحتها متجيش عشرة متر. كنا زمان بنكركب فيها الكراكيب والحاجات القديمة، ودلوقتي اضطرينا ننضفها عشان جدي يسكن فيها.
يا جدي، ريح رجلك شوية على الدكة هنا، عقبال ما أنضفلك الأوضة.
وأنا بكلمه، صوتي كان بيرعش شوية.
مش من التأثر، لأ، من التوتر والقلق.
مكنتش عارف إزاي هواجه التغيير المفاجئ ده في حياتنا.
جدي هز راسو، ومطقش بولا كلمة.
قعد ساكت على عتبة الباب، وبص لبعيد..
كأنه شايف حاجة إحنا مش شايفينها.
العشة كانت مليانة كراكيب مكسرة وهدوم قديمة روبابيكيا.
قعدت أنا ومراتي زينب طول الظهرية ننضف ونشيل، لحد ما فضينا مكان يكفي سرير بالعافية عشان ينام عليه.
وزينب وهي بتشيل الحاجة، وشها كان مقلوب ومش عاجبها الحال.
البيت أصلاً ضيق وشبر في شبر، ودلوقتي زاد علينا راجل عجوز!
كانت بتنضف وهي بتبوز وتتحلطم.
ده جدي يا زينب، مش أي حد.
عارفة إنه جدك، بس إحنا حالنا على القد وبالعافية ممشيين البيت.
زينب وقفت ونفضت إيدها، وبصتلي
وعمك الكبير اللي بيته قصور وعلالي، مش قادريستحمله ليه؟
سكت ومقدرتش أرد.
لأني أنا نفسي مكنتش فاهم ليه.
عمي الكبير فعلاً مبسوط وعنده شغل كتير، وسامع إنه بيرتب لمشروع كبير مع ناس واصلين في القاهرة.
وبيته واسع جداً، يعني لقمة وسترة لراجل عجوز مش هتاخد منه حاجة.
يمكن مراته مش موافقة.
ده كان التخمين الوحيد اللي قدرت أقوله.
وإحنا يعني اللي موافقين ومبسوطين؟
صوت زينب علي وبقى حاد.
الموضوع مش موضوع موافقة
أو لأ يا زينب.
حطيت المقشة من إيدي وبصتلها
ده جدي، من دمي ولحمي، ومقدرش أرميه في الشارع.
زينب مسكتش، بس بدأت تنضف بعنف أكتر.
كل خبطة وهبدة كانت بتعبر عن الغضب اللي جواها.
وقت العشا، قعدنا إحنا الأربعة حوالين الطبلية الصغيرة.
جدي كان قاعد مستقيم، وماسك المعلقة بتمكن.
بس وهو بيغرف الأكل، كان باين عليه الحرص الشديد، بياخد فتافيت بس.
كل يا جدي، مكسوف من إيه؟
حطيتله حتة لحمة مسبكة في طبقه.
بصلي، وبعدين بص لزينب، وفي الآخر خد حتة صغيرة وأكلها.
الحمد لله، شبعت.. أنا كبرت ومعدتش باكل كتير.
صوته كان واطي جداً، كأنه خايف يزعج حد.
زينب فضلت موطية راسها وبتاكل، ومقالتش ولا كلمة.
ابني الصغير سيد، اللي عنده تلت سنين، بص لجدي بفضول
يا جدي، أنت قاعد عندنا ليه؟
السؤال ده خلى الجو يبقى مشحون ومحرج أكتر.
عشان ألعب مع سيد حبيبي.
جدي ابتسم ابتسامة باهتة.
طب وليه مش بتروح بيتك؟
الواد كمل أسئلته العفوية.
كل يا سيد، وبطل أسئلة كتير.
أخيراً زينب اتكلمت، بس صوتها كان ناشف ويقطع الخميرة من البيت.
جدي وطى راسه، وكمل أكله في صمت.
لمحت إيده وهي بترعش رعشة خفيفة.
مش عارف من الكبر، ولا من حاجة تانية.
أول أسبوع، جدي كان عايش بحرص شديد، كأنه ماشي على البيض.
كل يوم يصحى بدري جداً، قبل أي حد، ويغسل وشه ويتوضى.
وبعدين يقعد في الحوش الفسحة اللي قدام البيت، ويبص للسما ويسرح.
ساعات كان بيحاول يساعد ويكنس الحوش أو يمسح الطبلية.
بس زينب كانت علطول تروح تعيد وراه المسح والتنضيف.
الناس الكبار نظرهم بيبقى ضعيف، ومبينضفوش كويس.
ده التبرير اللي كانت بتقولهولي.
أنا كنت عارف إنها بتعمل كده قاصدة.
وجدي كمان كان عارف.
بس مكنش بيتكلم.
في كل وجبة، كان لسه بياكل قليل جداً.
يا جدي، في حاجة تعباك؟ مش بتاكل ليه؟
سألته بقلق.
لأ يا حبيبي،
مفيش حاجة، بس الكبر بيخلي الواحد شهيته تقل.
هز راسه
وبعدين أنتو بتتعبوا في الشغل، كلو أنتو وشبعوا.
البيت مستور والخير كتير يا جدي، متبقاش حساس كده.
عارف يا ابني، عارف.
هز راسه، بس فضل ياخد لقم صغيرة.
كنت حاسس إنه مش عايز يكون عبء علينا.
وده كان بيحسسني بضيق وغصة في قلبي.
بعد أسبوعين، لقيت جدي بدأ يشغل نفسه بحاجة في الحوش.
مش عارف جاب منين شوية عصيان خيزران وحبال وليف.
قعد في ركن، وإيده بدأت تشتغل بمهارة وتنسج حاجة.
بتعمل إيه يا جدي؟
سألته بفضول.
بعمل قبقاب ليفة لسيد الصغير.
مرفعش راسه وفضل مركز في شغله.
مين دلوقتي بيلبس قباقيب ليفة؟ ده العيال كلها بتلبس كوتشيات وماركات.
زينب قالتها بتهكم وبرود.
القبقاب الليفة بيريح الرجل، وصحي.
جدي كمل شغله ومتهزش.
وكمان مش بيكلف حاجة.
زود الجملة دي وهو بيبتسم.
فهمت قصده من الجملة دي.
هو مش عايزنا نصرف عليه فلوس.
وده خلى الضيق اللي جوايا يزيد أكتر.
يا جدي، متقولش كده، إحنا مش ناقصنا فلوس عشان نشتري كوتشي لسيد.
عارف يا حبيبي، أنا بس بسلي وقتي.
رفع راسه وابتسم لي.
ابتسامة باهتة بس مليانة حنية.
زينب نادتلي وقالت بغضب...حتى جدك عارف ان حالنا على القد، ومحتاجين اللي يشيلنا، مش اللي نشيله!
ده جدي يا زينب! مش حد غريب!
أنا كمان بدأت أتعصب
لو كنا فقرا، مش هنرمي أهلنا في الشارع!
زينب بصتلي كتير، وعينها مليانة غضب.
وبعدين رزعّت الباب ودخلت الأوضة.
جدي كان قاعد في الحوش، وماسك القبقاب اللي لسه مخلصش.
كنت عارف إنه سمع خناقتنا.
يا جدي، متضايقش نفسك.
قعدت جنبه على الأرض.
زينب بس خلقها ضيق اليومين دول، وهتروق وتبقى كويسة.
أنا فاهم يا ابني.
هز راسه
الشباب عليهم حمل كبير، وأنا فعلاً تقيل عليكم.
متقولش كده يا جدي.
أنا كمان كنت شاب، وعارف إن فتح البيت مش سهل.
وقف
إيده عن الشغل، وبص لبعيد بصة مليانة ذكريات
زمان، لما أبوك كان صغير، كنا على الحديدة، وساعات مكنش بيبقى فيه لقمة تتاكل.
بدأ يحكي حكاوي زمان، بس وقف فجأة.
حكاوي قديمة.. خلاص مفيش داعي للكلام فيها.
وطى راسه، وكمل تضفير الليف.
كنت هموت وأعرف بقية الحكاية، بس مقدرتش أسأل.
خفت أفتح جروح قديمة وجعاه.
بعد تلت شهور، زينب عرفت إنها حامل.
المفروض يكون خبر يفرح، بس دلوقتي بقى هم جديد وحمل تقيل.
البيت ضيق علينا، وهيزيد علينا عيل كمان؟!
كانت بتمسح على بطنها، وعينها مليانة قلق.
ربنا بيرزق، وهنشوف حل، يمكن ننقل لشقة أوسع.
حاولت أطمنها.
نقل الشقة محتاج فلوس كتير، ومصاريف العيل كتير، وكمان مصاريف جدي.
صوتها كان بيعلى وبيزيد حدة.
هنجيب منين؟
ربنا هيسهل.
مكنتش عارف أقول إيه، بس بحاول أتمسك بالأمل.
هيسهل إزاي؟ قولي!
وقفت وحطت إيدها في وسطها وبصتلي بتحدي.
بدأت أحسب مصاريف البيت، وفعلاً الدنيا كانت مزنوقة جداً.
من يوم ما جدي جه، ومصاريف الأكل زادت بشكل ملحوظ.
رغم إنه بياكل قليل، بس برضه بقى فم جديد في البيت.
ده غير مصاريف العلاج.
هو كبر، وكل شوية يجيله دور تعب خفيف.
برد، سخونية.. وكل ده بيحتاج علاج وروشتات.
المرة اللي فاتت، الروشتة كلفتنا أكتر من متين جنيه!
زينب بدأت تعد وتحسب
وفيتامينات الكبار، العلبة ب خمسين جنيه.
طب إيه رأيك لو أشوف شغلانة تانية بعد الظهر؟
اقترحت بحسن نية.
أنت مش ناقص تعب يا محروس!
زينب بصتلي بنظرة لوم
أنا شايفة إننا لازم نخلي عمك الكبير ياخد جدك عنده. احنا مش هنستحمله اكتر من كده
لسه هرد عليها سمعت صوت عكازه بيقع على الارض وعرفت انه سمعنا
طلعت بسرعه لقيته رايح اوضته
حصلته بسرعه وانا بقول...حقك عليا انا يا جدي انا..
بس اللي شوفته اول ما دخلت الاوضة خلى عروقي اتجمدت ومقدرتش افتح بقي ......
جمدت في مكاني وكأن رجلي غرزت في أرضية الأوضة، والكلمة اللي كنت هقولها وقفت في زوري. جدي كان واقف في نص الأوضة، ضهره ليا،
بس قدامه كان فيه بلاطة من أرضية العشة متشالة، وتحتها حفرة مش غويطة، بس اللي طالع منها كان يخلي العقل يطير.
جدي التفت ليا ببطء، وفي إيده كانت صرة قماش قديمة، مهلهلة ومتربة، بس رنة المعدن اللي جواها كانت واضحة وصريحة. بص لي وعينه كانت مليانة دموع، بس مش دموع ضعف، كانت دموع واحد شايل حمل تقيل بقاله سنين وجه الوقت إنه يرميه.
تعال يا محروس.. اقفل الباب وراك يا ابني.
صوته كان هادي بشكل غريب، هدوء ما قبل العاصفة. قفلت الباب وإيدي بترعش، وزينب كانت بره بتنادي في إيه يا محروس؟ جرى إيه؟، مردتش عليها، كنت في عالم تاني خالص.
جدي قعد على طرف السرير القديم، وحط الصرة على حجره وفتحها. النور الضعيف اللي داخل من شباك العشة عكس لمعة دهب قديم.. غوايش عريضة، وسلاسل تقيلة، وعملات ذهبية ليرات من بتاعة زمان.
إيه ده يا جدي؟ دهب؟ ومخبي كل ده هنا؟
جدي اتنهد تنهيدة شقت صدري وقال الدهب ده يا ابني هو سبب شقايا وسر عذابي. دهب ستك الله يرحمها، وشقا عمري في الغربة زمان. شلته للزمن، وقلت مش هطلعه إلا لما الدنيا تضيق بيا أوي، أو لما أعرف مين اللي يستاهل يصون اللقمة والدم.
سكت شوية وبص لخرم في سقف العشة وكمل عمك الكبير عرف بموضوع الدهب
ده من سنين، وكان عايز ياخده عشان يمول مشاريعه، ولما رفضت، بدأ يعاملني كأني حمل تقيل، كأني قطعة خردة ملمية في بيته. رمى عليا الكلام، وجوعني، وفي الآخر زقني عليكم عشان يكسرني، ويخليني أجيله راكع وأقوله خد الدهب وريحني.
أنا كنت بسمع وكأني في حلم. يعني عمي عارف؟
جدي هز راسه بأسى عارف وطمعان. بس أنا جيت هنا عشان أختبركم. كنت بشوف زينب وهي بتقلب وشها، وكنت بسمع كلامها اللي زي السم، بس كنت بشوفك أنت يا محروس.. كنت بشوف في عينك الخوف عليا، واللقمة اللي كنت بتشيلها من بؤك عشان تديهالي وأنا عامل نفسي مش واخد بالي. كنت مستني اللحظة اللي هتبيعني فيها يا ابني، بس أنت مبعتنيش.
في اللحظة دي الباب اتفتح وزينب دخلت وهي بتقول أنت مبتردش ليه يا محرو...!
وقفت مكانها، عيونها برقت، وبؤها اتفتح من الصدمة وهي شايفة الدهب اللي مالي حجر جدي. جدي بصلها بجمود وقال ادخلي يا زينب.. ادخلي شوفي الحمل التقيل اللي كان هيقطم ضهرك.
زينب مقدرتش تنطق، وشها احمر واصفر، وبدأت تتلعثم يا جدي.. أنا.. أنا مكنتش أقصد.. ده الضيق بس.. والظروف..
جدي رفع إيده وسكتها الظروف بتبين المعادن يا بنتي. والدهب ده ميسواش حاجة قدام لقمة هنية بتتقدم بحب. الدهب
ده يا محروس، من النهاردة ملكك أنت.. تشتري البيت اللي نفسك فيه، وتفتح مشروعك، وتعيش ابنك اللي جاي في عز.
أنا قلبي كان بيدق بعنف لأ يا جدي، ده مالك أنت، إحنا نخدمك برموش عنينا من غير حاجة.
جدي ابتسم ابتسامة حقيقية لأول مرة أنا خلاص يا ابني، رجلي والقبر. ماليش في الدنيا غير إني أشوفك مستور. بس فيه شرط واحد.
بصينا له أنا وزينب باهتمام، كمل جدي وصوته بقى حازم عمك لو عرف، هياكل وشكم. لازم نخرج من هنا. الدهب ده يتباع في القاهرة، والبيت ده يتساب، ونروح مكان محدش يعرفنا فيه. أنا مش عايز مشاكل، ولا عايز عمك يوصل للحاجة دي.
وفعلاً، في خلال أسبوع، كان محروس مرتب كل حاجة. باع الدهب بمبلغ خيالي، مبلغ يخلي الواحد يعيش باشا طول عمره. اشترى شقة واسعة في حي راقي بعيد عن منطقتهم القديمة، وجهزها بأحسن عفش.
يوم الرحيل، عم محروس جه يزورهم زيارة مراكبيه عشان يشوف جده مات ولا لسه. اتفاجئ بالعفش وهو بيتحمل في عربيات نقل كبيرة.
عم محروس باستغراب على فين يا محروس؟ وإيه العفش الجديد ده؟ جبت فلوسه منين؟
محروس بص لعمه بجمود، ورد بكلمة واحدة رزق الغلابة يا عمي. ربنا فتحها علينا، وقررنا نريح جدي في مكان يليق بمقامه.
العم عينه زاغت
وجدي فين؟
طلع الجد من العشة، لابس جلباب جديد ومنور، وساند على عكاز خشب أبنوس غالي. بص لابنه الكبير وقال بلهجة فيها تشفي مكتوم أنا رايح أعيش اللي باقي لي مع اللي صانوني يا حامد. البيت اللي ميسعش العجوز، ميسعش البركة.
ركبوا العربية ومشيوا، وسابوا العم واقف في نص الشارع يضرب أخماس في أسداس، مش فاهم إيه اللي حصل وإزاي الفقير ده بقى فجأة صاحب مال وجاه.
في البيت الجديد، زينب اتغيرت تماماً. مش بس عشان الفلوس، لا، الصدمة خلتها تفوق لنفسها. شافت إزاي إن الصبر والرضا بيجيبوا رزق من حيث لا تحتسب. بقت تشيل جدي في عيونها، وتتفنن في أكله وشربه.
جدي قعد في بلكونة الشقة الجديدة، باصص للنيل، وسيد الصغير بيلعب حواليه. محروس قرب منه وحط إيده على كتفه مرتاح يا جدي؟
جدي بص له بحب وقال الراحة مش في الشقة الواسعة يا محروس، الراحة في القلوب اللي وسعتني وأنا ماليش لازمة.. دلوقت بس أقدر أموت وأنا مطمن إن الأصل لسه موجود في ولادي.
ومرت الأيام، وزينب خلفت ولد سموه رضوان على اسم جده، وعاشوا في هنا ورغد، وفضل سر أوضة الكراكيب حكاية بيحكيها محروس لأولاده عشان يعلمهم إن البركة دايما بتيجي مع الغلابة والناس الطيبة اللي بنفتكرهم حمل، وهم في الحقيقة طوق النجاة.
تمت


تعليقات
إرسال تعليق