القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 مطبخ ولاء



مطبخ ولاء

بقلم امانى سيد

أنا كنت فاكرة إن “ولاء” دي مش بس صاحبة عمري، دي كانت الحتة اللي بتطمن قلبي. لما قررنا نفتح مشروع “الأكل البيتي” سوا، كنت بشتغل بدم قلبي، أقف قدام البوتاجاز بالساعات، وهي عليها التسويق والمالية. كنت بقول لنفسي: “يا هدى، ولاء أمن من أي حد، دي اللي كانت بتقسم معايا اللقمة في المدرسة، مستحيل تخونني”.


لحد ما جه اليوم اللي الدنيا اسودت فيه في عيني..


قاعدة في المطبخ، ريحة المحشي والبط مغرقة المكان، وضهري هيتك.سر من الوقفة من النجمة عشان نلحق نسلم أوردر “عزومة المستشار”. قولت أدخل على “جروب” المنطقة أشوف الناس كاتبة إيه عن شغلنا.. يمكن كلمة حلوة ترفع معنوياتي وتنسيني التعب.


وقعت عيني على “بوست” من حساب وهمي، بصورة لمطبخنا، بس مطبخنا وهو في عز الكركبة والحلل لسه متغسلتش، ومكتوب تحتها:


“يا جماعة احذروا من مطبخ (الهنا)، أنا كنت شغالة معاهم وشوفت القرف بعيني، الأكل بيتعمل بخضار بايت، والمكان مش نظيف، وصاحبة المكان بتستخسر في الزباين وتجيب أرخص خامات وتبيعها غالي!”


أنا قعدت على الأرض، النفس اتقطع.. مين اللي صور الصورة دي؟ دي الزاوية دي مفيش حد بيقف فيها غير “ولاء”! هي الوحيدة اللي بتدخل المطبخ وأنا بوضب والدنيا مكركبة. قولت لا، أكيد أنا بظلمها، أكيد حد اخترق تليفونها وسرق الصور.


لسه بمسك الموبايل عشان أتصل بيها وأنا إيدي بتترعش، لقتها هي اللي باعتة رسالة على “الواتساب”:


ـ “بقولك إيه يا هدى، أنا قررت أصفي الشراكة اللي بينا، المشروع مش جايب همه، وأنا سحبت نصيبي من الفلوس اللي في البنك عشان أبدأ لوحدي حاجة أنظف.. ومتهيألي بعد الفضيحة اللي نزلت على الجروب، مفيش حد هيطلب منك بيضة مسلوقة حتى! سلام يا شاطرة.”


أنا؟ أنا يا ولاء؟ ده أنا كنت بطلع أوردراتك لأهلك ببلاش قبل أوردرات الزباين.. ده أنا كنت بسهر أغسل المواعين لوحدي عشان أنتي “إيدك بتتحسس من الصابون”!


نزلت الشارع، كنت محتاجة أروح “للحاجة أم السعد” اللي بنجيب منها الخضار، كنت عايزة أقولها إن الكلام ده كذب، إن خضارها هو اللي مخلي سيتنا مسمع في المنطقة.


أول ما دخلت عليها، لقتها بتدير وشها الناحية التانية كأني وباء.


ـ “صباح الخير يا حاجة أم السعد..”


أم السعد (بحدّة ومن غير ما تبص لي):


ـ “صباح النور يا أستاذة.. معلش يا بنتي، بلاش وقفتك قدام الفرشة عشان الزباين بدأت تخاف، والناس بتقول إنك بتشتري مني “الفرز التاني” والزبالة وتطلعي فيها عيوب الدنيا.. احنا ناس بنجري على أكل عيشنا وسمعتنا أهم من فلوسك.”


أنا (بذهول):


ـ “فرز تاني؟ هي ولاء اللي قالتلك كده؟”


أم السعد (اتلفتت يمين وشمال ووطت صوتها):


ـ “ولاء جاتلي من النجمة، وقالتلي إنها سابتك عشان ضميرها مأنبها من “العك” اللي أنتي بتعمليه في الناس، وقالت إنك كنتي ناوية تلبسيها في الحسابات وتطلعيها هي اللي حرامية.. يا خسارة يا هدى، ده أنا كنت بقول عليكي بنت أصول، اتاريكي كنتي ناوية لصاحبتك على نية سودة!”


خرجت من عندها وأنا حاسة إن الأرض بتلف بيا.. ولاء مش بس سرقت شقايا وفلوس الشغل، دي نهشت في سمعتي قدام الناس اللي معاشراهم سنين.


بصيت للسما ودموعي نازلة تحرق وشي وقولت: “حسبي الله ونعم الوكيل.. يا رب، أنا معملتش غير الخير، وهي اختارت تنهيني عشان تبدأ هي مكاني.. بس الدنيا دوارة، والحق مسيره يبان ولو بعد حين


وقفت في نص الشارع، الدنيا بتلف بيا، وصوت أم السعد لسه بيرن في ودني “اتاريكي كنتي ناوية لها على نية سودة”. أنا؟ نية سودة لولاء؟ دي كانت عيني اللي بشوف بيها.


رجعت البيت مش عارفة مشيت إزاي. كل خطوة كانت تقيلة، كأني شايلة جبل فوق ضهري. دخلت المطبخ.. الريحة اللي كانت الصبح ريحة رزق وشقا، بقت دلوقتي بتخنقني. بصيت للحلل والمواعين المكركبة.. هي دي “الفضيحة”؟ شوية مواعين هتتغسل في عشر دقايق بقت دليل على قلة النظافة؟


مسكت الموبايل تاني، وفتحت الرسايل. كنت لسه مش مصدقة، بقرأ كلامها كأني بقرأ لغة غريبة مش فاهماها. “أبدأ لوحدي حاجة أنظف”.. “سلام يا شاطرة”. الكلمات كانت بتنزل على قلبي زي مية النار.


قولت لنفسي: “يا هدى، فوقي. البكا مش هيعمل حاجة. السكوت في الموقف ده معناه إنك موافقة على كلامها”. لازم أدافع عن نفسي، مش عشان المشروع، طز في الفلوس والمشروع، لكن عشان شرفي وسمعتي وسط الناس اللي عايشة معاهم طول عمري.


الدم غلي في عروقي، وحسيت بقوة غريبة جوايا، قوة جاية من قمة الوجع. مسحت دموعي، وربطت شعري، وقررت إني مش هسكت.


دخلت على جروب المنطقة من حسابي الحقيقي، وكتبت “بوست” طويل، بس المرة دي مكنش فيه صور أكل. كتبت:


“يا جماعة، أنا هدى، صاحبة مطبخ الهنا. كل اللي اتقال عليا كذب، والاصور اللي نزلت دي متصورة من حد كان المفروض إنه أقرب الناس ليا، ومصوراها في وقت الشغل والزحمة عشان تطلعني وحشة. أنا عمري ما دخلت بيت حد فيكم أكل وحش أو مش نظيف، وأم السعد عارفة إن خضاري طازة كل يوم، ولو هي قالت غير كده يبقى اتقالها كلام كذب وغلط وصدقته. أنا ببيع عشان ده أكل عيشي، وعمري ما غشيت حد فيكم. حسبي الله ونعم الوكيل في اللي عايز يقطع عيشي وينهش في سمعتي.”


قفلت الموبايل ومكنتش مستنية ردود. كنت عايزة بس أطلع اللي في قلبي وأقول الحق.


مرت الساعات تقيلة قوي، لحد ما الباب خبط. فتحت، لقت الحاجة أم السعد واقفة، ومعاها شنطة خضار كبيرة، وعينيها مدمعة.


ـ “ادخلي يا حاجة أم السعد..”


أم السعد (بصوت واطي وندمان):


ـ “سامحيني يا هدى يا بنتي.. أنا صدقت كلام ولاء عشان هي كانت جاية متبهدلة وبتعيط وتقول إنك طردتيها واكلتي حقها، وقالتلي على موضوع الخضار ده.. بس لما قريت البوست بتاعك، وشوفت كلام الجيران اللي دافعوا عنك، عرفت إني ظلمتك.”


أنا (وقلبي بدأ يهدى شوية):


ـ “والله يا حاجة أنا عمري ما فكرت أضرها، دي كانت أختي.”


أم السعد:


ـ “عارفة يا بنتي، عارفة. ربنا هينصرك عليها. وخودي الخضار ده، فيه أوردر جديد جالك دلوقتي من الست أم أحمد، وبتقولك متزعليش، إحنا عارفينك وعارفين أكلك.”


في اللحظة دي، حسيت إن الدنيا لسه فيها خير. نصرة ربنا جت بسرعة، وشماتة ولاء مش هتدوم. الخيانة بتوجع، وبتعلم، بس مابتمو.تش. ولقمة العيش اللي حاولت تسرقها مني، ربنا بعتها تاني ومن نفس المكان.


بصيت للمطبخ، وقولت: “يلا يا هدى، الشغل مابيقفش، والحق مسيره يبان.”


بدأت أجهز أوردر أم أحمد، وإيدي اللي كانت بتترعش من شوية بقت ثابتة وقوية. كل حبة خضار كنت بمسكها كنت بحس إني بسترد بيها حتة من كرامتي اللي “ولاء” حاولت تدوس عليها.


وأنا واقفة بقلب الصلصة، سمعت صوت “تنبيه” رسائل كتير ورا بعض. فتحت الموبايل، لقت الجروب مقلوب! مش بس الجيران دافعوا عني، لا.. ده فيه ناس بدأت تحكي مواقف لولاء معاهم، إزاي كانت بتوقع بين الصحاب وتتكلم بلسانين.


وفجأة، لقيت رسالة خاصة مبعوتة لي من رقم غريب.. فتحتها، لقيتها “ولاء”!


ـ “انتي فاكرة الكلمتين اللي كتبتيهم دول هيخلوكي تكسبي؟ الناس بكرة تنسى، وأنا بدأت فعلاً في مكاني الجديد، والزباين التقيلة كلها معايا. خليكي أنتي في الـ 2 كيلو محشي بتوع الغلابة.. أنا اللي عملتلك اسم، وأنا اللي ههدهولك!”


قريت الرسالة وضحكت.. ضحكة وجع ممزوجة بسخرية. رديت عليها بكلمة واحدة بس:


ـ “الاسم اللي بتبنيه بالغل والحقد، بيقع من أول ريحة طيبة.. ربنا يوفقك في ‘نظافتك’ الجديدة يا ولاء.”


عملت لها “بلوك” وقفلت الصفحة دي من حياتي نهائياً.


تاني يوم الصبح، نزلت أشتري طلبات جديدة، بس المرة دي مكنتش ماشية وموطية راسي. كنت ماشية وكأني أول مرة أشوف الشارع ده. عديت من قدام بيت ولاء، شوفتها واقفة في البلكونة بتبص لي بغل، وكأنها مش مصدقة إني لسه واقفة على رجلي.


بصيت لها وابتسمت ابتسامة هادية، وكملت طريقي لفرشة أم السعد.


ـ “صباح الفل يا خالة أم السعد.. هاتي لي أحلى خضار عندك، النهاردة فيه رزق جديد، وفيه ناس عرفت مين هي هدى ومين هي ولاء.”


أم السعد ضحكت وقالت لي:


ـ “الدهب يا بنتي مهما اتغطى بالتراب، أول ما يتمسح بيرجع يلمع تاني.. وأنتي معدنك دهب.”


رجعت بيتي، فتحت شبابيك المطبخ، خليت الشمس تدخل وتطرد ريحة الغدر اللي كانت كاتمة على نفسي. بدأت أشتغل وأنا بغني بصوت واطي.. مش عشان نسيت الوجع، الوجع لسه موجود وهيفضل يعلم في قلبي، بس عشان عرفت إن اللي معاه ربنا، مفيش “ولاء” ولا ألف زيها يقدروا يقطعوا خيط رزق هو اللي غازله بصبره وشقاه.


القصة مخلصتش هنا، دي بدأت.. بس المرة دي، بدأت “بهدى” لوحدها، من


غير حمل زايد، ومن غير غدر مستخبي في ضحكة صفرا.


تمت.



 

تعليقات

التنقل السريع