القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 فراشة العروسة



فراشة العروسة


من اليوم اللي اتحدد فيه ميعاد كتب الكتاب، بيت أميرة اتحول لورشة شغل كبيرة، أمها كانت بتصحى من الفجر تلف على المحلات، تشوف أسعار الأجهزة والمفروشات، وتفاصل في كل جنيه عشان تجهز بنتها أحسن جهاز، وأبوها كان كل ما يقبض مرتب أو ييجي له شغل زيادة يحوش قرش فوق قرش وهو بيقول بنتي لازم تدخل بيت جوزها مرفوعة الرأس.

سنين طويلة وهم بيشيلوا من أكلهم ولبسهم عشان اليوم ده، حتى أخواتها الصغيرين كانوا فاهمين إن أي طلب زيادة منهم ممكن يأجل حاجة من جهاز أختهم، فكانوا ساكتين ومستحملين، وأميرة نفسها كانت كل ما تعجبها حاجة غالية تقول لأمها مش لازم يا ماما، أي حاجة حلوة. لكن أمها كانت تصمم وتقول لا يا بنتي، نفسي أشوفك أحسن عروسة.

ولما قرب الفرح، الشقة كانت بقت زي القصر، أوضة نوم مودرن بلون هادي، سفرة كبيرة، ركنة شيك، مطبخ مليان أجهزة جديدة لسه بالكرتونة، وطقم صيني وتحف ومفارش، وكل حاجة كانت متجهزة بحب قبل ما تكون بفلوس.

العريس مصطفى في الأول كان شكله محترم وهادي، وكل ما أميرة تتكلم معاه عن تعب أهلها يقولها والله مقدر كل حاجة، وأنا عمري ما هنسى تعبهم. وكانت تصدقه وتفرح وتقول في نفسها إنها أخيراً هتعيش مع راجل يقدّرها.

يوم الفَرْش جه، والبيت كان مليان زغاريد وفرحة، قرايب أميرة وبنات خالتها جُم يساعدوها، وكل واحدة جايبة هدية كبيرة، دي جايبة طقم كاسات، ودي جايبة خلاط، ودي جايبة ملايات شيك، وكانوا بيضحكوا ويهزروا ويحلموا معاها ببيتها الجديد.

أميرة كانت واقفة وسط كل ده ودموعها بتنزل من الفرحة وهي شايفة تعب سنين بيتحط قدامها حقيقة.

لكن أول ما حماتها الحاجة دولت طلعت الشقة، ومعاها بنتها


سمر، الجو كله اتغير.

عينهم كانت بتلف في الشقة بطريقة ضايقت أميرة وأمها، كل شوية يبصوا على حاجة ويهمسوا لبعض، لحد ما دخلوا المطبخ.

الحاجة دولت وقفت قدام الأجهزة وقالت وهي ماسكة الخلاط

إيه الجمال ده؟ ده أحسن من اللي عندي.

وبعدين بصت للعجان وقالت بمنتهى البساطة

العجان ده هننزله عندي تحت، أصل نفسي أجيب واحد بقالي كتير.

أميرة افتكرت إنها بتهزر، فضحكت بخفة، لكن سمر قالت فوراً

وأنا هاخد طقم الحلل ده، عشان أنا متجوزة بقالي سنتين ولسه معنديش طقم محترم.

أم أميرة اتوترت وبصتلهم باستغراب، لكنها سكتت عشان تعدي الليلة.

لكن الموضوع ماوقفش هنا.

وقت فرش الدولاب، سمر فتحت الأدراج بنفسها، وبدأت تطلع البيجامات وتقول

واو! دي خامتها حلوة أوي خلاص التلاتة دول بتوعي.

وأميرة وقفت مصدومة، مش قادرة تنطق، حاسة إن كل حاجة بتتاخد قدام عينها وهي ساكتة.

أمها قربت منها وهمست

اسكتي دلوقتي يا بنتي عشان الجوازة.

لكن قلبها كان بيتقطع، لأنها شايفة تعب عمرها بيتنهب حتة حتة.

بعدها الحاجة دولت دخلت أوضة التخزين اللي فيها البطاطين والمفروشات، وقالت بمنتهى الوقاحة

إيه كل ده؟ ده كتير أوي عليهم. هاتوا بطانيتين وسجادة وكام فوطة وطقمين ملايات، ما إحنا أهل.

وبدأت فعلاً تختار اللي يعجبها وتحطه على جنب.

بنات خالات أميرة بقوا يبصوا لبعض في ذهول، والهمس بدأ يزيد

هو ده طبيعي؟

إزاي ياخدوا الجهاز بالشكل ده؟

لكن محدش حب يتدخل.

أم أميرة كانت ساكتة بالعافية، وشها أحمر من القهر، لكنها مستنية اللحظة المناسبة تتكلم مع جوزها بعيد عن الناس.

لحد ما جه وقت تركيب البوتاجاز.

العمال شالوا البوتاجاز الجديد وداخلين يركبوه في

مطبخ أميرة، فجأة الحاجة دولت وقفت قدامهم وقالت

لا لا البوتاجاز ده هينزل شقتي أنا.

الكل سكت وبصلها.

كملت وهي بكل برود

وأنا هطلع لها البوتاجاز القديم اللي عندي، ما هو شغال وزي الفل.

أم أميرة مقدرتش تسكت أكتر من كده وقالت بعصبية محترمة

إزاي يعني؟ ده إحنا جايبينه لبنتي مخصوص.

الحاجة دولت بصتلها باستعلاء وقالت الجملة اللي صدمت الكل

ما هي كده كده من أول أسبوع جواز هتنزل عندي تفطر وتتغدى وتتعشى، لازمة البوتاجاز إيه عندها؟ ما هتستخدمه عندي تحت.

الصمت نزل على المكان كله.

أميرة حسّت إن الأرض بتميد بيها، وبصت لمصطفى مستنية منه كلمة، أي كلمة، يدافع عنها أو حتى يعترض، لكنه كان واقف ساكت، مطاطي راسه، كأنه موافق.

أبو أميرة وقتها دخل الشقة بعد ما كان بيتابع العمال تحت، ولما عرف اللي حصل وشاف مراته دموعها في عينيها، سأل بعصبية

في إيه؟

الحاجة دولت ردت بمنتهى البجاحة

بنفهمهم نظام البيت عندنا.

أبو أميرة قال بحدة

نظام إيه اللي تاخدوا بيه جهاز بنتي؟

مصطفى حاول يتدخل ويهدي الدنيا وقال

يا جماعة دي أمي، ومش قصدها حاجة.

لكن أبو أميرة بصله وقال

وأنت راجل البيت ولا لأ؟ الجهاز ده لبنتي، محدش ياخد منه حاجة.

الحاجة دولت اتقمصت وقعدت تصوت

إحنا طلعنا ناس طماعين؟ ده إحنا أهل!

أم أميرة ردت لأول مرة بقوة

الأهل عمرهم ما ينهبوا بنت داخلة بيت جديد.

سمر زعلت ولمت الحاجات اللي كانت واخداها وهي بتبرطم، لكن الحاجة دولت فضلت مصممة على البوتاجاز وقالت إنها مش هتسيب ابنها يتدلع مراته ويبعد عنها.

وهنا حصلت المفاجأة.

أميرة، اللي طول عمرها هادية ومبتحبش المشاكل، وقفت فجأة وقالت بصوت كله رعشة لكنه قوي

لو ده

هيكون جوازي أنا مش موافقة.

الكل اتصدم وبصلها.

كملت وهي بتبكي

أنا داخلة أبني بيت، مش داخلة خدامة عند حد، ولا داخلة أتشحت حقي. اللي مش قادر يحترمني من دلوقتي، عمره ما هيحترمني بعد الجواز.

مصطفى قرب منها وقال بتوتر

إنتي مكبرة الموضوع.

قالتله وهي باصة في عينه

الموضوع مش بوتاجاز الموضوع إنك ساكت.

الكلمة دي وجعته، لكنه فضل متردد، يبص لأمه مرة ويبص لأميرة مرة، كأنه مش قادر يختار.

أبو أميرة قال بمنتهى الحسم

بنتي مش هتتجوز راجل واقف يتفرج عليها وهي بتتهان.

الحاجة دولت بدأت تهدد وتقول إن الناس هتتكلم وإن الفرح قرب، لكن أميرة لأول مرة متخفش من كلام الناس، وقالت

الناس مش هيعيشوا مكاني.

في الليلة دي، رجع الجهاز كله بيت أميرة تاني، والفرح اتلغى.

أمها كانت منهارة وخايفة على بنتها من كلام الناس، لكن بعد أيام بدأت تلاحظ إن بنتها رغم حزنها مرتاحة نفسياً، مبتصحاش كل يوم مرعوبة من مستقبلها.

أما مصطفى ففضل يحاول يرجعها، مرة يعتذر، ومرة يقول إن أمه السبب، لكنه عمره ما قدر يقف قدامها فعلاً.

وأميرة فهمت إن الجواز مش فستان وفرح وشقة الجواز موقف وسند واحترام.

بعد شهور، اشتغلت أميرة مع واحدة صاحبتها في مشروع صغير أونلاين، وكانت ناجحة جداً، ومع الوقت بقت أقوى وأهدى، وكل اللي حواليها بقوا يحترموها لأنها خافت على كرامتها قبل أي حاجة.

وبعد سنة كاملة، اتقدم لها شاب اسمه آسر، كان مختلف تماماً، أول مرة دخل البيت قال لأبوها

أنا مش عايز من بنتكم غير إنها تدخل بيتي وهي مرتاحة، وجهازها ده ملكها، حتى لو جابت معلقة واحدة.

أم أميرة وقتها دمعت، وأبوها حس إن ربنا عوضهم.

ولما جه يوم الفَرْش الجديد، أميرة كانت خايفة تتكرر نفس الذكريات، لكن أم آسر دخلت الشقة بابتسامة دافية، وكل ما تشوف

 

حاجة تقول

ما شاء الله، ربنا يبارك لها فيها.

ولما أميرة حاولت تديها هدية من الجهاز، رفضت وقالت

يا حبيبتي ده بيتك إنتي، أنا جاية أفرح بيكي مش آخد منك.

ساعتها بس أميرة حسّت إن ربنا نجاها من حياة كانت هتعيشها مكسورة، وإن أصعب قرار أخدته يوم وقفت قدام الكل وقالت لا كان هو القرار اللي أنقذ عمرها كله.

بعد جواز أميرة وآسر بشهور، حياتها بدأت تهدى لأول مرة من سنين، كانت كل يوم تصحى وهي حاسة بالأمان، مفيش حد بيفتش في حاجتها، ولا حد بيحسب عليها الأكل والشرب، ولا حد مستني منها تنزل تخدم بيت العيلة.

آسر كان مختلف في كل حاجة، حتى في أبسط التفاصيل، لو دخل المطبخ ولقاها بتغسل الأطباق يساعدها من غير ما تطلب، ولو تعبانه يطلب أكل جاهز ويقولها

البيت مش واقف على ست لوحدها.

الكلمة دي لوحدها كانت كفيلة تخلي أميرة تفتكر حياتها القديمة وتحمد ربنا ألف مرة إنها متجوزتش مصطفى.

لكن رغم الراحة اللي عايشاها، جواها كان لسه فيه وجع قديم، كل ما تشوف أمها وهي بتعد الفلوس أو بتحاول توفّر في طلبات البيت، قلبها يوجعها على السنين اللي ضاعت في تجهيز جهاز كان هيروح لناس ماعندهمش رحمة.

وفي يوم وهي قاعدة مع أمها، سألتها فجأة

إنتي زعلانة إني فسخت زمان؟

أمها سكتت شوية وبعدين قالت

في الأول كنت خايفة عليكي من كلام الناس لكن دلوقتي؟ والله كل يوم بشكر ربنا إنك عملتي كده.

أميرة حضنت أمها جامد، لأنها لأول مرة تحس إن أمها نفسها اتعافت من الجرح.


في الناحية التانية، كانت أخبار مصطفى وأمه بتوصلهم من وقت للتاني.

بعد ما الجوازة اتفركشت، الحاجة دولت فضلت تلف في المنطقة تقول إن أميرة بنت قليلة الأصل وإن أهلها كبروا الموضوع، وإنها كانت بس بتعتبرها بنتها.

لكن الناس مش كلها كانت ساذجة، لأن بنات خالات أميرة حكوا اللي شافوه بعينيهم، وكلام الحاجة دولت بدأ ينكشف.

مصطفى بعدها اتجوز بنت اسمها نهى، بنت بسيطة وأهلها على قد حالهم، والحاجة دولت كانت فاكرة إنها أخيراً لقت واحدة تتطوع وتنفذ كلامها من غير اعتراض.

وفعلاً أول الجواز، نهى كانت ساكتة على كل حاجة، كل يوم تنزل تساعد حماتها، وتسيب شقتها بالساعات، والحاجة دولت تتحكم في لبسها وأكلها وخروجها.

لكن الطمع اللي مالهوش آخر عمره ما بيشبع.

بعد أقل من شهرين، الحاجة دولت بدأت تدخل شقة نهى براحتها، تاخد اللي يعجبها، مرة تقولها

هاتيلنا طقم الكوبيات الحلو ده للضيوف.

ومرة

إيه لازمة التكييف وإنتوا قاعدين لوحدكم؟ ابنك أولى بيه تحت.

ونهى كانت بتسكت خوفاً من خراب البيت.

لحد ما في يوم، نهى اكتشفت إن دهبها ناقص.

قلبها وقع، فضلت تدور في كل مكان، لحد ما نزلت تحت عند حماتها وشافت سمر لابسة واحد من غوايشها!

اتصدمت وسألتها

دي غويشتي!

سمر ردت ببرود

ماما قالت ما إنتوا أهل.

نهى طلعت تبكي لمصطفى، لكنه كالعادة قال نفس الجملة

معلش عديها عشان أمي.

ساعتها افتكرت أميرة كويس، وفهمت هي ليه سابت الجوازة.

المشاكل بدأت تكبر، ونهى بقت كل

يوم تخسر جزء من نفسها، لحد ما في مرة تعبت جداً وكانت عندها حرارة عالية، وبرغم كده الحاجة دولت طلبت منها تنزل تعمل أكل لعيلة كاملة جاية زيارة.

نهى رفضت لأول مرة وقالت إنها مش قادرة.

الحاجة دولت وقتها صرخت فيها قدام الكل

أمال متجوزينك ليه؟

الكلمة كسرتها، لكنها صحّتها في نفس الوقت.

طلعت شقتها، ولمت هدومها، واتصلت بأبوها ييجي ياخدها.

مصطفى حاول يمنعها، لكنها قالتله جملة عمره ما نساها

إنت مش وحش إنت بس عمرك ما كنت راجل قدام أمك.

وللمرة التانية، الجوازة انتهت.

الحاجة دولت بعد الطلاق فضلت تصوت وتلوم البنات، مرة تقول بنات الزمن ده بايظين، ومرة تقول مبقاش فيه حد يستحمل.

لكن الحقيقة كانت واضحة لكل الناس المشكلة عمرها ما كانت في البنات.

في نفس الوقت، أميرة كانت حياتها بتتغير تماماً.

مشروعها الصغير كبر، وبقت تبيع منتجات أونلاين وتحقق مكسب حلو، وآسر كان دايماً يشجعها.

وفي يوم رجعت البيت لقته مجهز لها مفاجأة صغيرة، مكتب شيك في أوضة فاضية وقالها

ده مكان شغلك الجديد يا مدام البيزنس.

أميرة وقتها ضحكت من قلبها، الضحكة اللي كانت ناسيه طعمها من سنين.

بعدها بفترة، اكتشفت إنها حامل.

الخبر نزل على البيت كله زي العيد، أمها فضلت تبكي من الفرحة، وأبوها كان كل شوية يقول

يارب أشيل بنت بنتي قبل ما أموت.

الحمل كان متعب شوية، وآسر كان حرفياً شايلها على كفوف الراحة، حتى أمه كانت تيجي تساعدها وتطبخلها بنفسها.

وكل مرة أميرة تشوف

الحنان ده، تفتكر الجملة القديمة

هتنزل تفطر وتتغدى وتتَعشى عندي.

وتحمد ربنا إنها ماعاشتش العمر ده.

وفي شهرها السابع، حصلت المفاجأة اللي محدش توقعها.

كانت قاعدة في البيت بالليل، وآسر في الشغل، وفجأة الباب خبط.

فتحت لقت مصطفى واقف قدامها.

وشه كان مرهق، شعره بدأ يشيب، وعينه مليانة ندم.

أميرة اتوترت وقالت ببرود

خير؟

قال بصوت مكسور

كنت عايز أقولك إني ظلمتك.

سكتت وماردتش.

كمل وهو باصص للأرض

أنا فاكر إن اللي عملته وقتها كان عادي كنت فاكر إن طاعة أمي أهم من أي حاجة لحد ما خسرت كل حاجة.

أميرة حسّت بمشاعر متلخبطة، مش شماتة، لكن حزن على شخص ضيع نفسه بإيده.

مصطفى قال

عارفة أصعب حاجة إيه؟ إنك كنتي بتحبيني بجد وأنا سبتك تتكسري.

قبل ما ترد، صوت آسر جه من وراها

في حاجة يا أميرة؟

مصطفى رفع عينه وشاف آسر واقف، شايل أكياس الفاكهة بابتسامة هادية، قرب من أميرة تلقائي وحط إيده على كتفها بحنية.

اللحظة دي كانت كفيلة تشرح كل الفرق بين الرجلين.

مصطفى فهم فوراً إن أميرة أخيراً لقت البيت اللي تستحقه.

ابتسم ابتسامة باهتة وقال

ربنا يسعدكم.

ومشى.

أميرة فضلت باصة لطيفه وهو نازل السلم، وجواها شعور غريب مش حب، ولا حنين، لكن راحة.

راحة إنها نجت.

بعد شهور، ولدت بنت جميلة شبهها، وآسر أصر يسميها كرامة.

الكل استغرب الاسم في الأول، لكنه قال وهو باصص لأميرة

عشان أمها علمتني إن الكرامة أهم من أي جوازة.

وأميرة وقتها حضنت بنتها الصغيرة، وحست إن كل وجع عاشته قبل كده كان مجرد طريق طويل عشان يوصلها للحياة اللي تستحقها فعلًا.

 

تعليقات

التنقل السريع
    close