خدعة الشغالة
خدعة الشغالة
كان جوزي بيديني كل أسبوع فلوس علشان أدفعها للشغالة... وهو ميعرفش إن الشغالة دي كنت أنا.
في الأول افتكرت إن ربنا أخيرًا حنّ عليّا وهرتاح شوية. تخيلت نفسي بشرب قهوتي بهدوء، بتفرج على مسلسل، وحاسة إني ست بيت مرتاحة لأول مرة من سنين. لكن أول ما فتحت الظرف، فهمت إن جوزي مش بيحاول يساعدني… ده كان بيختبرني.
الحكاية بدأت يوم الاتنين.
محمود رجع من الشغل بوش متجهم، نفس النظرة اللي بيبقى عاملها لما يكون ناوي يقول حاجة مستفزة ومستني مني أشكره عليها.
قال وهو بيرمي المفاتيح على الترابيزة: "بصي يا هناء، أنا فكرت… الشقة كبيرة وإنتي بتتعبي جدًا. إحنا محتاجين نجيب واحدة تساعد في التنضيف."
كنت هطير من الفرحة. بعد سنين من المسح والغسيل وتنضيف الحمامات ولمّ الهدوم، ولسه كل يوم يسألني: "هو إنتي عملتي إيه طول النهار؟"... حسيت إن باب السما اتفتحلي أخيرًا.
قلتله بابتسامة: "فكرة حلوة أوي."
تاني يوم إداني ظرف.
قال: "دي فلوس الشغالة
كل أسبوع."
فتحته… المبلغ مكانش كبير، لكنه كان معقول.
سألته: "طيب هي هتيجي إمتى؟"
ابتسم ابتسامة غريبة وقال: "ده يرجعلك… المهم البيت يفضل نضيف وعلى سنجة عشرة."
مفهمتش قصده وقتها.
لحد يوم الجمعة.
كنت راجعة من السوق، ولما قربت من باب الشقة سمعته بيتكلم مع أمه في فيديو كول.
كان بيقول: "أيوه يا أمي، إدتلها فلوس الشغالة… ونشوف بقى هتعرف قيمة تعب البيت ولا لأ."
وقفت مكاني متجمدة.
حماتي ضحكت وقالت: "يا ابني دي عمرها ما عرفت تدبر حاجة. أكيد هتصرف الفلوس وتضحك عليك وتقولك إنها نظفت بنفسها."
حسيت إن الكلام نزل على قلبي زي السكينة.
ومحمود ضحك هو كمان وقال: "ولو نظفت بنفسها يبقى أحسن… أوفر فلوس الشغالة الحقيقية."
في اللحظة دي فهمت كل حاجة.
ده ماكنش يساعدني… ده كان عامللي فخ.
كان بيدفعلي تمن تعبي بإيدي، وبيتريق عليّا كمان.
ليلتها ماقولتش كلمة.
الاثنين اللي بعده صحيت بدري، لمّيت شعري، لبست الجوانتي الأصفر، ونضفت
الشقة كأنها أوضة عمليات. دعكت الأرض، غسلت الشبابيك، عقمت الحمامات، ولمّعت المطبخ لدرجة إنه بقى يبرق.
ولما محمود رجع، بص حواليه بانبهار وصفّر.
وقال: "واضح إن الشغالة شاطرة."
ابتسمت وقلت: "أيوه… شغلها ممتاز."
ساب ظرف جديد على الترابيزة وقال: "ابقي اديهولها."
أخدته وقلت: "أكيد."
ومن يومها الموضوع بقى روتين.
كل أسبوع كان يديني فلوس لست مش موجودة أصلًا… وأنا أنضف البيت بنفسي… وأخبّي الفلوس زي ما هي في علبة جزم تحت السرير.
بعد تلات شهور، كنت مجمعة مبلغ عمره ما كان يتخيل إني أعرف أوفره.
لكن في يوم، وأنا بمسح طرقة الشقة، سمعت مكالمة تانية.
المرة دي ماكنتش مع أمه…
كانت مع واحدة ست.
محمود كان بيتكلم بصوت واطي من جوه الحمام: "ماتقلقيش… أول ما هناء تمضي على ورق الشقة، هسيبها وآجي أعيش معاكي."
الإزازة وقعت من إيدي.
قربت بهدوء أسمع باقي الكلام…
وفجأة سمعت الجملة اللي جمدت الدم في عروقي:
"وبعدين الهبلة أصلًا ماتعرفش
إن الشغالة شافت الورق كله…"
وقفت مكاني، الدم اتجمد في عروقي، ونبضات قلبي بقت زي دقات طبول الحرب. "الشغالة شافت الورق كله؟" الجملة دي كانت بتلف في دماغي زي الإعصار. محمود فاكر إن في شغالة بجد بتدخل البيت، وبما إنه مبيشوفهاش، تلاقيه ساب ورق مهم على مكتبه أو في دولابه، وفاكر إن الشغالة دي (اللي هي أنا) شافته وممكن تفضحه أو تاخده!
أدركت في اللحظة دي إن اللعبة كبرت، وإن علبة الجزم اللي تحت السرير اللي مليانة فلوس مش هتبقى كفاية. أنا مش بس باخد تمن تعبي، أنا في وسط مؤامرة لسرقة شقتي وخراب بيتي.
أول ما محمود قفل السكة وفتح باب الحمام، رجعت بسرعة للمطبخ وعملت نفسي بمسح الرخام وإيدي بترتعش. طلع وبصلي بنظرة كلها برود وقال: "إيه يا هناء، الشغالة جت النهاردة ولا لسه؟"
بلعت ريقي وبصيت له بثبات انفعالي عمري ما تخيلت إني أملكه، وقلت له: "آه.. جت ونظفت الأوضة الجوانية ومشيت قبل ما تدخل الحمام."
بلمح البصر، وش محمود جاب ألوان، وعينه زاغت وجري على أوضة المكتب بتاعته. عرفت ساعتها إن السهم صاب.
رحلة البحث عن الخيط
تاني يوم، محمود نزل الشغل وهو لابس وش القلق. أول ما الباب اتقفل، ميعاد "الشغالة" جِه! بس المرة دي متنظفتش الشقة، المرة دي قلبت الشقة حتة حتة بدور على الورق اللي بيتكلم عنه.
دورت في المطبخ، ورا الكتب، تحت السجاد.. لحد ما وصلت لمكتبه. كان في درج مقفول بقفل صغير. افتكرت إنه دايماً بيشيل مفتاح القفل ده في ميدالية مفاتيحه القديمة اللي في درج الكومودينو. جريت جبتها، وفتحت الدرج.
وهنا كانت الصدمة الكبرى:
تنازل عام عن الشقة: ورق مكتوب فيه إن أنا "هناء" بتنازل عن نصيب السرية والشقة اللي كتبهالي بابا الله يرحمه باسمي، والورق ده ناقصه بس إمضتي!
عقد زواج عرفي: باسم محمود وبنت تانية اسمها "رشا".. وهي دي الست اللي كان بيكلمها!
وصولات أمانة: محمود كان واخد فلوس من ناس وممضي على نفسه وصلات، وكان ناوي يبيع الشقة بتاعتي عشان يسدد ديونه ويهرب مع الست التانية!
فهمت الخطة كاملة: محمود كان بيسيب الورق ده على المكتب عمداً عشان "الشغالة" الوهمية تشوفه (أو بمعنى أصح كان فاكر إن في حد غريب بيدخل وممكن يفتش)، وكان ناوي يخليني أمضي على ورق التنازل وسط ورق تاني تبع البيت من غير ما أخد بالي، بحجة إنه بيعمل إجراءات صيانة للعمارة!
خطة "الشغالة" الذكية
قعدت على الأرض والدموع في عيني، بس المرة دي مش دموع ضعف، دي دموع غضب. قلت لنفسي: "بقى بتستغفلني يا محمود؟ بتشغلني شغالة في بيتي وبتخطط تسرقني وترميني؟ ورب العزة لأدفعك التمن غالي."
رجعت كل حاجة مكانها وقسمت خطتي على تلات مراحل:
أولاً:
تأمين الأموال
جريت على أوضة النوم، طلعت علبة الجزم اللي تحت السرير. المبلغ كان محترم جداً (تحويشة 3 شهور من الفلوس اللي كان بيدفعهالي للشغالة). أخدت الفلوس دي ورحت البنك فوراً، فتحت حساب سري باسمي وباسم والدتي، وحطيت الفلوس فيه عشان ميبقاش في أي أثر كاش في البيت.
ثانياً: شباك الفخ
رجعت البيت، وجبت ورقة بيضاء، وكتبت عليها بخط إيد مائل ومغير (كأنها ست بسيطة اللي كاتباها):
"يا أستاذ محمود، أنا شفت الورق اللي في الدرج وعرفت إنك متجوز على مدام هناء وناوي تسرقها. لو مش عايرني أقولها، تحطلي 50 ألف جنيه في الظرف بتاع الأسبوع الجاي، وإلا الورق ده كله هيبقى على مكتب المدام."
حطيت الورقة دي جوه ظرف الفلوس الفاضي اللي كان سابهولي على الترابيزة، وحطيته على مكتبه!
ليلة السقوط
يوم الجمعة بالليل، محمود رجع البيت. دخل مكتبه عشان يشوف الظرف المفروض إني سلمته للشغالة. أنا كنت واقفة ورا الباب بمثل إني بحضر العشا، وبراقبه من فتحة الباب.
أول ما فتح الظرف وقرأ الرسالة، وشه بقا أبيض زي الأموات. بدأ يتنفس بسرعة وعرقه يسيل. تليفونه رن، كانت أمه. سمعته بيقولها بصوت مرعوب ومبحوح: "الحقيني يا أمي.. الشغالة طلعت حرباية وبتلويني دراعي! شافت ورق الجواز من رشا وورق الشقة وبتطلب 50 ألف جنيه وإلا هتقول لهناء!"
حماتي على الناحية التانية صوتها صوّت وقالتله: "يا مصيبتك السودا يا محمود! ادفع لها.. ادفع لها فوراً قبل ما هناء تعرف وتطردك من الشقة وتوديك في داهية بوصلات الأمانة!"
محمود
قفل الخط وهو ميت من الرعب. وطبعاً، عشان ميفضحش نفسه، اضطر ينزل تاني يوم الصبح يسحب كل اللي حيلته من البنك عشان يجهز "الفدية" للشغالة.
المواجهة الكبرى
يوم الإثنين، محمود ساب ظرف ضخم جداً على الترابيزة، وقال لي وهو صوته بيترعش وعينه في الأرض: "هناء.. ابقي ادي الظرف ده للشغالة أول ما تيجي.. وقوليلها الأستاذ بيقولك خلاص كده الحساب صفي ومش عاوزين نشوف وشك هنا تاني.. أنا هجيب شركة تنظيف بعد كده."
ابتسمت ابتسامة عريضة وقلت له: "من عيوني يا حبيبي، الأمانة هتوصل لأصحابها."
أول ما نزل الشغل، أخدت الظرف. فتحته.. لقيت فيه الـ 50 ألف جنيه كاملين!
في اللحظة دي، كلمت المحامي بتاعي، وطلبت منه يجيلي البيت فوراً مع اتنين شهود من الجيران. فتحنا درج المكتب بالمفتاح، وأخدنا حرز ورق التنازل المزيف، وعقد الجواز العرفي، ووصلات الأمانة. المحامي قالي: "كده إنتي معاكي قضية تزوير، وقضية خيانة أمانة، وحقك في الشقة محمي 100%."
ساعة واحدة، وكان محمود راجع من الشغل بدري عشان يطمن إن الشغالة أخدت الفلوس ومشيت.
دخل الشقة، لقى الأنوار كلها مطفية، وما فيش غير أباجورة واحدة منورة في الصالون. كنت قاعدة وحاطة رجل على رجل، وفي إيدي اليمين كباية القهوة اللي كنت بحلم أشربها من زمان، وفي إيدي الشمال الظرف اللي فيه الـ 50 ألف جنيه، وعلى الترابيزة قدامي ورق جوازه العرفي ووصلات الأمانة.
محمود وقف مصدوم، لسانه اتمسك، وبص للورق وبصلي وقال بتلعثم: "هناء.. إنتي.. إيه ده؟ ومين اللي جاب الورق ده
هنا؟ الشغالة هي اللي..."
قاطعته بضحكة عالية رنت في أركان الشقة، وقفت بكل ثقة، قربت منه، رميت الظرف في وشه وقلت له:
"الشغالة بتسلم عليك وبتقولك.. الشغل معاك كان ممتع جداً يا حودة! تلات شهور باخد منك مرتب الشغالة وأحوشه، والنهاردة أخدت منك مكافأة نهاية الخدمة 50 ألف جنيه!"
محمود فتح بوقه من الصدمة: "إنتي؟! إنتي الشغالة؟!"
قلت له ببرود قاتل: "آه يا محمود.. أنا اللي نظفت بيتك، وأنا اللي كشفت ألعيبك. كنت فاكر إنك بتعملي فخ عشان توفر فلوس وتطلعني هبلة ومبدبرش؟ بس الهبلة دي هي اللي لفت الحبل حوالين رقبتك."
النهاية العادلة
محمود حاول يثور ويزعق، بس لما شاورت له على المحامي والشهود اللي طلعوا من الأوضة الجوانية، ركبه خبطت في بعضها.
المحامي قاله بلهجة صارمة: "قدامك حل من اتنين يا أستاذ محمود.. إما تمضي على قسيمة الطلاق حالا بالإبراء وتتنازل عن كل حاجتك وتسيب الشقة دي بملابسك الشخصية بس، أو الورق ده ووصلات الأمانة وعقد جوازك العرفي هيروحوا للنيابة الصبح، وطبعاً إنت عارف العقوبة."
محمود بص للأرض، وعينه مليانة دموع الندم والخزي. فهم إن اللعبة انتهت، وإن "الشغالة" اللي كان بيستهزء بيها، طلعت أذكى منه بمليون مرة.
مضى على ورق الطلاق وهو ساكت، ولم هدومه في شنطة واحدة، وخرج من باب الشقة وهو مش قادر يرفع عينه في عيني.
قفلت الباب وراه، وبصيت للشقة النظيفة اللي بقت ملكي لواحدي. قعدت على الكنبة، أخدت نفس عميق، وشربت بق من القهوة.. ولأول مرة من سنين، حسيت إني ست بيت مرتاحة، ومنتصرة!
تمت.


تعليقات
إرسال تعليق