بنتين صغيرين
بنتين صغيرين
بنتين صغيرين قربوا من مشردة بـ تترعش من البرد في المحطة.. وبعد ثواني، أبوهم شافها واتجمد مكانه!
المطر كان بـ ينزل بـ غزارة والجو تلج في "محطة مصر"، والناس بـ تجري بـ كُل قوتها عشان تلحق أي حتة دافية. في وسط الزحمة دي، كانت قاعدة "نور" لوحدها، ساندة ضهرها على عمود خرسانة في رصيف 7.
كانت لابسة فستان بيج قديم، كان في يوم من الأيام شيك جداً وغالي.. من وقت ما كانت حياتها لسه "مستورة"، وقت ما كان عندها بيت، وشغل، ومستقبل واضح. دلوقتي الفستان ده بقا مجرد قماشة خفيفة تحت "بطانية" مقطعة لمتها من الزبالة من كام أسبوع.
نور عندها 28 سنة، بس الهم والتعب رسموا على وشها سنين زيادة. شعرها اللي كان دايماً
متسرح بقا منكوش ومبلول، ورجليها حافية بـ تلمس رصيف المحطة المتلج.. جزمتها اتسرقت منها من 3 ليالي، ومأمعهاش تمن غيرها.
وفجأة، سمعت صوت ناعم بـ يناديها:
— "يا طنط.. لو سمحتي يا طنط."
رفعت راسها بـ بطء.. لقت قدامها وشين صغيرين بـ يبصوا لها بـ منتهى البراءة والفضول.
بنتين "توأم"، مأكملوش 5 سنين، لابسين بلطي بمبي شيك وأيس كاب بـ "بونبون" صوف.. وشوشهم كانت مليانة قلق حقيقي.
صوت راجل جه من بعيد بـ ينادي: — "يا بنات.. تعالوا هنا بلاش شقاوة!"
بس البنات مأتحركوش، وفضلوا باصين لـ نور بـ تركيز الأطفال اللي بـ يوجع القلب.
— "أنتي نايمة في الشارع؟" واحدة منهم سألت بـ جدية، — "ده غلط خالص.. الجو برد أوي.
"
نور وشوشت بـ صوت مبحوح من قلة الكلام: — "أنا.. أنا كويسة يا حبيبتي."
التانية ردت بـ حنية: — "لأ مش كويسة.. أنتي بـ تترعشي ومأعندكيش جزمة.. إحنا رجلينا كانت هـ تتلج لو مألبسناش كوتشي!"
— "ليلى.. چنا.. قلت تعالوا هنا حالا!"
الأب قرب منهم.. كان راجل طويل، ملامحه قوية، لابس بالطو أسود قيم جداً وفي إيده شنطة جلد شيك.. باين عليه "العز" والهيبة.
وصل عندهم وبدأ يعتذر بـ أدب: — "أنا متأسف جداً.. هما جريوا مني فجأة.. يا بنات مأينفعش تروحوا لـ أي حد كدة وتـ..."
وفجأة.. سكت.
نظراته اتجمدت على وش نور.
الصدمة كانت بـ تنطق في عينيه.. وكأنه شاف شبح!
— "نور؟!" نطق اسمها بـ ذهول.
چنا بصت لـ أبوها وقالت:
— "بابا.. أنت تعرف طنط؟"
ياسين نزل على ركبه في الطين والمطر، مـ هتمش بـ بدلته الغالية ولا بـ الناس اللي واقفة بـ تتفرج. مسك إيد نور اللي كانت زي التلج وبدأ يفركها بـ إيده وهو بـ يعيط بـ شهقات:
— "نور! أنتي فين؟ بقالي 5 سنين بـ قلب عليكي الدنيا! قالوا لي إنك موتي في العبارة.. قالوا لي إن مأحدش نجا غير كام واحد وأسمك مـ كنش فيهم!"
نور بصت له بـ عيون غايبة، والدموع بدأت تشق طريقها وسط التراب اللي على وشها:
— "ياسين؟ إنت لسه فاكرني؟ أنا مـ موتش يا ياسين.. أنا (اتبعت)! أخوك (عصام) هو اللي دفع لـ ناس يخطفوني ويحطوني في المركب دي، وكان قاصد إني مـ أرجعش أبداً عشان يورث فيك لوحدك ويخلص من
(السر) اللي كنت هـ أقولهولك!"
ياسين اتجمد مكانه، والبنتين ليلى وجنا كلبشوا في رقبته وهما بـ يعيطوا. نور كملت بـ صوت مكسور:
— "أخوك كان بـ يسرق من حسابات الشركة، ولما هددته إني هـ أقولك، عمل فيا كدة.. أنا عشت 5 سنين فاقدة الذاكرة في بلد غريبة، ولما ذاكرتي رجعت لي من شهر، رجعت زحف لـ حد هنا عشان أشوفك.. بس لقيتك (اتجوزت) وعشت حياتك، فـ قلت أموت هنا في سكات أحسن."
ياسين صرخ بـ وجع:
— "أنا مـ اتجوزتش يا نور! البنات دول (بنات أخوكي) الله يرحمه، أنا اللي ربيتهم بعد ما مات هو ومراته في الحادثة.. أنا عشت السنين دي كلها بـ أدور على ريحتك في كل مكان! عصام قالي إنك هربتي بـ فلوسي، والنهاردة الحساب هـ يكون عسير!"
ياسين شال نور بـ "البطانية" المقطعة بتاعتها وسط ذهول كل اللي في المحطة، وركبها العربية المصفحة. وداها أحسن مستشفى، وأمر بـ حراسة مشددة عليها. وفي أقل من ساعتين، كان "
عصام" مكلبش في مكتب ياسين والشرطة بـ تحقّق معاه بـ تهمة الخطف والشروع في القتل واختلاس الأموال.
عصام انهار واعترف بكل حاجة، وعرف إن (الحق) مـ بـ يضيعش، وإن المطر اللي كان نور بـ تترعش منه، هو اللي غسل كدبه وفضحه قدام أخوه.
نور رجعت لـ بيتها "ملكة" من تاني. ليلى وجنا مأبقوش بـ ينادوها "طنط"، بقوا بـ يقولوا لها "ماما نور" لانو هي اللي عوضتهم عن حنان الأم اللي فقدوه. ياسين مـ سابش إيدها ثانية واحدة، وعوضها عن كل ليلة نامت فيها في البرد بـ "دفا" وحب مألهوش حدود.
وعرفت نور إن البنتين اللي قربوا منها في المحطة، مـ كنش صدفة، دول كانوا (ملايكة) ربنا بعتهم عشان يرجعوا الروح لـ جسم كان بـ يموت من القهر.
العبرة: مـ تفتكرش إن الظلم بـ يدوم، لانو ربنا بـ يبعت (أضعف خلقه) عشان يظهروا (أكبر الحقايق).. والوفاء هو اللي بـ يبني البيوت، والغدر آخره دايماً
فضيحة وخراب.
"ياسين السيوفي"، الملياردير اللي مبيضحكش، وقف قدام "سارة" بنت البواب اللي كانت شغالة سكرتيرة في شركته. سارة قدمت له "خاتم فضة" بسيط في عيد ميلاده وقالت له بكسوف: "ده كل اللي قدرت أحوشه يا فندم.. كل سنة وأنت طيب."
ياسين بص للخاتم باحتقار، ورماه من شباك الدور الـ 50 وقال لها بدم بارد:
— "مستواكي م يسمح لكيش حتى تفكري في هدية ليا.. اطلعي برا، وأنتي (مرفودة) عشان تجاوزتي حدودك."
بعد سنتين، ياسين كان بيمضي عقد شراء "جزيرة خاصة" في اليونان بـ 500 مليون دولار. المحامي قاله: "يا فندم، الجزيرة دي ليها (مالك خفي) م رفض يبيعها إلا ليك إنت بالذات، وبشرط واحد.."
ياسين استغرب: "إيه هو الشرط؟"
المحامي طلع "شنطة قديمة" وفتحها.. كان فيها (الخاتم الفضة) اللي ياسين رماه من الشباك! وجنبه رسالة مكتوبة بخط إيد سارة:
— "الخاتم ده كان (مفتاح) لخزنة
جدي اللي ساب لي ورث بـ المليارات ومكنتش مهتمة بيه.. أنا اشتريت الجزيرة اللي إنت بتموت عليها، وهديهالك (ببلاش).. بس عشان أثبت لك إن (المستوى) اللي كنت بتعايرني بيه، أنا اللي صنعتهولك بالصفقات اللي كنت بديرهالك من ورا مكتبك وأنت مش حاسس."
ياسين وقف مكانه مصدوم، اكتشف إن سارة هي اللي كانت بتدير "ذكاء" الشركة من غير ما يدرى، وإن "الفقيرة" اللي طردها هي اللي بتمتلك الأرض اللي هو واقف عليها.
راح يدور عليها في كل مكان، لقاها فاتحة "مدرسة مجانية" لأطفال الشوارع. حاول يعتذر ويقدم لها شيك بملايين، بس سارة بصت له بابتسامة هادية وقالت:
— "الفلوس بتشتري جزر يا ياسين بيه.. بس م بتشتريش (الأصل).. الخاتم الفضة اللي إنت رميته، كان أنضف من كل الدهب اللي في خزنتك."
العبرة: م تحتقرش حد لشكله أو فقره، لأنك م تعرفش "الكنز" اللي مخبيه جوه قلبه.. وساعات "البواب"
بكون أنبل من "السلطان".

تعليقات
إرسال تعليق