ملياردير غيبوبة كامله
ملياردير غيبوبة كامله
“خلي أخويا نايم يا ست هانم” — أهلي باعوني لملياردير في غيبوبة، بس نبضه كشف الكدبة!
بالنسبة لراجل بيقولوا عليه “بيموت”، نبض **أدهم الحديدي** كان أقوى وأسرع من نبض أي راجل **نورا** لمست إيده قبل كده في حياتها.
دي كانت أول حاجة خدت بالها منها وهي واقفة جنب سرير المستشفى اللي محطوط في وسط صالون القصر، لير دة فستان فرح مش بتاعها، في وسط قصر عتيق في الزمالك مش قاعة أفراح، وقدام عيلة كانت بتبص لها مش كأنها عروسة… لأ، كأنها “بضاعة” أو “شحنة” ووصلت بالسلامة والمحضر اتقفل.
الأوضة كانت ريحتها خليط غريب من ورد ليلى الأبيض، والمطهرات، وريحة “الفلوس القديمة”، وصوت المطر برة. من وراء الشبابيك الإزاز الطويلة اللي بتبص على النيل، كانت القاهرة بتلمع تحت مطر خفيف بتاع أول الشتا؛ أبراج، ونخل مبلول، وأسرار تمنها بملايين. جوة الأوضة بقى؟ مكنش فيه زغاريط. ولا فرقة. ولا صحاب بيضحكوا. ولا أب ماسك إيد بنتها وبيسلمها لعريسها ودموعه في عينه. ومكنش فيه عريس واقف مستنيها ببدلته عشان يوعدها بحياة حلوة.
كان فيه بس **أدهم الحديدي**، الوريث الوحيد لـ “مجموعة الحديدي”، نايم من غير حركة تحت لحاف بيج غالي، وشه شاحن، ورموشه السودا الطويلة ثابتة، وإيده اليمين مفرودة فوق الغطا كأن فيه حد رتب قعدته عشان يبان “مرتاح” قدام الناس. بس مكنش فيه كاميرات؛ عيلة الحديدي واصلة ومتحكمة في البلد لدرجة تخليهم يمنعوا أي مخلوق يشوف جوازة بالشكل ده.
الملياردير الصغير كان في غيبوبة كاملة، أو زي ما القنوات الإخبارية بتقول “حالة خضرية دائمة”، بقالها حوالي أربع شهور بعد حادثة عربية بشعة على طريق الساحل الشمالي. دكاترة كبار واستشاريين جم من لندن، وألمانيا، وسويسرا، وكلهم مشيوا بنفس نظرة الحزن المكتوبة في التقارير: “أدهم بيتنفس من غير أجهزة، وبيبلع بمساعدة، بس مبيستجبش لأي مؤثر خارجي”.
والدته قالت إن الجوازة دي “طاقة أمل”، والمحامين قالوا “حماية لمصالح العيلة”، أما أهل نورا اللي ربوها فقالوا لها: “ده واجبك يا بنتي”.
بس نورا كانت عارفة الكلمة الحقيقية: **”بيعة وشروة”**.
### الصفقة
هما باعوها لأن أختها بالتبني، **لارا**، رفضت تتجوز راجل مبيفتحش عينه. عيلة “الوالي” (أهل نورا بالتبني) كانوا غرقانين في الديون، وعندهم طموح أعمى، وموهبة في إنهم يخلوا “الندالة” تبان كأنها “تضحية”. نورا مكنش عندها أي حاجة من دي، مكنش حيلتها في الدنيا غير جدتها **”أبلة رتيبة”** اللي قاعدة في دار رعاية في مصر الجديدة. الست دي هي اللي ربتها على الأغاني القديمة، وروايات نجيب محفوظ المستعملة، وإيدين دايماً ريحتها مية ورد وياسمين.
مصاريف علاج الجدة كانت عيلة الوالي بتدفعها بقالها سنين، مش حباً فيها، بس عشان يفضلوا ماسكين نورا من رقبتها. لما لارا صرخت وقالت “أنا أرمي نفسي في النيل ولا أتجوز واحد ميت إكلينيكياً!”، أبوها بالتبني لف وشه بكل برود لنورا وقعد على سفرة الأكل وقالها: “يبقى إنتي اللي هتعمليها يا نورا… وإلا جدتك هتترمى في الشارع قبل يوم الجمعة”.
وعشان كده، نورا لبست الأبيض.
وقفت تحت قوس ورد بلدي مستورد، وسمعت المأذون اللي إيده كانت بترتعش وهو بيكتب الكتاب جنب سرير أدهم. مضت وبصمت في الحتت اللي المحامين شاوروا عليها.
**شهيرة هانم**، والدة أدهم، كانت بتبص لها بنظرة مكسورة، نظرة ست عيطت كتير لدرجة إن دموعها مابقتش تنزل. وجد أدهم، **عثمان بيه الحديدي**، كان قاعد على كرسي متحرك جنب الدفاية، عينيه كانت زي الصقر، وساند إيديه على عصاية أبنوس، مفيش فوتة بتفوت عليه.
وفي ركن الأوضة، ساند ضهره على عمود رخام، وبابتسامة باردة خلت قشعريرة تمشي في جسم نورا، كان واقف **سيف**… أخو أدهم الصغير من أبوه.
سيف كان لابس البدلة التوكسيدو كأنها سل*اح. عنده الثقة المستفزة بتاعة العيال اللي عمر ما حد قالهم “لأ” في حياتهم. طول ما المأذون بيتكلم، عين سيف كانت عمالة تتحرك على طرحة نورا، على عقد اللولي المستلفاه، وعلى صوابعها اللي بترتعش وهي ماسكة بوكيه الورد. كان باين عليه “متسلي”، مش زعلان على أخوه، ولا قلقان… كان شمتان ومستمتع!
لما المأذون قال جملته الشهيرة: “بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير”، مفيش حد صقف. شهيرة هانم حطت منديل على بوقها، وعثمان بيه غمض عينيه كأن الجملة دي يا إما أنقذتهم يا إما كتبت نهايتهم. المحامين لموا الورق بلهفة المحترفين اللي عاوزين يخلصوا. ونورا فضلت واقفة جنب السرير، بتبص للراجل اللي بقى شايل اسمها.
### السر القديم
أدهم الحديدي كان عنده 32 سنة، “غول” في الشغل حسب كل مقال قريته عنه في السر، مبيتغلبش في بيزنس، وذكي لدرجة إنه حول شركات الملاحة والنقل بتاعة عيلته للامبراطورية الأولى في الطاقة النظيفة قبل ما يتم التلاتين.
بس هو كمان كان “الغريب” اللي من سبع شهور فاتوا، ظهر من وسط المطر ورا مستشفى حكومي في طنطا، وأنقذ نورا من اتنين بلطجية كانوا ماشيين وراها بعد ما خلصت نبطشية الليل بتاعتها في الصيدلية. مكنتش شافت وشه بوضوح وقتها؛ كان لابس كاب، ونور الكشافات عاكس، والمطر مغرق الدنيا، وصوته بس هو اللي كان واطي وعميق وهو بيقولها: “اجري.. ومتلتفتيش وراكي”.
هي جريت، ونجت. وفضلت شهور تسأل نفسها هو مين.
دلوقتي، وهي بتبص لوش أدهم الثابت، الحقيقة نزلت عليها زي مية ساقعة.
“أنت؟” همست والدار بدأت تفضى من الناس: “أنت كنت هناك..”.
جفون عينيه ماتحركتش. شاشة جهاز تتبع النبض كانت بتترسم بخطوط خضرا منتظمة. نورا قربت خطوة، والبوكيه هيقع من إيدها: “أنا مش عارفة لو كنت سامعني، ويمكن أكون اتجننت، بس لو أنت الراجل اللي كان في الموقف داك اليوم، ف أنت أنقذت حياتي لما مكنش فيه حد معايا. أنا مجيتش هنا عشان فلوسك، أنا جيت عشان لووا دراعي بأكتر حد بحبه. بس وحياتك عندي يا أدهم، لو فيه أي جزء جواك لسه بيحارب عشان يعيش، أنا مش هسيبهم يدفنوك وأنت لسه بتتنفس”.
مكنتش تعرف وقتها، إن ورا العينين المقفولة دي، أدهم كان سامع كل كلمة.
مكنتش تعرف إن صوابعه كانت هتموت وتتحرك بس مش قادرة.
ومكنتش تعرف إن في وقت متأخر من الليلة دي، فيه حد هيقف ورا باب الأوضة ويهمس بكل برود: **”اتأكدوا إنه يفضل نايم كده علطول”**.
الباب اتفتح قبل ما نورا تلحق تمسح دموعها. سيف دخل من غير ما يخبط، في إيده كاس، وعلى وشه نفس الابتسامة اللئيمة. باقي العيلة كانوا نزلوا تحت عشان اللي شهيرة هانم سمته “عشا هادي”، بس نورا كانت شاكة إنه أشبه باجتماع مجلس إدارة بس على نبيذ. نورا كانت طلبت تفضل مع أدهم، جزء منها عشان عاوزه تكون لوحدها، والجزء التاني لأن الأوضة نفسها كانت بتديها إحساس بالخطر وكأنها بتقولها ” أوعي تسيبيه لوحده”.
سيف قفل الباب وراه وقال بنبرة مستفزة: “يا أهلاً.. يا ست هانم. الموضوع خلص بسرعة أوي يعني”.
نورا وقفت مشدودة: “المفروض تخبط قبل ما تدخل”.
“أنا متربي في البيت ده يا شاطرة”.
“وأنا بقيت مرات أخوك الكبير في البيت ده”.
ضحكة سيف وسعت وبانت سنانه: “أخويا؟ أخويا مش في وضع يسمح له يتهنى باللقب ده أصلا!”
نورا حست بقرف شديد قبل ما الخوف يتملك منها: ” متتكلمش عنه بالطريقة دي!”
سيف رفع حواجبه باستهزاء: “ليه؟ هو أنا قلت حاجة؟ ما هو كأنه ميت فعلاً!”
## الفصل الثاني: سموم في كأس الفضة
سيف خطى خطوتين لجوة الأوضة، صدى جزمت الجلد الغالي كان بيعمل صوت منتظم ومستفز على الأرض الرخام. لف الكاس في إيده، وتلج المشروب قعد يخبط في الإزاز كأنه بيعزف لحن شمتان. ووقف على بعد سنتيمترات من نورا، باصص لها من فوق لتحت بنظرة كلها استعلاء، كأنه بيقيّم بضاعة اشتراها من سوق الجمعة ومش عاجباه.
“أنتِ مصدقة نفسك أوي يا نورا، صح؟” سيف قالها وهو بيوطي صوته، ونبرته بقت ناعمة زي الحية. “عايشالي في دور الزوجة الوفية اللي هتحمي حمى جوزها المصون؟ أومال فين لارا؟ أختك “الهانم” اللي كانت بتتنطط في الكافيهات على حس عيلة الوالي؟ فين أبوكي بالتبني اللي كان هيبوس إيدي عشان نرضى نخليه يناسب عيلة الحديدي؟ بعتوكي أنتِ.. الشغالة بتاعة الصيدليات، البنت اللي مالهاش أصل، عشان تلبس التوب اللي مش مقاسها.”
نورا كزت على سنانها، ضوافرها غرزت في كف إيدها لدرجة الوجع، بس مسمحتش لدمعة واحدة تنزل قدامه. القهر اللي عاشته سنين في بيت عيلة الوالي علمها إن الضعف قدام الناس اللي شبه سيف ده بمثابة حكم إعدام.
“أنا مراته بشرع الله يا سيف بيه،” نورا ردت بصوت ثابت، نبرته قوية هزت برود الأوضة. “والورقة اللي أنا بصمت ومضيت عليها دي، تخليني الست الوحيدة اللي ليها حق تقف في الأوضة دي، وتخليك أنت مجرد ضيف تقيل لازم يتفضل برة لما أقوله اخرج.”
ضحكة سيف الرنانة قطعت هدوء المكان، ضحك كأنه سمع نكتة الموسم، ولف وشه وبص لأدهم اللي نايم في ملكوت تاني. “شرع الله؟ ومين قالك إننا بنمشي بالشرع هنا؟ إحنا بنمشي بالقوة.. بالفلوس.. باللي معاه مفاتيح الخزنة. وأخويا الكبير، الملاك الطاير اللي كان مقعدنا كلنا جنبه تلامذة، خلاص.. طيارته وقعت، وعربيته اتقلبت، ومبقاش حيلته غير النفس اللي طالع ونازل. تفتكري عثمان بيه الحديدي سابك تتجوزيه حباً في سواد عيونك؟ ولا عشان القانون يمنعني أستلم شركات الملاحة طول ما أدهم عايش ومن غير وصي شرعي؟”
سيف قرب من السرير، وبحركة سريعة ومفاجئة، مَد إيده وطبطب على وش أدهم بقسوة، كأنه بيصحّي حد من النوم باستهتار. “صحى النوم يا بطل.. عروستك طلعت لسانها طويل وعايزة تطردني.”
“شيل إيدك عنه!” نورا صرخت وهي بتشد إيد سيف بعيد عن وش أدهم. الحركة كانت تلقائية، مدفوعة بغريزة غريبة لسه مش عارفاها، كأنها مسؤولة عن الراجل ده من سنين مش من دقايق.
سيف مسك معصم إيدها وضغط عليه جامد، ملامحه الضحوكة اختفت وظهرت مكانها وش وشيطاني مرعب. “أنا أشيل إيدي في أي وقت وأحطها في أي وقت. القصر ده بتاعي، والشركات دي بتاعتي، وأخويا ده.. مسألة وقت مش أكتر، وهتلاقيه نايم في حتة تانية أضيق بكتير من السرير ده. فاهمة يا شاطرة؟ متعيشيش الدور، خدي قرشينك لما اللعبة تخلص، وغوري في داهية لجدتك اللي بتموت في المستشفى.”
زق إيدها بعنف، لدرجة إنها رجعت لورا وخبطت في حرف الكومودينو الخشب. سيف بصلها بقرف، شرب بق من كاسه، ولف ضهره ومشي ناحية الباب. وقبل ما يفتح الباب ويخرج، التفت لها وقال بابتسامة باردة: “ليلتك سعيدة يا.. مرات أخويا.”
الباب اتقفل، ونورا حست إن الأكسجين رجع الأوضة تاني. رجليها مأشلتهاش، قعدت على الكرسي اللي جنب السرير، صدرها بيعلو ويهبط من كتر التوتر والخوف. حطت إيدها على راسها وحست إنها في كابوس مش قادرة تصحى منه. بصت لأدهم، ملامحه كانت هادية أوي، كأنه مش سامع الحرب اللي بتدور حواليه، أو كأنه اختار بإرادته يبعد عن قذارة الدنيا دي.
“أنت سامعني؟” نورا همست وهي بتمسك إيده اليمين تاني. “أنت كنت بتتعامل مع الناس دي إزاي؟ إزاي كنت عايش وسط العقارب دي؟”
وهي بتمسك إيده، صوابعها جت بالصدفة عند منطقة الرسغ، تحت الإبهام بالظبط.. حتة النبض.
نورا سكتت فجأة. عينيها وسعت، والدم هرب من وشها.
الدكاترة في صيدليات طنطا والمستشفى العام علموها إزاي تقرأ علامات الجسم الإنساني زي الكتاب المفتوح. النبض بتاع مريض الغيبوبة الكاملة، اللي بقاله شهور مبيتحركش، بيكون نبض هادي، ضعيف، ريتمو بطيء ومستسلم، كأنه خط بيموت بالبطء.
لكن النبض اللي تحت صوابع نورا دلوقتي كان مختلف تماماً.
كان سريع.. قوي.. بيضرب في جلدها كأنه مطرقة! نبض راجل في كامل وعيه، راجل حاسس، راجل دمه بيغلي من الغضب أو الخوف!
نورا كتمت صرختها بإيدها التانية. بصت على جهاز المونيتور اللي فوق السرير.. الخط الأخضر كان بيتحرك بريتم هادي جداً وطبيعي: 65 دقة في الدقيقة.
“مش ممكن..” نورا همست لنفسها وهي بتبص للجهاز وبتبص لإيد أدهم. “الجهاز ده بيكدب.. أو حد مبرمجه يكدب!”
نزلت ليفل واطي وجابت ودنها قريب جداً من صدر أدهم، وغمضت عينيها وركزت في صوت ضربات قلبه الحقيقية من جوة قفصه الصدري. الصوت مكنش متناسق مع الجهاز أبداً! القلب كان بيبتض بسرعة تزيد عن 95 دقة في الدقيقة!
أدهم الحديدي مكنش في غيبوبة كاملة.. أدهم كان صاحي! أو على الأقل، عقله واعي وجسمه هو اللي مسجون.
وفي اللحظة دي، وهي لسه ودنها على صدره، لمتست حاجة غريبة. جفن عينه الشمال تشنج تشنج خفيف جداً، وحتة من صوابع إيده اللي نورا ماسكاها، اتلمست بضغط لا يُذكر.. كأنه بيحاول يعصر إيدها عشان يقولها: “أنا هنا.. متسيبنيش.”
“أنت صاحي..” نورا دموعها نزلت من الصدمة والذهول. “أنت سامع كل حاجة.. هما بيعملوا فيك إيه؟”
قبل ما نورا تستوعب المفاجأة اللي هزت كيانها، سمعت صوت حركة خفيفة برة الأوضة. صوت خطوات مكتومة على السجاد الفرو اللي في الممر برة.
بسرعة، مسحت دموعها ووقفت بعيد عن السرير، وحاولت تظهر بمظهر طبيعي. الباب متفتحش، بس نورا لقطت صوت همس واطي جداً جاي من وراء الباب الخشب السميك. الصوت مكنش غريب عليها.. كان صوت الممرض الخصوصي اللي عيلة الحديدي جيباه يقعد مع أدهم 24 ساعة، راجل اسمه “شوقي”، وشه بارد ومبيبتسمش أبداً.
شوقي كان بيتكلم مع حد في التليفون بصوت شبه معدوم: “أيوا يا فندم.. كله تمام. المأذون مشي والبنت فضلت جوة معاه.. لأ متقلقش، الجرعة بتاعة بالليل جاهزة. المادة دي بتخليه نايم كأنه ج*ثة، ومفيش أي دكتور هيشك في حاجة.. التحاليل دايماً بتطلع طبيعية.. حاضر، ساعة بالظبط وهدخل أديله الحقنة في المحلول.. مع السلامة يا سيف بيه.”
الجملة الأخيرة نزلت على نورا زي الصاعقة.
“سيف..” نورا همست والشرر بيطلع من عينيها. “هو اللي عايز يخليه غايب عن الوعي!”
اللعبة وضحت قدامها دلوقتي زي الشمس. أدهم مكنش ضحية حادثة وبس، أدهم كان ضحية مؤامرة مستمرة كل يوم جوة القصر ده. الحقن والمحاليل اللي بياخدها مش عشان تعالجه، دي عشان تفضل معطلة مراكز الحركة والوعي في مخه، عشان يفضل “ميت حياً” لحد ما سيف يخلص ورق نقل الملكية والوصاية الشرعية بمساعدة جده أو من وراه.
نورا بصت لأدهم، وحست بمسؤولية جبل فوق كتافها. الست الغلبانة اللي بايعينها عشان يسدوا ديونهم، بقت هي خط الدفاع الوحيد بين ملياردير عاجز وبين الموت.
“أنت أنقذتني زمان من غير ما تعرفني،” نورا همست وهي بتبص لوش أدهم بكل عزم وقوة. “ودلوقتي جه دوري.. مش هسيبهم يلمسوا شعرة منك يا أدهم.”
فتحت نورا باب الأوضة فجأة، وشوقي الممرض كان لسه حاطط التليفون في جيبه وواقف بيبص للحيطة كأنه بيراقب المكان. أول ما شافها، ملامحه الباردة رجعت وتظاهر بالاحترام: “أهلاً يا ست هانم.. مبروك الجواز. أنا كنت جاي عشان ميعاد المحلول والجرعة بتاعة أدهم بيه.”
نورا بصلته بنظرة حادة، مفيهاش أي أثر للبنت الخايفة اللي كانت واقفة من ساعة في الفرح. “شوقي.. صح؟”
“تمام يا فندم.”
“المحليل والحقن دي أنا اللي هأشرف عليها من هنا ورايح،” نورا قالتها بكل برود وهي بتعدي من جنبه وتروح ناحية التربيزة اللي عليها الأدوية.
ملامح شوقي اتهزت للحظة، وحاول يداري ارتباكه: “بس يا فندم.. دي تعليمات الدكاترة الكبار والبروفيسور اللي جه من ألمانيا، وأنا معايا الجدول بالدقايق، أي تغيير ممكن يسبب مضاعفات لأدهم بيه.”
نورا لفت وشها وبصتله، وابتسمت ابتسامة خلت الممرض يحس بالقلق: “أنا خريجة صيدلة يا شوقي، وكنت بشتغل في العناية المركزة في مستشفى طنطا العام، يعني الأدوية والجرعات دي لعبي الصغير. هات لي الجدول والروشتات، ومن اللحظة دي، مفيش حقنة تدخل جسم جوزي من غير ما أكون أنا اللي مجهزاها بنفسي.. فاهم؟”
شوقي بلع ريقه وصوابعه اتهزت: “بس سيف بيه وشهيرة هانم..”
“سيف بيه وشهيرة هانم على عيني وراسي،” نورا قطعت كلامه بقوة وهي بتقرب منه وعينيها في عينيه: “بس أنا بقيت الزوجة.. يعني قانوناً وطبياً أنا مسؤولة عن حياته. لو عندك اعتراض، نطلب البوليس والنيابة ونخليهم هما اللي يراجعوا الأدوية دي معايا.. إيه رأيك؟”
كلمة “البوليس” نزلت على الممرض زي المية الساقعة. وشه جاب ألوان، وعرف إن البنت اللي فكروا إنها “صيد سهل” طلعت أخطر بكتير من لارا ومن عيلة الوالي كلهم.
تنحنح شوقي وقال بصوت مخنوق: “العفو يا فندم.. اللي تشوفيه. الجدول والأدوية كلها تحت أمرك.”
نورا لفت وبصت لأدهم اللي على السرير، وحست برعشة خفيفة في صوابع إيده كأنها إشارة شكر واضحة. المعركة لسه في أولها، وقصر الحديدي مبقاش مجرد بيت.. ده بقى ساحة حرب، ونورا واقفة في الوش لوحدها!
## الفصل الثالث: عشاء الأفاعي
لما الممرض شوقي لم حاجته وخرج من الأوضة بخطوات سريعة كأنه بيهرب من حبل المشنقة، نورا مسكتتش. راحت فوراً على الدولاب الصغير اللي محطوط فيه المحاليل والأمبولات، وبدأت تقرا المكتوب عليها بتركيز شديد وعينين مبيفوتهاش تفصيلة. صوابعها كانت بتتحرك بسرعة بين العِلب، وخبرتها في الصيدلة خلتها تلمح المواد الفعالة اللي متسجلة بخط صغير جداً على ضهر الأمبولات الألمانية.
“مهدئات عضلية قوية.. ومواد مسببة للخمول العصبي المؤقت،” نورا همست ونبضات قلبها بتتسارع. “دي مش أدوية علاج غيبوبة، دي تركيبة مسمومة معمولة بمقادير تخلي الجسم في حالة شلل شبه كامل، ومراكز النطق والحركة في المخ متستجبش لأي إشارة.. هما بيموتوه بالبطيء فعلاً، وبشكل يبان طبيعي في أي تحليل دم عادي!”
أخدت أمبول من المادة دي وحطته في جيب فستانها الأبيض المستخبى بين الكشكشة، وقررت إنها لازم تلاقي طريقة تحلل المادة دي برة القصر تماماً عشان تعرف الترياق بتاعها إيه.
بصت لأدهم، ملامحه كانت لسه هادية، بس النبض اللي تحت جلده كان لسه شغال بقوته اللي كشفت السر. قربت منه، وطبطبت على جبهته بحنان: “أنا هخرج دلوقتي عشان مأثُرش الشكوك، بس متقلقش.. المحلول اللي شغال ده مفيهوش المادة دي، أنا وقفت المحبس بتاعه. خليك قوي يا أدهم.. أنا راجعة لك.”
نزلت نورا السلم الرخام الكبير بتاع قصر الحديدي. القصر كان هادي لدرجة مرعبة، النجف الكريستال الضخم كان منور بس بإضاءة خافتة، وصوت المطر برة كان بيخبط على الشبابيك الإزاز كأنه إنذار بحرب جاية.
وصلت لباب غرفة السفرة الرئيسية. الباب الخشب الأرو كان موارب سنة، وصوت المعالق والشوك وهي بتخبط في أطباق الصيني الغالية كان بيقطع السكون. نورا أخدت نفس عميق، عدلت طرحتها، ودخلت بكل ثقة وهيبة تليق بـ “ست هانم” جديدة في البيت ده.
السفرة كانت طويلة جداً، بتكفي أكتر من عشرين فرد، بس مكنش قاعد عليها غير تلاتة بس: شهيرة هانم في راس الترابيزة، وعلى يمينها عثمان بيه الحديدي بعصايته وسرحانه، وعلى شمالها سيف اللي كان بيشرب من كاسه وبيتكلم في تليفونه بصوت واطي أول ما شاف نورا دخلت، قفل السكة فوراً وحط التليفون على الترابيزة بابتسامة صفرا.
“يا أهلاً بالعروسة،” سيف قالها بنبرة تريقة وهو بيرجع بضهره على الكرسي. “كنت فاكرك هتقضي الليلة كلها جنب ج/ثة أخويا.. أقصد جوزك العزيز.”
شهيرة هانم رمت الشوكة من إيدها بحدة، وبصت لسيف بنظرة لوم، بعدين التفتت لنوا وقالت بصوت بارد بس فيه نبرة كبرياء: “اتفضلي يا نورا اقعدي. الأكل لسه سخن. في بيتنا مفيش حد بيبات من غير عشا، مهما كانت الظروف.”
عثمان بيه مرفعش عينه من طبق الشوربة اللي قدامه، بس صوته الأجش والعميق طلع فجأة وهز القاعة: “سيبوها تقعد.. دي مابقتش ضيفة، دي بقت صاحبة بيت.. ولا إيه يا سيف؟”
سيف وشه اتقلب للحظة، بس سرعان ما رسم الابتسامة الباردة تاني: “طبعاً يا جدي.. صاحبة بيت، لحد ما نشوف الأيام هترسينا على إيه.”
قعدت نورا على كرسي في مواجهة سيف بالظبط. الويترز قدموا لها الأكل، بس هي ملمستش حاجة. كانت حاسة إن كل لقمة في البيت ده ممكن تكون مسمومة أو متقاسة بميزان الندالة.
“شوقي الممرض قالي إنك غيرتي نظام المحاليل بتاعة أدهم،” شهيرة هانم قالتها فجأة وهي بتمسح بوقها بمنديل حرير. عينين الست دي كانت دايماً مليانة شكوك، كأنها بتدور على مصيبة مستخبية ورا كل كلمة. “أنتِ مجرد صيدلانية يا نورا، وأدهم حالته بيتابعها أكبر دكاترة في أوروبا. مش مسموح لك تتصرفي من دماغك.”
نورا بصت لشهيرة هانم بكل ثبات: “يا فندم، أنا مش بتصرف من دماغي. أنا شفت الجرعات اللي بياخدها، وحسيت إن فيه تضارب بين الأدوية الألمانية والأدوية اللي مكتوبة هنا في مصر. أدهم بيه جوزي دلوقتي، وأي غلطة في جرعة زيادة ممكن تدخله في هبوط حاد في الدورة الدموية. أنا بحميه.. وبحمي العيلة من أي إهمال.”
سيف سخر بصوت مسموع: “بتحميه؟ واخدة الموضوع جد أوي يا بنت الوالي! تفتكري لو أدهم فاق -وده مستحيل طبياً- هيبص في وشك أصلاً؟ أدهم الحديدي مكانش بيبص غير لبنات الوزراء ورجال الأعمال، مش لواحدة أهلها باعوها عشان شيكات من غير رصيد.”
الكلام كان زي الس*كين، بس نورا منزلتش عينيها من عين سيف. “أدهم بيه أنقذ حياتي زمان قبل ما يعرف أنا بنت مين يا سيف بيه. الراجل اللي يعمل كده وهو في كامل صحته، يبين إنه بيبص للي جوة البني آدم، مش لدفتر شيكاته. والظاهر إنك أنت اللي مش قادراستوعب إن أخوك لسه له هيبة، حتى وهو نايم على سريره.”
عثمان بيه خبط عصايته الأبنوس في الأرض خبطة قوية عملت صدى صوت في الصالة كلها. الكل سكت فوراً.
الجد رفع عينه وبص لنورا بنظرة فاحصة، وكأن أول مرة يشوفها بجد. “بتقولي أنقذك؟ فين وأمتى؟”
نورا بلعت ريقها، وحست إنها فتحت باب مكنش لازم تفتحه دلوقتي، بس مكنش ينفع تراجع: “من سبع شهور يا عثمان بيه.. في طنطا. كان فيه بلطجية طلعوا عليا بالليل بعد نبطشية الصيدلية، وأدهم بيه ظهر فجأة بعربيته وأنقذني منهم. أنا مكنتش أعرف هو مين وقتها، بس لما شفت وشه النهاردة على السرير.. عرفته فوراً. وعرفت إن ربنا جمعني بيه تاني عشان سبب.”
شهيرة هانم اتنفست بضيق وبصت لسيف اللي ملامحه اتصلبت تماماً. سيف مكنش يعرف التفصيلة دي، والظاهر إن الكلام ده ضايقه أو خاف من حاجة تانية مستخبية في الماضي.
عثمان بيه سكت لثواني، بعدين ابتسم ابتسامة غامضة: “أدهم طول عمره راجل.. ومبيسبش حقه، ولا حق حد ضعيف لجا له. عشان كده أنا وافقت على الجوازة دي يا نورا. مش عشان سواد عيون أهل بالتبني، بس عشان كنت عايز حد غريب عن العيلة.. حد ملوش مصلحة في إن أدهم يفضل نايم.. حد يكون عينيا جوة الأوضة دي.”
الكلمات دي نزلت على سيف زي الصاعقة. سيف وقف فجأة من على السفرة، ورمى الفوطة بغضب: “عن إذنكم.. شهيتي اتسدت.” ومشي بسرعة برة القاعة وصوت خطواته كان كله غل.
بعد العشا، نورا طلعت تاني على أوضة أدهم. كانت حاسة إن القصر ده عبارة عن حقل ألغام، وأي خطوة غلط هتطير رقبتها ورقبة أدهم مع بعض.
دخلت الأوضة وقفلت الباب بالمفتاح من جوة. راحت قعدت جنب أدهم ومسكت إيده تاني. “الجد عثمان بيه شكله عارف إن فيه لعبة بتتلعب، بس مش قادر يثبتها.. أو خايف من سيف.”
وهي بتتكلم، خدت بالها إن شاشة المونيتور بدأت ترعش بشكل غريب، وضربات القلب الحقيقية بتاعة أدهم بدأت تزيد تاني.
فجأة، نورا سمعت صوت همس خفيف جداً، مش جاي من برة الأوضة.. جاي من السرير نفسه!
صوت متحشرج، ضعيف كأنه طالع من بئر غريق، بس كان واضح جداً: “المحفظة… المحفظة بتاعتي… في المكتب السفلي… الورق… الورق يا نورا…”
نورا جسمها كله قشعر. بصت لوش أدهم، شفايفه كانت بتحاول تتحرك بحركات لا تذكر، وعينيه كانت بتتحرك ورا الجفون المقفولة بجنون.
“أدهم!” نورا همست بصوت مخنوق وهي بتميل عليه. “أنا سامعاك.. محفظتك فين؟”
“المكتب… ورا… ورا اللوحة… سيف… سيف اللي… ق*تلني…” الصوت اختفى تماماً، ورجع ريتم النبض يهدا تاني، وكأن الطاقة اللي استخدمها عشان ينطق الكلمتين دول خلصت ورمته في عمق السكون من تاني.
نورا وقفت، وقلبها بيدق زي الطبلة. “سيف اللي ق*تلني؟ يعني الحادثة مكنتش حادثة.. دي كانت محاولة ق*تل!”
وعرفت نورا إن مهمتها دلوقتي مابقتش بس إنها تحميه من الحقن، دي بقت لازم تنزل لمكتب أدهم في الدور الأرضي في وسط الليل، وتجيب الورق اللي سيف مستعد يق*تل عشان يخفيه!
## الفصل الرابع: ليلة كشف الأقنعة
الليل خيّم على الزمالك، وصوت المطر بقى عامل زي السكاكين اللي بتخبط في إزاز الشبابيك. القصر كان ساكت سكتة تقبض القلب، كأن الحيطان نفسها كاتمة نفسها ومستنية الانفجار.
نورا فضلت واقفة في وسط أوضة أدهم لعدة دقايق، عينيها عمالة تروح وتيجي بين وشه الشاحن الثابت وبين الباب المقفول. كلامه المتحشرج لسه بيرن في ودنها زي جرس الإنذار: *”المكتب… ورا اللوحة… سيف اللي ق*تلني…”*
الخوف كان عايز يشل حركتها، بس صورة جدتها “أبلة رتيبة” وهي في دار الرعاية، وصورة أدهم وهو بينقذها في ضلمة طنطا زمان، عطوها قوة مكنتش تعرف إنها تملكها. قلعت فستان الفرح الأبيض اللي كان خانق حركتها، ولبست فستان أسود بسيط كانت جايباه معاها في شنطتها الصغيرة. سحبت نفس عميق، وفتحت الباب براحة أوي.
الممر الطويل كان ضلمة، والنجف الكريستال مطفي. نورا مشيت على طراطيف صوابعها، نزلت السلم الرخام وهي بتلتفت وراها كل خطوة. قصر الحديدي في الوقت ده من الليل كان شبه المقبرة، بس مقبرة مليانة أسرار بتتنفس.
وصلت للدور الأرضي، ومشت ناحية الممر المؤدي للمكتب الخاص بأدهم. الباب الخشب الكبير كان مقفول، بس حظها إن القفل مكنش متكتف بالمفتاح، الظاهر إن شوقي أو سيف كانوا بيدخلوا ويخرجوا كتير الفترة اللي فاتت. زقت الباب براحة ودخلت، وقفلته وراها فوراً.
المكتب كان واسع جداً، ريحته ورق قديم وخشب أرو وسجاير غالية. نورا طلعت كشاف تليفونها ووطت الإضاءة بتاعته لأقل درجة، وبدأت تدور بعينيها على اللوحة اللي أدهم قال عليها. الحيطة اللي ورا مكتبه الضخم كانت مليانة لوحات زيتية عتيقة لمركب في البحر وسفن شحن قديمة تليق بعيلة شغالة في الملاحة.
قربت من اللوحات، وبدأت تحركهم واحدة واحدة بإيدين بترتعش. اللوحة الأولى.. مفيش حاجة. اللوحة التانية.. حيطة مصمتة. لحد ما وصلت للوحة تالتة كبيرة بتمثل بورتيريه قديم لعثمان بيه الحديدي وهو شاب. نورا حطت إيدها ورا برواز اللوحة وزقته.. البرواز اتميل معاها وظهر وراه تجويف صغير في الحيطة، “خزنة حديدية ديجيتال”!
نورا حست بالإحباط صدمها. “خزنة؟ طب وأنا هعرف الرقم السر إزاي دلوقتي؟”
افتكرت كلام أدهم: *”المحفظة… المحفظة بتاعتي…”*
بدأت تدور في درج المكتب الرئيسي. الأدراج كانت مترتبة بعناية شديدة، فتحت الدرج السري السفلي، ولقيت محفظة جلد سودا عريضة، باين عليها إنها المحفظة الشخصية اللي كانت معاه يوم الحادثة. فتحتها بلهفة.. مكنش فيها فلوس، بس كان فيها كروت فيزا، ورخصة القيادة بتاعته، وكارت صغير مكتوب عليه بخط إيده: “تاريخ تأسيس أول شركة – 1402”.
“1402؟” نورا فكرت بسرعة. “دا مش تاريخ ميلاده.. دا ممكن يكون الباسورد!”
راحت للخزنة وبدأت تضغط على الأزرار برعب، كل زرار بيعمل صوت “تيك” خفيف كان بيموتها من الخوف. كتبت: 1.. 4.. 0.. 2.. وضغطت على زرار الإدخال.
*تِك.. تِك.. فِشّشّ.*
الخزنة انفتحت!
نورا مكنتش مصدقة نفسها. مدت إيدها جوة وسحبت ملف جلدي كحلي سميك، وجنبه فلاشة صغيرة (USB). فتحت الملف تحت ضوء التليفون، وعينيها وسعت من الصدمة وهي بتقرا العناوين: **”تقرير فحص فرامل السيارة – تلاعب متعمد”**، وجنبه ورق رسمي بتنازل عن أسهم لشركات وهمية باسم سيف الحديدي، وتقارير طبية قديمة بتثبت إن سيف كان بيسحب فلوس من حسابات الشركة باسم دكاترة مزيفين.
الحادثة مكنتش قضاء وقدر. أدهم كان كاشف سرقة سيف وتزويره، وفي الليلة اللي واجهه فيها، سيف بعت حد يلعب في فرامل عربية أدهم على طريق الساحل. ولما أدهم منجاش ومماتش ودخل في الغيبوبة، سيف كمل اللعبة بالحقن المسمومة عشان يضمن إن أدهم ميفوقش يفتحه الحساب القديم!
“لقيتك يا شاطرة.”
الصوت طلع فجأة من ضلمة المكتب زي فحيح الأفعى.
نورا اتنفضت من مكانها، الملف وقع من إيدها على الأرض، ولفت وشها برعب.
سيف كان واقف عند باب المكتب، ساند ضهره على الإطار، وفي إيده مس*دس صغير أسود بيلمع تحت ضوء المطر اللي جاي من الشباك. وعلى وشه كانت نفس الابتسامة المريضة، بس المرة دي عينه كانت مليانة غدر صريح.
“كنت عارف إن عيونك واسعة وبتبص في حتت مش بتاعتك، بس مكنتش فاكرك بالذكاء ده،” سيف قالها وهو بيخطو لجوة الأوضة بكل برود، ويقفل الباب وراه برجليه. “دخلتي صيدلة وطلعتي بتعرفي تقري النبض.. ودخلتي المكتب وفتحتي الخزنة.. برافو يا نورا. بس لأسف، الذكاء الزيادة في القصر ده بيموّت.”
نورا حاولت تتماسك، رجعت لورا لحد ما ضهرها خبط في المكتب، وخبّت الفلاشة في كف إيدها ورا ضهرها. “أنت اللي عملت فيه كده يا سيف.. أنت اللي حاولت تق*تل أخوك عشان الفلوس والشركات؟”
سيف ضحك بصوت واطي ومقرف: “أخويا؟ أدهم طول عمره واخد كل حاجة. الحب من جدي، الاحترام من السوق، النصيب الأكبر في الشركات. وأنا؟ أنا كنت دايماً ‘الأخ الصغير الصايع’ اللي بياخد الفضلات. لما كشفت سرقاتي مكنش عايز يسامحني، كان عايز يرميني في السجن ويحرمني من كل مليم. فكان لازم يتشال من السكة.”
قرب سيف أكتر، ورفع الم/سدس وشاور بيه على راس نورا: “والأجمل بقى، إن شوقي الممرض قالي إنك وقفتي الجرعة. يعني أدهم كان ممكن يفوق. تخيلي الصدفة؟ العروسة الجديدة تدخل تسرق الخزنة، ولما سيف بيه يكشفها، تضرب نار عليه، فالم*سدس يخرج منه طلقة في صدرها.. ويموت السر معاكي، وأدهم ياخد جرعته بالليل وهو ساكت ونخلص من الصداع ده كله.”
نورا قلبها كان هيقف، سيف كان ناوي يق*تلها ويلبسها قض*ية سرقة. “جَدك عثمان بيه مش هيصدقك.. هو عارف إنك ورا الموضوع!”
“جدي راجل عجوز برجل واحدة في القبر، كلمتي هتبقى أقوى من ظنونه،” سيف قالها وهو بيسحب أجزاء الطبنجة.. الصوت كان كفيل ينهي كل حاجة. “وداعاً يا عروسة أخويا.”
وقبل ما صباع سيف يضغط على الزناد، الباب الخشب بتاع المكتب اترزع روعة هزت الحوائط!
“نزل المس*دس ده يا كلب!”
الصوت الأجش المرعب كان بتاع عثمان بيه الحديدي. الجد كان واقف على الباب، ساند على عصايته، ووراه اتنين من حراس القصر الأشداء، وفي إيد الجد التانية كان فيه طبنجة قديمة من أيام ما كان في الجيش. عينين العجوز كانت بتطلع شرار، ووشه كان أحمر من كتر الغضب.
سيف اتمهر في مكانه، المس*دس اتهز في إيده وبص لجده بذهول: “جدي! أنت.. أنت إيه اللي جابك هنا؟ البنت دي حرامية.. كانت بتسرق أوراق أدهم من الخزنة!”
نورا صرخت بقوة: “أنا مكنتش بسرقه يا عثمان بيه! أنا كنت بجيب الدليل اللي يثبت إن الحادثة بفعل فاعل.. سيف هو اللي بوظ فرامل عربية أدهم، وهو اللي بيدي له حقن مسمومة مع شوق الممرض عشان يفضل في غيبوبة!”
عثمان بيه خطى خطوة لجوة الأوضة، والحراس بتوعه هجموا على سيف في ثانية، لووا دراعه وخدوا منه المس*دس وركعوه على الأرض. سيف قعد يصرخ: “أنت بتصدق الشغالة دي يا جدي؟ دي بنت الوالي! دي نصابة!”
الجد قرب من سيف وبص له بقرف، ورفع عصايته الأبنوس ونزل بيها بكل قوته على وش سيف.. خبطة خلت الدم يسيل من بوقه. “أنا مصدق عيني يا ابن الكلب! أنا بقالي شهور شاكك فيك، وعارف إنك ورا الحادثة بس مكنش عندي الدليل.. وعشان كده جوزت نورا لأدهم. كنت عارف إن أهلها بايعينها، بس شفت في عين البنت دي نظرة نظيفة.. نظرة ست هتحمي جوزها. شفتها وهي بتراجع الأدوية وعرفت إنها الخيط اللي هيوصلني لرقبتك!”
التفت عثمان بيه لنورا ونبرته بقت أهدى بس مليانة حزن: “هاتي الورق اللي في إيدك يا بنتي.”
نورا لمت الورق من الأرض وسلمته له مع الفلاشة. الجد مسكهم وإيده بترحف، وبص لسيف اللي كان بيبكي على الأرض زي الفئران المبلولة: “الحرس هياخدوك على المخزن السفلي.. والصبح، النيابة والشرطة هتوصل هنا. مش هسيبك تفلت بعاملك دي يا سيف.. أنت مأنتش حفيد عثمان الحديدي.. أنت عار!”
الحراس شدوا سيف برة الأوضة وهو بيصرخ ويشتم، وصوته بدأ يختفي في طرقة القصر الضلمة.
الأوضة فضيت، ومبقاش فيه غير عثمان بيه ونورا. الجد قعد على الكرسي الخشب ودفن وشه بين إيديه، راجل هزمته السنين وأفعال عيلته. نورا قربت منه براحة: “عثمان بيه.. أدهم كلمني.”
الجد رفع راسه بسرعة، وعينيه وسعت: “بتقولي إيه؟ أدهم فاق؟”
“مش فاق كامل، بس عقله واعي.. هو اللي قالي على مكان الخزنة والورق. شوقي الممرض كان بيديله مادة بتشل حركته ونطقه. أنا وقفت المحلول من كام ساعة، وجسمه بدأ يتخلص من السموم. لازم نطلع له فوراً ونطلب دكاترة موثوق فيهم يطهروا دمه.”
الجد وقف على رجليه بلهفة مكنتش باينة فيه من سنين: “يلا يا بنتي.. يلا نلحق ابني.”
طلعوا هما الاتنين جري على أوضة أدهم. نورا فتحت الباب، ودخلت بسرعة تتابع حالته. أول ما دخلت، لقيت الأوضة ريحتها مطهر طبيعي، والمونيتور كان لسه شغال بريتم طبيعي.
بس المفاجأة كانت مستنياهم على السرير.
أدهم الحديدي مكنش غايب في السرير زي كل مرة.. جفون عينيه كانت مفتوحة نص فتحة! عينيه السودا الواسعة كانت بتتحرك في الأوضة، وأول ما نورا دخلت، عينيه ثبتت عليها.
نورا دموعها نزلت من الفرحة، جريت وقعدت على ركبها جنب السرير ومسكت إيده. “أدهم.. أنت سامعني؟ سيف خلاص مشي.. وجدك هنا.”
أدهم حاول يضغط على إيدها، والمرة دي الضغطة كانت أقوى بكتير من المرة الأولى. شفايفه اتهزت، وصوته طلع بس المرة دي كان أوضح، فيه بحة رجولية قوية تهز النفس: “نورا…”
عثمان بيه جرى عليه وعصايته وقعت من إيده، وترمى على صدر حفيظه وهو بيبكي: “أدهم يا حبيبي.. حمد الله على السلامة يا ابني.. حمد الله على السلامة.”
أدهم بص لجده ونزل دمعه خفيفة من عينه، بعدين لف وشه وبص لنورا اللي كانت واقفة بتمسح دموعها. حاول يتكلم وراسه اتهزت خفيف: “أنا.. أنا سمعت كل حاجة.. سمعت كلامك.. ووعيدك ليا. أنتِ.. أنتِ حميتي حياتي.”
نورا ابتسمت وسط دموعها: “أنت أنقذتني زمان يا أدهم.. ومكنش ينفع أسيبك وأنت محتاج لي.”
أدهم مسك إيدها ورفعها لحد شفايفه وباسها براحة أوي، نظرة عينيه كانت بتقول كلام كتير أوي مفيش أي لغة تقدر توصفه.. نظرة راجل لقى طوق النجاة بتاعه في وسط بحر من الغدر.
## بعد مرور شهرين
الشمس كانت منورة سما الزمالك، والنيل كان هادي وبيلمع زي الفضة. في جنينة قصر الحديدي، كانت نورا قاعدة على الكرسي الهزاز ولابسة فستان رقيق وجميل، وبتشرب قهوتها وهي بتبص على الجريدة الرسمية اللي مكتوب في صفحتها الأولى: **”إحالة سيف الحديدي وممرضه الخاص للجنايات بتهمة محاولة الق*تل العمد والتزوير”**.
أهلي بالتبني، عيلة الوالي، اتفضحوا في السوق كله بعد ما عثمان بيه سحب منهم كل الدعم المالي، ولارا وأبوها بقوا بيدوروا على طريقة يسددوا بيها ديونهم بعد ما خسروا البيعة والشروة. أما “أبلة رتيبة”، جدة نورا، فتنقلت لأكبر وأحسن مستشفى خاص في مصر على نفقة عيلة الحديدي، ونورا بقت بتزورها كل يوم وهي مطمنة إن محدش يقدر يلوي دراعها تاني.
“بتفكري في إيه يا مدام أدهم؟”
الصوت العميق الدافئ جه من وراها. لفت نورا وشها وشافت أدهم واقف على رجليه، ساند على عكاز طبي خفيف، وشه رجعت له صحته ونضارته، وابتسامته الجذابة اللي كانت بتجنن مجلات البيزنس بقت منورة وشه.
نورا وقفت وقربت منه وسندته من دراعه بحب: “بفكر في إن الدنيا دي غريبة أوي.. ساعات بترميك في وسط الضلمة عشان تكتشف إن النور كان مستنيك في أكتر حتة مكنتش تتوقعها.”
أدهم لف دراعه حوالين وسطها وشدها ليه، وبص في عينيها بحنان: “أنا عشت أربع شهور في ضلمة كاملة يا نورا، كنت سامع وشايف غدر أقرب الناس ليا ومكنتش قادر أصرخ. بس الليلة اللي دخلتي فيها الأوضة دي بالفستان الأبيض، ريحتك.. وصوتك.. ونبض قلبك الخايف عليا، هما اللي صحوني. أنا مصحيتش بالدواء.. أنا صحيت بيكي.”
نورا حطت راسها على صدره، وسِمعت دقات قلبه القوية المنتظمة.. الدقات اللي كشفت الكدبة زمان، والنهاردة بتعلن بداية حياة جديدة، حياة حقيقية مبنية على الحب والحماية، مش على الصفقات والبيع والشراء.
**تمت الرواية بحمد الله**


تعليقات
إرسال تعليق