رواية صك الغفران الفصل التاسع والعاشر بقلم الكاتبه فريده الحلواني حصريه
رواية صك الغفران الفصل التاسع والعاشر بقلم الكاتبه فريده الحلواني حصريه
صباحك بيضحك يا قلب فريده
لم يعلم كيف ترك عمله فجأة...
كيف انهى طريقه إليها بحجه الذهاب لصديقه كما وعد
كان هناك صوت واحد يسيطر عليه.....يجب أن يعرف كل شيء
من الذي تجرّأ وتحدّث عنها....من الذي شوّه صورتها أمام الناس....وهل تلك الأحاديث حقيقة...
أم أكاذيب أُلقيت على حبيبته القديمة بلا رحمة
أما هي...كانت تجلس شاردة تجمع أفكارها المبعثرة....تُرتّب أوراق حياتها كما تٌرتّب قلبًا انكسر مرات لا تُحصى
تحاول أن تخطو بخطى ثابتة نحو الأيام القادمة.....لكن شيئًا داخلها كان عنيدًا يجبرها على التفكير فيه....في حبيبها القديم
في ردّة فعله لو علم بما يحدث لها
هو صديق شريف...وهي متأكدة أنه لن ينقطع عن المجيء إلى هنا بعد أن يعلم بوجودها
وهذا ما أخافها... وما طمأن قلبها الخائن في آنٍ واحد
وضعت يدها فوق قلبها الذي يخفق بشده كأنها تحاول إسكات نبضٍ يفضحها ثم همست لنفسها
اهدي يا آسيا...
يعرف أو ميعرفش... هتفرق إيه معاكي....يولّع
قالتها بتحدٍ ظاهري...لكن عينيها خانتهَا
تنهدت بعمق...ثم شردت داخلها تقول بصوتٍ لا يسمعه أحد سواها
تلك الساعة التي تدور عقاربها ليمُر الزمن علي الجميع ..... إلا انا.....ما زلت اقف عند العاشرة ليلا منذ عشرون عاما
لم يتحرك رغم مرور تلك السنوات
لما......لأن ذاك العقرب غُرز داخل قلبي و لم استطع إخراجه فتوقف حينها ..... و ما زال جرحه ينزف ألماً و وجعً
كان الصمت يملأ المكان...
صمت ثقيل كأن الهواء نفسه توقف عن التنفّس..... ما زالت جالسة عيناها شاردتان في نقطة مجهولة وقلبها يدق بإيقاعٍ مضطرب... كأنه يشعر بما سيأتي قبل أن يحدث
وفجأة......صوت الباب....لم يكن عاليًا...
لكن صداه ضرب صدرها بعنف
التفتت ببطء...وبمجرد أن وقع بصرها عليه تجمّد الزمن
هو.....نفس الملامح...
نفس الحضور الذي لا يُخطئه القلب حتى بعد عشرين عامًا
لكن بعينين أقسى... وأبرد... كأنهما سيوف مصقولة
وقفت ببطء...
تحاول أن تُخفي رجفة أصابعها و هي تقول بصوت حاولت إخراجه ثابت و مهني
أدم بيه ....استاذ شريف لسه خارج حالاً ...جاله مشوار مُهم
خرجت الكلمات منها مشوهه بين صدمةٍ وفرحٍ خافتٍ لم تسمح له بالظهور....جزء صغير اعتقد انه اتي كي يطمان عليها أو يراها بعد ان ارهقه الاشتياق
لم يتحدث فورًا....أغلق الباب خلفه بهدوء مقصود.....تقدم خطوتين ثم توقف
مسافة قصيرة...لكنها بدت لهما كعشرين عامًا كاملة
رفع عينيه إليها....نظرة طويلة...قارئة... حادة... موجعة مليئة بالاتهام
ثم قال بصوت منخفض لكنه ثابت
واضح إنك لسه عايشة....فكرت انك هتنهاري بعد الكلام الزباله اللي اتقال عليكي ....و لاَ انتي متعوده عليه من زمن فات مبقاش فارق معاكي
كلماته كانت قاسيه... اخترقت صدرها كنصل بارد
ابتلعت ريقها...ثم رفعت ذقنها بعنادها القديم
مَهو عشان كلام زباله اكيد خرج من ناس زباله برضو ....و اللي صدقهم يبقي اوسخ منهم
اكملت بكبرياء و تحدي و قد قررت تغيير مجري الحديث حتي لا تنفجر به
واضح إنك لسه بتدخل من غير استئذان
فهم ما تقصده دون أي مجهود .... ابتسم بجانب فمه....اقترب خطوة أخرى....صوت حذائه على الأرض كان منتظمًا...كأنه عدّ تنازلي لشيء خطير ثم قال بنبره خرجت من الجحيم
مَتعودتش أستأذن علشان أشوفك
ارتعشت أنفاسها...لكنها تماسكت
ومن امتى ليك حق تشوفني أصلًا....اعتقد ان حقك ده ضاع من زمان
صمت.....نظرة واحدة منه كانت كافية لتقول....الحق عمره ماضاع
اقترب حتى وقف أمامها تمامًا
قريب...قريب جدًا حد الهلاك
اقترب لدرجه ان صارت أنفاسهما تختلط ثم همس بصوتٍ خشن
من يوم ما قلبي وقف عندك ومتحركش تاني
وفي تلك اللحظة...كانت الحرب قد بدأت فعلًا
سالته بقوه تخفي ضعفها بعد سماع تلك الكلمات
جاي ليه .... صوتها خرج بقوه و عيناها لم تهتز
عكس عيناه التي امتلأت بالحنين .... باعتراف و اعتذار بندم يملأه التجبر الذي اعتاد عليه
كان رده مثل النصل الحاد الذي مر فوق جيدها كي ينحره للمرة التي لم تعد تعلم عددها
جاي اخد حقي منك ... حق قلبي اللي ضاع مني من عشرين سنه ... حق العذاب اللي عيشته بسببك حق حياتي اللي معرفتش اعشها
حق سنين عمري اللي ضاعت و انا بجبِر روحي انها تبعد عنك
تلك الصدمة التي ملأت ملامحها ... لم تمنعها من الرد بقوه حين صرخت بجنون
يا بجاحتك يا اخي ... انت مصدق نفسك بجد ....كده هشتم و انت عارف ان لساني مفيش اطول منه....حق ايه و قلب ايه ....انت لسه عايش في الوهم ده و جاي تحاسبني عليه
ابتسم ابتسامه جعلتها ترتعش خوفا ....اقترب خطوة... ثم أخرى.....كل خطوة منه كانت تدق فوق أعصابها كطبول حرب قديمة تعود من جديد
تراجعت نصف خطوة...ليس خوفًا منه...بل خوفًا من نفسها
من الذكريات التي بدأت تصرخ داخلها
وقف أمامها تمامًا....نفس الطول... نفس الهيبة...
لكن بعينين لم تعرف الرحمة يومًا
قال بهدوء مخيف
- عشرين سنة...عشرين سنة وأنا كل يوم بصحى بنفس النار اللي ولعتيها جوايا...إنتِي فاكره إنك خرجتي من حياتي
لااااااا يا آسيا...إنتِي خرجتي من حضني...لكن عمرك ما خرجتي من عقلي
ابتلعت ريقها بصعوبة...
ورغم ذلك رفعت ذقنها بعنادها القديم
ده شيء يخصك انت مَليش علاقه بيه .....خلّص كلامك يا آدم علشان لو فاكر إنك هترجع تكسرني تاني...تبقى بتحلم
ضحك ضحكة قصيرة... بلا دفء....ضحكة رجل اتخذ قراره منذ زمن
أنا مش جاي أكسرك...
إنتِي أصلًا اتكسرتي من زمان....أنا جاي أكمّل اللي بدأناه.....وجاي أرجّع حقي...
ولو الطريق ليه إنك تتوجعي زي ما وجعتيني...فأنا مستعد و جداااااا كمان
اتسعت عيناها بصدمه لكن صوتها خرج ثابتًا
جرّب.....جرّب تقرب مني او تفكر بس تتعدي حدودك معايا و شوف انا هعمل ايه ......بس افتكر...اللي عاش طول عمره في وجع... مش بيخاف منه و لا بقي يحس اصلا
نظر لها طويلًا...ثم مال على أذنها وصوته خرج هامسًا كقسم مظلم
الحرب بينا بدأت يا آسيا...
والمرة دي... مفيش حد فينا هيطلع سليم
تركها واقفة...بين ماضي ينزف...ومستقبلٍ يفتح أبوابه على انتقامٍ لا عودة منه
خرج من المكان دون أن يلتفت
لكن في صدره... كانت العاصفة تكسّر أضلعه
أغلق باب سيارته بعنف.... جلس خلف المقود...وللحظة طويلة لم يتحرك
يداه فوق عجلة القيادة تشدّ حتى ابيضّت مفاصله
أنفاسه بطيئة ... لكنها تحمل نيرانًا لا تُرى
رفع عينيه إلى المرآة الأمامية
نظر لصورته...ولم يرَ الرجل الذي أصبحه
بل الشاب الذي وقف يومًا على بابها مذبوح
ابتسم بسخرية لنفسه ثم همس
عشرين سنة يا آدم...لسه بتوجعك....لسه شايفها قدامك ...صورتها مراحتش من جواك
ضرب المقود بقبضته مرة واحدة.....صوت مكتوم... لكنه كافٍ ليكسر صمته
أخرج سيجارة.....أشعلها... وسحب نفسًا طويلًا
خرج الدخان من فمه كثيفًا...
كأنه يطرد به شبحها من صدره
لكنها لم تخرج
كانت في كل زفير...في كل نبضة....أغمض عينيه حينما جاءه صوتها القديم.....ضحكتها... نظرتها
ثم صورتها الآن... ثابتة... متحدّية....قويه ...متبجحه
فتح عينيه فجأة نظرة رجل حسم أمره
- إنتِي اللي اخترتي يا آسيا
خونتيني... و اجبرتيني أعيش بنص قلب....دلوقت دوري آخد الباقي من عمرك و قلبك
أدار المحرك....صوت السيارة انطلق...ومعه انطلقت حرب لا رجوع عنها
في داخله وعد واحد فقط
مش هسيبك تتهني بيوم واحد... قبل ما أحس إن قلبي ارتاح
قاد السيارة بلا وجهة واضحة في البداية...كأن الطريق وحده يفهم إلى أين يأخذه
توقف أمام مبنى شاهق زجاجه يعكس أضواء الباردة
هبط بهيبه ....عدّل ياقة قميصه واستعاد ملامحه الهادئة...ذلك الهدوء الذي يخفي أسوأ النوايا
دلف إلى الداخل بخطوات ثابتة... لا تردد فيها
ألقى تحية مقتضبة على موظف الاستقبال ثم صعد إلى الطابق الأخير
مكتب واسع و ايضا فاخر ....رجل يجلس خلف المكتب يرفع رأسه بدهشة حين رآه
- آدم....إيه اللي جابك في الوقت ده....في حاجه اكيد
اقترب آدم حتى وقف أمامه تمامًا.....لم يجلس.....لم يبتسم
- محتاجك في شغلانة خاصة
تبدلت ملامح الرجل... عرف نبرة الصوت.....تلك النبرة التي لا تُقال عبثًا
- نوعها إيه؟
أخرج آدم ورقة صغيرة من جيبه...وضعها على المكتب
اسم واحد فقط.....آسيا ...
رفع حاجبيه بدهشة ثم قال بعدم تصديق
حبيبتك
رد آدم بهدوء بارد رغم اشتعال قلبه
- مش حبيبتي...
دي الحرب اللي مخلصتش
سحب ناجي نفسًا طويلًا ثم قال بحذر
- وإنت عايز توصل لإيه.....عايز منها ايه يا ادم بعد العُمر ده كله
انحنى آدم قليلًا...صوته خرج منخفضًا... واضحًا... قاتلًا
- عايز أعرف عنها كل حاجة.....كل خطوة.....كل نفس.....مين حواليها...
بتخاف من إيه...مين بيهددها
ثم اعتدل وأضاف
- أول ما أعرف الحقيقه ....مش هرحمها
صمت قصير...ثم ابتسم ناجي ابتسامة جانبية و قال
- واضح إنك داخل حرب طويلة
ابتسم آدم لأول مرة...ابتسامة لا حياة فيها
- أنا عايش في الحرب دي من عشرين سنة
استدار وخرج...ووراءه باب يُغلق ليعلن رسميًا
الانتقام بدأ.....او هكذا ظن هذا المختل الذي يعلم في قراره نفسه أنه يكذب ...بل أصبح محترف فالكذب
لم تعلم كيف مرّ عليها اليوم داخل الشركة
كانت تؤدي عملها بآلية ...بعقلٍ حاضر وجسدٍ غائب
بينما قلبها يقف على حافة انتظارٍ مؤلم.....مقابله ادم و ما قاله لم تكن هينه عليها
لكنها قررت أن تؤجل التفكير فيها بعد أن تنتهي من الكارثة الأكبر بالنسبة لها
كانت تعدّ الدقائق...تنتظر بفارغ الصبر انتهاء الدوام
ففي الأسفل كان ريان ينتظرها منذ نصف ساعة وقلقه يسيطر عليه
خرجت أخيرًا و التقت به بصحبة أمير
قبل أن يتحدّث... وقبل أن يفضحه القلق المرتسم على ملامحه...قالت هي بهدوءٍ ظاهري يخفي عاصفة كاملة
تعالوا نقعد ونتكلم في أي مكان...اللي هقوله مش هينفع لا في البيت ولا قدام الولاد
تغيّرت ملامح ريان فورًا....عيناه اتسعتا بتوجّسٍ و خوف من القادم
في إيه يا خالتي....طريقتك بتقول إن في مصيبة.....لو اللي في بالي طلع صح أنا هطربق الدنيا على اللي فيها
تدخّل أمير سريعًا، بصوتٍ هادئ محاولًا امتصاص الانفجار قبل وقوعه
اهدى ياريان....أكيد خالتك كلمتك علشان عارفة إنك عاقل و بتوزن الأمور
مش علشان تهد الدنيا فوق دماغنا.....يلا بينا... نقعد في أي مكان ونتكلم بالعقل
نظرت آسيا إليهما... رجلٍ يحمل غضبها....ورجلٍ يحاول إنقاذ ما تبقّى من هدوئها
أدركت أن ما ستقوله بعد دقائق...سيغيّر كل شيء لكنها مضطرة لذلك
جلسوا في ركنٍ هادئ من مقهى صغير و رغم هدوءه كان التوتر يجعله صاخبا
وضعت آسيا حقيبتها على الطاولة.....أخذت نفسًا طويلًا...ثم رفعت عينيها إلى ريان و قالت بحرص شديد
قبل ما أقول أي حاجة...عايزاك تسمعني للآخر من غير ما تقاطعني...ومن غير ما تتعصب قبل ما تفهم
عقد ريان حاجبيه لكنه أومأ بصمت....أما أمير، فجلس مستقيمًا مستعدًا للإعصار الذي سيحدثه هذا الهمجي بعد لحظات
بدأت آسيا بصوتٍ ثابت...لكنه يحمل ارتجاف قلبٍ يتحدّى الانكسار
إسلام...هددني
اتسعت عينا ريان و كاد ان يتحدث لكنها رفعت يدها بسرعة تمنعه من التفوه بحرف واحد
استنى....افهم الاول قبل ما تقول لي حاجه
هددني إن لو ملغتش كتب الكتاب هيشوه سمعتي و هيقولك للناس كلام يشكك في شرفي
لم تقوي علي اخباره بأمر تلك الصورة الإباحية حتي لا يثور اكثر و يذهب لقتله
شهقة مكتومة خرجت من ريان....قبضته انغلقت بعنف فوق الطاولة
أما أمير... فظل ساكنًا....عيناه فقط تغيّرت... كأنهما تسجّلان كل كلمة بدقة
أكملت آسيا والوجع يخرج من بين حروفها
وفعلاً...ابتدى....في كلام بيتقال عني جوه الشركه
نظرات الناس حواليا اتغيرت
وأنا...مش خايفه على نفسي قد مابخاف على بنتي و اخواتها
هنا لم تستطع منع دمعة واحدة...لكنها مسحتها فورًا بعزة ثم اكملت
علشان كده...لازم أطلب منك طلب تقيل عليا وعليك
نظر ريان إليها وصوته خرج متحشرج بسبب كتمه لغضبه و توقع هذا الطلب
قولي...ولو في إيدي حاجة... هعملها
تنهدت آسيا...كأنها تبتلع كرامتها لتُنقذ ابنتها
أجّل كتب كتابك على آيات
ساد الصمت كأن الزمن نفسه توقف لثانية كاملة
ريان نظر لها بصدمه و عدم تصديق
نععععم...ليه ان شاء الله هو انتي مش شيفانا رجاله و نقدر نحميكي و لا ايه....آيات مالها بكل ده.....ليه مصمم يدمرها و يبعدها عني ....هي مش بنته ابن الكلب ده
ردّت آسيا بهدوء موجع
افهم بس عشان خاطري.... لو الكلام اللي بيتقال كبر هيطولها هي كمان....وأنا مش هسمح لبنتي تبدأ حياتها وهي شايلة عار أنا بريئة منه....ده غير صهيب لو عرف ممكن يروح يقتله و انا مش هخلي ولادي يضيعو نفسهم عشان واحد مريض و واطي
ضرب ريان الطاولة بقبضته ثم قال بغضب جحيمي
أقسم بالله لو إسلام قربلك ...ما هيعدّي اليوم غير و انا قاطع رقبته
تدخّل أمير فورًا محاولا امتصاص غضبه
ريان...حل المشكلة مش في دبحُه ....حلها في الحكمة....خلينا نفهم الدنيا و هو ناوي علي ايه اكتر ماللي عمله وبعدين نتصرف
نظرت آسيا إليهما وقالت بصوتٍ خافت...لكنه حاسم
أنا قولت اللي عندي....والقرار دلوقت في إيدك يا ريان...بس افتكر...
أنا بطلب منك ده علشان تحمي بنتي...مش علشان تدبحه و لا تعمل مشاكل فالحكايه تكبر
أسندت ظهرها إلى الكرسي...
كأنها أفرغت روحها في تلك الكلمات
ما إن أنهت آسيا كلماتها حتى انفجر ريان واقفًا.... اندفع المقعد للخلف بعنف واصطدمت قدماه بالأرض كمن يستعد لحرب
لأ... لأ يا خالتي.... كده لعب في الشرف وده ميتسكتش عليه
عيناه اشتعلتا وعضلات فكه تشنّجت كأنها تكتم صرخة وحشٍ جريح
لو شُفته قدامي دلوقت...
أقسم بالله ما هسيبه واقف على رجليه....اشوفه ااااايه انا رايحله
تحرّك بالفعل... خطوة... ثم أخرى نحو الخارج لكن يد آسيا أمسكت ذراعه بقوه
ريان... استنى متبقاش مجنون
نفضها بعنف دون أن يقصد لكن غضبه كان أقوى من وعيه
سيبيني يا خالتي....إنتِي مش حاسة بالمصيبه اللي اتعملتلك
وقفت أمامه...جسدها صغير مقارنة به...لكن عينيها أقوى من غضبه
لا... أنا حاسة....بس اللي إنت رايح تعمله هيضيعنا كلنا
اقترب أمير بسرعة....أمسك بالجانب الآخر من ذراعه ثم قال بغضب مكتوم
ريان....لو قربتله دلوقت إنت اللي هتروح في داهيه و هتضيع خالتك و هعيالها
وهو اللي هيطلع الضحية قدام الناس...ده بالضبط اللي هو عايزه و بيخططله
تنفّس ريان بعنف...صدره يعلو ويهبط كبركان على وشك الانفجار
يعني أسيبه يشوّه سمعة خالتي ويحرمني من حبيبتي ...عايزني أقف أتفرج.....ابقي متسماش راجل
ردّت آسيا بصوتٍ منخفض... لكنه كسر حدّة صراخه
لأ.....مش هتتفرج...هتحميني بعقلك...
مش بعضلاتك
تجمّدت عيناه فوق وجهها....كلماتها دخلت إلى مكانٍ أعمق من غضبه
شدّ امير على كتفه بلطف ثم قال بحكمه
الانتقام الحقيقي...مش إنك تضربه و لا تقتله
الانتقام إنك تخليه هو اللي يقع بغبائه
نتصرف بعقل من غير ما نخسر حد فينا
أغمض ريان عينيه لحظة...ثم فتحهما ببطء....نظرة رجل اتخذ قراره...لكن بشكلٍ مختلف....قال برجوله ليست جديده عليه
حقك عندي يا خالتي.....وقسماً بالله لاخليه يدفع تمن اللي عمله غالي اوي و مش هيلاقي وقت حتي للندم
قالها.....ثم جلس مرة أخرى ببطء
جميعهم كانو يعلمون...أن الحرب بدأت....وأن ريان...لن ينسى ما فعله هذا الحقير و سينتقم منه أشد انتقام
كانت آيات تجلس على طرف الفراش بعد أن علمت خبر تأجيل عقد قرانها
تضم ركبتيها إلى صدرها...عيناها محمرتان من كثره البكاء
عندما فتح ريان الباب و تقدم نحوها لم ترفع رأسها...
كأنها تخشى أن ترى الحقيقة في عينيه....بداخلها لا يصدق هذا القرار
اقترب بهدوء....جلس جوارها دون أن يتحدث ....ترك الصمت يقول ما لا يُقال....ثم مدّ يده ورفع ذقنها بلطف.
بتعيطي ليه يا روح ريان
خرج صوتها مكسورًا
علشان مش فاهمة...
ليه فجأة نأجل كتب كتابنا....عملت حاجة غلط....زعلتك مني عشان الفستان
اتسعت عيناه فورًا...أمسك وجهها بين كفيه بحنان و قال بنبره تقطُر عشقا
إنتِي عمرك ما تزعليني...
إنتِي الحاجة الوحيدة اللي بتصالحني عالدنيا يا حبيبي
ابتسمت وسط دموعها لكنه لم يتركها تهرب من عينيه
في مشكلة كبيرة بيني وبين عمي فتحي.....حكاية الورث مانتي عارفه ...حوار طويل حصل من يومين عشان كده كنت متضايق و مكلمتكيش
تطلع لها بعيون تصرخ عشقا و وجع ثم اكمل
مش عايزك تبقي علي ذمتي و حياتي مليانه مشاكل ....كفايه اللي عشتيه في بيت ابوكي ....عايز تبقي مراتي و انا مفيش حاجه تهمني في الدنيا غير راحتك و بس
عضّت شفتها بقلق و حزن
طب وإحنا ذنبنا إيه إن فتحي ده طماع و معندوش ضمير
ضمّها إلى صدره فجأة....حضن قوي... ثابت...كأنه يحميها من الدنيا كلها ثم قال بهم
ذنبنا إننا بنحب بعض....بس الحب الصح... بيستنى....و ذنبنا إن احنا عايشين في غابه محدش بيرحم حد
ابتعد قليلًا...مسح دموعها بإبهامه ثم اكمل
أنا مش مأجل كتب الكتاب عشان مش عايزك تبقي جنبي في عز مشاكلي
أنا بأجّله علشان أول يوم ندخل فيه بيت واحد...ندخله وإحنا مطمنين....مفيش مشاكل ...مفيش قرف....مفيش حرب مع عيله وسخه عايزه تاكل حق اليتامي
طبع قبلة هادئة على جبينها وأخرى على وجنتها
ثم أخرى قريبة من شفتيها جعلت أنفاسها تضطرب و بعدها قال
آيات...إنتِي وعد.....والوعد ده مهما اتأخر هوفي بيه
أغمضت عينيها براحه بعد ان التقم شفتيها بقبله رغم مجونها إلا انها كانت إثبات لهذا الوعد القديم
أما هو...فكانت عيناه في الفراغ رغم استمتاعه بتلك القبله التي يشتهيها دائما
عهد واحد يدور داخله.....إسلام... الحساب لسه ما بدأش....هخليك تتمني الموت
و متطلهوش
داخل مكتب قاسم المصري ...الهدوء مُسيطر علي المكان إلا من صوت أوراق تتحرّك بعصبية بين أصابع رضوى
كانت واقفة أمامه بملامح متجهمه.....عيناها تقولان إنها غاضبه أكثر مما تحب أن يظهر عليها هذا الغضب
أما قاسم.....فكان يجلس خلف مكتبه
يراقبها بصبر رجل يعرف جيدًا أن هذه المعركة لا تُكسب بالصوت العالي....قال ببرود
خلصتي تقطيع في الورق...ولا لسه ....انا خايف يبقي الدور عليّا
قالها بنبرة هادئة تحمل ظل ابتسامة و مُزاح يعلم أنه سيشعلها اكثر
لم تنظر إليه....بل قالت بغيظ
واضح إن حضرتك فاضي وبتتريق...بس أنا ورايا شغل
نهض قاسم ببطء.....اقترب حتى وقف أمامها مباشرة
لأ... إنتِي اللي وراكي عقل مولع ....عايز يفش غِله فيا
وبيحاول يعمل فيها مشغول
رفعت عينيها له فجأة.....نظرة حادة... لكنها مهزوزة من الداخل.
استاذ قاسم ...من فضلك احترم الحدود اللي بينا. ....انا بعمل الشغل اللي طلبته مني عادي ...مفيش في دماغي الكلام اللي بتقوله ده
ابتسم.....ابتسامة واثقة...تعرف طريقها جيدًا ثم قال بغرور
عمري ما قولت حاجه و طلعت غلط ....قاسم المصري مبيغلطش
مدّ يده وأخذ الأوراق من يدها برفق...ثم وضعها فوق المكتب
ثم قال بأمر لكن نبرته كانت لينه
تعالي
فين؟
نقعد دقيقتين... من غير شغل...ومن غير حرب
ترددت لحظة.....ثم جلست مرغمة
جلس أمامها وأسند مرفقيه على المكتب
قولي... متعصبه ليه بجد
تنفست بقوة ثم قالت بصراحه شديده جعلته يرفع حاجبه بغيظ
عشان حضرتك اسلوبك مستفز بجد ...متخيل إن كل الناس لازم تكون تحت امرك
و عشان بتحطني دايمًا قُدام الأمر الواقع فحاجات كتير حتي لو تخص الشغل ....مينفعش ابدا تعمل كده
نظر لعينيها طويلًا ثم قال بتكبر رغم هدوءه البارد
و ليه تاخديها كده ....ليه متقوليش أن بحكم خبرتي بعرف احكم كويس عشان كده بقولك اعملي كذا و كذا....مش فكره اني بحطك في أمر واقع
تطلعت له بشك .... تشعر انه ذئب يجيد التلاعب بالكلمات و الأفعال ايضا
قررت ان تنهي تلك الجلسه بل تنهي عملها معه مهما كلفها الامر
ستلجأ الى خالتها الحبيبه و هي علي يقين انها تستطيع إنقاذها من هذا المُختل المغرور
في المساء...جلس آدم في شرفة اخيه
امسك كأس قهوة سوداء بين يديه ونظرة بعيدة لا تستقر على شيء
دخل وليد وجلس جواره ثم سأله باهتمام
مالك يا آدم....من يوم ماكُنا عندك و انا حاسس ان فيك حاجه... حاسس دماغك في حتة تانية مكُنتش مركز معانا
لم يرد فورًا....صمت للحظه ثم قال بهدوء غريب
أخدت قرار
التفت وليد إليه باهتمام
قرار إيه
رفع آدم عينيه إليه ثم قال بحسم
هشارك شريف في الشركة بتاعته .....انت عارف انه بقاله فتره بيلح عليا
ارتفع حاجب وليد بدهشة
شريف....صاحبك
أيوه
وعايزك تبقى معايا في الموضوع ده
صمت وليد لحظة ثم قال بعدم ارتياح
فجأة كده
ابتسم آدم ابتسامة جانبية
مفيش حاجة فجأة...كل حاجه ليها وقتها و محسوبه بالشعره
نظر وليد إليه بشك ثم قال
محسوبة على إيه بالظبط يا ادم ....مش فاهم قصدك
ثبت آدم نظره للأمام...صوته خرج هادئًا... قاتلًا
على مستقبل و قرار اجلته كتير...بس الزمن لو نام عشرين سنة...ممتش....انتبه لما يقول فحاول اصلاح الامر و هو يكمل
مانت عارف ان كان حلمي زمان يكون عندي شركه
لم يفهم معني حديث أخيه الغامض لكنه شعر بعدم الراحة.....قال
اللي يريحك يا حبيبي اهم حاجه تكون واثق من الخطوه دي و تركز فالي جاي
ارتشف آدم آخر جرعة من قهوته ثم قال بغموض
اللي جاي...أنا مخططله كويس اوي متقلقش
وفي داخله...كان اسم واحد يتردد.....آسيا.....سيكون ملتصقا بها حتي تتوقف أنفاسها
في اليوم التالي مكتب شريف الجو هادئ...
لكن الهواء مشحون بالقرارات الكُبرى.....دخل آدم بخطوات واثقة لم يبتسم... عيناه تقرأ المكان كأنه مِلكه
آدم....ايه النشاط ده جاي قبل ميعادك!
مروحتش البنك انهارده .... عايز نرتّب أوراقنا قبل ما وليد و ولاده يوصلو ....مانا قولتلك بالليل أنه هيدخل معانا و قاسم هيمسك الشؤون القانونية
ابتسم شريف ابتسامة متحمسة ثم قال
حلو اوي الكلام ده ....شكلك متحمس للشراكه اوي
بالظبط.....أنا مش جاي ألعب.....جاي أشاركك عشان نكبر سوي ....و بدل الشركه تبقي مجموعه علي مستوي الشرق الأوسط مش مصر بس
اشعل سيجاره ثم اكمل بعمليه بحته
الشركة... وإدارتها... والقرار الأخير... هيكون مسؤوليتنا كلنا....محدش ليه سُلطه مطلقه و لا من حق حد فينا ياخد قرار لوحده
اتكأ على مكتبه يدرس آدم بحذر فهو يعلم صديقه جيدا ....يجيد التفريق بين العلاقه الشخصيه و العمل
يعني... شراكة رسمية
رسمية طبعا مش مؤقتة و لا مجرد تجربة
سأل شريف بعمليه بحته
وبالنسبة للاستثمارات
رفع آدم حاجبه ثم قال بجديه
هتكون متساوية....واللي نحققه هيكون نجاح للكل
بس بشرط: الناس اللي معانا... ميكونش حد منهم مش قد الثقه او الشغل الكبير اللي داخلين عليه
ابتسم شريف أخيرًا وهو يمد يده
تمام... أتفقنا ...ان شاء الله نوصل للنجاح اللي دايمًا كنا نحلم بيه
صافحه آدم بحزم... لكن عينيه كانت تتحدث قبل يده
باذن الله ...انا واثق من نجاحنا
كانت جالسة في مكتبها ترتّب أوراقها تحاول تهدئة قلبها الذي انتفض بعد ان رأته يدلف بغرور دون ان يعيرها اي اهتمام
فجأة... جاءها الخبر عن طريق شريف الذي اخبرها بتجهيز بعض الأوراق
ارتجفت يدها ...ابتلعت ريقها بصعوبة..... شعرت كأنها تتعرّض لصاعقة...
والدماء انسابت ببطء إلى وجهها محمرة من الصدمة والخوف
إيه... يعني ده حصل من غير ما يعرفني
همسّت بارتباك وارتجف صدرها
كل حاجة ماشية بسرعه ... كل حاجة بيعملها هتخليني اكرهه اكتر ....الله يسامحك بجد
نظرت حولها وكأن كل شيء في المكتب أصبح أصغر... والهواء أثقل.....هذه الشراكة... لم تكن مجرد قرار...
بل إعلان صريح أن العالم بدأ يتحرك من غيرها... وأن آدم اختار طريقًا جديدًا...لا تعلم نهايته
جلست مكانها... صامتة بين الغضب... والارتباك...الخوف من المجهول القادم
اتي اتصالا هاتفيا لشريف من اخته التي تريده في امر هام
نظر لأدم و قال
بعد اذنك هكلم مروه و هرجعلك علي طول
اعقب قوله بالخروج في نفس اللحظة كانت تدلف عليهم أسيا حامله بعض الأوراق التي طُلبت منها منذ قليل
وقفت ثابتة في وسط المكتب عينيها تتأجج بالغضب ويدها مشدودة على الأوراق التي تمسكها بحمايه
قالت بصراحه و دون مواربه ....بل بقوه ادهشته
مش عايزاك في حياتي...
مستحيل.... بأي شكل
صمت آدم للحظة....ثم ابتسم ابتسامة هادئة....باردة...
لكن تلك البرودة كانت أقسى من نار
بصراحة....أنا مش جاي عشانك و لا عشان اكون في حياتك
الشراكة دي... أنا دخلتها... علشان أرجع حقي منكِ
ارتجفت آسيا، وكأن الكلمات سقطت عليها كسهم أصاب قلبها النازف
انت... انت بتقول إيه...هو انت...انت لسه مصدق ان ليك حق عندي .... انت بجد دخلت الشراكة... علشاني
اقترب منها خطوة... خطوة محسوبة... نظراته تثقل الجو....و النيران التي تشتعل داخله جعلت عقله مغيب
آااااه... علشان أرجع كل اللي ضاع مني...عشان أشوفك قدامي و انتي بتدوقي من نفس الوجع اللي عشته بسببك... احاسبك علي السنين اللي ضاعت من قلبي... كل لحظة كنت مستنيك فيها... وانتِي بعيد عني....كل ده لازم تدفعي تمنه
دموعها تقطّرت على وجنتيها لكنها رفعت رأسها بعناد و كبرياء
انت مجنون...مستحيل تفكر إن كل اللي قولته ده هيخليني أخاف منك
أنا مش بنتك اللي كنت بتقول عليها زمان ... أنا مش أسيا الضعيفه اللي وقفت تترجاك و تبكي علي بابك عشان ترحمها .....مش هسمحلك تتحكم في حياتي تاني...و لا تدمر اللي باقي منها
ضحك آدم ضحكة قصيرة مُشبّعة بالألم لكنها حادة...
كأنها سِكّين يمر فوق روحها
حاولي تتحديني....ده اللي أنا عايزه...وجودي هنا ده آمر واقع غصب عنك هتقبلي بيه
أنا هنا... علشان أوريكي إن كل كلمة اتقالت زمان كلّفتني سنين من عمري.... لازم تحسي بجزء من وجع اللي عشته...حتى لو مجرد جزء
مع أن ده مش هيبرد ناري و لا هيعوضني عن اللي راح
شعرت بغصة في قلبها......لكن الغضب كان أقوى
إيه الثقه اللي بتتكلم بيها دي ....تعرف ايه انت عن الوجع او العذاب
إيه اللي خلاك تفكر إنك تقدر تجرحني تاني ......استحاله اسمحلك بده ابدااااااا
أسيا العيّله الهبله اللي كانت بتتمني كلمه منك ماتت....اللي واقفه قدامك دلوقت جبروت انت مش قدها
اقترب أكثر حتى أصبحت المسافة بينهما قليلة جدًا
عيناه كأنهما تقرأ كل جزء منها... وكل خفقه قلب تجاهد حتي تداريها ...قال بنبره خَطره زلزلت كيانها
لأنك... كنتي أهم حاجة في حياتي...ولأني خسرتك غصب عني ...كل اللي ضاع... مش هسيبه يعدي من غير حساب
صاحت بصوت يرتجف بين الغضب والألم
كفاية... أنا مش هسمحلك تقرب من حياتي و لا من قلبي اللي لسه سِكنتك مغروزه جواه
مش هتتحكم في حياتي تاني زي ما كنت بتعمل زمان
ابتعد آدم خطوة... ثم قال بهدوء قاتل
انتي فاكره اني هقرب من حياتك أو اتحكم فيها .... هبله .... انا هقتحمها
ده حقي...حق قلبي اللي ضاع مني بسببك...
لازم تعرفي... مش هسيبك تخرجي من حياتي قبل ما تدفعي تمن كل ده
سكتا لحظة... فقط أنفاسهما كانت عالية... قلباهما يرفضان التوقف
هي.....تنظر إليه بعينين مليئتين بالغضب والدموع...
هو.... يقف أمامها... عينيه تحرقها وروحه كلها ملتهبة بانتقامه...لكن قلبه الخائن يتمنى عناقها
كانت لحظة عصيبه ....حارقه لأعصابهم و قلوبهم ليس مجرد حديث دار بينهم
بل معركة للسيطرة على مشاعرها ومشاعره... على الألم... على الحب القديم...وعلى كرامة كل منهما
خرج من المكتب وهو ساكن...لكن قلبه مٌشتعل
كل خطوة كان يخطوها كانت محسوبة...
كل ذره داخل عقله ترسم خطّة...كل فكرة فيها انتقام
جلس في سيارته.... وضع يديه على المقود.... ونظر إلى الطريق الفارغ أمامه
خلاص ...مفيش رجوع...
همس لنفسه
مش بس هأرجّع حقي...
ده انا هخليها تركع تحت رجلي تطلب الرحمه و مش هتطولها
بالأعلي..... جلست في المكتب صامتة...العالم حولها بدا ساكنًا وكأن كل شيء توقف بعد هذا اللقاء
رفعت رأسها.. تنفست بعمق ثم حاولت تهدئة قلبها
اهدي يا آسيا...دي مجرد بداية...مش نهاية
أنا أقدر أتحكم في حياتي... مش هو....مش هسمحله يوجعني تاني
وجوده هنا مش هيهز شعره مني .....بالعكس أنا اللي هحرقه زي ماحرقني زمان ....ادام جالي لحد عندي بالبجاحه دي يبقي يتحمل بقي
مسكت قلمًا وورقة....حاولت التركيز في عملها .....حاولت استعادة توازنها وسط الصدمة
لكن شيء في الداخل لم يسمح لها بالاسترخاء
كل حركة منه... كل نظرة... كل كلمه ....كانت تقول لها المعركة بدأت للتو
لا يهم من سيكون الأقوي .... الأهم هو يقينها أن تلك المعركه ستنتهي بخسارتهم معا .... لن يكون فيها مُنتصر
سيٌهزم الاثنان .
ماذا سيحدث يا ترى

صباحك بيضحك يا قلب فريده
جلست آسيا وسط شقتها البسيطة وبجوارها ابنتها الكبرى، بينما كانت رضوى معهما… جسدها متوتر وأنفاسها متلاحقة، كأن الغضب يحرق صدرها من الداخل
ذلك المستفز… قاسم… نجح مرة أخرى في دفعها إلى حافة فقدان السيطرة
تحدثت بجنون
خالتو… أنا خلاص مبقتش قادرة أتحمل بروده واستفزازه كل شوية
ده محسسني إني مجرد أراجوز بيتسلى بيه عشان يخفف ضغط الشغل
رفعت آسيا رأسها بعينين اشتعل فيهما الغضب ليس منها… بل عليها
وإيه اللي يخليكِي تتحملي ده كله أصلًا
إنتِي بتستهبلي متروحيش الشغل ده تاني… سامعة
انخفضت عينا رضوى للأرض وكأن الهزيمة تثقل كتفيها ثم همست بحزنٍ
للأسف… مش هقدر
العقد فيه شرط جزائي… مية ألف جنيه
في تلك اللحظة انفجرت آيات التي كانت تراقب بصمتٍ
عشان إنتِي واحدة متخلفة
قلتلك من الأول متمضيش وقُلتي إجراء روتيني
أهو لبستي في الحيطة يافالحه
أضافت بغيظٍ شديد وكأنها ترى ما لا يراه غيرها
هو قاسم ده بيعمل حاجة صدفه
ده شكله من أخبث خلق الله… وبيخطط لكل خطوة قبل مياخدها
ساد الصمت بعدها…
صمت ثقيل يعرف طعم الخوف من القادم
في صباح اليوم التالي…
وقفت آسيا أمام مبنى المؤسسة ترفع رأسها رغم دقات قلبها المتسارعة
لم تأتِي لتترجى… بل لتضع حدًا لهذا المتجبر
داخل مكتب قاسم…
كان يجلس خلف مكتبه الواسع هادئًا كعادته يُقلب بعض الأوراق وكأن الوقت ملكه وحده
رفع عينيه إليها ببطء… نظرة ثابتة لا دهشة فيها ولا ترحيب
ثم قال بصوت أجش
مدام آسيا...اهلا يافندم اتفضلي
السكرتيره قالتلي ان حضرتك خالة رضوي...في حاجه؟
تقدمت خطوة واحدة... فقط خطوة… لكنها كانت كافية لتُعلن المواجهة
قالت بقوه و ثبات
أنا جاية بخصوص العقد اللي ماضياه رضوى
أغلق الملف أمامه بهدوء مُتعمد ثم قال ببرود
عقد قانوني وسليم في مشكلة؟
المشكلة إنك استغليت قِلة خبرتها و حطيت شرط جزائي تعجيزي… وده اسمه استغلال واضح
ابتسم ابتسامة خفيفة… باردة
في الشغل يا مدام آسيا… مفيش حاجة اسمها استغلال
فيه بند… واتوافق عليه بإرادتها أنا مغصبتش عليها تمضي و لا تطلب شغل عندي
اقتربت أكثر… حتى أصبحت أمام مكتبه مباشرة ثم قالت
تمام....بنت اختي مش مرتاحه هنا … أنا بطالبك تلغي العقد
رفع حاجبه بثبات ثم قال بغيظ مكتوم
وألغي ليه....مفيش حاجه اسمها مش مرتاحه
لو هي مش بتاعت شغل كانت سابت الفرصه لغيرها و ألف مين يتمني الشغل في المؤسسه
ردت عليه بقوه يملأها التحدي
لأن اللي بتعمله مش هيكسبك احترام… انت كده بتجبر الناس تشتغل معاك غصب عنهم حتي لو مش حابين الشغل معاك
سكن المكتب لحظة
لم يغضب قاسم… لكن كبرياءه تحرك كوحش صامت لا يحب أن يُتهم بشيء
نهض من مقعده ببطء
وقف بطوله الفارع… حضوره طاغي و هيبته واضحه
انتي شايفاني بعمل ده عشان فلوس....ولا شايفاني محتاج أضغط على بنت صغيرة
نظرت له آسيا بقوه ثم قالت
شيفاك بتلعب لعبة قوة… على حساب واحدة ضعيفه
هي الرجوله انك تفرد عضلاتك علي بنت ....و لا انك تجبرها تشتغل معاك يا سياده المحامي الكبير
لأول مرة… ضاقت عيناه قليلًا
ثم قال بنبرة يملأها الغضب لكنها حاسمه
تمام....العقد هيتلغى
اتسعت عينا آسيا قليلًا… لم تتوقع تلك السرعة
أما قاسم فأكمل ببرودٍ بعد ان تحكم في غليانه بصعوبة ...لكنه اختار كلماته بعنايه شديده
لأن أنا مبحبش حد يقول عني بستغل حد....و لا اني بستقوي علي الضعيف
و بما إنك اول مره تشرفيني في مكتبي ... فانا مش بحب حد يدخل مكتبي عشمان في حاجه و انا ارد عشمه
ثم جلس مرة أخرى وكأن القرار لا يعنيه
اعتبريه اتلغى…بس قولي لرضوى حاجة واحده
اللي يواجهني مرة… ميهربش بعد كده
لم ترد آسيا بل اكتفت بنظرة أخيرة… ثم استدارت وغادرت
لكن خلف الباب…كان قاسم يبتسم ابتسامة خفيفه
ابتسامة رجل لم يخسر شيئًا…
بل بدأ لعبة جديدة
ما إن أُغلق الباب خلفها حتى تبدل وجه قاسم
اختفت تلك الملامح الهادئة المصقولة وحلّ محلها شيء أشد قتامة
وقف مرة أخرى… لكن هذه المرة بعصبية شديده
فك أزرار قميصه العُليا وكأن الهواء لم يعد يكفي صدره
اقترب من النافذة… نظر إلى الشارع أسفل المؤسسة لكنه في الحقيقة لم يكن يرى شيئًا ثم قال بغِل
دخلت مكتبي… واتهمتني بالاستغلال… وطلعت كاسبة الجولة...قدامي و في مكاني
قبض على إطار النافذة بقوة حتى ابيضّت مفاصله.
رضوى…
خرج الاسم من بين أسنانه منخفضًا… خطيرًا
كنتي فاكرة إن العقد هو اللي رابطك بيا
لا… إنتِي اللي دخلتي دايرتي بإرادتك…
واللي يدخل دايرتي مش بيخرج بالساهل
استدار نحو مكتبه التقط هاتفه لكن تراجع قبل أن يضغط
لا… ليس الآن
هكذا قال و هو يبتسم ابتسامة جانبية… باردة كحد السكين
اللعبة لسه مبدأتش يا رضوى…والمرة الجاية… مش خالتك اللي هتدخل مكتبي....إنتِي اللي هتدخلي…وبمزاجك
مفيش واحده فكرت تتحداني و لا تخرج بره المكتب ده غير بمزاجي
و انتي عملتيها يبقي تتحملي بقي
جلس أخيرًا… وعاد يقلب أوراقه لكن هذه المرة كان يعرف جيدًا…أنه أعلن حربًا سيكون المُنتصر فيها ...او هكذا ظن
بالأسفل… كانت رضوى تنتظرها بقلبٍ يرتجف.....الخوف يلتف حول صدرها كحبلٍ مشدود وكل ثانية تمرّ كانت تزيده ضيقًا
وحين رأتها تخرج من باب المؤسسة … هرولت إليها بلهفةٍ و ملامحها تصرخ خوفا
ها يا خالتو..عملتي إيه طمنيني… رفض صح؟
ابتسمت آسيا باتساع ثم أمسكت كفها بقوة لتجبرها على التحرك وكأنها تخشى أن تتجمد من الصدمة
إنتِي هبلة يا بت… خلاص يا قلب خالتك
العقد اتلغى… وملوش حاجة عندك
توقفت رضوى في منتصف الطريق....كأن الشارع كله تجمد معها
نظرت إليها بذهولٍ وعدم تصديق
بتهزري...طب إزاي والشرط الجزائي؟
سحبتها آسيا مرة أخرى بثقة من انتصر في معركه ثم قالت
خلاص يا حبيبتي… لا شرط ولا زفت انتهى
انتهى...بسهولة كده؟
هو… قاسم… اتنازل!
لم تقلها لكن عينيها قالتا كل شيء
اقتربت آسيا منها وربّتت على يدها بحنانٍ يملأه القوه ثم قالت
تعالي نفطر في أي مكان
أنا زهقانة ومليش مزاج أروح الشغل النهارده....تعالي نغيّر جو
ابتسمت رضوى أخيرًا…
لكن في عمق الابتسامة…
كان هناك سؤال صغير خفي يقلقها
هو الموضوع فعلًا انتهى ....قلبي مش مطمن
جلسا معًا داخل أحد المقاهي وبعد أن طلبا ما يريدان قررت آسيا أن تتصل بشريف لتخبره بعدم ذهابها إلى الشركة اليوم
حينما جاءها الرد ألقت عليه تحية الصباح ثم قالت
بعد إذنك يا أستاذ شريف أنا هاخد إجازة إنهارده
سألها بلهفة قبل أن تُكمل حديثها
ليه يا آسيا... مالك فيكي حاجة.. تعبانة... طليقك عملك حاجه
ابتسمت باستغراب لكنها طمأنته قائلة
لا لا لا… مَفيش حاجة خالص والله بس كنت في مشوار مع بنت أختي واتأخرت فحبيت آخد اليوم إجازة لو سمحت
تنهد براحة ثم قال بمزاح
يا ستي براحتك… أدام كويسة يبقى مش مهم أي حاجه
على فكرة أنا كمان مش رايح الشركة إنهارده أختي عندها مشكلة ولازم أكون معاها
سألته باهتمام
خير إن شاء الله… لو حضرتك محتاج أي حاجة أنا موجودة
ولو كده أروح الشركة مينفعش إحنا الاتنين منكٌنش موجودين
لا خالص… كده كده مفيش شغل مهم انهارده .وآدم رايح يظبّط الدنيا
فخليكي براحتك انهارده ونتقابل بكرة على خير إن شاء الله
صمتت لحظة.... ثم قالت سريعًا قبل أن تخجل وتتراجع عمّا تريد
ممكن أطلب من حضرتك طلب… لو مكنش فيه إزعاج
أكيد طبعًا يا آسيا، اتفضلي
بنت أختي خريجة حقوق وكانت شغالة في شركة محاماة كبيرة، بس سابتها عشان مرتَحتش
حضرتك امبارح قلت إنك محتاج تكبر قسم الشؤون القانونية في الشركة بسبب الشراكة الجديدة…
فلو أمكن ممكن تشتغل معانا ولا حضرتك مظبّط الموظفين خلاص ومش محتاج حد جديد
رد عليها بحماس يشوبه وقارُه المعتاد
لأ... أكيد محتاج طبعًا… و أدام تبعك اعتبريها اتعيّنت
هاتيهـا معاكي بكرة بإذن الله تستلم الشغل
أنهت الحديث معه بعد أن شكرته كثيرًا وكادت أن تخبر رضوى إلا أن اتصالًا من أمير قطع أفكارها
وحينما ردّت عليه، قال بلهفة ممزوجة بالحذر
آسيا… في حاجة مهمّة لازم تعرفيها... مش هينفع أخبي عليكي وأنا لسه عارفها دلوقت
في إيه يا أمير.... قلقتني
صمت لحظة لا يعلم كيف يزفّ لها الخبر معتقدًا أنها لا تعلم
آدم المصري… هيشارك شريف في الشركة
لسه مقابله حالًا اتصدمت بوجوده
قلت الحمد لله إنك مش موجودة انهارده عشان متقابلهوش… وتشوفي نفسك هتكمّلي ولا لأ
ابتسمت بحزن ثم أغمضت عينيها للحظة، قبل أن تفتحهما مجددًا وتقول بهدوء ثابت
العقد اتمضى امبارح يا أمير… وأنا كنت موجودة
وأساسًا جه الشركة مرتين وقابلته
بس عادي… ولا فارق معايا...أسيب شغلي ليه....ده زيه زي أي حد بالنسبالي
داخل مكتب آدم في الشركة
الساعة تقترب من الواحدة ظهرًا
الهدوء خانق… كأنه يضغط على صدره
ألقى الملف من يده بقسوة فوق المكتب
نظر إلى الهاتف للمرة الخامسة خلال عشر دقائق
لا اتصال من شريف....لا رسالة.....ولا أثر لآسيا
همس بصوت أجش
الاتنين… مش موجودين
نهض فجأة و أخذ يدور داخل المكتب بخطوات سريعة عصبية كأن الأرض تضيق به
فك أزرار قميصه العلوية بعنف… الهواء لا يكفيه
اقترب من الزجاج المطل على الشارع
انعكاس صورته على الزجاج كشف عينيه المشتعلة بالنار....
نار جحيميه تحرق احشاءه
عاد للمكتب التقط هاتفه واتصل بأحد الموظفين يسأله عن سبب غياب صديقه
جاءه الرد سريعًا
الأستاذ شريف اعتذر انهارده… ظرف عائلي
أغلق الهاتف ببطء… بطء مرعب
ثم اتصل بقسم الموارد البشرية
مدام آسيا… جات انهارده
لا يا فندم… أخذت إجازة
صمت.....ثانيتان.....ثلاث
ثم ضحكة قصيرة خرجت من صدره… باردة… بلا روح
اجازة....والتاني ظرف عائلي
اقترب من مكتبه وضع كفيه عليه انحنى قليلًا…
كأن الوحش داخله يستعد لالتهام احدهم
همس بجنون
يعني سبتوا الشغل… اكيد اتقابلو بره
مرّ شريط قديم أمام عينيه
ضحكتها....نظرتها له قديما ثم خيانتها و.... رحيلها
قبض على قلم معدني… حتى انغرز في راحة يده
قطرات دم صغيرة ظهرت… لكنه لم يشعر بها رفع رأسه ببطء
نبرة صوته خرجت منخفضة… خطيرة
فاكره إنك بعيدة عني
فاكره إنك تقدري تعيشي من غير متبُصي وراكي
التقط جاكتهُ بسرعة...خرج من المكتب كالإعصار
في المصعد…انعكاس وجهه في المرآة كشف رجلاً آخر
لا آدم الهادئ المُتزن بل رجل يوشك أن يحترق… ويُحرق معه كل من يقترب
همس لنفسه
لو شريف قرب منك خطوة واحدة ههد الشركة كلها فوق دماغه
وبينما تنغلق أبواب المصعد…
كانت الحرب قد بدأت
خرج من الشركة كمن يطارده شيء لا يُرى
قاد سيارته بسرعة غير محسوبة لا يعرف إلى أين تحديدًا…
فقط يعرف أنه لا يستطيع الجلوس دقيقة أخرى
يده تضرب عجلة القيادة بعنف
صوت داخله يصرخ
مش معاه… مش معاه…
لكن صورة شريف وآسيا جانب بعضهما البعض تفرض نفسها عليه
ضغط على الفرامل فجأة أمام أحد المقاهي
نظر حوله بلا وعي…كل وجه أنثوي يشبهها كل ضحكة تحرقه
و عندما لم يجد لها أثر أخرج هاتفه
فتح جهات الاتصال توقف عند اسمها
آسيا......إصبعه ارتجف…
ضغط عليه و سمع رنين الهاتف
مرة...اثنتان...ثلاث
ثم صوتها الهادئ
ألو
ابتلع أنفاسه للحظة نبرة صوته خرجت منخفضة ...مشدودة
إنتِي فين
صمتت ثانية، استغربت السؤال المباشر.... لكنها تعرفت على نبرته سريعا وقد قرأت ما يدور بداخله
ابتسمت بجانب فمها وقالت داخلها بغِلٍ شديد
لسه بتشُك... طبعا انا مش موجوده ولا شريف وانت معتقد إن إحنا مع بعض
تنهدت بهم ثم قالت بهدوء
في مشوار
مع مين
السؤال خرج أقرب لأمر وليس استفسارًا
رفعت حاجبها و نظرت لرضوى الجالسة أمامها ثم ردّت بثبات
مع بنت أختي
صمت ثقيل حل بينهم ... لم يُصدق أو لم يُرِد أن يصدق فسألها بجنون
فين
عضت شفتها السفلي بغلٍ ثم قالت بنبرة غاضبه رغم انخفاضها
برغم أني عارفه سبب سؤالك ......بس تمام خليني معاك للأخر مع إن ملكش حق اصلا تسألني
انا قاعده في كافيه قريب من البيت اسمه ###
أغلق الهاتف دون رد و انطلق تجاهها دون تفكير
مازال معتقدًا انها تكذب عليه لدرجه انه فكر ان شريف سيغادر قبل أن يصل هو
وضعت آسيا الهاتف ببطء على الطاولة ثم تنهدت بحزن و غضب شديد
نظرت لها رضوي بتوجس ثم قالت
خير يا خالتو في حاجه ...مين ده
ابتسمت آسيا ابتسامة صغيرة باهتة
آدم
لم تقل أكثر صمتت بشرود ففعلت رضوي المثل و أعطتها كل الوقت كي تبدأ في الحديث مره اخري
لم تكن تعلم بما سيحدث بعد قليل
بعد عشر دقائق دخل آدم المقهى
فتح الباب الزجاجي بقوة مما جعل الجميع يلتفت تجاهه لا إراديًا
عينيه تدوران كصيّاد يبحث عن فريسته.....و في لحظه ... رآها
جالسة بهدوء… أمامها فتاة شابة
توقف مكانه لحظة....كأن كل الغضب داخله تلقى ضربة مفاجئة
مش شريف.....لكن بدل من أن يهدأ زاد جنونه
لأنه أدرك شيئًا أخطر من اي شيء
لا يزال يراقبها…ويغار…ويحترق…
رغم أنه لا يملك الحق
اقترب من طاولتها ثم وقف أمامها مباشرة
رفعت عينيها ببطء بنظرة ثابتة… بلا خوف
وجدته يقول بصوت منخفض لكنه خرج من الجحيم
بتعملي إيه هنا
ردّت بهدوء قاتل دون ان تلتفت لنظرات رضوى المصدومه
بشرب قهوة
تدخلت رضوى بتوتر
مين حضرتك
قاطعها آدم دون أن يبعد عينيه عن آسيا
سيبينا لوحدنا يا أنسه ...عايز خالتك في كلمتين
نظرت آسيا لرضوى بلطف ثم كادت أن تتحدث الا انها وجدتها تقف من تلقاء نفسها و تقول بأدب
بعد اذنك يا خالتو هعمل مكالمه و ارجعلك بسرعه
بقيا وحدهما....صمت حارق إلتف حولهما لبضع لحظات
بدأ الحديث بنبرة خشنه
ليه مروحتيش الشركة انهارده؟
أخذت إجازة
وليه شريف كمان أخذ إجازة؟
رفعت آسيا كتفيها ببساطة
اسأله!
ضحكة قصيرة خرجت منه لكنها تحمل وجع كبير
كُنتِي معاه؟
قالتها ثابتة واضحة
لأ
كلمة واحدة لكنها أصابته في مكان لا يتوقعه
نظر إليها طويلًا…
ثم قال بصوت أخفض من الهمس مليء بالشك
و المفروض اصدقك يعني ....كده وحش يا آسيا.
ابتسمت بحزن ثم قالت
والشك أوحش و فالعموم مطلبتش منك تصدقني
مش فارق معايا بجد
وهنا…الهدوء انتهى و حل مكانه جنون و غضب الله فقط يعلم مداه
امسك كفها فجاه دون أن يستأذن
قرب المسافة… قرب النار
عينيه مغروسة في عينيها كأنه يريد أن ينتزع الحقيقة بالقوة
قال بصوت منخفض… لكن كل حرف فيه يضغط علي جرحها الذي لم يغلق بعد ...كما يضغط علي كفها حتي تمتنع عن سحبه من بين يده
والشك جه من فراغ....ولا أنا كنت أعمى طول السنين اللي عشقتك فيها ؟
لم تبعد نظرها عنه.....هدوءها كان مستفزًا أكثر من أي صراخ
إنت اللي اخترت تشك… مش أنا اللي عملت حاجة تخليك تشك....انت اللي اخترت تصدق و انا حاولت بس للأسف حتي المحاوله اكتشفت انها كانت خساره فيك
كل اللي صعبان عليا بس أني ضيعت كرامتي و وقتي مع واحد ميستاهلنيش
انقبض فكه....العِرق ظهر على جانب عنقه....قبض يده حتى ابيضّت مفاصله و كاد أن يحطم يدها المتمسك بها
متستفزنيش يا آسيا
ردت عليه ببرود
إنت مُستفَز لوحدك
كلمة واحدة…كسرت آخر حائط بينه وبين الانفجار
ضرب بقبضته الطاولة حتي ارتجّت الأكواب
التفتت الأنظار حتي رضوى نظرت لهم من بعيد بزعر
انحنى بوجهه قريبًا جدًا منها....أنفاسه ساخنة.... غاضبة
فاكره إنك خلاص خرجتي من حياتي...فَلتي بعملتك
فاكره إنك تقدري تبقي قدامي كده… ولا يهمك اللي عملتيه زمان
رفعت ذقنها بثبات لكن داخلها… قلبها يدق بعنف
قالت بتحدي و قوه جعلته يشتعل
أنا فعلًا خرجت من حياتك يا آدم…
إنت اللي رافض تطلع من حياتي أو متخيل ان ممكن يكون ليك مكان فيها حتي لو خناق أو شك أو قرف .
صمت....لكنه صمت قاتل
ثم ابتسم....ابتسامة مكسورة… مظلمة تشبه السلاح الذي رفعه لتوه أمام وجهها
قال بنبرة خرجت من الجحيم
تمام
وقف فجأة.....ألقى ورقة نقدية على الطاولة دون حساب
نظر إليها من فوق نظرة وعد… لا تهديد ثم اكمل
من انهارده…كل خطوة هتخطّيها قدامي هتدفعي تمنها
ثم التفت… وغادر
اغلق الباب الزجاجي خلفه بقوة
ظلت جالسة....لم تهتز....لم تلاحقه بنظرها
لكن حين عادت رضوى وجلست…
وضعت آسيا يدها فوق يديّ رضوي ...كانت أصابعها باردة
أغلق باب السيارة بعنف
جلس خلف عجلة القيادة… لكن لم يُدر المحرك
سكون…ثم انفجار داخلي....ضرب المقود بكل قوته
مرة…مرتين حتى احمرت يداه
أسند رأسه للخلف....عينيه مغمضتان....أنفاسه متقطعة… كأن صدره لا يسع الهواء
همس بصوت مكسور
ليه لسه بتوجعيني
ليه لسه بتّحرق كل ما أشوفك
فتح عينيه فجأة.....نظرة حادة… حاسمة
مخلصناش يا آسيا…قسَمًا بربي مخلصناش
ادار السيارة وانطلق كأنه يهرب من نفسه
قررت رضوى قطع الصمت حتي تُخرج خالتها الحبيبة من تلك الحالة التي لا تعلم سببها
بدأت تتكلم بحماس عن العمل الجديد
كانت تستمع لها وتهز رأسها ممثله الاهتمام
لكن شعرت بيدها ترتجف وضعت الكوب ببطء
خافت أن يلاحظ أحد رعشتها
تنفست بعمق ثم رفعت رأسها....ابتسمت لرضوى و قالت بحِنّو
مبروك يا حبيبتي… بكرة أول يوم ليكي و انا واثقه انك هتثبتي كفاءه
صوتها ثابت لكن داخلها…كان شيء قديم… موجع… استيقظ و اخذ ينهش في قلبها الممزق
حين نظرت من الزجاج لم تجد السيارة احتلها شعور ثقيل…
أن العاصفة لم تنتهِي بعد....بل ماحدث كان بدايتها
انتهي اليوم بصعوبه و بدأ يوم جديد لا احد يعلم علي ماذا سينتهي
دخلت رضوى مبنى الشركة بخطوات مترددة في البداية ثم ثابتة شيئًا فشيئًا
حركة الموظفين… أصوات الهواتف والطابعات…كل شيء جديد لكنه مريح
لا نظرات متفحصة… لا برود مقصود… لا لعبة أعصاب
كانت اسيا تنتظرها عند مكتب الاستقبال بابتسامتها المعتادة
قالت لها بحماس و فرحه
من انهارده ده مكتبك
وهنا… محدش هيقدر يعلي صوته عليكِي ولا يكسرك
رفعت رأسها ونظرت من نافذة المكتب…السماء صافية ولأول مرة منذ شهور…تنفست براحة حقيقية
لكن القدر كان يكتب موعدًا آخر
قبل نهايه اليوم كانت رضوى جالسة خلف مكتبها الجديد تراقب الموظفين حولها وتشعر لأول مرة منذ شهور بشيء يشبه الأمان
دخلت اسيا عليها المكتب بابتسامة واسعة تحمل بعض الملفات
ايه يا حبيبتي عامله ايه ...مبسوطه
ابتسمت رضوى بخجل ورفعت رأسها لتلتقي بعين آسيا ثم قالت
أنا… متحمسة… بس خايفه أقصّر
ربّتت آسيا على كتفها بحنان ثم قالت
اللي زيك ميقصرش أبدًا انتي اخدتي خبره و اتعلمتي حاجات كتير… وده كفاية
بدأت رضوى تفتح الملفات تكتب الملاحظات وتستوعب إجراءات العمل
لم يكن المكتب كبيرًا… لكنه هاديء و جميل رغم وجود اثنان آخران يخصان زملائها الجُدد
اعتبرت هذا المكتب هو مساحتها الخاصة حيث تتحرك بحرّية دون ضغوط و بدون اثاره أعصابها من احدهم.
و احدهم ....قرر القدر أن يرسله سريعا قبل حتي ان تحظي بيوم بعيد عنه
عقد شريف اجتماع طارق بصحبه ادم كي يعرف الموظفين عليه وايضا على من سيتواجدون معهم داخل الشركه من اليوم
جلست اسيا بجوار شريف الذي كان يجلس على رأس الطاولة بينما الموظفون يأخذون أماكنهم
وأدم يجلس امامه من الجهه الاخرى ببرود شديد يواري به غليانه الداخلي بسبب جلوسها جانب صديقه.
فجأة… فُتح باب القاعة ببطء ودخل رجل طويل ...نظرة عيناه حادة وثابتة ابتسامة خفيفة تتدلى على شفتيه
قاسم....وقف في مدخل القاعة للحظة كأنه يزن الاجواء … ثم قال بصوت هادئ لكن مشحون بالدهاء حينما رأي أسيا أولاً
واضح أن الدنيا صغيرة جدًا…صباح الفل
تجمدت رضوى للحظة قلبها يقفز في صدرها وهي تحاول تهدئة أنفاسها
هو… هنا
اما آسيا لم تبدو منزعجة رغم دهشتها من الداخل فقط رفعت حاجبها وكأنها تقول
تعالي يا حبيبي…بيتك و مطرحك
وقف قاسم عند المدخل عيناه تتجولان على الحضور ثم توقفت على رضوى
ابتسامة باردة نصفها استفزاز نصفها دهشة
لم أتوقع أراكِي هنا…
كانت مفاجأة بالنسبالي…ممتعة بعض الشيء.....ده اللعب هيحلو اوي
هكذا كان يتحدث داخله بينما وقف شريف يُعرف الجميع بهذا المُتكبر
ارتجفت يد رضوى قليلًا تحت الطاولة لكنها رفعت رأسها بثبات محاولة أن تُخفي رهبتها
بينما جلس قاسم على المقعد مستقيم الظهر مستعدًا للمواجهة لكنه لم يرفع صوته و هو يقول بقوه
الشغل مش لعبة… وأنا هنا كمستشار قانوني للشركة…مش هقبل بأي تقصير
كل خطوة هنا تتنفذ بدقة… و الكلام ده مش للناس القديمه بس ....لا للموظفين الجداد كمان
اصل لاحظت أن في شباب موجود معانا
شعرت بالضغط، لكنها أيضًا شعرت بقوتها الجديدة
مش هخاف… ده شغلي… مش هيقدر يعملي حاجه
تحدث شريف بمزاح بعد ان شعر بتوتر الأجواء من حوله
بالراحه يا قاسم انت داخل حامي كده ليه ...متبقاش زي عمك في كل حاجه كده
رد عليه ادم ببرود بعد أن ثبت نظراته الحاده داخل خاصه أسيا التي تتصنع البرود
ماهو لازم يطلعلي يا شريف ....الكل بيقول قاسم نسخه مني
خلونا نبدأ الاجتماع…
كتمت أسيا صدمتها ببراعة بينما ألقي عليها نظره مُتشفيه ثم بدأت رضوى بالاطلاع على الملفات تشرح ملاحظاتها بحزم
و قاسم يستمع ينظر إليها بين الحين والآخر ويحاول قراءة حركاتها كأن كل كلمة منها اختبار له
أنتِي… لم تتغيري...قالت عيناه تحديًا في صمت
فجأة...قطع استرسالها و علق على إحدى الملاحظات القانونية بصوت عملي بحت
على الرغم من وجود بعض الثغرات....بس تمام مش بطاله
ابتسمت رضوى قليلاً لكنها شعرت بالتحذير الكامن
ليس كل كلمة تقال هي مدح… يوجد خطورة وراء كل نظرة
الاجتماع استمر… وكل ثانية كانت مشحونة بين اربعتهم
قاسم و رضوي ....ادم و اسيا
كل حركة كل كلمة كانت لعبة شد و جذب… كلاهما يحاول أن يظهر سيطرته لكن الآن المعركة أصبحت صامتة وداخلية أكثر من أي مواجهة خارجية سابقة
لاحظ قاسم تلك النظرات الناريه التي يصدرها عمه تجاه تلك الجميله
و لاحظ ايضا تحديها المستتر لعمه كلما قرر معارضتها في أمر ما ترد عليه بذكاء بصدمه
وقبل نهاية الاجتماع، ألقى قاسم نظرة أخيرة على رضوى نصفها تهديد و نصفها الآخر تحدي
حاسس ان الشغل بينا هيكون مُريح
ارتجفت رضوى قليلًالكنها أجابت بصوت هادئ
بالنسبالي… مجرد شغل انا مش جايه ارتاح
قالت تلك الكلمات بقوه لكن في داخلها كانت تعرف أنه لن يصمت… وأن الصدمة الحقيقية لم تتلقاها بعد
قطع تلك الحرب الصامته دخول وليد عليهم والذي رأى اسيا امامه فظهرت على ملامحه الصدمه جليه
تقدم منها ثم مد يده وسلم عليها بود حقيقي قائلا باحترام
أسيا .... مش معقول إنتي شغاله هنا
عاش من شافك اخبارك ايه يا بنتي اختفيتي من زمان
ألقت ببصرها سريعا نحو الذي يُناظرها بغِلٍ ثم قالت بهدوء وقد خرجت كلماتها بمغزى لم يفهمه إلا هذا المتبجح
اخبارك إيه يا استاذ وليد والله فعلا وحشتني
مَختفتش ولا حاجه بس الدنيا تلاهي كل واحد اتلهى في حياته واولاده ودنيته
وأدينا تقابلنا من جديد ومسير الحي يتلاقى
نظر لهم شريف باستغراب وسأل بإهتمام
هو انتم تعرفوا بعض ولا إيه
قبل ان يفكر وليد بالتفوّه بحرف ردت اسيا سريعاً باقتضاب
كُنا جيران زمان
بعد انتهاء الاجتماع، خرج معظم الفريق من القاعة تاركين رضوى وآسيا وبعض الملفات
آسيا اضطرت لمغادرة المكتب لإجراء بعض المكالمات
بينما وقفت رضوى تُرتب بعض الأوراق تحاول أن تهدأ من ضربات قلبها المتسارعة…
لكن شعورًا غريبًا بدأ يتسلل إليها شعور بأنها لم تنتهِي بعد من قاسم.
و قاسم.....يقف عند باب المكتب يبتسم ابتسامة خبيثه و هو يسأل أبيه باهتمام
بقولك إيه يا حاج انت تعرف المُزّه اللي جوه دي منين
شكلها عاجبه دماغ ادم طول الاجتماع مشالش عينه من عليها بس بصته مريحتنيش هو في ايه بالظبط
تنهد وليد بِهم حقيقي وقد شعر أن القادم ليس سهلًا ثم قال بحزن
دي أسيا خطيبه عمك القديمه اللي حكيتلكم عنها
ظهرت الصدمه جليّه على وجه قاسم لكنه قال
معقوله..... دي الوليه صاروخ ازاي يسيبها
وكزه وليد فوق كتفه بغيظ ثم تركه وهو يسب ويلعن على سفاله ولده ولسانه البذيء
اما هو نظر للأمام بشرود لكنه ابتسم بمكر وهمس لنفسه
ده اللعب هيحلو قوي يلاااااا بينا
إلتف بجسده وقرر ان يعود الى تلك المرتعشه بالداخل كي يضغط على اعصابها قليلا
شوفي يا شيخه سبحان الله كنتي متخيله ان انتي خلصت مني بسهولة....خرجت نبرته هادئة لكن حادة
ارتجفت رضوى للحظة ثم جمعت شجاعتها و قالت
أنا هنا بشتغل في شركه شريف بيه ...يعني انت ملكش دعوه بيا اصلا
قالت بثبات لكنها شعرت بحرقة الغضب بداخله
تقدم قاسم خطوات قليلة حتى أصبح قريبًا منها لكن لم يلمس شيئًا....فقط حضوره كان يضغط عليها
هو انتي متعرفيش ان ابويا وعمي شركاء شريف بيه.... لسه لاغيه العقد معايا امبارح وانهارده ألاقيكي تاني بتشتغلي عندي
ابتسامة رضوى لم تهتز بل قالت بقوه
بس انا مش شغاله عندك..... وحتى لو.... سهل جداً أسيب الشغل بس الفرق إن هنا مفيش شرط جزائي تقدر تضغط عليا بيه
ضحك ضحكة قصيرة نصفها استهزاء و باقيها تهديد
تسيبي الشغل.....بتحلمي
اقتربت رضوى قليلاً دون خوف ظاهر لكنها في داخلها تشعر بالتيار الكهربائي الذي يمر بينهما
أنا مبخفش منك…واللي كنت بتعمله فيا هناك مش هسمحلك تعمله هنا.... قالت بنبرة هادئة لكنها صلبة
ابتسم ابتسامة جانبية وعاد إلى وضعه المُعتدل،لكنه قال بصوت منخفض
زي الفل… هتكوني تحدي جديد بالنسبالي يا .... رضوى
ولأول مرة تشعر أنها ليست مجرد موظفة أمامه…بل خصم مُحتمل في معركة ستطول
ابتعد قليلاً نظراته تلاحق كل حركة لها، لكنه تركها واقفة وحدها وكأن كل كلمة وكل نظرة كانت اختبارًا لقُدرتها علي الصمود امامه
ترك وراءه شعورًا واحدًا واضحًا ...اللعبة إحلوت و الكل طرف فيها .....
ماذا سيحدث يا ترى
تكملة الرواية بعد قليل
لمتابعة باقى الرواية زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا
بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل
متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا
الرواية كاملةمن هناااااااااا
مجمع الروايات الكامله 1اضغط هناااااااا
مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هناااااا


تعليقات
إرسال تعليق