القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 سارة وحماها 



سارة وحماها 


أنا كنت بقلع بنطلوني كل يوم بالليل عشان حمايا قالي إن دي عاداتهم وتقاليدهم بس اللحظة اللي بدأ يبص فيها تحت جيبتي على ترابيزة السفرة ويقرب مني أكتر وأكتر دي كانت اللحظة اللي عرفت فيها …….


جوزي حبسني في الأوضة مع أبوه لوحده وكان لابس فوطة وبس صرخت في حمايا وقولتله ابعد عني وأنا بسحل نفسي لورا على الأرض لحد ما ضهري خبط في الحيطة الراجل العجوز ضحك ورمى الفوطة على الكرسي وساب نفسه بالشورت وبس وقالي مش لازم تعملي دوشة وزيطة على الموضوع ده يا سارة ده مش حوار كبير إيه المشكلة لما ست بيت شاطرة تسمع كلام عادات وتقاليد العيلة عيطت وقولتله دي مش عادات وتقاليد وعيني كانت بتدور في الأوضة على أي حاجة أقدر أستخدمها وقولتله يعني جوزي بجد باعني ليك بخمسين مليون هو ده اللي أنت شايفني بيه مجرد بضاعة قالي وهو بيقرب أكتر لأ خالص الخمسين مليون دول تمن قليل أوي على ست جميلة زيك ودلوقتي متبقيش صعبة وخلينا نخلص الموضوع ده بسرعة بصيت ورايا ومكنش فيه أي حتة أروحها ولا مكان أهرب ليه ومكنش قدامي حل غير إني أستسلم وقولتله بصوت واطي يا عمي خلاص خلينا نعمل كده وأنا جاهزة أخد الفلوس هو وقف واستغرب وابتسم وقالي أنت جاهزة قولتله أيوة يا عمي مفيش فايدة من المقاوحة طالما ممكن نتبسط مع بعض هي مرة واحدة بس صح هز راسه وقالي أيوة وابتسامته وسعت من الودن للودن قولتله تمام نتبسط وأنا أخد فلوس وجوزي ياخد فلوس والكل هيبقى مبسوط قال بابهتار واو أنا طول عمرى عارف إنك ست شاطرة ومطيعة والزوجة المثالية لابني هو فك كده وبدأ يمشي براحة ناحيتي وهو بيجهز نفسه بس أول ما اتموه واتشغل أنا جريت بكل قوتي واديته خبطة برجلي في رجاله وصرخت وقولتله أنت حيوان مأخرتش ثانية واحدة ونطيت وقفت على رجلي بس مكنتش قادرة أجري برة الباب عشان المفتاح كان لسه في جيبه وفجأة عيني جت على الكومودينو اللي جنب السرير تليفون جوزي التاني كان محطوط هناك ومحطوط في الشاحن الراجل العجوز كان بدأ يفوق ويقاوح عشان يقف والغل باين في عينه وقالي أنت بتتجرأي وتضربيني هتدفعي تمن ده غالي خطفت التليفون من على الترابيزة وقلبي كان بيدق جامد في صدري وأنا بحاول أطلب أقرب قسم شرطة بس قبل ما ألحق أخلص الراجل العجوز بدأ يتحرك براحة ناحيتي صرخت وأنا رافعة التليفون في الوش وقولتله متقربش مني قسماً بالله لو خدت خطوة واحدة لقدام هفشخ وشك بالبتاع ده وقبل ما أستوعب إيه اللي بيحصل جري عليا وبدون تفكير رميت التليفون في وشه خبط في دماغه ووقع اتدغدغ على الأرض وقبل ما يفوق لفيت وجريت على طول على الحمام الكبير ورزعت الباب وقفلته بالمفتاح في الوقت المناسب زعق وقال افتحي الباب ده يا سارة أنت مش هتقدري تستخبي جوه وللأبد قعدت على الأرض والدموع نازلة على وشي وكنت محبوسة ومن غير بنطلون جوه الحمام وحمايا واقف مستنيني برة الباب وفجأة بصيت لفوق على شباك الحمام الصغير وهنا دخلت فكرة مجنونة في دماغي…..

لقيت نفسي ببص لشباك الحمام الصغير ده وقلبي بيدق في صدري زي الطبلة، مكنش فيه وقت للتفكير، يا إما هقع في إيد الراجل ده يا إما هجازف وأرمي نفسي من الشباك وأي حاجة تحصل تحصل. سحبت كرسي الحمام البلاستيك براحة ومن غير ما أعمل صوت، ووقفت عليه، وبدأت أفتح الشباك الحديد اللي كان منقرص ومصدي من الرطوبة. عافرت معاه بكل قوتي وضوافري بتتكسر لحد ما اتفتح وعمل صوت صرير عالي.


”بتعملي إيه عندك يا سارة؟ فاكرة نفسك هتهربي؟ افتحي الباب ده بدل ما أكسره على دماغك!” صوت حمايا برة كان كله غل وتهديد، وبدأ يرزع على الباب الخشب بكل قوته لحد ما حسيت إن الكالون هيتخلع في أي لحظة.


دموعي نزلت ومسحتها بسرعة، ورفعت رجلي وعديتها من الشباك الضيق، وبقيت متعلقة، نصي برة ونصي جوه. الدنيا برة كانت ضلمة وكنا في الدور الأول علوي، يعني الوقعة مش هتموت بس ممكن تكسرني. غمضت عيني وقولت يارب استرها معايا واحميني، ورميت نفسي.


نزلت على ركبي وسط جنينة البيت الصغيرة، حسيت بوجع رهيب في رجلي لدرجة إني صرخت مكتوم، بس الخوف كان أقوى من الوجع. قمت وأنا بتطوح وبجري حافية على الرمل والزلط، من غير ما أبص ورايا، لحد ما طلعت على الطريق الرئيسي برة الفيلّا. الشارع كان فاضي وضلمة ومفيش صريخ ابن يومين، وأنا بهدومي دي وشكلي المبهدل ودموعي المغرقة وشي.


فضلت أجرى وأنا بتلفت ورايا، خايفة ألمح عربية جوزي أو أبوه جايين ورايا. فجأة لقطت عيني نور كشك سجاير صغير على أول الشارع، وفيه راجل عجوز قاعد بيقرأ في مصحف. جريت عليه وأنا بنهج ومش قادرة أخد نفسي، أول ما شافني اتخض ووقف.


”الحقني يا عمو بالله عليك.. الحقني جوزي وأبوه كانوا عايزين يضيعوني.. أبوس إيدك خبيني أو اطلبلي البوليس!” وقعت على الأرض قدامه وأنا بنهار تماماً.


الراجل العجوز طبطب عليا وهو مذهول وقالي: “اّهدي يا بنتي اّهدي ووحدي الله، تعالي اقعدي جوه الكشك ومحدش هيلمسك طول ما أنا عايش.” دخلت استخبيت ورا الكرتون وهو جاب كباية ميه وسقاني، وطلع تليفونه القديم وطلب النجدة.


نص ساعة مرت وكأنها سنة، لحد ما سمعت صوت سرينة بوكس الشرطة وهي بتقرب. خرجت مع الراجل الطيب ولما الضابط شاف حالتي المتبهدلة ودموعي، سألني عن اللي حصل. حكيتله كل حاجة من أول ما جوزي قالي على “العادات والتقاليد” لحد ما حبسني مع أبوه ولحد ما نطيت من الشباك، وقولتله على الخمسين مليون تمن بيعتي.


الضابط ملامحه اتغيرت وبقت كلها غضب وقالي: “اركبي يا بنتي، والله ما هنسيب حقك، ومفيش حد فوق القانون.”


خدوني مع القوة ورجعنا على الفيلّا. البوكس وقف قدام الباب بقوة، والعساكر نزلت ورا الضابط. خبطوا على الباب بقوة لحد ما فتح جوزي، وأول ما شافني ومعايا الشرطة، وشه بقى أزرق واتلجم ومبقاش عارف ينطق.


”فيه إيه يا فندم؟ مراتي هربت من البيت وإحنا بندور عليها!” جوزي قالها وهو بيترعش وبيحاول يداري كدبه.



الضابط زقه ودخل: “مراتك مين يا روح أمك؟ هتعملوا عادات وتقاليد على حسايب الناس؟ فين أبوك؟”


في اللحظة دي نزل حمايا من فوق وهو لابس ومظبط نفسه وعامل مش فاهم حاجة: “فيه إيه يا حضرة الضابط؟ إحنا ناس محترمين وفيه سوء تفاهم!”


”سوء التفاهم ده هتشرحوه في القسم.. خدهم يا عسكري!” الضابط زعق، ولمح التليفون المكسور على الأرض في الصالة، والباب بتاع الحمام المرزوع، وكل الأدلة كانت واضحة.


كلبشوا جوزي وأبوه قدام عيني، وأنا واقفة ببص ليهم بكل قرف واشمئزاز. جوزي كان بيبصلي بنظرات رجاء وخوف، وأبوه وشه في الأرض من الفضيحة وسط الشارع والناس اللي بدأت تتجمع.


في القسم، اتعمل محضر رسمي بالواقعة وتحولوا للنيابة. وبفضل ربنا والشهادة بتاعة صاحب الكشك المعاين لحالتي، والتقرير الطبي اللي أثبت الكدمات اللي في رجلي من النطة، النيابة أمرت بحبسهم على ذمة التحقيق.


بعد شهور من المحاكم والتعب النفسي، أخدت طلاقي بحكم محكمة، وجوزي وأبوه أخدوا حكم بالسجن المشدد بتهمة هتك العرض والاحتجاز والاتجار بالبشر. رجعت لبيت أهلي وأنا راسي مرفوعة، وصحيح التجربة دي سابت جوايا جرح كبير، بس اتعلمت إن مفيش حاجة اسمها طاعة عمياء تحت مسمى “العادات والتقاليد” لما تكون بتخالف الدين والشرف، وإن الساكت عن حقه بيموت وهو عايش.


**********


بعد ما دخلت البلكونة وأنا فاكرة إن كابوسهم انتهى خلاص وإن السجن هيربيهم، تليفون أمي رن برقم غريب تاني. أمي ردت، بس مفيش ثواني ولقيت سماعة التليفون وقعت من إيدها على الأرض، ووشها بقى أبيض زي الليمونة وعينيها برقت من الرعب.

تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

جريت عليها وأنا بتهز من الخوف وقولتلها: “فيه إيه يا أمي؟ مين اللي كان بيتكلم؟”


أمي بصتلي بشفايف بترتعش وصوت طالع بالعافية وقالت: “أخو… أخو جوزك المحبوس.. طارق.. رجع من السفر برة مصر.”


أبويا وقف من مكانه وقال بعصبية: “ويرجع ولا ميرجعش! هو إحنا عاملين عملة؟ ده أخوه وأبوه هما اللي مجرمين وفي السجن!”


أمي هزت رأسها بلا وهي بتعيط: “لأ يا حاج.. طارق مش جاي يهدّي اللعب.. طارق كلمني وقالي نصاً: (قولي لبنتك تفرح بالقرشين اللي حكمت بيهم المحكمة، عشان الفلوس دي هي اللي هصرفها على عزاها وعزاكم كلكم لو المتنازلش عن القضية وتطلع أبويا وأخويا من السجن).”


الكلام نزل عليا زي المية الساقعة. طارق ده أنا مسمعتش عنه كتير غير إنه كان عايش في دولة عربية وشغال في تجارة مشبوهة، وكنت فاكرة إنه ملوش دعوة بالبلاوي بتاعة عيلته، بس واضح إن العرق دساس وإن الغل والافترا وراثة في العيلة دي.


أبويا قفش في تليفونه وقرر يتصل بالمحامي والضابط اللي مسك القضية من الأول عشان يبلغهم بالتهديد ده، وبقينا قاعدين في الصالة ملمومين حوالين بعض والخوف رجع يتسحب لقلوبنا تاني بعد ما كنا فاكرين إننا ارتاحنا.


وفجأة، وإحنا قاعدين في قلقنا، النور انقطع في الشقة كلها، والمنطقة برة بقت ضلمة كحل. قمت بسرعة عشان أجيب كشاف التليفون، بس قبل ما أتحرك خطوة واحدة، سمعنا صوت خبط ورزع عنيف جداً على باب شقتنا، ومع الخبط كان فيه صوت حد بيحاول يكسر الكالون بآلة حادة!


أمي صرخت وأبويا جري على المطبخ جاب الساطور ووقف ورا الباب وهو بيزعق: “مين برة؟!”


جاء لنا الصوت من ورا الباب، صوت خشن ومليان شر وضحكة مستفزة: “افتح يا حاج.. أنا طارق.. جيت أبارك لسارة على التعويض وبنطلونها الجديد!”


********


صوت ضحكته المستفزة ورا الباب خلت جسمي كله يتنفض، وأمي لفت دراعاتها حواليا وهي بتبكي وتدعي بصوت مكتوم. أبويا وقف سادد قدام الباب بظهره، ماسك الساطور في إيده وإيده التانية بترتعش من الغضب والعجز، وزعق بعلو صوته: “امشي من هنا يا مجرم يا ابن المجرمين، وإلا والله هطربقها فوق دماغك! البوليس زمانه على وصول!”


طارق رد ببرود وثقة ترعب: “بوليس إيه يا حاج؟ عقبال ما يوصلوا هكون أخدت واجبي وزيادة.. افتح بالذوق بدل ما أطير الباب ده في وشك.”


الخبط زاد وبقى وراه رزع بآلة حديد قوية، الباب الخشب بدأ يتشقق والكالون بيتحرك من مكانه. مكنش فيه وقت، النور مقطوع ومفيش أي وسيلة لإضاءة غير كشاف تليفوني اللي كنت مخبياه في جيب الروب. سحبت أمي براحة من إيدها وهمستلها: “تعالي ورايا يا أمي، لازم نستخبى في أوضة النوم ونقفل علينا بالسرير.”


في نفس اللحظة، صوت خلع الكالون وكسر الخشب هز الشقة كلها. الباب اتهد ودخل طارق، ملامحه مكنتش باينة في الضلمة غير من نور كشاف تليفونه اللي كان مسلطه في وش أبويا. لمحنا خيال طويل وضخم، وماسك في إيده شومة حديد.


أبويا صرخ ورفع الساطور واندفع ناحيته: “أنا هوريك يا كلب!”


طارق تفادى الضربة بخفة وضربه بالشومة على دراعه، الساطور وقع على الأرض وعمل صوت رنين مرعب، وأبويا صرخ من الوجع ووقع في الصالة. أمي سابت إيدي وجريت على أبويا وهي بتصرخ: “الحقوني.. يالهوي يا حاج!”


طارق متمشاش ناحيتهم، ده لف الكشاف بتاعه في الصالة الضلمة لحد ما النور جه في عيني مباشرة. ضحك ضحكة صفرا وقرب خطوات وهو بيخبط الشومة الحديد في الأرض: “منورة يا عروسة.. أخيراً اتقابلنا.. بقا أنتِ اللي حبستي أبويا وأخويا وعايزة تاخدي شقا عمرنا؟”


رجعت لورا وأنا بترعش، بس المرة دي مكنش فيه حمام أستخبى فيه، كنت في وسط الصالة ومحاصرة. طارق رفع الشومة لفوق وبدأ يسرع خطوته ناحيتي وهو بيقول: “أنا هوريكِ بقا العادات والتقاليد على أصولها.. عشان تبقي عبرة.”


وقبل ما الشومة تنزل على دماغي، لمحته بيتكعبل في الساطور اللي كان واقع على الأرض، وفقد توازنه للحظة. في ثواني معدودة، استجمعت كل قوتي وزقيته بكل عزمي ناحية نيش الصالة الكبير. طارق دخل بظهره في قزاز النيش، والرفوف كلها اتدغدغت فوق دماغه، والطباق والكاسات نزلت تكسر وتعمل دوشة رهيبة في الضلمة.

تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

طارق صرخ من الوجع والغضب وهو بيحاول يقوم وينفض القزاز من عليه، وأنا انتهزت الفرصة وجريت على باب الشقة المكسور عشان أطلع الشارع أصرخ وألم الناس، بس أول ما وصلت لعتبة الباب…



أول ما وصلت لعتبة الباب، لقيت خيال شخص تاني واقف سادد الممر الضلمة برة الشقة!


قلبي سقط في رجلي وقولت خلاص هي مسبوكة علينا من كل حتة، ورجعت خطوتين لورا وأنا كاتمة صرختي، بس الخيال ده فجأة نور كشاف قوي وعلي صوته: “اثبت مكانك يا طارق! النجدة محاصرة العمارة بالكامل!”


طلع الضابط نفسه ومعاه اتنين عساكر، ودخلوا الشقة بسرعة الصاروخ. طارق كان لسه بيحاول يقوم من وسط قزاز النيش المكسور وهو بينزف من دماغه وإيده، والعساكر هجموا عليه وثبتوه في الأرض وكلبشوه في ثانية قبل ما يقدر يعمل أي حركة.


النور رجع يشتغل في الشقة فجأة وكأن الستارة بتترفع عن نهاية الكابوس. الضابط بص لأبويا اللي كان ساند نفسه على الكنبة وبيئن من وجع دراعه، وبصلي وقالي: “ألف سلامة عليكم، المحامي بلغنا بالتهديد أول ما كلمتوه، وإحنا كنا مراقبين تليفونه ولقطنا إشارات تحركه وجينا وراه عليا طول.. متخافيش يا سارة، حسابه تقل أوي.”


أمي جريت عليا وأنا اترَميت في حضنها وأنا بجسمي كله بيترعش من الصدمة، وبصيت لطارق وهو متكلبش والعساكر بتجره برة الشقة، وعينه كانت بتطق شرار بس خلاص، مكنش باقيله غير السجن زي أبوه وأخوه.


الضابط التفت ليا قبل ما يمشي وقال بنبرة حازمة: “المحضر المرة دي مش بس تهديد، ده شروع في قتل واقتحام مسكن، يعني مش هيشوف الشمس تاني هو وعيلته.”


بعد ما الشرطة مشيت والهدوء رجع للشقة المتبهدلة، قعدت على الأرض وسط القزاز المكسور، وبصيت لأبويا وأمي. رغم الوجع والخوف اللي عشنا فيه الساعات اللي فاتت، حسيت براحة غريبة.. الراحة بتاعة إن الأفعى اتقطع راسها بالكامل ومبقاش ليهم أي عين ترفعوها في وشنا تاني.


بس وأنا بلم القزاز المكسور من الأرض، لمحت ورقة صغيرة كانت واقعة من جيب طارق وقت المعركة.. ورقة مطبقة وعليها كتابة بخط إيد مألوف جداً ليا.. خط جوزي المحبوس!


مسكت الورقة براحة وفتحتها، وأول ما قريت السطور الأولى، عيني برقت وجسمي سقع تاني..


*************


كان الخط هو نفس الخط المعوج بتاع جوزي، اللي كنت بشوفه بيكتب بيه طلبات البيت. الورقة كانت متبهدلة وعليها بقع عرق، ومكتوب فيها:


”يا طارق، لو قريت الورقة دي يبقى أنا وأبويا خلاص بقينا في المحبس والبت سارة لوت دراعنا. اسمعني كويس، الخمسين مليون مش في البنك زي ما الحكومة فاكرة، الفلوس كاش وشايلينها في الخزنة السرية اللي تحت أرضية المحل القديم في السبتية. المحامي مش هيعرف يعمل حاجة، والبت دي لو أخدت التعويض ه تخرب بيتنا. ادخل الشقة، رعبهم، وخلص على البت سارة واخلص من أبوها، وخد الورق اللي معاهم باي طريقة. بعد ما تخلص، روح المحل وخد الفلوس واهرب بيها برة البلد، واصرف منها على المحامين الكبار عشان يخرجونا بنقض. متسبش حقنا يا طارق، البت دي لازم تموت.”


إيدي كانت بترتعش وأنا بقرأ الكلام، وبصيت لأبويا وأمي وأنا مش مصدقة الغل والشر اللي في قلوبهم. يعني حتى وهم وراء القضبان، كانوا بيخططوا لقتلي وتدمير أهلي عشان الفلوس والأنتقام.


أبويا أخد الورقة من إيدي وقراها، وملامحه اتغيرت تماماً وقالي بغضب: “الحمد لله إن الورقة دي وقعت، دي هتبقى حبل المشنقة اللي هيلتف حوالين رقبتهم كلهم! دي قضية تآمر وتحريض على القتل من جوه السجن!”


في ثواني، كلمنا الضابط تاني ورجعنا على القسم بالورقة دي. أول ما الضابط شافها، عينه لمعت وقام وقف من على مكتبه وقال: “ده كنز! أنتوا مش عارفين الورقة دي هتعمل إيه؟ دي هتقلب القضية قلبة تانية خالص، وهتجيب قرار الفلوس المتهربة اللي كنا بندور عليها، وتثبت التهمة على طارق وعلى أبوه وجوزك بالدليل القاطع اللي مفيش فيه شك.”

تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

وفعلاً، الشرطة تحركت في نفس الليلة على المحل القديم في السبتية، ولقوا الخزنة السرية وفيها ملايين الكاش اللي كانوا مخبينها من تجارته المشبوهة.


بعد يومين، اتعرض طارق مع الورقة دي على النيابة، وجابوا جوزي وأبوه من محبسهم عشان يتواجهوا بالخط والتحريض. أول ما جوزي شاف الورقة في إيد وكيل النيابة، انهار تماماً وبدأ يعيط ويحدف التهمة على أبوه وطارق، وبقوا يقطعوا في بعض قدام الكل زي الكلاب.


وأنا واقفة في طرقات النيابة، وسامعة صوت زعيقهم وخناقهم مع بعض، حسيت لأول مرة إن نفسي هديت بجد. الكابوس اللي بدأ بكلمة “عادات وتقاليد” وبنطلون بيتقلع بالليل، انتهى بفضيحة وجريمة وتدمير لعيلة كاملة كانت فاكرة إن الفلوس والنفوذ يقدروا يشتروا بيهم شرف الناس.


بصيت لأبويا وقولتله: “يلا بينا يا بابا نمشي من هنا، المكان ده ملوش أمان، وإحنا حقنا خلاص ربنا جابه وزيادة.”


ركبنا التاكسي وراجعين بيتنا، وأنا بصلة من الشباك على شوارع القاهرة والناس والبيوت، وحاسة إن الهوا بقى نظيف، وإن الشباك الصغير اللي نطيت منه داك اليوم، فتحلي طاقة نور لحياة جديدة ومختلفة تماماً…


**********


ومع كل خطوة للتاكسي بيقربنا من بيتنا، كنت بحس إن الروح بترجعلي من جديد. شوارع القاهرة اللي كانت من كام ساعة ضلمة ومرعبة في عيني، بقت دلوقتي منورة وبتبتسم لي.


وصلنا البيت، ودخلت أوضتي. قعدت على السرير وبصيت في المراية.. شوفت واحدة تانية خالص غير سارة الضعيفة المستسلمة اللي كانت بتسمع كلام حماها وتقلع بنطلونها لمجرد إنها خايفة من المشاكل. شوفت ست قوية، حاربت عيلة بملايينها وجبروتها وكسرت عينهم كلهم بالقانون وبالحق.


فتحت دولابي، طلعت بنطلون بيجامة مريح ولبسته، وابتسمت بسخرية وأنا بفتكر أول حلقة في الكابوس ده. نمت ليلتها أعمق نومة نمتها من سنين، من غير خوف، ومن غير ما أقلق من صوت خطوت في الصالة أو رزعة باب.


بعد أسبوعين، المحامي كلمنا وطلب مننا نيجي المكتب. رحت أنا وأبويا، وأول ما دخلنا لقيناه حاطط قدامه شنطة سودا كبيرة ومبتسم من الودن للودن.


”مبروك يا سارة.. النيابة أفرجت عن جزء من الفلوس الكاش اللي اتلقت في خزنة السبتية كدفعة أولى من التعويض بتاعك والمؤخر، والباقي هيتأخد من أملاكهم السائلة بعد الحكم النهائي اللي خلاص بقى مسألة وقت.” المحامي قالها وهو بيفتح الشنطة اللي كانت مليانة رزم فلوس.


أبويا بص للفلوس وبصلي وقالي: “الفلوس دي بتاعتك أنتِ يا بنتي.. شقاكِ وتمن رعبك، اعملي بيها اللي يعوضك عن الأيام السودا اللي عشتيها.”


بصيت للفلوس وقولت بثقة: “الفلوس دي يا بابا هشتري بيها الشقة اللي فوقينا ونفتحها مشغل خياطة كبير.. أنا هقف على رجلي وهشغل معايا الستات والمطلقات اللي ملهمش ضهر، عشان مفيش ست تضطر تستحمل الإهانة أو تبيع شرفها عشان لقمة العيش.”


أبويا دمع وأخدني في حضنه وقالي: “طول عمرك أصيلة وبنت أصول يا سارة.”


مرت الأيام، والمشغل بتاعي كبر وبقى مالي السمع والبصر، وبقيت أنا “الست سارة” اللي الكل بيعملها ألف حساب. وفي يوم وأنا واقفة بتابع الشغل، تليفوني رن.. كان المحامي.


”سارة.. الحكم النهائي صدر النهاردة.. جوزك وأبوه أخدوا ١٥ سنة سجن مشدد، وطارق أخد مؤبد بتهمة الشروع في القتل وحيازة سلاح وتشكيل عصابي.. العيلة دي اتمحت من الوجود خلاص.”


قفلت السكة، ونزلت على ركبي في وسط المشغل، ورفعت إيدي للسما وقولت: “الحمد لله.. الحمد لله اللي مبيضيعش حق حد.”


وفجأة وأنا قايمة، لقيت واحدة من البنات الشغالين عندي جاية بتجري عليا ووشها مخطوف وبتقولي: “ست سارة.. الحقيني.. فيه راجل غريب واقف تحت المشغل ورافع عينه على شباك مكتبك وبقاله ساعتين واقف ومبيتحركش، ولما سألته عايز مين.. قالي قولي لسارة إن الحساب لسه مقفلش!”


********


جسمي سقع في مكاني والدم هرب من عروقي، البنات في المشغل كلهم سكتوا وبقوا يبصوا لبعض وبصينلي بخوف. “راجل مين ده؟” سألت البنت وصوتي كان بيرتعش بس حاولت أبين جامدة قدامهم.

البنت بلعت ريقها وقالت: “راجل ضخم كده يا ست سارة، لابس قميص أسود وفي وشه جرح قديم، وعينه مش مريحة خالص، وموقف عربية بيضا على أول الشارع ومبيتحركش.”

جريت على شباك المكتب براحة واستخبيت ورا الستارة وبصيت على الشارع تحت. فعلاً، كان فيه راجل واقف ساند ظهره على العربية، حاطط إيده في جيبه، ورافع عينه ومثبتها على شباك مكتبي بالظبط وكأنه شايفني من ورا القماش. أول ما ركّزت في ملامحه، افتكرت كلام طارق لما كان بيهدد أمي في التليفون عن “تجارتهم المشبوهة برة مصر”.. الراجل ده مكنش من العيلة، الراجل ده شكل من رجالة طارق الشغالين معاه في الممنوع، وجاي يخلص الحساب القديم! تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

أبويا كان في البيت، ومكنش معايا في المشغل غير البنات. طلعت تليفوني بسرعة وإيدي بترحش، وطلبت رقم الضابط اللي بقيت حافظة رقمه من كتر المحاضر والقضايا.

”أيوة يا حضرة الضابط.. الحقني، فيه راجل تحت المشغل تبع طارق وبيبجح وبيقول الحساب مقفلش!” قولت الكلام كله في نفس واحد وأنا بنهج.

الضابط رد عليا بسرعة وحسم: “سارة، اقفلي باب المشغل بالمفتاح أنتِ والبنات، ومحدش يقف جنب الشبابيك خالص.. أنا قريّب من منطقتكم ومعايا قوة، خمس دقائق بالظبط وهكون عندك.”

قفلت السكة وجريت على البنات زعقت فيهم: “اقفلوا الباب الحديد بتاع السلم بسرعة! واقفلوا النور ومحدش يطلع صوت!” البنات جريوا وهما بيصرخوا بصوت مكتوم وقفلوا الترباس والأقفال، وقعدنا كلنا في الضلمة على الأرض، مستنيين المصير المجهول.

وفجأة، سمعنا صوت خبط جزام تقيل على السلم الرخام برة.. الخطوات كانت واثقة وبتقرب، لحد ما وقفت قدام باب المشغل بالظبط.

السكوت كان مرعب، ومكنش مسموع غير صوت أنفاسنا الخايفة. وفجأة، خبطتين خفاف أوي على الباب الخشب، وراهم صوت الراجل اللي تحت وهو بيتكلم بنبرة هادية ومستفزة تخلي الشعر يقف: “يا ست سارة.. افتحي بالذوق.. طارق باشا بيسلم عليكي من جوة، وبيقولك الملايين اللي أخدتيها دي تمن كفنك أنتِ وأبوكي.. لو مفكرتيش إن الحكاية خلصت بالحبس، تبقي غلطانة.. الشغل برة لسه شغال.”

البنات بدأوا يعيطوا، وأنا ضغطت على سني بكل غل.. العيلة دي مش هتموت؟ الجبروت ده ملوش نهاية؟

الراجل برة حس بسكوتنا، وصوته اّتحول لخشونة وعصبية: “مش هتفتحي؟ تمام.. هحرقلك المكان ده باللي فيه ونشوف ه تخرجي منه إزاي!”

سمعنا صوت دلق سائل برة الباب.. ريحة بنزين بدأت تتسرب من تحت عقب الباب وتدخل المشغل! الكابوس بيرجع تاني وبشكل أرعب، والنار لو مسكت في قماش المشغل والفساتين، المكان كله هيبقى رماد في ثواني.

الراجل طلع ولاعة وسمعنا صوت “تكة” الحديد بتاعها، وقبل ما يرمي النار…

**********

وقبل ما يرمي النار، الشارع تحت اتقلب في ثانية! صوت سرينات العربيات هجم على المكان زي الإعصار، وصوت فرامل قوية دبت في الأرض.

”اثبت مكانك ولا حركة! ارمي اللي في إيدك!” صوت الضابط كان بيزلزل العمارة كلها من تحت.

الراجل برة الباب اتلجم، وسمعنا صوت الولاعة وهي بتقع من إيده وتخبط في الأرض، وبعدها صوت خطواته وهو بيجري بسرعة البرق على السلم بيحاول يطلع للسطوح يهرب. بس العساكر كانت أسرع، صوت رزع وركض عنيف على السلم، وراه صوت ضرب نار في الهواء عشان يثبتوه، وصراخ الراجل وهو بيتكبش ويقع على السلم: “خلاص.. خلاص أنا مظلوم ماليش دعوة!”

العساكر ثبتوه ونزلوا بيه، ودقايق ولقينا صوت الضابط بيخبط على الباب بهدوء: “سارة.. افتحي يا بنتي، إحنا هنا، خلاص اتقبض عليه.”

فتحت الباب وإيدي بترتعش، وريحة البنزين مالت الممر. الضابط كان واقف ومعاه عسكري ماسك جركن البنزين والولاعة كأدلة. بصيت للضابط وأنا هقع من طولى، قالي: “متخافيش، الراجل ده مرصود بقاله فترة، وده الخيط اللي هيوقع بقية العصابة المشبوهة بتاعة طارق برة وجوه مصر. المرة دي القضية قلبت جنايات دولية، ومفيش مخلوق هيجرؤ يقرب منكم تاني.”

البنات خرجوا وهما بيعيطوا من الفرحة وبيحضنوا بعض، وأنا سندت راسي على الحيطة ونفست الصعداء.

مرت الأيام بعد الحادثة دي، والشرطة فعلاً صفت كل رجالة طارق، والمشغل بتاعي رجع يفتح ونوره مالي الشارع. وفي يوم، كنت قاعدة في مكتبي وببص على الشباك اللي كان من كام يوم مصدر رعب، ولقيت المحامي داخل عليا ومعه ورق رسمي جديد.

حط الورق على المكتب وقال بنبرة كلها نصر: “سارة.. تقدري تقولي إن الحساب قفل بجد المرة دي.. النيابة حجزت على كل الملايين الباقية في حساباتهم برة وجوه، وتم إدراج اسم طارق وجماعته على قوائم الإرهاب الدولي والجرائم المنظمة.. العيلة دي اتفرمت تحت جزمة القانون، ومش هتقوم لهم قومة ليوم الدين.”

بصيت للورق، وابتسمت ابتسامة صافية لأول مرة من يوم ما دخلت البيت ده. قمت وقفت وجبت مقص كبير من بتوع القماش، وقصيت بيه شريط افتتاح خط إنتاج جديد في المشغل، وسط زغاريط البنات وتشجيعهم.

وقفت في وسط المكان، وأنا لابسة بنطلوني ومطمنة، وبصيت للسما من الشباك المفتوح على اّخره، وحسيت إن كل تكة مقص وكل خطوة خياطة هي رد اعتبار لكل ست قررت متستسلمش، وإن الحكاية اللي بدأت بـ “عادات وتقاليد” ظالمة، انتهت بأكبر درس في الشرف والقوة.

********”

عدت السنين، والمشغل الصغير اللي فوق شقة أبويا اّتحول لمجموعة مصانع كبيرة لملابس السيدات، وبقى اسم “مجموعة مصانع سارة للـفاشون” علامة مسجلة في سوق الملابس في مصر كله. الفلوس والملايين اللي حاولوا يذلوني ويشتروا شرفي بيها، ربنا بارك فيها وبقت سبب في فتح بيوت مئات الستات الغلابة والمطلقات اللي ملهمش ضهر، وبقيت أنا الضهر والسنَد ليهم بعد ربنا.

وفي يوم، كنت قاعدة في مكتبي الرئيسي، مكتب واسع، شباكه كبير ومفتوح على اّخره وبيدخل منه نور شمس دافي. كنت لابسة بدلة رسمية شيك ببنطلون ومظبطة نفسي، وواقفة براجع تصاميم الموسم الجديد. دخل عليّ المحامي بتاعي، بس المرة دي مكنش شايل جراكن بنزين ولا ورق تهديد، كان في إيده جورنال رسمي وفي عينه نظرة هدوء غريبة.

حط الجورنال على المكتب وشاورلي على صفحة الوفيات والجرائم الرسمية وقال بصوت واطي: “البقاء لله يا سارة.. الحساب قفل لآخر مرة.. النهاردة الصبح حماكِ العجوز اتوفى في مستشفى السجن بعد صراع طويل مع المرض، وجوزك القديم طارق دخل في حالة نفسية وصحته اّتدمرت تماماً ومش باقيلهم أي أمل برة القضبان.”

بصيت للخبر في الجورنال.. شوفت صورهم القديمة.. ومحستش بأي حاجة، لا فرحة ولا حزن، محستش غير بنعمة السلام اللي جوايا. افتكرت البنت الضعيفة الخايفة اللي كانت بتعيط في الحمام، وبصيت لنفسي دلوقتي.. لولا الكابوس ده ولولا إني وقفت وقاومت، مكنتش هبقى الست القوية اللي واقفة النهاردة.

أبويا دخل عليا المكتب وهو ساند على عصايته وبقيت علامات الزمن باينة على وشه، بس عينه كانت بتلمع بالفخر. بص للمحامي وبصلي وقالي: “الحمد لله يا بنتي.. نامي وارتاحي وعيشي حياتك.. العيلة دي مبقاش ليها وجود في الدنيا، والعدالة أخدت مجراها لآخر نفس.”

ابتسمت وروحت حضنت أبويا وبست إيده، وقولتله: “أنا مرتاحة من زمان يا بابا.. من اليوم اللي عرفت فيه إن الشرف مبيتصانش بالخوف، وإن الحق عايز ضهر يحميه.”

خرجت برة المكتب ووقفت في صالة المصنع الكبيرة، وسط صوت مكن الخياطة اللي شغال زي السيمفونية، وصوت ضحك البنات وهما شغالين ومطمنين. بصيت لبلوزة وبنطلون معلقين على مانيكان في أول المصنع، وضحكت من قلبي وأنا بفتكر الحكاية من أولها.

دي كانت نهايتي.. نهاية سارة اللي رفضت تكون بضاعة بـ 50 مليون، واختارت تكون ست بمليون ست.. عاشت برأس مرفوعة، ونامت كل ليلة وهي لابسة بنطلونها ومطمنة إن مفيش مخلوق على الأرض يقدر يكسر عينيها تاني.

تمت


تعليقات

التنقل السريع
    close