زوجه على الرف كاملة
زوجه على الرف كاملة
جوزى كان دايما يخرج مع أهله ويرفض انى اخرج معاهم
كان يعزم أهله في مطاعم وكافيهات واقوله انا هلبس واجى معاك يقولى لأ مره يقولى مش معايا فلوس ومره ثانيه احنا عيله فى بعض ولما اقوله ماولاد وبنات خالتك خارجين معاكم
يقولى دول من اهلى
جه فى مره سافر عشان يعمل عمره طلبت اروح معاه على حسابى رفض وقالى لا هروح مع اهلى بس عشان يبقوا براحتهم ومايتحرجوش منك
وافقت وانا من جوايا متضايقه واتفاجئت بعد كده بصور مرات اخوه وهى سافرت معاهم
وقتها الدنيا لفت بيا ومبقتش قادرة أستوعب الصورة! مرات أخوه؟! يعني هي سافرت معاهم وأنا اللي شريكة حياته وأم عياله بقيت الغريبة اللي هتقيد حريتهم؟!
لما رجع من السفر، ملقاش الست الطيبة اللي بتعدي وتسكت. وقفت قدامه والدموع محبوسة في عيني من كتر القهر، ووريتُه الصورة في الموبايل وأنا مستنية أشوف هيقول إيه بعد كل الوعود والأعذار اللي عاشمني بيها.
لكن رد فعله خلاني أقف مكاني مذهولة.. لقيته ملامحه اتقبضت وبان عليه الضيق الحقيقي، وقال لي بنبرة كلها غيظ: “والله العظيم أنا اتفاجئت زيي زيك! أخويا قالي في آخر لحظة إنها جاية، ومحبتش أقولك هناك عشان منكدش عليكي وأنا في العمرة. أنا نفسي مكنتش مرتاح طول الرحلة، واتخانقت مع أخويا بسبب الحركة دي وقلت له مكنش ينفع تعمل كده!”
وقفت مكاني مش عارفة أصدق تبريره والضيق اللي باين في عينه، ولا أصدق الوجع اللي عاش في قلبي طول فترة سفره..
مرت الأيام، وحاولت أعدي الموقف وأصدق تبريره والضيق اللي كان باين في عينه، قلت لنفسي يمكن فعلاً ملوش ذنب وأخوه هو اللي حطه قدام الأمر الواقع. بلعت الوجع وسكتت عشان المركب تمشي، بس جوايا كان فيه شرخ عميق مستني أي حركة عشان ينفجر.
ومجتش الفرصة بعيد.. بعد شهرين بالظبط، سمعته بالصدفة بيتفق مع إخوته في التليفون على سفرية “ويك إند” سريعة لمدة يومين يغيروا جو.
دخلت عليه الأوضة وعيني في عينه وقلت له بنبرة هادية بس حاسمة: “أنا سمعتك وكنت مستنياك تدخل تقول لي نجهز شنطنا عشان نسافر معاكم.. المرة دي مفيش عمرة، ومفيش مفاجآت.”
بص لي ولف وشه الناحية التانية وهو بيتهرب من عيني، وقال بنفس البرود القديم: “يا حبيبتي دي سفرية يومين خطف، إحنا يا دوب هنقعد في شقة واحدة كلنا، ومفيش مكان، وبعدين أنا رايح أريح دماغي من الشغل والمصاريف.. خليكي أنتِ هنا والمرة الجاية هفسحك لوحدنا.”
في اللحظة دي، شريط السنين كلها عدى قدام عيني.. افتكرت الخروجات، والمطاعم، وكذبة “الميزانية مخرمة”، وصورة مرات أخوه في العمرة. عرفت إن مفيش حاجة بتتغير، وإن تبريره الأولاني كان مجرد مسكن عشان يسكتني.
حسيت بكرامتي بتهدر بالكامل، وإني لو وافقت المرة دي وسكت، هفضل طول عمري الست اللي على الرف، اللي بتتشال وتتحط بمزاجه.
أول ما قفل إبراهيم الباب وراه، حسيت الدنيا بتلف بيا. كل ذرة في جسمي كانت بتترعش من الغيظ والقهر. شريط السنين كلها عدى قدام عيني، كذبة “الميزانية مخرمة” و”مش معايا فلوس”، وصورة مرات أخوه في العمرة.. كل دي بقت سكاكين بتقطع في قلبي أنا فرح، الست اللي عاشت تضحي وتعدي عشان المركب تمشي.
لميت هدومي وهدوم ولادي والدموع نازلة من عيني مغرقاني، مكنتش شايفة قدامي بس كنت عارفة حاجة واحدة.. إني مش هقعد في البيت ده ولا دقيقة تانية، وإني مش هبقى الست اللي على الرف تاني أبداً.
روحت لبيت أهلي، وأول ما أمي فتحت لي الباب وشافت منظري والشنط في إيدي، اتخضت. دخلت وأنا منهارة، قعدت وسطهم وحكيت لهم كل حاجة من طقطق لسلام عليكم.. حكيت عن خروجاته وعزامته لأهله ومنعي، وعن صدمة العمرة ومرات أخوه، ولحد السفرية الأخيرة اللي سابني فيها وخرج يغير جو مع إخواته وبنات خالتهم ورفض ياخدني.
أبويا كان بيسمعني وهو ساكت تماماً، بس عروق وشة كانت بارزة وعينه بتطق شرار من كتر الغضب على كرامة بنته اللي اتهانت. أول ما خلصت كلامي، بص لي وقال لي بنبرة حاسمة وهادية تخوف: “أنتي تعرفي يا فرح هما سافروا فين بالظبط؟”
هزيت رأسي وقلت له: “أيوة يا بابا، سمعته بالصدفة وهو بيتفق معاهم في التليفون على شاليه في (…).”
أبويا وقف فجأة وبص لإخواتي الصبيان وقال: “مفيش بنوتة من بناتي تِتْقهر ولا تِترمي على الرف.. اجهزي يا فرح أنتي وأمك وإخواتك، كلنا هنجهز شنطنا وحالاً هنطلع على نفس المكان اللي هو فيه. المرة دي مفيش استغماية، والوجع اللي عاش في قلبك هيرد له في عينه قدام أهله كلهم.”
في الأول اذهلت من رد فعل بابا، بس حسيت بنار جوايا بدأت تبرد وبكرامتي بترجع لي. جهزنا كلنا وركبنا العربيات، وطول الطريق وأنا قلبي بيدق، مش خوف، لكن مستنية لحظة المواجهة الكبرى.
وصلنا المكان، وعرفنا الشاليه اللي هما فيه، ولمحناهم من بعيد.. كانوا قاعدين كلهم في الجنينة والمطبخ المفتوح بيضحكوا ويهزروا، وإبراهيم قاعد في وسطهم رايق وفرحان ولا على باله إنه ساب وراه قلب مكسور.
مشيت ورا بابا وإخواتي وإحنا داخلين عليهم فجأة. أول ما رجلي خطت المكان وعينه جت في عيني، الضحكة اختفت من على وشه تماماً، وملامحه اتقبضت وبلم مكانه، والـ “كوباية” اللي كانت في إيده بغباء كانت هتقع منها! بص لـ بابا وبص لي وهو مش قادر يستوعب الصدمة، كأنه شايف شبح.. ومبقاش عارف ينطق ولا يقول إيه بعد ما اتقفش في كذبته الكبيرة.
أبويا وقف بكل هيبة، وبص لإبراهيم ونظراته كفيلة تخليه يبلع ريقه من الخوف. في اللحظة دي، الهدوء اللي كان مسيطر على قعدة أهله اتقلب لـ هرج ومرج. كلهم بدأوا ياخدوا بالهم من ملامح إبراهيم اللي اتخطفت ونظراته اللي رايحة جاية في الأرض ومش قادر يثبتها في عين أبويا ولا في عيني.
حماتي وبنات خالته وقفوا مكانهم، وعيونهم مبرقة من المفاجأة.. الصدمة كانت ملجمة الكل، ومكنش حد فيهم مستوعب إزاي فرح، الست اللي دايماً متدارية وعلى الرف، واقفة قدامهم بكامل قهرها وعزوتها وراها!
عمي (أبو إبراهيم) قرب عليه وبص له بذهول وسأله بصوت واطي بس مسموع للكل: “إيه ده يا إبراهيم؟ أنت كنت تعرف إن فرح جاية ورا الباب؟ هما لحقوا يجوا وراك إزاي؟”
إبراهيم وشه جاب ألوان، ولف وشه الناحية الثانية وهو بيتهرب من عيون أبوه وعيونا، وقال بنبرة متهزجة وكلها غيظ مكتوم: “لأ.. لأ طبعاً مكنتش أعرف! أنا سايبها في البيت ومتفق معاها إني راجع كمان يومين!”
أول ما الكلمة طلعت من بقه، كأنهم لقوا لنفسهم مبرر عشان يغطوا على كذبتهم الكبيرة. حماتي وإخواته وبنات خالته اتجمعوا كلهم في صف واحد كأنهم جبهة دفاع، وقربوا مننا وعلامات الاستنكار والتعالي بدأت تظهر على وشوشهم.
حماتي قربت مني، ولت بوزها وقالت بنبرة عتاب حادة وفيها هجوم: “جرى إيه يا فرح؟ إيه المنظر اللي أنتي عاملاه ده وجايبة أهلك وجاية وراه؟ هو إحنا في محكمة؟ ينفع تخرجي من بيتك وتسافري من غير إذن جوزك وتيجي تكسري فرحته وسط أهله؟ الست العاقلة متعملش كدة في جوزها وتطير وراه في كل مكان!”
أخوه ومرات أخوه كمان بدأوا يوشوشوا ويبصوا لنا بنظرات لوم، كأني أنا اللي غلطانة لأني كشفت اللعبة وطالبت بكرامتي.
في اللحظة دي، إبراهيم لما لقى أهله في ضهره وسندوه، الغضب اتملك منه بالكامل. ملامحه اتقبضت وبان عليه الضيق الحقيقي، وعروق رقبته برزت من كتر الغيظ.. ساب أهله وراحلها، مشي خطوات سريعة في اتجاهي، والغضب والشرار باينين في عيونه، كأنه رايح ينفجر في وشي عشان يداري كسرة عينه قدامهم كلهم.
أبويا وقف زي الجبل، حاطط إيده في جيبه وباصص لإبراهيم بنظرة استخفاف هزت ثقته في نفسه تماماً. سكت ثواني لحد ما الكل سكت ومبقاش مسموع غير صوت الموج، وبعدين اتكلم بنبرة صوت عالية، رخيمة، وسامعة الكل عشان يِصغّره هو وأهله كلهم في مكانهم.
بص لحماه (أبو إبراهيم) ولإبراهيم وقال ببرود قاتل: “جرى إيه يا أم إبراهيم؟ بتكلمي عن الأصول وإذن الجواز؟ الأصول دي تروحي تعلميها لابنك الأول.. لو ابنك مش عارف يصرف على بنتي وبيخليك تصرف عليه في الفسح والسفريات، فأنا كمان قادر أصرف على بنتي وعليكم كلكم مش بس عليها!”
الكل اتصدم، وعمي وبنات خالته بقوا يبصوا لبعض بكسرة عين، الكلام نزل عليهم زي الصاعقة وحط ريوسهم كله في الأرض.
لف بابا نظره لإبراهيم اللي كان وشه بيجيب ألوان من كتر الإحراج والصدمة، وكمل بابا كلامه وهو بيشاور عليه بصباعه بكل حسم: “بس أنا هصرف على بنتي بس.. لأن ابنك مش راجل! ومش بيعرف يقدر النعمة اللى فى إيده، وعايش يذلها بلقمته وخروجته وهو داير يتفسح ويهيص.”
إبراهيم بقا واقف مذهول، عينه في الأرض، ونبرة الغضب اللي كان جاي بيها ا تَبخرت تماماً وبقى شكله صغير وقليل جداً قدام أهله كلهم اللي ملقوش كلمة يردوا بيها بعد ما بابا جاب تاريخهم كله الأرض.
سحبني بابا من إيدي ورفع راسه لفوق وهو بيقول بأعلى صوته قدام الشاليهات كلها: “ومن هنا ورايح.. ابنك مالوش كلمة على بنتي! فرح من اللحظة دي مش هتعتب ذمتك، واليومين اللي كنت جاي تريح فيهم دماغك، هتقضيهم وأنت بتفكر إزاي تطلقها وتجيب لها كل حقوقها لحد عندها ورجلك فوق رقبتك!”
إخواتي الصبيان أخدوا الشنط ولفوا ضهرهم، وبابا أخدني في حضنه ومشينا، وسبنا إبراهيم واقف في وسط أهله، ملامحه منقبضة من الخزي، والكل باصص له بلوم بعد ما اتقلب السحر على الساحر وبقت ليلتهم كلهم نكد وضياع.
بعد ما فرح وأهلها مشيوا، المكان اللي كان مليان ضحك وهزار اتقلب في ثانية لمأتم. السفرية والـ “ويك إند” اللي إبراهيم كان جاي يريح فيهم دماغه اتقلبوا بنكد وضياع، والكل بقى واقف مش طايق الهدوم اللي عليه.
إبراهيم دخل الشاليه وهو مخنوق، رمى الموبايل على التربيزة بعصبية وقعد حاطط راسه بين إيديه، وشه أحمر وعروقه بارزة من كتر الخزي والإحراج اللي شافه قدام أهله وبنات خالته. حماتي دخلت وراه وهي بتندب وتلطف الجو المشحون، وقالت بغيظ:
“عاجبك المنظر ده يا إبراهيم؟ بقى حتة عيل صغيـ.. أقصد أبوها ييجي لحد هنا ويصغرنا ويقول علينا مبنصرفش؟ أنت إزاي وقفت ساكت كدة ومردتش عليه؟”
أبوه (عمي) دخل وراهم وهو متنرفز جداً وجاب آخره، خبط العصا في الأرض وقال بزعيق:
“بس بقى أنتي وهي! الكلام اللي قاله الراجل ملوش رد، والغلظة مش في الصوت العالي.. ابنك هو اللي حطنا في الموقف ده بكذبه، ولما حب يداري على خيبته صغرنا وصغر نفسه. الراجل معاه حق، كرامة بنته اتهانت ومرات أخوه سافرت العمرة وبنته اتمنعت، والنهاردة جايين في شاليه وبنات خالتك معاكم وهي قاعدة في البيت! تفتكروا أهلها هيسكتوا؟”
مرات أخوه وقفت في زاوية وهي حاسة بالذنب والكسوف بعد ما سيرتها جت في القعدة، وأخوه بدأ يحاول يهدّي الليلة ويقعدهم عشان يفكروا في مصيبة الطلاق والفضية دي.
قعدوا كلهم على التربيزة، والنكد مسيطر على المكان، وبدأوا يفكروا يحلوا المشكلة دي إزاي:
حماته (أمه): كانت شايفة إن كرامة ابنها من كرامتها، وقالت: “إحنا نسيبها كام يوم عند أهلها لحد ما تبرد، وبعدين نبعت لها كبار العيلة يصالحوها، بس بشرط متفتحش بؤها في موضوع الخروج والسفر ده تاني!”
أبوه (عمي): رفض الكلام ده تماماً وقال بحسم: “بنت الأصول دي متسابش كدة، وأبوها مش راجل سهل والنهاردة أثبت إنه بيموت في تراب بنته. يا إبراهيم، أنت الصبح هتاخدني أنا وأخوك الكبير، ونطلع على بيت حماك، مش عشان نطلق، عشان نعتذر ونصلح الغلط اللي حصل، وتتعهد قدامهم إن فرح ليها مكان في كل حتة تروحيها، وإلا الراجل ده هيخرب بيتك وياخد من وراك كل حقوقها بالقانون، وأنت عارف بنته مأمنة نفسها إزاي.”
إبراهيم: كان قاعد بيسمع والغل والندم بياكلوا فيه.. ندمان إنه استهتر بـ فرح واعتبرها “الست اللي على الرف” اللي عمرها ما هتتكلم، ومغلول من الكسرة اللي اتكسرها قدام أهله. بص لأبوه وقال بنبرة مكسورة ومخنوقة: “اللي تشوفه يا بابا.. أنا مكنتش عامل حساب إن الموضوع هيكبر كدة، وأنا مش عايز بيتي يتخرب ولا عايز أطلق.”
وفضلت الليلة كلها كلام، ومحاولات لترتيب الكلام اللي هيقولوه لأبو فرح عشان يرضوه ويرجعوا فرح لبيتها، بعد ما السفرية اتقلبت لأطول ليلة نكد عدت على العيلة كلها.
في اليوم التالي، اتقلبت حسابات إبراهيم وأهله تماماً. من النجمة، صحي إبراهيم وأبوه وأخوه الكبير، والوجوه عليها علامات قلة النوم والنكد المكتوم. ركبوا العربية واتحركوا في اتجاه الشاليه اللي نازلين فيه فرح وأهلها، والكل ساكت، مفيش حد طايق يفتح بؤه بكلمة.
وصلوا قدام الشاليه، ونزل إبراهيم وهو بيبلع ريقه بتوتر، قرب من الباب وخبط مرة واتنين وتلاتة.. ومفيش أي رد. بص من الشبابيك، لقى الأنوار كلها مطفية، والهدوء غريب. سأل حارس المكان، فـ قاله ببرود: “الناس صحيوا من بدري قوي، جهزوا نفسهم وخرجوا كلهم في عربياتهم.”
أبو إبراهيم نفخ بضيق وقعد في العربية وقال: “أهو، الراجل وبنته خرجوا يتفسحوا وعايشين حياتهم، وإحنا اللي واقفين في الشمس زي التلامذة.. مفيش مرواح، هنفضل هنا ومستنيينهم لما يرجعوا، المواجهة دي لازم تخلص النهاردة.”
وفعلاً، بدأوا أطول وأسوأ يوم مراقبة في حياتهم:
فترة الضهر: الشمس كانت حامية، وإبراهيم قاعد في العربية وعينه مش بتفارق بوابة الشاليه، كل ما يشوف عربية جاية من بعيد قلبه يدق ويقول “هما”، وتطلع مش هما. الغل والندم كانوا بياكلوه وهو شايف نفسه مستني على الرصيف بعد ما كان فاكر إنه سايب فرح على الرف.
فترة العصر: الملل والخناق بدأ يشتغل بين إبراهيم وأخوه، والوقت مكنش راضي يعدي، وكل شوية إبراهيم يمسك الموبايل يحاول يتصل بـ فرح، يلاقيه مقفول، يتصل بـ حماته، تكنسل عليه.. عرف إنهم ممسوحين من حسابات العيلة تماماً في اليوم ده.
وفضلوا على الحال ده لحد ما الشمس غابت، والدنيا ليلت، وبقت الساعة داخلة على عشرة بليل.
وفجأة، ظهرت من بعيد إضاءة عربيات أهل فرح وهي داخلة في الممر. نزلوا كلهم من العربيات، وصوت ضحكهم وهزارهم كان مسمع المكان.. فرح كانت شايلة أكياس ومبسوطة، ومظهر القهر والدموع اللي كانت في عينها امبارح اتمسح تماماً، وحواليها أبوها وإخواتها الصبيان بيضحكوا معاها وكأنهم راجعين من أكبر خروجة وفسحة في حياتهم.
إبراهيم أول ما شاف المنظر ده، دمـه حرقـه، بس أبوه مسكه من إيده بقوة وقال له بحسم: “إياك تتهور.. ابلع ريقك وامشي ورايا من سكات.” ونزلوا كلهم من العربية واتحركوا في اتجاههم بليل عشان تبدأ مواجهة تانية خالص.
أبويا وقف في مكانه أول ما شافهم قربوا، وبص لهم من فوق لتحت ببرود تام، ملامحه مكنش عليها أي مفاجأة كأنه كان متوقع وجودهم. إبراهيم قدم خطوة ووشه خاطف، وحاول يتكلم ويقول: “يا عمي.. إحنا جايين من الصبح ومستنيينكم عشان…”
لكن بابا قطعه بإشارة حازمة من إيده، وقال بنبرة صوت ناشفة ومفهاش أي مجال للنقاش: “إحنا لسه راجعين من بره، وجايين تعبانين ومش طايقين حتى الهدوم اللي علينا.. ومفيش كلام هيتقال في وقت زي ده. اتفضلوا امشوا دلوقتي.”
في اللحظة دي، إبراهيم نقل عينه عليا ومستني مني أي رد فعل، مستني فرح القديمة اللي كانت بتضعف قدام نظرة عينه أو تبريراته. بس أنا اتجهلته تماماً، وبصيت الناحية التانية كأنه هوا مش واقف قدامي. سحبت شنط الخروج والأكياس اللي في إيدي، ومشيت بخطوات ثابتة وواسعة، وعديت من جنبه ودخلت باب الشاليه من غير ما أرمي عليه حتى نظرة عتاب واحدة.
الحركة دي خلّت الدم يغلي في عروق إبراهيم. إبراهيم اتغاظ غيظ مش طبيعي، ووشه احمر وعينه بدأت تطق شرار.. حس إن كرامته اتهانت في الأرض لما اِتْجَاهل تماماً قدام أبوه وأخوه الكبير، وبقى دمه بيحرقـه وهو شايف الست اللي كان حاططها على الرف، بقت هي اللي بتبص له من فوق وبتقفل الباب في وشه.
أول ما باب الشاليه اتقفل في وشهم، إبراهيم لف وشه بغضب وكان هيزعق ويدخل وراهم، بس أبوه (عمي) مسكه من دراعه بقوة وضغط عليه، وسحبه لورا وهو بيهديه وبيكتم عصبيته.
عمي بص لإبراهيم بنظرة كلها لوم وأسف، وقال له بصوت واطي ومخنوق وهو بيهز راسه: “أقعد مكانك و اهدى.. الغلط منك أنت من الأول والآخر! أنت اللي رخصت بنوت الناس لحد ما مابقتش مالي عينيها. الست لما بتشيل من قلبها وبتتجاهل بالمنظر ده، بيبقى الراجل هو اللي صغّر نفسه في نظرها بكذبه وبخله عليها.. ابلع ريقك وامشي قدامي من سكات، والصبح ربك يحلها.”
وفضلوا على الحال ده طول فترة السفر؛ إبراهيم وأبوه في شاليههم والنكد واكل قلوبهم، وأبويا وإخواتي واخديني في حضنهم وبنخرج ونتفسح، وكل ما إبراهيم يحاول يلمحني أو يقرب، بيلاقي حيطة سد من إخواتي الصبيان ونظرات تجاهل مني بتدبحه وتزيد غيظه.
انتهت السفرية السخيفة دي، ورجع الكل على بيته. إبراهيم رجع شقته الفاضية اللي مبقاش فيها غير صدى صوته وكذب سِنينه، وأنا رجعت معززة مكرمة في بيت أبويا وسط لمتنا.
بعد يومين بالظبط من الرجوع، أبويا قرر ينهي المأساة دي. اتصل بأبو إبراهيم وقاله بلهجة حاسمة مفيهاش فصال: “هات ابنك وتعالوا على البيت عندي الليلة، عشان نقفل الصفحة دي وميبقاش في حبال دايبة.”
جاء إبراهيم وأبوه، وأول ما دخلوا الصالون، كان باين على إبراهيم اللهفة والخوف من الفراق، وشه كان دبلان وعينه بتقدم ألف اعتذار. قعدوا، وأبويا ناداني وقعدت جنبه، حاطة عيني في عين إبراهيم بكل قوة، مفيش في قلبي ذرة ضعف واحدة من فرح القديمة.
أبويا بدأ الكلام ومن غير مقدمات، بص لإبراهيم وقاله: “يا إبراهيم، قعدة النهاردة دي مش قعدة صلح ولا عتاب.. القعدة دي عشان تطلق فرح بالمعروف، وتدّيها كل حقوقها من غير محاكم وشوشرة.”
الكلمة نزلت على إبراهيم كأنها صاعقة. وقف مكانه وبدأ يتكلم بنبرة كلها رجاء ومحايلة، وبص لأبويا وقاله: “يا عمي أرجوك، أنا شاري فرح ومقدرش أستغنى عنها، دي أم عيالي وشريكة عمري. أنا غلطت وأنا معترف، والمرة الجاية هفسحها وهوديها كل مكان، بس بلاش طلاق.. اطلب أي شروط وأنا موافق!”
أبو إبراهيم (عمي) تدخل في الكلام وبدأ يحايل أبويا ويقول: “يا حاج، عشان خاطري أنا.. إحنا أهل، والصلح خير، والواد ندمان وجاي لحد بيتك وشاريك ومستعد يكتب على نفسه شروط وتعهدات، بلاش نخرب البيت عشان خروجة وسفرية.”
إبراهيم بقا يبص لي وعينه مليانة دموع ورجاء ويقول: “عشان خاطري يا فرح.. سامحيني المرة دي، أنا اتعلمت الدرس والله العظيم، وعرفت قيمتك.”
لكن كل المحايلات دي كانت بتخبط في صخر. أبويا بص لأبو إبراهيم وبص لإبراهيم وقال بكل حسم وثقة تنهي الموضوع: “شروط إيه وتعهدات إيه اللي بتكلمني عنها؟ أنا إزاي آمن على بنتي، حتة من قلبي، لواحد بيستخسر يبسطها ويفسحها؟ واحد بيعيشها في كذبة “الميزانية مخرمة” عشان يقعدها على الرف، ويروح بفلوسه يفسح الغريب عنه ويبسط أهله ومرات أخوه وبنات خالته؟”
أبويا كمل كلامه وهو بيطبطب على إيدي: “الراجل اللي يستخسر في مراته اللقمة الحلوة والفسحة والضحكة، ميتأمنش عليها.. بنتي مش تحفة مركونة عشان لما يجيلك مزاج تفسحها لوحدها بعد ما تشبع من الغريب تفتكرها! بنتي كرامتها من كرامتي، وطالما هانت عندك، يبقى مكانها مش عندك.”
إبراهيم حاول يتكلم معايا تاني ويقول: “يا فرح قولي كلمة.. أنتي قلبك طيب وبتعدي.”
رديت عليه بنبرة هادية بس حاسمة هزت كيانه: “الطيب صفا يا إبراهيم.. والشرخ اللي عملته بـ كذبك وصورة العمرة وبخل مشاعرك وخروجك وسيبانك ليا في البيت مبقاش ينفع يتصلح. أنا مش هرجع الست اللي على الرف تاني بمزاجك.. اطلقني يا إبراهيم بالمعروف، لأن الصلح بقا أبعد من النجوم.”
أبويا وقف وأنهى القعدة وهو بيقول لعمي: “الموضوع منتهي يا أبو إبراهيم.. المأذون هيكون هنا الأسبوع الجاي، وابنك يطلق بالمعروف ويخرج بالتي هي أحسن، وإلا المحاكم هي اللي هتحكم بيننا.”
بعد الأسبوع ده، تم الطلاق بهدوء وفي صمت، وكل واحد فينا مشي في طريق وشاف حياته.
أنا “فرح” قفلت الصفحة دي تماماً، ورفضت ألتفت ورايا ولو للحظة. ركزت في نفسي وفي ولادي وفي شغلي، وبدأت حياتي تزهر من جديد؛ رجعتلي ضحكتي اللي كانت غايبة، وكرامتي اللي كانت مهدرة فوق الرف رجعتلي وأنا وسط أهلي وعزوتي اللي عرفوا قيمتي وصانوني. بقيت بخرج واتفسح وأعيش حياتي وأبسط ولادي من غير ما أسمع كلمة “الميزانية مخرمة” أو أحس إني عبء على حد.
أما إبراهيم.. فكانت قصته تانية خالص.
بعد ما اطلقنا، طبعاً مبقاش فيه “فرح” اللي بتدبر وتوفر، وتستحمل وتقيد صوابعها العشرة شمع عشان المركب تمشي بالقرشين اللي معاها. أهله افتكروا إن فضيان البيت ليه هيخليه ليهم لوحدهم ولفلوسه، وبدأ الفصل الحقيقي من الاستغلال.
حماتي وإخواته وبنات خالته ملقوش حد يصد عنهم، فـ بقوا هما اللي سايقين حياته ومحفظته:
السفريات والخروجات: بقت تزيد ومبتخلصش، وكل أسبوع “ويك إند” في مكان شكل، وطبعاً إبراهيم هو اللي بيدفع “الشرط والشرط الحساب” لأنهم عودوه إن هو الراجل اللي بيصرف على العيلة عشان يثبت نفسه قدامهم.
الطلبات والمصاريف: مرات أخوه وبنات خالته بقوا يطلبوا طلبات مبتنتهيش؛ دي عايزه تشتري لبس براند، ودي عايزه تروح كافيه غالي، وأمه دايماً تزن على ودنه: “أنت مالكش غيرنا يا حبيبي، لازم تبسطنا وتصرف علينا، إحنا أهلك وسندك.”
إبراهيم كان بيصرف بغباء وبدون حساب، بس عشان يداري على كسرة عينه وصغرته اللي حساها قدامهم بعد يوم الشاليه، وعشان يثبت لنفسه وليهم إنه “راجل وبيصرف” زي ما أبويا اتهمه.
مرت الشهور، والبلونة اللي كان عايش فيها فرقعت! المصاريف زادت عن طاقته، والديون بدأت تتراكم عليه من كل حتة، وشغله مكنش مغطي طلبات أهله اللي مبيشبعوش. في الموقف ده، لما إبراهيم بدأ يشتكي ويقول: “مش معايا.. الميزانية مخرمة بجد المرة دي”، ملقاش الست الطيبة اللي كانت بتطبطب عليه وتقوله “الحمد لله مستورة” وتشيل معاه.
بالعكس، أول ما فلوسه خلصت وفلس تماماً ومبقاش معاه مليم، أهله بدأوا يتهربوا منه! الخروجات بقت تتعمل من غيره، وبنات خالته مابقوش يتصلوا بيه، وحماتي بقت تقوله: “يا بني أنت مش عارف تدبر حالك ليه؟ ضيعت فلوسك في إيه؟”
وقف إبراهيم في النهاية بطولـه، مفلس، مديون، والندم بياكل قلبه وهو شايف أهله سابوه لما مصلحتهم خلصت، واكتشف بعد فوات الأوان إنه ضيع الست الأصيلة اللي كانت شيلّاه في عيونها وفي قلبها، عشان يفسح ويزهزه للغريب اللي سابه أول ما جيبه فِضي!


تعليقات
إرسال تعليق